وقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل: "أو سؤال مطلقًا" ما نصه: وأما الصورة الرابعة: وهي ما إذا كانت عادته في بلده السؤال، ومنه عيشه والعادة إعطاؤه، فقال المصنِّف في توضيحه ومنسكه: إن ظاهر المذهب أنَّه لا يجب عليه الحج، ويكره له الخروج، وجزم به هنا، وقال في الشامل: إنه المشهور، وأقر في شروحه كلام المؤلف على إطلاقه، وكذلك البساطي والشيخ زروق، ولم ينبه عليه ابن غازي. انتهى محل الغرض منه.
وقال الحطاب أيضًا: وذكر ابن الحاجب القولين من غير ترجيح، وقبلهما ابن عبد السلام، والمصنِّف في التوضيح، وابن فرحون، وصاحب الشامل، ومن بعدهم، ورجحوا القول بالسقوط، وصرح بعضهم بتشهيره، وكذلك شراح المختصر. اهـ. محل الغرض منه.
ومعنى قوله: ورجحوا القول بالسقوط، يعني سقوط وجوب الحج عمن عادته السؤال والإِعطاء.
القول الثاني من قولي المالكية: أن الفقير الذي عادته السؤال في بلده وعادة الناس إعطاءه إذا كانت عادتهم إعطاءه في سفر الحج كما كانوا يعطونه في بلده، أنَّه يعد بذلك مستطيعًا، وأن تحصيله زاده بذلك السؤال، يعد استطاعة، وعلى هذا القول أكثر المالكية.
وقال الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: "أو سؤال مطلقًا" بعد أن ذكر القول بأن ذلك السؤال والإِعطاء لا يعد استطاعة، ولا يجب به الحج، بل يكره الخروج في تلك الحال ما نصه:
قلت: ونصوص أهل المذهب التي وقفت عليها مصرحة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 81)
بخلاف ذلك، وأن الحج واجب على من عادته السؤال إذا كانت العادة إعطاءه، ثم سرد كثيرًا من نقول علماء المالكية مصرحة بوجوب الحج عليه، وأهل هذا القول من علماء المالكية - وهم الأكثرون - وجهوه بأنه محمول على الفقير الذي يباح له السؤال، لعدم قدرته على كسب ما يعيش به، وأن ذلك السؤال لما كان جائزًا له، وصار عيشه منه في الحضر، فهو بذلك السؤال والإِعطاء قادر على الوصول إلى مكة. قالوا: ومن قدر على ذلك بوجه جائز لزمه الحج.
قال مقيده، عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل من قولي المالكية في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش في طريقه بتكفف الناس، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة.
ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} الآية. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارًا: أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وبينا أدلة ذلك من السنَّة الصحيحة، فقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون. ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره داخل في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون، وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجب الحج، وهو واضح. وقد استدل الشيخ ابن القاسم رحمه الله بهذه الآية المذكورة على ما ذكرنا.
ولكن كثيرًا من متأخري علماء المالكية حملوا قول ابن القاسم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 82)
الذي احتج عليه بالآية المذكورة على من ليس عادته السؤال في بلده، قالوا: فلم يتناول قوله محل النزاع.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر الآية الكريمة العموم في جميع الذين لا يجدون ما ينفقون، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال، بدون دليل من كتاب، أو سنَّة لا يصح ولا يعول عليه. وقد تقرر في الأصول أنَّه لا يمكن تخصيص العام إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة.
ومما يؤيد هذا في الجملة ما ثبت في صحيح البخاري: حدَّثنا يحيى بن بشر، حدَّثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: كان أهل اليمن يحجُّون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ورواه ابن عيينة، عن عكرمة مرسلًا. انتهى من صحيح البخاري.
وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه: أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا، فإن قوله: {فإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي: تزودوا، واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإِثم في ذلك. انتهى محل الغرض منه.
وفيه دليل ظاهر: على حرمة خروج الإِنسان حاجًّا بلا زاد، ليسأل الناس، وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيرًا كان، أو غنيًّا، كانت عادته السؤال في بلده، أو لا. وحمل النصوص على ظواهرها واجب إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه. ومما يؤيد هذا أن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 83)
الذين مدحهم الله في كتابه بتركهم سؤال الناس كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم، وذلك في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} الآية، فصرح بأنهم فقراء وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال.
ووجه إشارة الآية إلى شدة فقرهم، هو ما فسرها به بعض أهل العلم، من أن معنى قوله: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي: بظهور آثار الفقر والحاجة عليهم.
وقال ابن جرير في تفسيره، بعد أن ذكر القول بأن المراد بسيماهم: علامة فقرهم من ظهور آثار الجوع، والفاقة عليهم، والقول الآخر: أن المراد بسيماهم: علامتهم التي هي التخشع، والتواضع ما نصه:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يعرفهم بعلاماتهم، وآثار الحاجة فيهم. انتهى محل الغرض منه.
وقال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} قول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} قال: رثاثة ثيابهم. انتهى. ومثل هذا كثير في كلام المفسرين.
فالآية الكريمة: تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 84)
المتعفف عن مسألة الناس، وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس، والأحاديث الواردة في ذم السؤال مطلقًا كثيرة جدًّا.
وبذلك كله تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإِسلام، وأن قول بعض المالكية: إنه لا يعد استطاعة هو الصواب. وهو قول جمهور أهل العلم. وممن ذهب إليه: الشَّافعي، وأحمد، وأَبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق. وبه قال بعض أصحاب مالك. قال البغوي: وهو قول العلماء. اهـ. قاله النووي.
والاستطاعة عند أبي حنيفة الزاد، والراحلة، فلو كان يقدر على الشيء، وعادته سؤال الناس، لم يجب عليه الحج عنده كما قدمناه قريبًا.
والاستطاعة في مذهب الشَّافعي: الزاد والراحلة، بشرط أن يجدهما بثمن المثل، فإن لم يجدهما إلَّا بأكثر من المثل سقط عنه وجوب الحج. ويشترط عند الشَّافعية أيضًا: وجود الماء في أماكن النزول، وهذا شرط لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه إن لم يجد الماء هلك، ويشترط عند الشَّافعية أيضًا: أن يكون صحيحًا لا مريضًا، ولا ينبغي أن يختلف في أن المرض القوي الذي يشق معه السفر مشقة فادحة، مسقط لوجوب الحج. ويشترط عند الشَّافعي أيضًا: أن يكون الطَّرِيق آمنًا من غير خفارة. والخفارة مثلثة الخاء: هي المال الذي يؤخذ على الحاج. ويشترط عند الشَّافعي أيضًا: أن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء. وهذه الشروط في المستطيع بنفسه، لا فيما يسمونه المستطيع بغيره، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 85)
وكان قادرًا على المشي على رجليه، ولم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من ثمن المثل، أو أجرة المثل؛ لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشي استطاعة عندهم، لحديث الزاد والراحلة في تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما يصرفه في الزاد والماء، ولكنه كسوب ذو صنعة يكتسب بصنعته ما يكفيه، ففي ذلك عند الشَّافعي تفصيل حكاه إمام الحرمين عن العراقيين من الشَّافعية، وهو: أنَّه إن كان لا يكتسب في اليوم إلَّا كفاية يوم واحد؛ لم يجب عليه الحج؛ لأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج، وإن كان يكتسب في اليوم كفاية أيام لزمه الحج.
قال الإِمام: وفيه احتمال، فإن القدرة على الكسب يوم العيد، لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة، هكذا ذكره الإِمام وحكاه الرافعي، وسكت عليه. انتهى من النووي، ومراده بالإِمام: إمام الحرمين.
وقوله: وفيه احتمال يعني: أنَّه يحتمل عدم وجوب الحج بذلك مطلقًا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا الذي ذكره مبني على القاعدة المعروفة المختلف فيها: وهي هل القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل، أو لا؟ والأظهر أن القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل بالفعل. والعلم عند الله تعالى.
والاستطاعة عند أحمد وأصحابه: هي الزاد والراحلة.
قال ابن قدامة في المغني: والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشَّافعي،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 86)
وإسحاق. قال التِّرمِذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. انتهى محل الغرض منه.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في معنى الاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} فهذه أدلتهم.
أما الأكثرون الذين فسروا الاستطاعة: بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتفسير الاستطاعة في الآية بالزاد والراحلة. وقد روى عنه ذلك من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عبَّاس، ومن حديث أَنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود. اهـ.
أما حديث ابن عمر فقد أخرجه التِّرمِذي، وابن ماجة من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر. وقال التِّرمِذي بعد أن ساقه: هذا الحديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. انتهى من التِّرمِذي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تحسين التِّرمِذي رحمه الله لهذا الحديث لا وجه له؛ لأن إبراهيم الخوزي المذكور متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد. وقد نقل الزيلعي في نصب الراية عن التِّرمِذي: انه لما ساق الحديث المذكور، قال فيه: حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. اهـ.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 87)
ومقتضى ما نقل الزيلعي عنه أنَّه لم يحسنه، وإنَّما وصفه بالغرابة، وهذا الذي ذكره الزيلعي ذكره التِّرمِذي في موضع آخر، وقد علمت أن إبراهيم الخوزي لا يحتج به. فلا يكون حديث هو في إسناده حسنًا.
قال صاحب نصب الراية: وله طريق آخر عند الدَّارَقُطني في سننه أخرجه محمد بن الحجاج المصفر، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر مرفوعًا. ومحمد بن الحجاج المصفر ضعيف. اهـ. وهو كما قال الزيلعي ضعيف.
قال في الميزان فيه: روى عبَّاس، عن يحيى ليس بثقة. وقال أحمد: قد تركنا حديثه. وقال البخاري عن شعبة: سكتوا عنه، وقال النَّسائي: متروك. ثم ذكر بعض عجائبه، وعلى كل حال فهو لا يحتج به.
واعلم: أن إبراهيم بن يزيد الخوزي كما تابعه في هذه الرواية جرير بن حازم من طريق محمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا آنفًا، أنَّه لا يحتج به، فقد تابعه أيضًا فيها غيره من الضعفاء.
قال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزي المذكور، عند التِّرمِذي، وابن ماجة: ورواه الدَّارَقُطني، ثم البيهقي في سننهما.
قال الدَّارَقُطني: وقد تابع إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبد الله بن عبيد ابن عمير الليثي، فرواه عن محمد بن عباد، عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك انتهى. وهذا الذي أشار إليه رواه ابن عدي في الكامل وأعله بمحمد بن عبد الله الليثي، وأسند تضعيفه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 88)
عن النَّسائي، وابن معين ثم قال: والحديث معروف بإبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو من هذه الطَّرِيق غريب. ثم ذكر عن البيهقي إبراهيم المذكور. قال: وروى من أوجه أخر كلها ضعيفة. وروى عن ابن عبَّاس من قوله. ورويناه من أوجه صحيحة، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، وفيه قوة لهذا السند انتهى. ثم قال الزيلعي بعد هذا الكلام الذي نقلناه عنه: قال الشيخ في الإِمام: قوله: "فيه قوة" فيه نظر؛ لأن المعروف عندهم: أن الطَّرِيق إذا كان واحدًا، ورواه الثقات مرسلًا، وانفرد ضعيف برفعه، أن يعللوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف. فإذا كان ذلك موجبًا لضعف المسند، فكيف يكون تقوية له. اهـ. وهو كما قال كما هو معروف في الأصول وعلم الحديث. ثم قال الزيلعي: قال - يعني الشيخ في الإِمام - : والذي أشار إليه من قول ابن عبَّاس رواه أَبو بكر بن المنذر: حدَّثنا علان بن المغيرة، ثنا أَبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس قوله. والمرسل رواه سعيد بن منصور في سننه: حدَّثنا هشام، ثنا يونس، عني الحسن قال: لما نزلت: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} قال رجل: يا رسول الله، وما السبيل؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : "زاد وراحلة". انتهى. حدَّثنا الهيثم، ثنا منصور، عن الحسن مثله.
حدَّثنا خالد بن عبد الله، عن يونس، عن الحسن مثله. قال: وهذه أسانيد صحيحة إلَّا أنَّها مرسلة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة مسندًا، والصحيح رواية الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا. وأما المسند فإنما رواه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك ضعفه ابن معين وغيره. اهـ. من نصب الراية.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 89)
وبهذا تعلم أن حديث ابن عمر المذكور لم يسند من وجه صحيح، ولم يثبت؛ لأن إبراهيم الخوزي متروك، ومحمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا أن إبراهيم تابعه عليه جرير بن حازم من طريقه لا يحتج به، كما بيناه، وقد بينا أن متابعة محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، لا تقويه؛ لأنه ضعيف، ضعفه النَّسائي، وأعل الحديث به ابن عدي في الكامل. وقال الذهبي في الميزان: ضعفه ابن معين. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النَّسائي متروك. اهـ. منه.
وأما مرسل الحسن البصري المذكور، وإن كان إسناده صحيحًا إلى الحسن، فلا يحتج به، لأن مراسيل الحسن رحمه الله لا يحتج بها.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وقال الدَّارَقُطني: مراسيل الحسن فيها ضعف. وقال في تهذيب التهذيب أيضًا: وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلًا، وسيمًا، وكان ما أسند من حديثه، وروى عمن سمع منه، فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة.
وقال صاحب تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل واحد. انتهى.
ثم قال بعد هذا الكلام: وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح، وعدم الاحتجاج بمراسيل الحسن هو المشهور عند
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 90)
المحدثين. وقال بعض أهل العلم: هي صحاح إذا رواها عنه الثقات. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وقال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها. وقال أَبو زرعة: كل شيء يقول الحسن: قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. اهـ.
فهذا هو جملة الكلام في حديث ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقد علمت أنَّه لم يثبت من وجه صحيح، بحسب صناعة علم الحديث.
وأما حديث ابن عبَّاس، فرواه ابن ماجه في سننه: حدَّثنا سويد بن سعيد، ثنا هشام بن سليمان القرشي، عن ابن جريج قال. وأخبرنيه أيضًا عن ابن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الزاد والراحلة" يعني قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} وهذا الإِسناد فيه هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي قال فيه: أَبو حاتم مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا. وقال العقيلي في حديثه عن ابن جريج: وهم، وقال فيه ابن حجر في التقريب: مقبول. اهـ.
وقد أخرجه له مسلم.
وقال البخاري في صحيحه في البيوع: وقال لي إبراهيم بن المنذر: أنبأنا هشام، أخبرنا ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، عن نافع مولى ابن عمر قال: "أيما ثمرة بيعت، ثم أبرت" وذكر الحديث من قوله. وهذا يدل على أنَّه أيضًا من رجال البخاري. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر هذا الكلام الذي ذكرنا: وأما كون المتقدمين لم يذكروه في رجال البخاري؛ فلأن البخاري لم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 91)
يخرج له سوى هذا الموضع في المتابعات، وأورده بألفاظ الشواهد. انتهى منه.
وبما ذكرنا تعلم أن حديث ابن عبَّاس هذا عند ابن ماجة لا يقل عن درجة الحسن، مع أنَّه معتضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الزيلعي في نصب الراية: وأخرج حديث ابن عبَّاس المذكور الدَّارَقُطني في سننه، عن داود بن الزبرقان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عبَّاس. وأخرج أيضًا عن حصين بن المخارق، عن محمد بن خالد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قيل: يا رسول الله الحج كل عام؟ قال: "لا بل حجة" قيل: فما السبيل إليه؟ قال: "الزاد والراحلة". انتهى.
ثم قال: وداد وحصين كلاهما ضعيفان. اهـ. وداود بن الزبرقان المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك، وكذبه الأزدي، وحصين بن مخارق المذكور. قال فيه الذهبي في الميزان: قال الدَّارَقُطني: يضع الحديث، ونقل ابن الجوزي أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به. اهـ.
وهذا حاصل ما في حديث ابن عبَّاس المذكور.
وأما حديث أَنس فقد أخرجه الحاكم في المستدرك: حدَّثنا أَبو بكر محمد بن حازم الحافظ بالكوفة، وأَبو سعيد إسماعيل بن أحمد التاجر، قالا: ثنا علي بن عبَّاس بن الوليد البجلي، ثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، ثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن أَنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 92)
تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد تابع حمَّاد بن سلمة سعيدًا على روايته، عن قَتَادة: حدَّثنا أَبو نصر أحمد بن سهل بن حمدوية الفقيه ببخاري، ثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا أَبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا أَبو قَتَادة، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن أَنس رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} فقيل: ما السبيل؟ قال: "الزاد والرحلة"، ثم قال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم. ولم يخرجاه. انتهى من المستدرك. وأقره على تصحيح الطريقين المذكورتين الحافظ الذهبي، فحديث أَنس هذا صحيح كما ترى. وقال صاحب نصب الراية: ورواه الدَّارَقُطني في سننه بالإِسنادين. اهـ.
وأما حديث عائشة فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدَّارَقُطني في سننه عن عتاب بن أعين، عن سفيان الثَّوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة قالت: سأل رجل رسول الله عن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} قال: "السبيل: الزاد والراحلة". انتهى. رواه العقيلي في كتاب الضعفاء، وأعله بعتاب وقال: إن في حديثه وهمًا. انتهى.
وقال البيهقي في كتاب المعرفة: وليس بمحفوظ، ثم أخرجه البيهقي، عن أبي داود الحفري، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السبيل؟ فقال: "الزاد والراحلة". اهـ.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 93)
وقد علمت مما ذكرنا: أن حديث عائشة المذكور أعله العقيلي بعتاب بن أعين، وقال: إن في حديثه وهمًا، وأن البيهقي قال: ليس بمحفوظ. وقد قال الذهبي في الميزان في عتاب المذكور: قال العقيلي. في حديثه وهم. روى عنه هشام بن عبيد الله حديثًا خولف في سنده. انتهى منه.
وأما مرسل الحسن الذي أشار له، فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى قريبًا.
وأما حديث جابر، فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدَّارَقُطني، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبي الزُّبَير أو عمرو بن دينار، عر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بلفظ حديث عائشة. ومحمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي تركوه، وأجمعوا على ضعفه، وقد تقدم، وقد قدمنا أن محمدًا المذكور لا يحتج به. وبهذا تعلم أن حديث جابر المذكور لا يصلح للاحتجاج.
وأما حديث ابن مسعود فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدارقطني، عن بهلول بن عبيد، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود بنحوه. وبهلول بن عبيد، قال أَبو حاتم: ذاهب الحديث. اهـ.
وقال الذهبي في الميزان في بهلول المذكور: قال أَبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب. وقال أَبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يسرق الحديث. انتهى منه.
وبما ذكر تعلم أن حديث ابن مسعود المذكور، ليس بصالح للاحتجاج.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 94)
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد قال صاحب نصب الراية أيضًا: أخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن ابن لهيعة، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن جده بنحوه. وابن لهيعة والعرزمي ضعيفان. قال الشيخ في الإِمام: وقد خرج الدَّارَقُطني هذا الحديث، عن جابر، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وليس فيها إسناد يحتج به. انتهى منه.
هذا هو حاصل روايات الأحاديث الواردة بتفسير السبيل في الآية: بالزاد، والراحلة. وقال غيره واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندًا، وأنه ليس له طريق صحيحة إلَّا الطَّرِيق التي أرسلها الحسن.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - : أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أَنس قال: كلتاهما صحيحة الإِسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء. والدعوى على سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث، عن أَنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّها غلط، وأن الصحيح عن قَتَادة عن الحسن مرسلًا دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل.
والصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين: أن الحديث إذا جاء من طريق صحيحة، وجاء من طريق أخرى غير صحيحة، فلا تكون تلك الطرق علة في الصحيحة، إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين.
فرواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة الحديث المذكور
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 95)
عن قَتَادة، عن أَنس مرفوعًا لم يخالفوا فيها غيرهم، بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط. وقول النووي في شرح المهذب: وروى الحاكم حديث أَنس، وقال: وهو صحيح، ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات. والله أعلم.
يجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك أنَّه لا يقبل له تصحيح مطلقًا. ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أَنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يبد النووي وجهًا لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد من رواته، بل هو تصحيح مطابق.
فإن قيل: متابعة حمَّاد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راوي عن حمَّاد هو أَبو قَتَادة عبد الله بن واقد الحراني، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال. وقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطَّرِيق على شرط مسلم، مع أن في إسنادها أبا قَتَادة المذكور.
فالجواب: أن أبا قَتَادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون، فقد وثقه الإِمام أحمد وأثنى عليه، وناهيك بتوثيق الإِمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي: أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قَتَادة المذكور كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًّا، وأثنى عليه وقال: إنه يتحرى الصدق. قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك ربما أخطأ، وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنَّه قال: أَبو قَتَادة الحراني ثقة. ذكرها عنه ابن حجر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 96)
والذهبي. وقول من قال: لعله كبر فاختلط تخمين وظن لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل إلَّا مفصلًا، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أَنس ليس في أحد من رواتها كلام.
ومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة حمَّاد، مع أن حديث أَنس الصحيح المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولا سيما على قول من يقول: أن مراسيله صحاح، إذا روتها عنه الثقات، كابن المديني وغيره، كما قدمناه.
ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارًا، ويؤيده أيضًا: الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن كانت ضعافًا لأنها تقوي غيرها، ولا سيما حديث ابن عبَّاس، فإنا قد ذكرنا سنده، وبينا أنَّه لا يقل عن درجة الاحتجاج.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج.
ومما يؤيد الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على العمل به، كما قدمنا عن أبي عيسى التِّرمِذي أنَّه قال في حديث الزاد والراحلة: والعمل عليه عند أهل العلم، وقد بينا أنَّه قول الأكثرين منهم الأئمة الثلاثة: أَبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد.
فالحاصل: أن حديث الزاد والراحلة، لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج.
وأظهر قولي أهل العلم عندي أن المعتبر في ذلك ما يبلغه ذهابًا وإيابًا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 97)
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - : أن حديث الزاد والراحلة وإن كان صالحًا للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج، إن كان عاجزًا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه يستطيع إليه سبيلًا، كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منها قوته في سفر الحج يجب عليه الحج؛ لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل.
فإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه، دون الراحلة مع اعترافكم بقبول تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل: بالزاد والراحلة، وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية.
فالجواب من وجهين.
الأول: أن الظاهر المتبادر أنه - صلى الله عليه وسلم - فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة؛ لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون، قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإِنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة، وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر - صلى الله عليه وسلم - الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب، لا يكون له مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى: {الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ} جرى على الغالب، فلا مفهوم مخالفة له كما قدمناه مرارًا، وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة الزاد والراحلة، وجرى الحديث على ذلك فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول المسافة، وإما لقوة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 98)
ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي يحصل منها قوته في سفره؛ لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى. والعلم عند الله تعالى.
الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب، والحاج الماشي على رجليه، وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)}.
وقد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة مستوفى، هذا هو حاصل ما يتعلق بالمستطيع بنفسه.
وأما ما يسمونه المستطيع بغيره فهو نوعان:
الأول منهما: هو من لا يقدر على الحج بنفسه، لكونه زمنًا، أو هرمًا ونحو ذلك، ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيدخل في عموم: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا}؟ أو لا يجب عليه الحج؛ لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه، فلا يدخل في عموم الآية.
وبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه، فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه بشرط أن يجد ذلك بأجرة المثل.
قال النووي: وبه قال جمهور العلماء، منهم علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود.
وقال مالك: لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلَّا أن يقدر على الحج بنفسه. واحتج مالك بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 99)
مَا سَعَى (39)} وبقوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} وهذا لا يستطيع بنفسه، فيصدق عليه اسم غير المستطيع، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز، كالصلاة.
واحتج الأكثرون القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة:
منها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس - رضي الله عنهم - أن امرأة (ح) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، حدثنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم" وفي رواية في صحيح البخاري عن ابن عباس فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع.
وفي لفظ في صحيح البخاري، عن ابن عباس: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع. اهـ.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس "أنه كان الفضل رديف رسول الله، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 100)