سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحد ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء بعده" (1) ويقصد الإِمام الشافعي بقوله إنفاذ أمره ما يشمل العلم والعمل، يدل على ذلك ما أشار إليه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الملوك يبلغونهم التوحيد وهم آحاد.
وفي هذا دلالة على أن الذين يفرقون بين العلم والعمل فيقولون خبر الواحد يثبت العمل ولا يثبت العلم يقعون في تناقض عجيب وهم لا يشعرون ذلك أن هذا الحديث -على سبيل المثال- تقوم به الحجة على أهل الكتاب من أهل اليمن، وهو مشتمل على الشهادتين وعلى فريضتين من فرائض الدين فإمّا يفيدنا العلم بما اشتمل عليه أو لا يفيدنا، فإن قالوا أفادنا العلم كفينا القول بالتفريق بين العلم والعمل، وإن قالوا لا يفيدهما فقد نفوا ما هو معلوم من إقامة الحجة على أهل الكتاب من أهل اليمن بخبر معاذ، وإن فرقوا فقالوا: لا يفيد العلم بالشهادتين -لأنها عقيدة- ويوجب العمل بالفريضتين تناقضوا واتبعوا مقالة لا نوافقهم عليها البتة ذلك أنه حديث واحد ثبت به مجموع الشهادتين والفريضتين وهما علم وعمل (2)، ولا سبيل إلى التفريق بين هذا المجموع لا بشرع ولا عقل.
وبهذا نقطع بأن كل خبر عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تقوم به الحجة، ومجموع ذلك هو "الشريعة" لا فرق بين ما يسمونه اعتقادًا وما يسمون عملًا، قال الإِمام الشافعي في الرسالة: "الحجة في تثبيت خبر الواحد" وذكر أدلة كثيرة منها ما نحن بصدد الحديث عنه فقال: "وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن--------------------------------------------
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 241 وانظر الرسالة مسألة رقم 1151 وما بعدها.
(2) وهذا الذي ذكرته هنا تنزل على مذهب الخصم، وإلا فقد أبنت سابقًا عن حقيقة الأحكام العملية أنها لا بد أن تكون علمية إذ العمل فرع عن العلم والاعتقاد كما صرح بذلك ابن القيم رحمه الله، انظر ما سبق ص 160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
يقاتل من أطاعه من عصاه (1)، ويعلمهم ما فرض الله عليهم، ويأخذ منهم ما وجب عليهم لمعرفتهم بمعاذ ومكانه منهم وصدقه.
وكل من ولّي فقد أمره بأخذ ما أوجب الله على من ولاه عليه، ولم يكن لأحد عندنا في أحد ممن قدم عليه من أهل الصدق أن يقول: أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يذكر أنه علينا، ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي التي بعثهم اليها بالصدق: إلا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه إليه …
وبعث في دهر واحد اثني عشر رسولًا إلى إثني عشر ملكًا يدعوهم إلى الإِسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها .. " (2).
وقال: "وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث اليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله" (3).
وهذه أخبار آحاد كما ترى قامت بها الحجة لا فرق بين ما هو من الأصول وما هو من الفروع.
ومذهب الشافعي هذا لا يعلم له مخالف من السلف، وعليه الإِمام أحمد رحمه الله، قال أبو بكر الخلال في كتاب "السنة": "أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى "أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" (4) و"أن الله يُري" (5) و"أن الله يضع--------------------------------------------
(1) قال الأستاذ أحمد محمد شاكر هكذا في الأصل وهو صحيح "من أطاعه" فاعل "يقاتل" و"من عصاه" مفعول. الرسالة هامش المسألة رقم 1140.
(2) الرسالة المسائل رقم 1140 - 1141 - 1144، 1148.
(3) الرسالة مسألة رقم 1130.
(4) الحديث من رواية أبي هريرة كما في البخاري - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل 3/ 29، فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
(5) المصدر نفسه - باب قول الله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" 13/ 419 - 424.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
قدمه" (1) وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى -أي لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل، فنقول معناها كذا (2)، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ماجاء به الرسول حق إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله … " (3).
وهذا النص يدل على عقيدة الإِمام أحمد في وجوب اعتقاد موجب خبر الأحاد وأن رد ذلك وعدم قبوله هو رد لقول الله سبحانه.--------------------------------------------
(1) قطعة من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يزال يُلْقى فيها وتقول: "هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض … " المصدر نفسه - كتاب التوحيد 13/ 369.
(2) قصده رحمه الله: أن معناها معلوم، ولا يقول السلف كيف، ولا يحرفونها عن معناها إلى معنى آخر.
(3) درء تعارض العقل والنقل 2/ 30 - 31، وألاحظ هنا أن شيخ الإِسلام لم يشر إلى الرواية الأخرى التي تقول أن الإِمام أحمد رحمه الله لا يرى إفادة أخبار الأحاد العلم، وسند هذه الرواية -والله أعلم- أن أحمد قال بأن أحاديث النزول تفيد العلم لأنها ثبتت من طرق كثيرة فهي في حكم المتواتر.
وهذه وحدها لا تكفي في تقرير رواية تؤخذ عنه لأن المجتهد قد يجمع بين الأدلة ويصرح بأنها تفيد العلم -على مذهب الخصم- تقريرًا للحجة عليه وقطعًا للنزاع. وهي تفيده عنده أحادًا .. كما أن الحجة قامت برسول أو رسولين كما في سورة يس، ثم نصرهم الله بثالث لا لأن الأولين لا تقوم بهما الحجة وإنما زيادة تأكيد وإعذار، انظر الآيات من سورة يس: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} 13 - 14، والمعول عليه بعد ذلك هو ما نقل عنه من النص على عقيدته من مثل قوله -وقد سبق في المتن- ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كان بأسانيد صحاح .. ".
وقد أثبت الأستاذ عبد الوهاب الشنقيطي في رسالته خبر الواحد وحجيته رسالة ماجستير رقم 58 بجامعة أم القرى، أن القاضي في الكفاية نصر رواية أحمد هذه وعليها جماعة من أصحابه وهو قول جمهور الحديث وجمهور أهل الظاهر، ونقله ابن القيم عن مالك والشافعي وأصحابه وأبي حنيفة وداود وأصحابه ونقله ابن خويز منداد عن مالك. انظر 129. وانظر المسودة في أصول الفقه لآل تيمية تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 240، 242، 243 - 244.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الفرع الثالث
ذكر روايتي البخاري عن البراء وأنس رضي الله عنهما -
روى البخاري بسنده "عن البراء، قال: لما قدم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أوسبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} فوجه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال هو يشهد أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر" (1).
فصلاة هؤلاء القوم إلى بيت المقدس ثبتت بعلم استمر تطبيقه والعمل به هذه المدة المذكورة في الحديث، ثم جاءهم من العلم ما أوجب لهم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وُجه إلى الكعبة، وهذا مقتضاه أن الأدلة الشرعية تفيد العلم، وهذا قبل نشوء مسلك أهل الأهواء الذين قالوا أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، ولا يثبت به العلم، قال الإِمام الشافعي: "وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها" (2) ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلّا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا لِيُحْدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلّا عن علم بأن لهم أحداثه" (3).
روى البخاري بسنده: "عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "كنت أسقي أبا طلحة الأنصاري وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وهو تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حُرّمت، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها قال أنس فقمت إلى مهراس لنا فضربتها--------------------------------------------
(1) الرسالة مسألة 14 - 11.
(2) الرسالة مسألة رقم 1114.
(3) المصدر السابق رقم 1116 - 1117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
بأسفله حتى انكسرت" (1). فترك هؤلاء الصحابة الخمر بخبر واحد، مع أنها كانت حلالًا لهم بيقين فترة طويلة من الزمن ولم يقل: "ولا واحد منهم نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة" (2) ولم يقولوا كيف نزيد على القرآن بخبر الواحد، كما أنهم لم يقولوا في تحولهم إلى الكعبة كيف نترك قبلتنا التي نصلي إليها هذه المدة الطويلة ونتبع هذه القبلة الجديدة بخبر واحد، لم يقولوا هذا ولا ذاك.
وقد استمرت هذه العقيدة وهي اتباع ما ثبت من الوحي في جميع أمور الدين، وتمسّك بها التابعون وأئمة السلف لا يغيرون فيها شيئًا أسوة بالجيل القدوة جيل الصحابة - رضوان الله عليهم -، وسنذكر بمشيئة الله اتفاقهم كما نقله العلماء الثقات على ما بيناه وبالله التوفيق.
المطلب الرابع
ذكر اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك كما نقله الثقات من أهل العلم
سنذكر في هذا المطلب ما يدل على أن الصحابة والتابعين على تلك العقيدة ولا يعلم منهم مخالف لذلك، قال الإِمام الشافعي: "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته: جاز لي.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 13/ 232.
(2) الرسالة رقم 1122، وهذا الذي قاله الإِمام الشافعي هو من السمات التي برزت في الجيل الأول وهي جدية الأخذ من الكتاب والسنة حتى وهم في حال الركوع أو في حال الشراب لا يتأخرون لحظة ولا يقدّمون عقولهم على أحكامهما ولا يتفلسفون على نصوصها، ومقاصدها كما صنعت الفرق ومن تأثر بهم من الأجيال المتأخرة فيضعون بين قلوبهم وبين مضمون النص حجبًا مكثفة من الشروط المحدثة حتى إذا وصل مضمونه إلى القلوب وصل اليها وهي فاترة متقلبة بين شتى الظنون والاحتمالات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفت من أن ذلك موجودًا على كلهم" (1).
وسنعضد كلام الإِمام الشافعي بأكثر من طريق من ذلك:
الأول: ما قاله أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب (2) وهو يتحدث عن حجية أخبار الرسول وأنها تفيد العلم.
قال: " .. وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن خواسنا وصفات فعله وصار خيره عليه السلام عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه وطريقًا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام" (3).
"فأخذ سلفنا رحمة الله عليهم ومن تبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم (4) بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفتها منها، والعدول عن كل ما خالفها" (5). "فلما--------------------------------------------
(1) الرسالة مسألة رقم 1248 - 1249، هكذا في الأصل "موجودًا على كلهم" والمعنى موجود عندهم.
(2) سأعتمد على النسخة التي تضمن كتاب درء تعارض العقل والنقل نصوصًا. منها، وذلك لأنها حتى الآن تعتبر أوثق النسخ وأحسنها تحقيقًا، فهي نسخة محققة على خمس نسخ للجزء السابع من الكتاب المذكور، مقابلة جميع هذه النسخ على نسخة مصورة بمعهد المخطوطات وأخرى بمكتبة "روان كشك" باستانبول، وعلى النسخة المطبوعة، فهي رسالة محققة على ثمان نسخ قام بذلك الدكتور عمد رشاد سالم رحمه الله، انظر هامش كتاب درء تعارض العقل والنقل 7/ 186.
(3) الدرء 7/ 209 وهؤلاء هم القائلون بأن الأدلة النقلية لا تفيد العلم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
(4) أي العلم بأنهم مخلوقون وأن لهم خالق هو الله سبحانه وتعالى.
(5) المصدر السابق 7/ 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
كان هذا واجبًا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتياط في عدالة الرواة واجبًا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين، ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - حرصًا على معرفة الحق من وجهه وطلبًا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به ويفارقوا بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك، ولما كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم طريقًا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره عليه السلام في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله تعالى ستره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قَدْ أُهّل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام، والمبلغين عنه، كما حفظ كتابه حتى لا يطيق أحد من أهل الزيف على تحريك حرف ساكن فيه أو تسكين حرف متحرك إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه ووقوع التبليغ لما أتي به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده (1) واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ظهر ذلك بينهم، وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبده بعد النبي عليه السلام بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله لجميعهم طرق الدين وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين ودل على ذلك بقوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (2).--------------------------------------------
(1) قارن مع ما ذكرته من نصوص أهل العلم في معنى الحفظ وقد سبق ص 120 - 121 تجد كلامهم يؤكد بعضه بعضًا ويخرج من مشكاة واحدة.
(2) المائدة: آية 3 الدرء 7/ 213 - 214 - 215.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ويفيدنا هذا النص الثمين مايلي:
1 - أن دلالة الأخبار تفيد العلم وهي أوضح مما يزعمه أهل البدع من أن المفيد للعلم هو النظر العقلي أما السمعيات فلا.
2 - أن هذا هو مذهب السلف ومن تبعهم من الخلف، ولذلك كانوا يحرصون على طلب الحديث، لأن هذه الأخبار هي التي تفيد اليقين في الاعتقاد وتثلج بها الصدور.
3 - أن أخباره محفوظة كما أن القرآن محفوظ، وما كان من الأخبار ليس بصحيح النسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يجهله العلماء بل لا بد أن ينكشف زيفه.
4 - إنه بهذا -أي بدلالة الأخبار التي صحت نسبتها- تقوم الحجة على الناس إلى يوم القيامة في جميع أمور دينهم لا فرق بين العقيدة وغيرها، وأن ذلك يغنيهم عن غيرها من البراهين.
الثاني: ما قاله ابن عساكر:
قال ابن عساكر (1): "عن مسلك أهل الأهواء ومنهج أهل السنة وهو يشرح قول الإِمام الشافعي: قال: "وإنما يعني -والله أعلم- بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح، كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة وجعلوا معولهم عقولهم وأخذوا في تسوية الكتاب عليها، وحين حُملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقص أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالًا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل (2).--------------------------------------------
(1) هو أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله، وشهرته ابن عساكر (توفي 571 هـ). انظر شذرات الذهب 4/ 239 - 240، ومقدمة كتاب تبيين كذب المفتري - الناشر دار الكتاب العربي طبعة 1399 هـ.
(2) تبيين كذب المفتري 345 وانظر الدرء 7/ 252 - 253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
وهذا النص يؤكد الذي قبله من أن مذهب أهل السنة أن الشريعة كتابًا وسنة تفيد العلم ولذلك بنوا أصولهم في الاعتقاد عليها متبعين في ذلك خبر الكتاب وخبر الرسول.
الثالث: ما قال الإِمام ابن تيمية - جوابًا عن سؤال وجه إليه عن أخبار الآحاد (1) - قال:
"وما زال العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم رضي الله عنهم أجمعين في خطابهم وكتابهم يحتجون بها في موارد الخلاف وغيره، بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب وقد تقدم التنبيه على رجحان قول من يعمل بها في الحكم واعتقاد الوعيد، وأنه قول الجمهور وعلى هذا فلا يقبل سؤال يخالف الجماعة" (2).
ويقصد بالجماعة جماعة الصحابة والتابعين، وتبعهم على ذلك جمهور العلماء، ومثله قول تلميذه الإِمام ابن القيم وقد نقلته عنه سابقًا، فها هنا إذن مرحلتان: الأولى ذكر اتفاق جماعة الصحابة والتابعين وهي القاعدة التي نبني عليها وقد توطدت أركانها بهذه النقول (3)، والمرحلة الثانية: اتباع جمهور العلماء لهم. ومن خلال مجموعة هذه النقول عن الأئمة الثقات العارفين بأصول العلم وفروعه المتثبتين في نقل الأخبار الغيورين على عقيدة الإِسلام، وبعد ذكر الأدلة من القرآن الكريم والسنة وعرض التطبيقات التي تدل على عقيدة الصحابة أستطيع أن أقول أن الشريعة الإِسلامية - وهي عبارة عن نصوص--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى الكبرى 20/ 286.
(2) مجموع الفتاوى الكبرى 20/ 286.
(3) انظر ما سبق ص 158 حيث نقل ابن القيم الإِجماع عن الصحابة والتابعين وسنؤكد ذلك عند الحديث عن نشأة القول بالظنية، وأنها صنيعة أهل الأهواء، وخلافهم كما هو معلوم غير معتبر، وقد خدعوا بشبههم بعض أهل السنة فجعلوهم يرددون مقالتهم، ولكن الجمهور كما نقلنا عن ابن تيمية آنفًا متبع لمذهب الصحابة والتابعين، وسنذكر أهم الشبه التي أدت إلى الانخداع بمقالة أهل الأهواء ونجيب عنها إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
الكتاب والسنة - حجة على الخلق تثبت بها العقيدة كما تثبت بها الأحكام ابتداء أو تخصيصًا للعام .. كما يزاد بالسنة على ما في القرآن، كما قد مضت الإشارة اليه، وأن هذه هي عقيدة الجيل الأول جيل القدوة الذي هو خير القرون، ومن ئم فهي الفهم الصحيح لمنهج الاستدلال في الإِسلام، وما زال الحال على ذلك حتى بزغت الأهواء والبدع، وانتشرت المسالك المخالفة في الاستدلال، وقبل أن نتحدث عنها .. نذكر أهم أوصاف الشريعة.
المطلب الخامس
ذكر أوصاف الشريعة
الفرع الأول
أوصاف الشريعة كما بينها الشاطبي
يحدثنا الإِمام الأصولي أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة التاسعة عن حقيقة العلم وهو القسم الأول فيقول: "القسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب واليه تنتهي مقاصد الراسخين وذلك ما كان قطعيًا أو راجعًا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1).
لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات وما هو مكمل ومتمم لأطرافها وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها وسائر الفروع مستندة إليها فلا إشكال في أنها علم أصل راسخ الأساس ثابت الأركان (2).--------------------------------------------
(1) سورة الحجر: آية 9.
(2) 1/ 40 - 41 الموافقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
وهذه طريقة جيدة في إثبات قطعية الشريعة ذكرها الشاطبي في أكثر من موضع، هذا أولها، وعرضها في الجزء الثالث، حيث قسم ما تشمله الشريعة إلى قسمين أصليين: الأول: أن يكون قطعيًا، والثاني أن يكون ظنيًا ويرجع إلى أصل قطعي ومثل له بحديث "لا ضرر ولا ضرار" (1) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فالضرر مبثوث منعه في الشريعة، وإذا اعتبرت أخبار الأحاد وجدتها كذلك، وهذا خلاف مقصد بعض الأصوليين حيث أقاموا الدليل القطعي على وجوب العمل بخبر الواحد، ومقصود الشاطبي أخص من مقصودهم إذ أنه يقرر أن الشريعة المباركة منها ما هو قطعي ومنها ما هو راجع إلى قطعي فهي قطعية على جمل حال، لأنها إن رجعت إلى قطعي فظاهر كونها قطعية وإن رجعت إلى ظني فإما أن يرجع الظن إلى قطعي أو إلى ظني، فإن رجع إلى قطعي فذاك، وإن لم يرجع إلى قطعي رجع إلى ظني أيضًا، وهذا إن رجع إلى قطعي فبها ونعمت وإن رجع إلى ظني وتسلسل فقد رجع إلى مطلق الظن وما هو حينئذ من الشريعة فمآل الأدلة إذن إلى القطعية (2). والعلم بالشريعة "مستفاد من الاستقراء العام الناظم لأشتات أفرادها حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مطردة عامة ثابتة غير زائلة ولا متبدلة وحاكمة غير محكوم عليها … " (3) ثم يعرض الإِمام الشاطبي هذه الخواص الثلاث وهي:
الخاصية الأولى - العموم والاطراد: بحيث لا يتصور الإِنسان حركة ولا سكونًا إلا والشريعة عليه حاكمة، وقد بينا ذلك فيما سبق بما فيه الكفاية (4).
ولا يقال: إن في الشريعة أحكامًا خاصة مثل ضرب الدية على العاقلة (5)--------------------------------------------
(1) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي، المستدرك 2/ 57.
(2) 3/ 9 - 10.
(3) المصدر السابق 1/ 41.
(4) انظر فصل الشمول ص 133.
(5) انظر معناها فيما سبق ص 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
والصاع في المصراة (1) وأشباه ذلك، لأن هذه الأحكام راجعة إلى حفظ الأصول الحاجية أو التحسينية أو التكميلية فما يُظن خاصًا في ظاهر الأمر هو في حقيقته عام (2) لأن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل هذا معنى كونها عامة، أي جاءت بأحكام تشمل جميع تصرفات المكلفين، ولا يعكر على هذا العموم أن ورد فيها بعض الأحكام الخاصة، لأنّ هذه الأحكام جاءت لحفظ الحاجيات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
وكل ما سبقت الإشارة إليه من الأمثلة إنما جاء ليخدم الضروري الذي هو الأصل، فالشريعة إذا ترجع إلى حفظ مقاصد الخلق (3) وهذا معنى شمولها كما يقول الإِمام الشاطبي: "فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعى إلا والشريعة عليه حاكمة أفرادًا وتركيبًا وهذا معنى كونها عامة" (4) فتصرفات الخلق وأحوال المجتمعات والجماعات إما أن تدخل تحت الضروريات أو الحاجيات والتحسينات، والشريعة جاءت بحفظ هذه المقاصد جميعًا.
الخاصية الثانية - الثبوت من غير زوال: "فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا ولا تخصيصًا لعمومها ولا تقييدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها--------------------------------------------
(1) المصراة هي الدابة إذا تركت حلبها، ويقال في ذلك صريتها تصرية - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 401. وفي البخاري من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا الإِبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر" انظر الفتح 4/ 361.
(2) الموافقات 1/ 41.
(3) المصدر السابق 2/ 4 - 5 - 6.
(4) المصدر السابق 1/ 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (1) وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي في غاية الإِحكام.
الخاصية الثالثة - كونها حاكمة غير محكوم عليها: ومعنى ذلك أن الله أنزل هذه الشريعة لتحكم الناس جميعًا لا فرق بين كبير وصغير ولا تابع ومتبوع وفي جميع شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وعليهم أن يخضعوا لأحكامها بقلوبهم وعقولهم وجوارحهم (2)، وقد ذكرت قول الإِمام الشاطبي في التمهيد كما ذكرت أقوال أئمة السلف رحمهم الله جميعًا، وفي هذا الموضع يتبين لنا بعد أن عرضت مذهب الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم مستدلين بالواقع العملي للنبي القدوة صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الوحي على أن هذه الشريعة جاءت لتكون هي الحجة على الخلق في الاعتقاد وسائر الأحكام، وأن الأدلة النقلية الثابتة تقوى على إقامة هذه الحجة على ما بيناه فيما سبق، وأجيب عن اعتراض يمكن يرد على ذهن القارئ ونحتاج إلى الجواب عنه في هذا الموضع ثم نجيب عن الاعتراضات الأخرى عند - عرض مسلك المضعفين للأدلة النقلية - إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني
اعتراض وجوابه
حاصل هذا الاعتراض أن من الأدلة الثابتة في هذه الشريعة ما يتردد المجتهد في معرفة دلالته، إما لكون اللفظ مشتركًا أو لأسباب أخرى وهذا يعكر على القول بأن الأدلة النقلية تفيد الحجة وتقوى على إثبات أمور الدين عقيدة وأحكامًا.
والجواب من أربعة أوجه:
الأول: أن ما كان ظني الدلالة مستند ولا بد إلى قطعي فمآله إلى القطعية فالشريعة قطعية وذلك هو تقرير الإِمام الشاطبي.--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 1/ 41.
(2) انظر الموافقات 1/ 41 - 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الثاني: أن الشريعة في نفسها تفيد العلم بصرف النظر عن إدراك المجتهد لذلك أو تردده فيه، كما نقول عنها أنها ثابتة ومعصومة من أن يضيع من أحكامها شيء أو يفوت، ولا يلزم من ذلك أن يعلم المجتهد جميع نصوصها (1).
الثالث: أنا لو سلمنا أن الشارع وضع بعض نصوصه محتملة لمعاني متعددة لمصلحة العباد (2) وذلك يقتضي تردد المجتهد في تعيين المقصود منها وهذا ينافي القول بأن الشريعة تفيد العلم.
فالجواب أن ذلك لا ينافي إفادة الشريعة العلم تمامًا كما نقول أن "الشريعة محكمة" مع أن "المتشابه" موجود فيها، فكما لا يمنع وجود المتشابه إطلاق لفظ "الإِحكام" على الشريعة فكذلك لا يمنع وجود الظواهر المحتملة القول بأن "الشريعة تفيد العلم".
وسواء قلت أن الشريعة قطعية كما قال الشاطبي، أو قلت أنها تفيد العلم -بالشرط المذكور- كما قال أئمة السلف، سواء قلت هذا أو ذاك، فإن الذي أقصد إلى تقريره في هذا المبحث قد اتضح -والحمد لله- ألا وهو قوة الأدلة النقلية على إثبات الحجة على الخلق في العقيدة وسائر الأحكام، وبهذا نستفيد من نصوص الشريعة كتابًا وسنة دون أن نفرق بينها أو نضعف نوعًا منها، وهذا من أهم قواعد الثبات والشمول، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الحديث عن طرق الاجتهاد إن شاء الله.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 70 - 71.
(2) كان يقال أن النص يشتمل على معان كثيرة تحكم على أحوال وأوضاع كثيرة بحيث يجد المجتهد حكمًا لكل حال ووضع من خلال هذا النص، وقد تقدم الجواب عنه بالطريقة السابقة، وهناك طريقة أخرى وهي أن كثرة تلك المعاني تصير بعد الاجتهاد إلى معنى واحد يعلمه المجتهد فمآل الأمر في النهاية إلى أنه يقطع بتحديد معنى واحد فيعلمه، وهذا يؤكد أن الشريعة تفيد العلم في نفسها وعند المجتهد أيضًا، والعلم كما سبق وأن بينا يشمل اليقين واعتقاد الرجحان، فسواء علمه علم يقين أو علمه علم رجحان، كل ذلك يشمله اسم العلم على أن غيره يمكن أن يدركه على سبيل اليقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
المبحث الثاني
نشأة القول بتضعيف الأدلة النقلية
توطئة:
إن تحديد نشأة هذه المقالة ضرورة علمية ذلك لما قد تبين أن من الحق الذي لا ريب فيه كون الأدلة النقلية تفيد العلم، وعلى ذلك اتفاق السلف من الصحابة والتابعين، فمن أين إذًا جاءت تلك المقالة.
أمر آخر ضروري جدًا ذلك أن معالجة هذه المقالة تبدو للباحث كأنها عسيرة لكثرة انتشار هذه المقالة في كتب الأصول وغيرها. ومما يساعد على الوصول إلى نتيجة مرضية تسهّل على كثير من الباحثين مراجعة صحة هذه المقالة أن نحدد نشأتها (1)، ذلك أن اعتبار الشريعة لأمر من الأمور يلاحظ فيه شأن من تكلم فيه وأظهره، فظهور السنة على يد مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة يسهّل على النفس قبولها مهما عارضتها العوارض ووقفت في وجهها العوائق، ونشأة أمر حادث معارض للسنة على أيدي أهل الأهواء والزنادقة والفلاسفة المنكرين للرسل والرسالات يهوّن على النفس رفضه مهما خُدعت به الأقلام وإن عظمت، وسارت به الكتب في الآفاق وإن كثُرت، ومن جهة أخرى يهوّن على--------------------------------------------
(1) ويختص البحث هنا بتحقيق هذه المسألة لتقوية الأدلة وإبعاد شبهة الظنية عنها وإعمالها بدون أن نشترط شروطًا زائدة على صحة السند وسلامته من الشذوذ والعلة، ويكفينا في ثبوت الدليل الشرعي تلقي الأمة له بالقبول لنحتج به ونقويه، أما تتبع الآثار التي ترتبت على القول بظنية أدلة الكتاب والسنة فهذا يحتاج إلى رسائل أخرى متخصصة وإن مد الله في الأجل حاولت قدر جهدي تتبع آثارها في أصول الفقه إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
الباحث إظهار زيف هذا الأمر فيوفّر جهده حينئذ على بيان الأسباب التي ساعدت على انتشاره لأن معرفتها معينة على التخلص من آثاره.
وأمر ثالث ضروري أيضًا ألا وهو إدراك الفائدة العلمية على صورة أوسع وأشمل فإن تحديد النشأة يجمع لنا أطراف القضية ويعطينا حجمها الحقيقي، بخلاف ما لو أُخذت من طرفها الأخير فإن ذلك لا يمكن تحقيقه، أضف إلى ذلك إدراك الروافد الفكرية التي غذّت هذه المقالة.
وفي الصفحات القادمة أعرض -ما تمكنت من تتبعه- لتحديد حجم تلك المقالة ونشأتها وأسباب انتشارها وما توفيقي إلّا بالله.
المطلب الأول
حقيقة هذه المقالة وموقف الخوارج والمرجئة منها
إن القول بالظنية يشمل الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وقد انتشرت هذه المقالة انتشارًا واسعًا في أكثر كتب العقيدة وأصول الفقه (1)، ويدخل فيها القول بظنية الأدلة القرآنية والسنة النبوية ما كان منها متواترًا وما كان منها آحادًا.
ولقد تم نقل الاتفاق من الصحابة والتابعين على أن الأدلة النقلية تفيد العلم ونتتبع الآن نشاة الأهواء لنتعرف على يد من نشأت تلك المقالة - ونتجاوز فرقة الخوارج (2) لما ثبت بالأدلة التاريخية المعلومة أن الخوارج أول ما نشأت كانت--------------------------------------------
(1) على تفاوت فيما بينها فمنهم من يرى أن الأدلة النقلية مطلقًا تفيد الظن ولا تفيد العلم، ومنهم من يرى أن عدم إفادتها للعلم مقصور على العقليات هذا من حيث الدلالة، ومهم من يرى أن المتواتر يفيد العلم دون الآحاد.
(2) الخوارج هم الذين خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد التحكيم، ومن أصول مذهبهم تكفير مرتكب الكبيرة - وإن لم يستحلها وقتال الأئمة على ذلك، والتبرؤ من عثمان وعلي وأصحاب الجمل، وفرقهم كثيرة ومختلفة، واشتهروا بالجهل بمقاصد الشريعة والشدة والجفاء والتعلق بالنظر الأول بغير تدبر ولا تعقل، انظر مقالات الإِسلاميين لأبي الحسن الأشعري 167 - 168 وما بعدها وأشار المؤلف 168 أن "النجدات" وهي فرقة من فرقهم لا ترى أن كل كبيرة كفر. بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد الطبعة الثانية 1389 هـ مكتبة النهضة المصرية. وانظر كتاب الاعتصام 2/ 206 - 220.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
في شغل شاغل بالتكفير والقتال (1) فلم يكن عندهم من الوقت ما يمكنهم من الاشتغال بالفلسفة، وطبيعتهم الخاصة لا تساعدهم على ذلك، فهم كما ثبت في الحديث: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (2)، وفي هذا إشارة إلى عدم اشتغالهم بالتفكر والتدبر في المعاني الشرعية التي هي قاعدة المنهج الصحيح فإذْ لم يفعلوا ذلك وبعدوا عنه فهم إذًا أشد بعدًا عن النظر الفلسفي، لأن الطريقة الشرعية في التدبر والتفكر سهلة ميسرة، وتقرير مسائل العلم ميسر أيضًا لمن صبر على التعلم والتفقه .. أما مسالك النظر الفلسفي فعلى الضد من ذلك، وكان من صفاتهم بعد ذلك التعلق بالنظر الأول عند تقرير مسائل الدين وعند الحكم على الأحداث والوقائع (3). وذلك هو السبب الأول الذي حملهم على تأسيس قواعد منحرفة، ثم البناء عليها فلم يمكنهم بعد ذلك التصحيح لتزيدهم في الغلو.
ومنها: أنهم أصحاب عبادة وتزهد وعمل دائب لا ينقطع وشدة تفان في نصرة مذهبهم يحقر المحسن عمله مع عملهم (4) وهذا مانع آخر من انشغالهم بالفكر الفلسفي (5).--------------------------------------------
(1) انظر المصدرين السابقين.
(2) الحديث أخرجه البخاري من رواية أبي سعيد الخدري قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية .. " فتح الباري بشرح صحيح البخاري 12/ 283.
(3) الاعتصام 2/ 199 - الموافقات 4/ 117.
(4) كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي مر تخريجه آنفًا.
(5) ذلك أن الفكر الفلسفي يجهد الإِنسان من الناحية العقلية، ويوهمه أنه يحقق ذاته من هذه الناحية فتضعف طاقته البدنية والنفسية عن العمل، وعلى الضد من ذلك طبيعة الخوارج فإنهم - مع كونهم أهل عبادة .. - أغرقوا في التكفير حتى جعلوه محور عقيدتهم وتفكيرهم وأغرقوا أيضًا في القتال -أي بلغوا الغاية فيه، وهذا حال بينهم وبين التدبر والتعقل في إدراك علم الكتاب والسنة ومقاصدهما والتربية على معهود السلف الأول من الصحابة والتابعين وحال بينهم وبين الفلسفة العقلية - كما صنعت المعتزلة - إلا أنه =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
بقي أن نفسر مسلكهم في رد السنة ونختار تحليل ابن تيمية لهذا المسلك وذلك قوله بأن الخوارج إنما ردت السنة لأنها تطعن في السند وهم الصحابة - رضوان الله عليهم - (1). وإلّا فإنهم يقبلون خبر الواحد العدل عندهم (2).
ولهذا كله سأعتبر مسلك الخوارج مساعدًا على انتشار تلك المقالة، أما أنها نشأت عندهم فذلك لا أملك عليه دليلًا، وإليك تحليل شيخ الإِسلام لننتقل بعده إلى مرحلة أخرى.
يقول رحمه الله (3): "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من
يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة (4) حدثوا في آخر خلافة--------------------------------------------
= لم يستمر طويلًا إذ سرعان ما خف أثر ذلك المانع - لأن النفس لا تطيق الصبر على هذا المسلك - فاحتاج الخوارج إلى الجواب عن اعتراضات كثيرة ترد عليهم - كانوا يردون عليها بالرفض النفسي المطلق أول الأمر - ثم احتاجوا أن يردوا عليها بالعلم فكان أن اتجهوا صوب المعتزلة فتعلموا حينئذ من فلسفتهم وقالوا ببعض عقائدهم وهنا يمكن أن نقول أن طبيعتهم قربت من طبيعة المعتزلة وكان يمكن أن يرجعوا إلى طبيعة السلف الأول لو أخلصوا دينهم لله، ولكنهم قطعوا صلتهم بجماعة الصحابة لما لم يصنعوا ذلك، وما قلته في المتن إنما هو عن أول نشأتهم لا عن ما آل إليه أمرهم.
وانظر في اتباعهم بعض عقائد المعتزلة - مقالات الإسلاميين 1/ 203 - 204.
(1) وأقول هنا أن ذلك هو صنيع أئمة المعتزلة كما سيأتي بيانه في تراجمهم، وكان يكفيهم أن يسلكوا مسلك الخوارج في رد السنة، ولكن المعتزلة بتأثير الفلسفة اليونانية تجاوزت رد السنة إلى ترك دلالة القرآن باعتبار أنها ظنية، وهنا لا يمكنها الاقتصار على مسلك الخوارج، فلا بد من إضافة بدعة أخرى تمكنهم من نصرة مذهبهم وهي قولهم بانتفاء المعارض العقلي عن النص كتابًا وسنة حتى يمكن أن يفيد العلم وسيأتي بيان ذلك والجواب عنه.
(2) انظر درء تعارض العقل والنقل 5/ 244.
(3) المصدر السابق 5/ 244.
وهذا بخلاف المعتزلة - وسيأتي بيان شكهم في الأخبار مطلقًا …
(4) الشيعة فرق كثيرة:
وقد قدموا عليًا على صائر الصحابة ثم انقسموا إلى فرق كثيرة الغلاة منها خمس عشرة فرقة. انظر مقالات الإِسلاميين 1/ 65 وما بعدها، وعد الشاطبي الغلاة ثمانية عشرة فرقة. انظر الاعتصام 2/ 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
علي (رضي الله عنه) والمرجئة (1) والقدرية (2) حدثوا في أواخر عصر الصحابة وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص وششدلون بها على قولهم، لا يدّعون أنهم (3) عندهم عقليات تعارض النصوص (4).--------------------------------------------
(1) المرجئة هم قوم يؤخرون العمل عن الإِيمان، وأكثر اختلافهم في الإِيمان - انظر فرقهم في مقالات الإسلاميين، وقد ذكر الأشعري الفرقة الأولى أنها تزعم "أن الإِيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ماجاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لها والخوف منه والعمل بالجوارح فليس بإيمان". 1/ 213 - 214 وما بعدها. الاعتصام 2/ 220.
(2) القدرية هم الذين يقولون إن المعاصي خارجة عن مشيئة الله سبحانه: "قال جماعة من العلماء أصول البدع أربعة .. وهم الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة" الاعتصام 2/ 220 وانظر فرقهم في مقالات الإِسلاميين 1/ 235 وما بعدها، وبدعة القدر هي أصل بدع المعتزلة وعليها تفرعت أهواؤهم. انظر عقيدة إمامهم في شرح العقيدة الطحاوية للقاضي علي بن علي بن أبي العز الدمشقي 252 - تحقيق بشير محمد عون - الناشر مكتبة دار البيان دمشق الطبعة الأولى 1405، والاعتصام 2/ 220 - 221.
(3) الصحيح "أن" بدل "أنهم" ولعله خطأ من الناسخ.
(4) ولم يثبت عن أحد من أئمة السلف أنه عارض النصوص لا القرآنية ولا ما ورد في السنة المتواترة أو الأحادية بعقله ورأيه، بل كانوا يعملون بها متواترة وآحادًا ويسلّمون لحكمها ولا يشترطون للحديث أكثر من صحة سنده وسلامته من الشذوذ والعلة ليحتجوا به في أمر الدين وليُثبتوا به الأحكام الشرعية ولا يقولون هذا ظني أو هذا يشترط أن نجده في القرآن ولا يُزاد به عليه إن لم يوجد فيه، بل غاية ما وقع منهم هو ترك العمل ببعض الأحاديث إما لعدم صحة سند الحديث أو لعدم سلامته من الشذوذ والعلة، وهذا أمر طبيعي لأن ما لم يثبت لا يحتج به، وكل ما نقل عن مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة رحمهم الله لا يعدو هذا الذي ذكرته هنا، انظر المواففات 3/ 11 - 12، وقد يخطئ المجتهد في اعتقاده الشذوذ في الخبر كما يخطئ في تصحيح سنده أو تضعيفه وهذا يمكن بيان الصواب فيه عن طريق عملية الاجتهاد ولا نعصم ولا نؤثم، كما قال شيخ الإِسلام. انظر مجموع الفتاوى 20/ 288 - 289 - 290.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم (1) الجعد بن درهم" (2).
وعلى هذا الأساس يمكننا الانتقال إلى النظر في أقوال الجهمية من المعتزلة متتبعين أقوال بعض أئمة الاعتزال المشهورين وهم واصل بن عطاء (3) وأبو الهذيل العلاف (4) والنظام (5).--------------------------------------------
(1) وهذا النص في معنى الاتفاق السابق المفيد أن الصحابة والتابعين ما كان أحد منهم يقول بأن الشريعة ظنية، بل إن جميع الفرق قبل نشأة المعتزلة يستدلون بالنصوص كل على مذهبه باعتبار أنها تفيد العلم …
(2) هو الجعد بن درهم من الموالي، أظهر القول بخلق القرآن وكان قدريًا قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة سنة 118، وهو شيخ الجهم بن صفوان وهذا من الموالي أيضًا، وهو من نفاة الصفات ومؤسسي الجهمية وهم أتباعه وتارة تطلق على نفاة الصفات مطلقًا. انظر ميزان الاعتدال: 1/ 185 - 197، وانظر تبرأ الصحابة منهم - الفرق بين الفرق 15، وانظر شرح العقيدة الطحاوية 620 - 621 - 622 - 623.
(3) هو مؤسس مذهب المعتزلة ولد بالمدينة سنة 80 هـ ونشأ بالبصرة وهو الذي نشر مذهب المعتزلة في الآفاق حيث أرسل أصحابه لذلك، وسموا معتزلة لاعتزالهم حلقة الحسن البصري. انظر الفرق بين الفرق للبغدادي - الطبعة الأولى - دار الآفاق بيروت 98 - 99 - 100 - 102، وانظر سير أعلام النبلاء 5/ 464 - 465.
(4) هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري المشهور بالعلاف يعد من أئمة المعتزلة والمقرر لطريقتهم ولد بالبصرة سنة 135 هـ، يقول عنه ابن قتيبة: "ثم نصير إلى قول أبي الهذيل العلّاف فنجده كذابًا أفاكًا" توفي 226 وقيل 235، انظر الفرق بين الفرق 102 وما بعدها، وسير أعلام النبلاء 10/ 542 - 543، وتأويل مختلف الحديث 43 تصحيح محمد مهدي النجار دار الجيل 1393 هـ.
(5) هو إبراهيم بن سيار بن هانيء يعرف بالنظام توفي 231 وقيل 221 هـ، يعد أعظم شيوخ المعتزلة وهو زنديق طاعن في الصحابة منكر للقياس والإِجماع يقول عنه الجويني في البرهان بعد أن نقل طعنه في الصحابة وإنكاره الإِجماع والقياس قال: "وما ذكره النظام كفر وزندقة ومحاولة استئصال قاعدة الشرع … " البرهان 2/ 761 - 763.
ويقول عنه ابن قتيبة وقد: "وجدنا النظام شاطرًا من الشطار يغدو على سكر ويروح على =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)