مات لم يغسل ولم يمس بطيب لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في رجل مات وهو محرم لا تمسوه بطيب فينه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فيقول المالكي: سلمنا ذلك الرجل وإنما النزاع في غيره، لأن اللفظ لم يرد بصيغة العموم.
- العاشر: نقص شرط من شروط القياس، وقد عددناها في مواضعها (1).
الباب الثامن: في الاستدلال
وهو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم، ويقال باصطلاحين:
- أحدهما: محاولة الدليل الشرعي أو غيرها من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المعلومة، وهو قصدنا هنا.
- والثاني: محاولة الدليل الشرعي وغيره من الأدلة المعلومة أو غيرها.
والثاني أعم والأول أخص وهو على ضربين:
- الضرب الأول: الاستدلال بالملزوم على لازمه، وباللازم على ملزومه.
والملزوم ما يحسن معه "لو" واللازم ما يحسن معه "اللام" نحو: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: الآية 22]، وكقولنا: إن كان هذا الطعام مهلكًا فهو حرام، تقديره: لو كان مهلكًا لكان حرامًا، ويتصور في ذلك أربع صور: اثنان منتجان وهما: الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم، وبعدم اللازم على عدم الملزوم.
واثنان عقيمان لا ينتجان وهما: الاستدلال بعدم الملزوم أو بوجود اللازم إلا أن يكون اللازم مساويًا للملزوم ينتج الأربعة نحو: لو كان هذا إنسانًا لكان ضاحكًا.
ثم إن الملازمة قد تكون قطعية وظنية، والموجود هنا ما كان منفيًّا في اللفظ والمعدوم ما كان ثابتًا في اللفظ، لأن "لو" تنفي الثابت وتثبت المنفي (2).
- الضرب الثاني: السبر والتقسيم: وهو حصر الأقسام بين النفي والإثبات حتى يحصل المطلوب، كقولنا: لا يخلو أن يكون كذا وكذا، وباطل أن يكون كذا وكذا--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 2/ 2/ 323 - 375، وروضة الناظر 2/ 346 - 401، والأحكام للآمدي 3/ 143 - 173.
(2) انظر شرح الكوكب المنير ص 589.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
يثبت ضده وهو كذا، أو يبطل جميع الأقسام، وكل واحد من الضربين حجة صحيحة وهما الشرط المتصل والمنفصل (1) المذكوران في العقليات.
الباب التاسع: في الاستصحاب، والبراءة الأصلية، والأخذ بالأخف، والاستقراء، والاستحسان
- أما الاستصحاب: فهو بقاء الأمر والحال والاستقبال على ما كان عليه في الماضي وهو قولهم: "الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يدل الدليل على خلاف ذلك" وهو حجة عند المالكية وأكثر الشافعية خلافًا للحنفية والمتكلمين (2).
- وأما البراءة الأصلية، فهي ضرب من الاستصحاب، ومعناها: البقاء على عدم الحكم حتى يدل الدليل عليه، لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الأحكام، وهي حجة خلافًا للمعتزلة وأبي الفرج والأَبْهَري المالكيين (3).
- وأما الأخذ بالأخف، فهو ضرب من البراءة الأصلية، ومعناه: الأخذ باخف الأقوال حتى يدل الدليل على الانتقال إلى الأثقل، وهو حجة عند الشافعية.
- وأما الاستقراء: فهو تتبع الحكم في مواضعه، فيوجد فيها على حالة واحدة حتى يغلب على الظن أنه محل النزاع على تلك الحالة، وهي حجة عند الشافعية (4).
- وأما الاستحسان، فهو حجة عند أبي حنيفة خلافًا لغيره حتى قال الشافعي: "من استحسن فقد شرع" (5) ثم اختلف الناس في معناه، فقال الباجي: "هو القول بأقوى الدليلين" وعلى هذا يكون حجة إجماعًا. وقيل: هو الحكم بغير دليل، وعلى هذا يكون حرامًا إجماعًا، لأنه اتباع للهوى، وقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه. وأشبه الأقوال إنه ما يستحسنه المجتهد بعقله.--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 2/ 2/ 299 - 304، والأحكام للآمدي 2/ 63.
(2) انظر المحصول 2/ 3/ 148، والأحكام للآمدي 3/ 181.
(3) انظر المحصول 2/ 3/ 214 - 217.
(4) انظر المستصفى 1/ 51 - 52، والمحصول 2/ 3/ 217.
(5) انظر المستصفى 1/ 241، والأحكام للآمدي 3/ 200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
الباب العاشر: في العوائد والمصلحة المرسلة، وسدّ الذرائع، والعصمة
- أما العوائد: فهي غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة في جميع الأقاليم، وقد تختص ببعض البلاد أو بعض الفرق، فيقضي بالعادة عند المالكية خلافًا لغيرهم، وذلك ما لم تخالف الشريعة.
- وأما المصلحة، فهي على ثلاثة أقسام:
قسم شهد الشرع باعتباره، وهو قياس المناسبة المبني على النظر المصلحي من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فهذا حجة عند جميع القائلين بالقياس، ومن ذلك ما فعله عمر رضي الله عنه من الديوان وإحداث السجن وغير ذلك.
وقسم شهد الشرع بعدم اعتباره كالمنع من غراسة العنب لئلا يعصر منه خمرًا، فهذا لا يقول به.
وقسم لم يشهد الشرع باعتباره ولا بعدم اعتباره، وهو المصلحة المرسلة، وهو حجة عند مالك خلافًا لغيره (1) وقال أبو حامد: "إن وقعت في محل الحاجة والتتمة لم يعتبر، كان وقعت في محل الضرورة فيجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد، والضرورة هي الخمسة التي اتفقت عليها الشرائع، وهي حفظ الأديان والنفوس والأنساب والأموال والعقول" (2)، واشترط أبو حامد في المصلحة أن تكون كلية قطعية مع كونها ضرورية (3).
- وأما سد الذرائع بمعناه: حسم مادة الفساد بقطع وسائله، والذرائع هي الوسائل، وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها معتبر إجماعًا كسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب اللَّه.
وقسم غير معتبر إجماعًا كالمنع من الشركة في سكنى الديار مخافة الزنى.
وقسم مختلف فيه كبيوع الآجال فاعتبرها مالك خلافًا لغيره.--------------------------------------------
(1) انظر المحمول 3/ 2/ 219 - 220، وروضة الناظر 1/ 411 - 418.
(2) انظر المستصفى 1/ 286، المحصول 3/ 2/ 220.
(3) انظر المستصفى 1/ 296، والمحصول 3/ 2/ 220 - 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
تنبيه:
ينقل أهل المذهب عن مالك أنه انفرد باعتبار العوائد والمصلحة والذريعة وليس كذلك، فإن العادة هي العرف، وهو معتبر في المذاهب، والمصلحة قد اعتبرها أهل المذاهب قسمًا منها، وإنما انفرد مالك بقسم، فحاصل هذا أنه اعتبر المصلحة والذريعة أكثر من غيره لا أنه انفرد بهما.
- وأما العصمة، فمعناها أن يقول اللَّه لنبي أو لعالم: "احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب لأني عصمتك من الخطأ".
وقد اختلف الناس في ذلك، فقال بوقوع ذلك مويس بن عمران والروافض، وقالت المعتزلة: وذلك ممتنع، وتوقف الشافعي ووافقه فخر الدين بن الخطيب (1).--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 3/ 2/ 184 - 185، وشرح الكوكب المنير ص 615.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
الفن الخامس من علم الأصول في الاجتهاد، والتقليد، والفتوى، والتعارض والترجيح
وفيه عشرة أبواب:
الباب الأول: في الاجتهاد
وهو استفراغ الوسع في النظر في الأحكام الشرعية (1)، وهو واجب عند مالك، وجمهور العلماء على تفصيل نذكره بعد هذا.
فروع:
- الأول: لا خلاف في جواز الاجتهاد بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأما اجتهاد غيره في زمانه، فان كان غائبًا عنه جاز، وإن كان حاضرًا معه ففيه خلاف (2).
- الفرع الثاني: قال الشافعي وأبو يوسف وغيرهما: يجوز أن يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد، وقال آخرون لم يكن متعبدًا به لأن الوحي يغني عن الاجتهاد (3).
- الفرع الثالث: إذا نُقل عن المجتهد قولان، فإن علم التاريخ عُدَّ الثاني رجوعًا عن الأول. وإن لم يعلم حكي عنه القولان ولم يحكم عليه برجوع، وإن كان في وقت واحد بمعنى أن المسألة عنده محتملة للقولين، وإن أشار أبى ترجيح أحدهما نقل عنه، وإلا نقل عنه القولان (4).--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 2/ 3/ 7، والأحكام للآمدي 3/ 204.
(2) انظر الأحكام للآمدي 3/ 213، والمحصول 2/ 3/ 25.
(3) انظر الأحكام للآمدي 3/ 206، والمحصول 2/ 3/ 9.
(4) انظر الأحكام للآمدي 3/ 230 - 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
- الفرع الرابع: إذا أفتى المجتهد في مسألة ثم سئل عنها مرة أخرى، فإن كان ذاكرًا لاجتهاده الأول أفتى به، كان نسيه استأنف الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول أفتي بالثاني (1).
الباب الثاني: في شروط المجتهد
وهي على الجملة أربعة: التكليف، والثاني العدالة، والثالث جودة الحفظ، والرابع المعرفة بما يتوقف عليها الاجتهاد من العلوم (2)، وهي خمسة فنون:
- أولها: كتاب اللَّه تعالى فلا بد من حفظه، وتجويد قراءته ولو بحرف واحد من الأحرف السبعة، وفهم معانيه لا سيما آيات الأحكام، ومعرفة المكي والمدني منه، ومعرفة المحكوم، والناسخ والمنسوخ منه وغير ذلك من علومه.
وقال قوم من الأصوليين: لا يشترط حفظه للقرآن ولا حفظه لآيات الأحكام منه بل العلم بمواضعه لينظر فيها الحاجة إليها (3)، وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الأحكام قد تخرج من غير الآيات المعلومة فيها فيضطر إلى حفظ الجميع.
والآخر: أن من زهد في حفظ كتاب اللَّه كما ينبغي أن يكون إمامًا في دين اللَّه، كيف وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّه المَتِينُ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَنَبَأ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارِ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَن ابْتَغَى الهُدَى مِنْ غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ" (4) حسبك هذا الوعيد لمن تركه وابتغى الهدى من غيره.
- وثانيها: حفظ حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأحاديث أصحابه، وحفظ أسانيدها، ومعرفة الرجال الناقلين لهما، على أن أئمة المحدثين رضي الله عنهم وجزاهم خيرًا، قد قاموا بوظيفة معرفة الناقلين، وتجريحهم وتعديلهم، وتمييز الحديث الصحيح من غيره، وتدوينه في تصانيفهم حين كفوا من بعدهم مؤنة معرفة الأسانيد والرجال، وصار ذلك للمجتهد صفة كمال.--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 2/ 3/ 95.
(2) انظر المستصفى 2/ 350.
(3) انظر المستصفى 2/ 350 - 352، والمحصول 2/ 3/ 33.
(4) أخرجه أحمد في مسنده (الفتح الرباني 18/ 2 - 3)، والدارمي 2/ 435، والترمذي 5/ 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
وقال قوم: لا يشترط في المجتهد حفظ الحديث (1)، وهذا أيضًا خطأ، فإن أكثر الأحكام منصوصة في الحديث، فإذا لم يعرف الحديث أفتى بالقياس أو غيره من الأدلة الضعيفة وخالف النص النبوي.
- وثالثها: المعرفة بالفقه، وحفظ مذاهب العلماء في الأحكام الشرعية ليقتدي في مذاهبه بالسلف الصالح، وليختار في أقوالهم ما هو أصح وأرجح، ولئلا يخرج عن أقوالهم بالكلية، فيخرق الإجماع، وقد كان مالك على جلالته يقتدي بمن تقدمه من العلماء، ويتبع مذاهبهم.
- ورابعها: المعرفة بأصول الفقه، فإنه الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد (2).
- وخامسها: المعرفة بما يحتاج إليه من علوم لسان العرب من النحو واللغة ليفهم بذلك القرآن والحديث إذ هما بلسان العرب (3).
وأما معرفته بغير ما ذكرنا من العلوم فليست شرطًا في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولكنها صفةكمال، ومن أراد الاجتهاد في فن من الفنون فلا بد له من معرفته ومعرفة رواته.
الباب الثالث: في تصريف المجتهدين في الأحكام
الأحكام الشرعية ضربان: عقلية وهي أصل الدين، وسمعية وهو فروع الفقه.
- فأما أصول الدين كإثبات الصانع ووحدانيته وصفاته، وإثبات النبوة وغير ذلك، فإن الحق فيها في قول واحد وما عدا ذلك باطل، وعلى ذلك اتفق العلماء إلا الجاحظ والعنبري فإنهما قال: "كل مجتهد مصيب في أصول الدين"، بمعنى نفي الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد للحق.
- وأما الفروع فهي على ثلاثة أضرب:
ضرب لا يسوغ الاجتهاد فيه لأنه علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان وتحريم الخمر، فمن خالف في شيء من ذلك فهو مخطئ بإجماع ويكفر، لأن المخالفة في ذلك تكذيب للَّه ولرسوله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) انظر المستصفى 2/ 351 و 352، 353، والمحصول 2/ 3/ 34، 35، 36.
(2) انظر المستصفى 2/ 353، والمحصول 2/ 3/ 36.
(3) انظر المحصول 2/ 3/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
وضرب لم يعلم من الدين ضرورة، ولكنه أجمع عليه جميع الأمة في جميع الأعصار والأمصار كوجوب الصداق في النكاح، وتحريم المطلقة ثلاثًا إلا بعد زوج، وغير ذلك، فهذا ضرب من خالف فيه فهو مخطئ بإجماع وهو فاسق.
وضرب يسوغ فيه الاجتهاد وهي المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين فأكثر، ففي التصويب في هذا الضرب اختلاف العلماء، فقال قوم: "إن الحق في ذلك كله واحد وما عداه باطل، ولكن المخطئ فيه غير مأثوم" وهو مذهب الشافعي وقال قوم: "كل مجتهد مصيب"، وهو قول أبي حنيفة وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأكثر المتكلمين، ونقل عن مالك القولان (1).
الباب الرابع: في التقليد
ومعناه: قبول قول الغير من غير دليل (2)، وقد اختلف العلماء في جوازه، وفي ذلك تفصيل:
- أما أصول الدين، فمنع أكثر المتكلمين من التقليد فيها، وأجازه أكثر المحدثين وغيرهم (3).
- وأما فروع الفقه التي علمت من الدين ضرورة فلا يجوز التقليد فيها لاشتراك الناس في العلم بها.
وأما الفروع التي لا تعلم إلا بالنظر والاستدلال، فيجوز للعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام أن يقلد عالمًا ويعمل بقوله عند الجمهور.
فروع:
الأول: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:
- أحدها: أن يعتقد فيمن يقلده العلم والفضل.
- الثاني: لا يتبع رخص المذاهب.
- الثالث: لا يجمع بين المذاهب على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.--------------------------------------------
(1) انظر الأحكام للآمدي 3/ 219.
(2) انظر البرهان 2/ 1357، وروضة الناظر 2/ 450.
(3) انظر الأحكام للآمدي 3/ 246، وروضة الناظر 2/ 450.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
الثاني: إذا فعل المكلف فعلًا مختلفًا في تحريمه غير مقلد لأحد، فاختلف هل هو آثم بناء على القول بالتحريم، أو غير آثم بناء على القول بالجواز.
الثالث: يقلد غير العلماء فيما يختص بهم من المعارف والصنائع، فمن ذلك تقليد القائف في إلحاق النسب، وتقليد القاسم في القسم، وتقليد التاجر في قيم المتلفات، وتقليد الخارص فيما يخرصه، وتقليد الراوي فيما يرويه، وتقليد الجزار في الذكاة.
الباب الخامس: في الفتوى والنظر في صفة المفتي والمستفتي
- أما المفتي فيجب أن يجتمع فيه شروط الاجتهاد على القول بوجوب الاجتهاد. . وأما على القول بعدم وجوبه فالمفتي ينقل أقوال إمامه الذي يقلد كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا هو الشأن في زماننا فيجب أن يحقق قول إمامه في النازلة التي أفتى بها.
- وأما المستفتي فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام.
- وأما العالم، فإن كان عالمًا لم يبلغ درجة الاجتهاد جاز له أن يستفتي ويقلد إمامًا كان بلغ درجة الاجتهاد فأكثر أهل السنة أنه لا يجوز له التقليد وأجازه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري مطلقًا، وأجازه محمد بن الحسن أن يقلد من هو أعلم منه لا من هو مثله (1).
فروع:
- الفرع الأول: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي من شاء على الإطلاق، لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في علمه وعدالته ويكفيه في معرفة حاله خبر الواحد.
- الفرع الثاني: إن وجد المستفتي عالمًا واحدًا قلده، كان وجد اثنين فأكثر فقيل يقلد واحد منهم، وقيل يختار أعلمهم وأفضلهم.
- الفرع الثالث: إن استفتى رجلين فأكثر فاختلفوا في الفتيا، فقيل يأخذ يقول من شاء منهم، وقيل يجتهد في أيهم أفضل فيأخذ بقوله، وقيل يأخذ بالقول الأحوط (2).--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 3/ 2/ 115.
(2) انظر المحصول 2/ 3/ 111 - 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الباب السادس: في تعارض الأدلة
إذا تعارض دليلان فأكثر ففي ذلك ثلاثة طرق:
- الأول: العمل بهما، وذلك بالجمع بينهما على قدر الإمكان ولو من وجه واحد، وهذا أولى الطرق لأنه ليس فيه إطراح لأحدهما.
- الثاني: ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المذكورة بعد.
- الثالث: نسخ أحدهما بالآخر وشرط معرفة المتقدم والمتأخر منهما.
فإن عجز عن الجمع والترجيح تساقط الدليلان ووجب التوقف أو تقليد مجتهد آخر عشر على الترجيح، وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: "يتخير في العمل بأيهما شاء"، وقال الأبهري: "يتعين الحظر"، وقال أبو الفرج: "تتعين الإباحة" بناء على أصله أن "الأشياء على الإباحة".
الباب السابع: في الترجيح
اتفق جمهور العلماء على القول بالترجيح بين الأدلة، وأنكره بعض الناس والصحيح القول به، وإنما يتاتى في المظنونات، وأما القطعيات فلا يتأتى فيها لتعذر التفاوت بين القطعيين، إذ ليس بعض المعلومات أقوى وأغلب من بعض وإن كانت بعضها أجلى وأقرب حصولًا وأشد استغناء عن التأمل.
فإذا تقرر هذا، فلا يخلو أن يكون الدليلان المتعارضان قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعي والآخر ظني:
فإن كانا قطعيين، كالنصوص المتواترة، فللمجتهد حالتان: الجمع بينهما إن أمكن، والنسخ إن علم (التأويل).
وإن كانا ظنيين، كالظواهر والعمومات ونصوص أخبار الآحاد فلها ثلاثة أحوال: الجمع إن أمكن، والنسخ إن علم التاريخ، والترجيح.
وإن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًّا، فإن جهل التاريخ تعين المعلوم، وإن تاخر المعلوم نسخ المظنون، كان تأخر المظنون لم ينسخ المعلوم (1).--------------------------------------------
(1) انظر المحصول 2/ 2/ 532 - 534 و 545 - 552.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
فروع أربعة:
- الفرع الأول: إذا تعارض ظاهر من الكتاب وظاهر من السنة ففي ذلك ثلاثة أقوال: قيل يقدم القرآن، وقيل تقدم السنة لأنها مفسرة للكتاب، وقيل: متوقف (1).
- الفرع الثاني: إذا تعارض نصان، أو ظاهران وأحدهما أقرب إلى الاحتياط أخذ بالأحوط عند كثير من الفقهاء خلافًا للقاضي أبي بكر (2).
- الفرع الثالث: إذا تعارض نصان، أو ظاهران، وانضم إلى أحدهما قياس يوافقه رجح على الآخر (3).
- الفرع الرابع: إذا تعارض الأصل والغالب فاختلف أيهما يرجح، وترجيح الغالب أكثر.
الباب الثامن: في ترجيح الأخبار
وهي إما في الإسناد، وإما في المتن:
- فأما الترجيح في الإسناد فيكون بعشرين وجهًا وهي:
أن يكون أحدهما يشهد لهما القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع أو دليل العقل للعمل به، أو يكون في قضية مشهورة والآخر ليس كذلك، أو يكون رواته أكثر أو أحفظ، أو يكون مسموعًا من النبي صلى الله عليه وسلم والآخر مكتوب عنه، أو متوقف على رفعه إليه صلى الله عليه وسلم، أو تتوقف روايته على إثبات الحكم به، أو يكون راويه صاحب القضية أو يعضده إجماع أهل المدينة على العمل به، أو تكون روايته أحسن نسقًا، أو يكون سالمًا من الاضطراب والآخر ليس كذلك، أو يكون راويه من أكابر الصحابة، أو يكون فقيهًا أو عالمًا بالعربية، أو عرفت عدالته بالاختبار أو بتعديل الجمع الكثير، أو ذكر سبب عدالته ولم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو له اسم واحد لا يختلط بغيره، أو يكون مدنيًا أو متأخر الإسلام ليعلم أن ما رواه غير منسوخ (4).--------------------------------------------
(1) انظر البرهان 2/ 1185 - 1186.
(2) انظر الأحكام للآمدي 2/ 279، والبرهان 2/ 1199 - 1200.
(3) انظر البرهان 2/ 1178 - 1180، والأحكام للآمدي 3/ 277.
(4) انظر الأحكام للآمدي 3/ 259 - 261، والمحصول 2/ 2/ 553 - 571.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
- وأما الترجيح في المتن فيكون بخمسة عشر وجهًا وهي:
أن يكون نصًّا في المراد، أو سالمًا من الاضطراب، أو يكون مستقلًا بنفسه مستغنيًا عن الإضمار أو غير متفق على تخصيصه، أو ورد على غير سبب وقضي به على الآخر في موضع، أو ورد بعبارات مختلفة لمعنى واحد، أو يتضمن نفي النقص عن الصحابة رضي الله عنهم أو يكون فصيح اللفظ، أو لفظه حقيقة، أو يدل على المراد من وجهين، أو تأكد لفظه بالتكرار أو يكون ناقلًا عن حكم العقل، أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع عليه، أو كان مما تعم به البلوى والآخر ليس كذلك (1).
الباب التاسع: في ترجيحات الأقيسة
قد ذكرنا في باب القياس أن مراتب القياس متفاوتة في القوة والضعف، وأن منه الجلي والخفي، فإذا تعارض قياسان قُدِّم الأقوى على الأضعف، والجلي على الخفي، والأجلى على ما هو أقل جلاء منه، ويُقَدَّم قياس العلة على قياس المناسبة، ويقدم قياس المناسبة على قياس الشبه.
ويترجح قياس العلة على قياس العلة بخمسة عشر وجهًا وهي:
النص على علته أو الاتفاق على علته، أو تكون علته أقل خلافًا، أو مطردة منعكسة، أو تشهد لها أصول كثيرة، أو تكون متعدية والأخرى قاصرة، أو تعم فروعها، أو هي أعم، أو منتزعة من أصل منصوص عليه، أو تكون أقل أوصافًا، أو تكون بعض مقدماته يقينية، أو تكون علته وصفًا حقيقيًا، أو يكون أحد القياسين فروعه من أصل جنسه أو لا يعود على أصله بالتخصيص، أو يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى بالإجماع أو بالتواتر والآخر ليس كذلك (2).
الباب العاشر: في أسباب الخلاف بين المجتهدين
وهي ستة عشر بالاستقراء، على أن هذا الباب انفردنا بذكره لعظم فائدته، ولم يذكره أهل الأصول في كتبهم.
السبب الأول: تعارض الأدلة.--------------------------------------------
(1) انظر الأحكام للآمدي 3/ 265 - 273، والمحصول 2/ 2/ 572 - 593.
(2) انظر الأحكام للآمدي 3/ 281، والمحصول 2/ 2/ 593 - 602.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
وهو أغلب أسباب الخلاف، وقد تكلمنا عليه في بابه.
السبب الثاني: الجهل بالدليل.
وأكثر ما يجيء في الأخبار لأن بعض المجتهدين يبلغه الحديث فيقضي به، وبعضهم لا يبلغه فيقضي بخلافه، فينبغي للمجتهد أن يكثر من حفظ الحديث وروايته لتكون أقواله على مقتضى الأحاديث النبوية، ولذلك كثرت مخالفة أبي حنيفة رحمه الله للحديث لقلة روايته له فرجع إلى القياس، بخلاف أحمد بن حنبل فإنه كان متسع الرواية للحديث فاعتمد عليه وترك القياس، وأما مالك والشافعي فإنهما أخذا بالطرفين، وقد قال الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
السبب الثالث: الاختلاف في صحة نقل الحديث.
بعد بلوغه إلى كل مجتهد، إلا أن منهم من صح عنده فعمل بمقتضاه، ومنهم من لم يصح عنده إما لقدح في سنده، أو لتشديده في شروط الصحة، كثيرًا ما يجري ذلك لمالك رحمه الله فإنه من أشد أهل العلم تحفظًا في نقل الحديث.
السبب الرابع: الاختلاف في نوع الدليل هل يحتج به أم لا؟
فهذا السبب أوجب كثيرًا من الخلاف، وذلك كعمل أهل المدينة وهو حجة عند مالك فعمل بمقتضاه، وليس حجة عند غيره فلم يعملوا به، كالقياس وهو حجة عند الجمهور فعملوا به. وليس حجة عند الظاهرية فلم يعملوا به.
وقد استوفينا الكلام على ذلك كله في فن الأدلة.
السبب الخامس: الاختلاف في قاعدة من الأصول ينبني عليها الاختلاف في الفروع كحمل المطلق على المقيَّد وشبه ذلك.
السبب السادس: الاختلاف في القراءات في القرآن، فيأخذ مجتهد بقراءة، ويأخذ غيره بأخرى، كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: الآية 6] قرئ بالنصب فاقتضى غسل الرِجْلَيْنِ لعطفه على الأيدي، وقرئ بالخفض فاقتضى مسحهما لعطفه على الرؤوس إلا أن يتاول على غير ذلك.
السبب السابع: في اختلاف الرواية في ألفاظ الحديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (1) روي بالرفع فأخذ به مالك والشافعي، وبالنصب فأخذ به أبو حنيفة.--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود في سننه 3/ 253، والترمذي 4/ 72، وابن ماجه 2/ 1067، والدارمي 2/ 84، والحاكم 4/ 114، والبيهقي 9/ 334 - 335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
السبب الثامن: اختلاف وجه الإعراب مع اتفاق القراء في الرواية، مثل قوله عليه السلام: "أكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (1)، فبعضهم جعل الأكل مصدرًا مضافًا إلى المفعول، فحرم أكل السباع، وبعضهم جعله مضافًا إلى الفاعل بعد قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: الآية 3] فأجاز أكل السباع.
السبب التاسع: كون اللفظ مشتركًا بين معنيين، فأخذ بعض المحدثين بمعنى، وغيره بمعنى، كقوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: الآية 228] فحملها مالك والشافعي على الإطهار وأبو حنيفة على الحيض لاشتراك اللفظ بين المعنيين.
السبب العاشر: الاختلاف في حمل اللفظ على العموم أو الخصوص مثل قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: الآية 23] يحمل على الزوجات والمملوكات أو على الزوجات خاصة.
السبب الحادي عشر: الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو على المجاز.
السبب الثاني عشر: الاختلاف هل في الكلام مضمر أم لا. كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: الآية 184] فعله الجمهور على إضمار (فأفطر) خلافًا للظاهرية.
السبب الثالث عشر: الاختلاف هل الحكم منسوخ أم لا؟ وهذا أوجب كثيرًا من الخلاف.
السبب الرابع عشر: الاختلاف في حمل الأمر على الوجوب أو على الندب، وهذا أيضًا أوجب كثيرًا من الخلاف.
السبب الخامس عشر: الاختلاف في حمل النهي على التحريم أو على الكراهة.
السبب السادس عشر: الاختلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم- هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو الإباحة.
كملت المقدمة المباركة بحمد اللَّه وحسن عونه، وصلى اللَّه على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد للَّه رب العالمين--------------------------------------------
(1) الموطأ 2/ 43، صحيح البخاري 9/ 656 - 657، صحيح مسلم 13/ 82 - 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)