الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سُجُوده وتشهده وَغَيرهمَا صَرِيحَة فِي الْمُدَّعِي لَا تقبل تَأْوِيلا مِنْهَا. قَوْله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سَخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك) الحَدِيث. وَقَوله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من جَهْد البَلاء ودَرْك الشَّقَاء وشماتة الْأَعْدَاء) وَمِنْهَا قَوْله صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار وَمن فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات) . وَصَحَّ عِنْد الْحَاكِم أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول فِي سُجُوده: (هَذِه يَدي وَمَا جنيت بهَا على نَفسِي) وَفِي رِوَايَة للبزار: (هَذِه يداي وَمَا جنيت على نَفسِي) . فَإِن قلت: لَا حجَّة فِي هَذَا كُله لِأَنَّهُ تشريع مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لأمته أَن يَقُوله. قلت: مَمْنُوع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُجَرّد تشريع فَقَط لقَالَ قُولُوا كَذَا، فَأَما إذْ أسْندهُ إِلَى نَفسه متكرراً فَلَا يحمل على التشريع فَقَط بل الْوَاجِب حمله عَلَيْهِ وعَلى التَّعَبُّد بِهِ مِنْهُ لرَبه كَمَا هُوَ مُحَقّق فِي مبحثه، وَإِذا كَانَ من جملَة الْمَقْصُود بِهِ التعبُّد بِهِ لله تَعَالَى لزِم من ذَلِك وجود الْخَوْف وَعدم أَمن الْمَكْر، وَإِلَّا لَكَانَ طلب محَال وَهُوَ لَا يجوز كَمَا صرَّحوا بِهِ، فَثَبت أَن هَذِه الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي المدَّعى لَا تقبل تَأْوِيلا كَمَا تقرر. وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بِنور وَجهك الْكَرِيم أَن يحلِّ عليّ غضبك أَو ينزل عليّ سخطك) . وَفِي أُخْرَى عِنْده أَيْضا (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم واسمك الْعَظِيم من الْكفْر والفقر) . وَفِي أُخْرَى عِنْد الْبَيْهَقِيّ (اللَّهُمَّ عَافنِي فِي قدرتك، وأدخلني فِي رحمتك، واقض أَجلي فِي طَاعَتك، وَاخْتِمْ لي بِخَير عَمَلي، وَاجعَل لي ثَوَابه الْجنَّة) . وَصَحَّ حَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة (وَأَسْأَلك خشيتك فِي الْغَيْب) . وروى أَبُو دَاوُد (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من فتْنَة النَّار وَمن عَذَاب النَّار) وَصَحَّ عِنْد الْحَاكِم (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك عيشة نقيِّة وميتة سَوِيَّة ومَرَدَّاً غير مُخْزٍ وَلَا فاضِح) وَنَحْو ذَلِك فِي السّنة كثير وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لمن وفْق لقبُول الْحق، حقق لله لنا ذَلِك بمنه وَكَرمه. 228 وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: فِيمَن قَالَ فِي عقيدة وَفِي بَقَاء الله نظر، فَمَاذَا يلْزمه؟ فَأجَاب بقوله: إِن أَرَادَ التَشْكيك أَو الشَّك فِي دوَام بَقَاء الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَهُوَ كَافِر، مراق الدَّم، فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضُربتْ عنفه، وَلَعَلَّ هَذَا الرجل هُوَ الجبرتي الَّذِي فِي السّلف من الْخلف فَإِنَّهُ أرسل إليّ فِي هَذِه السنَّة مؤلَّفاً ذكر فِيهِ تَضْلِيل الأشعرية بِكَلَام سَفْساف، يدل على جَهْله وانحلال عقيدته جدا، وَأَنه لَا مَسْكَة لَهُ وَلَا دين، وَأَنه اغترَّ بِكَلَام لبَعض الملحدة والزنادقة، فَذكره فِي مُؤَلفه مُعْتَقدًا لَهُ، فَضَلَّ أَو كُفُرْ، وأضلَّ كثيرين لكَونه يرى التنسُّك والتقشُّف، فاعتقده الْعَامَّة وَمَا دروا أَنه زنديق مُلْحِد ضَّال مضِّل يجب على قَاضِي السّلف وَبَقِيَّة قُضَاة الْخلف أَن يعزِّروه التَّعْزِير البليغ، ويُشَدِّدوا عَلَيْهِ الْعقُوبَة بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس إِلَى أَن يغسل ذَلِك المؤلِّف جميعَه أَو يَحرِقه، فَإِن النُّسْخَة الْوَاصِلَة إليّ مِنْهُ كَتبْتُ لَهُ عَلَيْهَا فِي كل ورقة مِنْهَا مَا أعْدَّمها، وعطَّل النَفْع بهَا، كَمَا هُوَ الْوَاجِب عليّ وعَلى كل من اطَّلع على ذَلِك الْكتاب من أهل الْعلم، لكنْ أخْشَى أَن هَذَا المُلحِد المارق الزنديق الْمُنَافِق يكون عِنْده مِنْهُ نُسْخَة أُخْرَى فيخرجَها للعوام المعتقدين لَهُ فيضلَّهم بهَا من غير أَن يشعروا فَأَهْلَكَهُ الله وأباده حَتَّى تنْدَفع ضَرُورَته عَن الْمُسلمين وَأَيْقَظَ لَهُ من يُقيم عَلَيْهِ نواميس الشَّرِيعَة لينزجر هُوَ وَأَمْثَاله عَن الْخَوْض فِيمَا لَا يتأهلون للخوض فِيهِ.
229 - وَسُئِلَ شَيخنَا أمدنا الله بمدده ونفعنا بِعُلُومِهِ وبركته: هَل فرق بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب، وَبَين الْحَرَام والمحظور، وَبَين يُسَّن ويُشْرع ويُستحب ويُنْدب ومحبوب؟ فَأجَاب رضي الله عنه بقوله: الْفَرْض وَالْوَاجِب مُتَرَادِفَانِ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رضي الله عنه حَيْثُ فرق بَينهمَا بِأَن الْفِعْل الْمَطْلُوب طلبا جَازِمًا إنْ ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ كالقرآن فَهُوَ الْفَرْض، كَقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى: {مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ} [المزمل: 20] أَو بِدَلِيل ظَنِّي كَخَبَر الْوَاحِد فَهُوَ الْوَاجِب كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بِحَدِيث (الصَّحِيحَيْنِ) بقوله: (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) فيأثم بِتَرْكِهَا وَلَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة بِخِلَاف ترك الْقِرَاءَة هَذَا تَفْصِيل مذْهبه، وَأما عندنَا فكلٌ من الْقسمَيْنِ يُسمى فرضا وواجباً وَتبطل الصَّلَاة مثلا بِتَرْكِهِ، أخذا من فَرَض الشَّيْء قدَّره، وَوَجَب الشيءُ وجوبا ثَبت، وكلٌ من المقدَّر وَالثَّابِت أَعم من أنْ يثبت بقطْعِي أَو ظنيِّ، ومأخذنا هَذَا أَكثر اسْتِعْمَالا من مأخذهم الْمُقَرّر فِي مَحَله، على أَن الْخلاف لَفْظِي كَمَا قرر فِي مَحَله أَيْضا مَعَ مَا فِيهِ من إِشْكَال وَجَوَاب. وَالْحرَام
229 - وَسُئِلَ شَيخنَا أمدنا الله بمدده ونفعنا بِعُلُومِهِ وبركته: هَل فرق بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب، وَبَين الْحَرَام والمحظور، وَبَين يُسَّن ويُشْرع ويُستحب ويُنْدب ومحبوب؟ فَأجَاب رضي الله عنه بقوله: الْفَرْض وَالْوَاجِب مُتَرَادِفَانِ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رضي الله عنه حَيْثُ فرق بَينهمَا بِأَن الْفِعْل الْمَطْلُوب طلبا جَازِمًا إنْ ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ كالقرآن فَهُوَ الْفَرْض، كَقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى: {مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ} [المزمل: 20] أَو بِدَلِيل ظَنِّي كَخَبَر الْوَاحِد فَهُوَ الْوَاجِب كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة الثَّابِتَة بِحَدِيث (الصَّحِيحَيْنِ) بقوله: (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) فيأثم بِتَرْكِهَا وَلَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة بِخِلَاف ترك الْقِرَاءَة هَذَا تَفْصِيل مذْهبه، وَأما عندنَا فكلٌ من الْقسمَيْنِ يُسمى فرضا وواجباً وَتبطل الصَّلَاة مثلا بِتَرْكِهِ، أخذا من فَرَض الشَّيْء قدَّره، وَوَجَب الشيءُ وجوبا ثَبت، وكلٌ من المقدَّر وَالثَّابِت أَعم من أنْ يثبت بقطْعِي أَو ظنيِّ، ومأخذنا هَذَا أَكثر اسْتِعْمَالا من مأخذهم الْمُقَرّر فِي مَحَله، على أَن الْخلاف لَفْظِي كَمَا قرر فِي مَحَله أَيْضا مَعَ مَا فِيهِ من إِشْكَال وَجَوَاب. وَالْحرَام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)