(صلى خَلفه من الْمَلَائِكَة أَمْثَال الْجبَال) فكونهم يصلونَ خلف صَلَاتنَا دَلِيل على أَنهم مكلفون بشرعنا كَذَا قَالَ الْجلَال، ثمَّ قَالَ: ويرشحه مَا ذكره السُّبْكِيّ فِي (الحلبيات) : أَن الْجَمَاعَة تحصل بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا تحصل بالآدميين، ثمَّ اسْتدلَّ بإفتاء الحناطي فِيمَن صلى فِي فضاء من الأَرْض بِأَذَان وَإِقَامَة وَكَانَ مُنْفَردا ثمَّ حلف أَنه صلى جمَاعَة لم يَحْنَث للْحَدِيث الْمَذْكُور، وَمَا ذكره الْأَصْحَاب أَنه يسْتَحبّ للْمُصَلِّي إِذا سلم أَن يَنْوِي السَّلَام على مَنْ على يَمِينه من الْمَلَائِكَة ومؤمني الْإِنْس وَالْجِنّ. قلت: فِي دلَالَة ذَلِك كُله على الْمُدَّعِي نظر وَاضح. إِذْ هَذِه الْمُوَافقَة من الْمَلَائِكَة لَا تَقْتَضِي إرْسَالًا وَلَا عَدمه كَمَا هُوَ وَاضح. وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْبَزَّار عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ: (لما أَرَادَ الله سبحانه وتعالى أَن يعلم رَسُوله صلى الله عليه وسلم الْأَذَان أَتَاهُ جِبْرِيل بداية يُقَال لَهَا الْبراق) فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: خرج ملك من الْحجاب فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر إِلَى أَن قَالَ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِلَى أَن قَالَ الخ (فَأخذ بيد مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فقدمه وَأمر أهل السَّمَوَات أَن يأتموا بِهِ فحينئذٍ أكمل الله لمُحَمد الشّرف على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض) وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة رضي الله عنه مثله، وَفِيه (فَقَالَ الْملك حيَّ على الصَّلَاة، فَيَقُول الله: صدق عَبدِي دَعَا إِلَى فريضتي) فَفِي شَهَادَة الْملك لَهُ بالرسالة مُطلقًا، وَقَوله: (دَعَا إِلَى فريضتي) الدَّال على أَنَّهَا فُرضت على أهل السَّمَاء كَمَا فُرضت على أهل الأَرْض، وإقامته لأهل السَّمَاء وَصَلَاة الْمَلَائِكَة بأسرهم خَلفه، وَكَمَال الشّرف لَهُ على أهل السَّمَاء دَلِيل بعثته لَهُم، وَأَن الصَّلَاة فُرِضَتْ عَلَيْهِم كَمَا فُرضت على أهل الأَرْض، وعَلى أَن الْمَلَائِكَة من جملَة أَتْبَاعه إذْ من جُملة كَمَال الشّرف لَهُ بعثته إِلَيْهِم، كَمَا أَن جملَة شرفه على أهل الأَرْض إرْسَاله إِلَيْهِم أَجْمَعِينَ. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه قَوْله صلى الله عليه وسلم: (لما أسرى بِي إِلَى السَّمَاء أذنَّ جِبْرِيل فظنَّتْ الْمَلَائِكَة أَنه يُصَلِّي بهم فَقَدَّمَنِي فصليتُ بِالْمَلَائِكَةِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي نعيم (نزل آدم بِأَرْض الْهِنْد فاستوحش فَنزل جِبْرِيل فَنَادَى بِالْأَذَانِ وَمن جملَته أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله مرَّتَيْنِ) فَهَذِهِ شَهَادَة من جِبْرِيل برسالة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مرَّتَيْنِ وَعلمهَا لآدَم عليه الصلاة والسلام فَدلَّ على إرْسَاله للأنبياء وَالْمَلَائِكَة مَعًا. وَجَاء عَن سَبْعَة صحابة (أَنه صلى الله عليه وسلم أخبر أَنه مَكْتُوب على الْعَرْش وعَلى كل سَمَاء وعَلى بَاب الْجنَّة وأوراقها: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله) فكتابة اسْمه فِي الملكوت الْأَعْلَى دون أَسمَاء سَائِر الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا هُوَ لتشهد بِهِ الْمَلَائِكَة وَيكون مُرْسلا إِلَيْهِم. وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب (أَن آدم أوصى ابْنه شَيْئا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ: كلما ذَكَرْتَ الله فاذكر إِلَى جنبه اسْم مُحَمَّد فَإِنِّي رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طُوِّفت فَلم أر فِي السَّمَاء موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّدًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، وَلم أر فِي الْجنَّة قصراً وَلَا غرفَة إِلَّا وَرَأَيْت اسْم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مَكْتُوبًا على نحور الْعين، وعَلى قضبان اجام الْجنَّة، وعَلى ورق شَجَرَة طُوبَى، وعَلى ورق سِدْرَة الْمُنْتَهى، وعَلى أَطْرَاف الْحجب، وَبَين أعين الْمَلَائِكَة، فَأكْثر ذكره فَإِن الْمَلَائِكَة تذكره فِي كل ساعاتها) فَهَذَا يدل على أَنه نَبِي للْمَلَائكَة حَيْثُ لم تغفل ذكره. وَفِي هَذَا الْأَثر فَائِدَة لَطِيفَة هِيَ أَنه صلى الله عليه وسلم أرسل إِلَى الْحور الْعين وَإِلَى الْولدَان. وَصَحَّ كَذَلِك أَنه لم يدْخل أحد الْجنَّة وَلم يسْتَقرّ بهَا مِمَّن خلق فِيهَا إِلَّا من آمن بِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَعَلَّ من فَوَائِد الْإِسْرَار ودخوله الْجنَّة تَبْلِيغ جَمِيع من فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة وَمن فِي الْجنان من الْحور الْعين والولدان، وَمن فِي البرزخ من الْأَنْبِيَاء رسَالَته ليؤمنوا بِهِ ويصدقوه فِي زَمَنه مشافهة بعد أَن كَانُوا مُؤمنين بِهِ قبل وجوده. وَمِنْهَا: أَن السُّبْكِيّ رَحْمَة الله قد بَين فِي تأليف لَهُ أَنه صلى الله عليه وسلم أرسل إِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء آدم فَمن بعده، وَاسْتدلَّ بِخَبَر (كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد) وبخبر (بعثت إِلَى النَّاس كَافَّة) وَلِهَذَا أَخذ الله المواثيق على الْأَنْبِيَاء، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [آل عمرَان: 81] وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي الْآيَة قَالَ: (لم يبْعَث الله نَبيا قطّ من لدن نوح إِلَّا أَخذ الله ميثاقه ليُؤْمِنن بِمُحَمد) . قَالَ السُّبْكِيّ: عرفنَا بالْخبر الصَّحِيح حُصُول الْكَمَال من قبل خلق آدم لنبينا صلى الله عليه وسلم من ربه سُبْحَانَهُ، وَأَنه أعطَاهُ النبوّة من ذَلِك الْوَقْت ثمَّ أَخذ لَهُ المواثيق على الْأَنْبِيَاء ليعلموا أَنه الْمُقدم عَلَيْهِم، وَأَنه نَبِيّهم ورسولهم فَهُوَ صلى الله عليه وسلم نَبِي الْأَنْبِيَاء، وَلِهَذَا كَانُوا فِي الْآخِرَة تَحت لوائه وَفِي الدُّنْيَا كَذَلِك لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلَو اتّفق مَجِيئه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)