قالوا: لو كان جبرًا لما جاز الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران جائزان، فلا جبر في مباح.
ورد هذا من يخالف في ذلك قائلًا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا يكون الصوم بدلًا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلًا من دم، إلَّا إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر.
قالوا: والدليل على وقوع الجبر في المباح: لزوم فدية الأذى المنصوص في آية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} الآية. ولا شك أنه جبر في فعل مباح، وكذلك من لبس لمرض أو حر، أو برد شديدين، أو أكل صيدًا للضرورة المبيحة للميتة، أو احتاج للتداوي بطيب.
قالوا: ومن الأدلة على أنه دم جبر لا نسك سقوطه عن أهل مكة المنصوص عليه في قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فلو كان دم نسك محض لكان على الجميع من حاضري المسجد الحرام، وغيرهم لاستوائهم جميعًا في حكم النسك المحض. وهذا على قول الجمهور إن الإِشارة في قوله: ذلك راجعة إلى لزوم دم التمتع، أي: وأما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه إن تمتع بالعمرة إلى الحج خلافًا لابن عباس، ومن وافقه من الحنفية وغيرهم في قولهم: إن الإِشارة في قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} راجعة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أهل مكة لا تمتع لهم؛ لأنه على قول الجمهور
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 141)
لا فرق بين الآفاقي، وحاضري المسجد الحرام موجبًا لوجوب دم التمتع على الأول، وسقوطه عن الثاني إلَّا أن الأول تمتع بالترفه بسقوط أحد السفرين لأحد النسكين؛ ولذلك قال مالك، وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه: إنه إن سافر بعد إحلاله من العمرة وأحرم للحج في سفر جديد أنه لا دم تمتع عليه؛ لزوال العلة مع اختلافهم في قدر السفر المسقط للدم المذكور، فبعضهم يكتفي بسفر مسافة القصر، وهو مذهب أحمد، وهو مروي عن عطاء، وإسحاق، والمغيرة، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وبعضهم يكتفي بالرجوع إلى الميقات، وهو مذهب الشافعي، وبعضهم يشترط الرجوع إلى محله الذي جاء منه، وعزاه في المغني لأبي حنيفة وأصحابه، وبعضهم يشترط ذلك أو سفر مسافة بقدره، أعني قدر مسافة المحل الذي جاء منه، وهو مذهب مالك وأصحابه. وهذا يدل على أن دم التمتع دم جبر؛ لنقص السفر المذكور، بدليل أن السفر إن حصل عندهم سقط الدم لزوال علة وجوبه.
الأمر الثالث: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد بعض الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن التمتع والقران.
قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 142)
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي - واسمه خيوان بن خالد - أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللَّهم نعم. قال: وأنا أشهد قال: أتعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعًا؟ قالوا: اللَّهم نعم، قال: أتعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: اللَّهم لا، قال: والله إنها لمعهن - وكذلك رواه حماد بن سلمة، والأشعث بن بزاز عن قتادة، وحماد بن سلمة في حديثه - ولكنكم نسيتم. ورواه مطر الوراق، عن أبي شيخ في متعة الحج. انتهى من البيهقي.
وقد ذكر النووي في شرح المهذب، عن البيهقي: أنه ذكر بإسناده الحديثين الذين سقناهما عنه آنفًا، ثم قال في الأول منهما: ورواه أبو داود في سننه. وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب عن عمر، لكنه لم يرو هنا عن عمر، بل عن صحابي غير مسمى والصحابة كلهم عدول.
ثم قال في الثاني منهما: رواه البيهقي بإسناد حسن. انتهى.
وقال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 143)
حدثنا موسى أبو سلمة، ثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتم. انتهى منه.
الأمر الرابع: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد على غيره، أنه هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه بعده - صلى الله عليه وسلم - ، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقد حج أبو بكر - رضي الله عنه - بالناس مفردًا، وحج عمر بن الخطاب عشر سنين بالناس مفردًا، وحج عثمان - رضي الله عنه - بهم مدة خلافته مفردًا قالوا: فمدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة حول أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإِفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة.
قال النووي في شرح المهذب، وشرح مسلم في أدلة من فضل الإِفراد: ومنها: أن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان؛ واختلف فعل علي - رضي الله عنهم - أجمعين؛ وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج مفردًا لم يواظبوا على الإِفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإِسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 144)
أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله - صلى الله عليه وسلم - . وأما الخلاف عن عليّ وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد قدمنا عنهم ما يوضح هذا. انتهى منه.
الأمر الخامس: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب قال: ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإِفراد من غير كراهة، وكره عمر، وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: فثبت بالسنَّة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواز التمتع والقران والإِفراد، وثبت بمضي النبي - صلى الله عليه وسلم - في حج مفرد، ثم باختلاف الصدر الأول في كراهية التمتع والقران دون الإِفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. والله أعلم. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى أيضًا: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحرث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر - رضي الله عنه - فجرد، ومع عمر - رضي الله عنه - فجرد، ومع عثمان - رضي الله عنه - فجرد.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عبد الكريم بن الهيثم، ثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، أنبأنا نافع: أن ابن عمر كان يقول: إن عمر - رضي الله عنه - كان يقول: أن تفصلوا بين الحج والعمرة، وتجعلوا العمرة في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 145)
غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته. انتهى منه.
ثم ساق البيهقي بسنده عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - عن أبيهما، عن علي أنه قال: يا بني أفرد الحج، فإنه أفضل. اهـ. وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: جردوا الحج. وفي رواية له عنه: أنه أمر بإفراد الحج قال: فكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر. انتهى من البيهقي.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه: قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري، عن أبي حصين، وهذا إنما ذكرناه هاهنا؛ لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة - رضي الله عنهم - إنما يفعلون هذا عن توقيف.
والمراد بالتجريد هاهنا: الإِفراد، والله أعلم.
وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل، ومحمد بن مخلد قالا: ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر، فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، ثم توفي أبو بكر، واستخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج؛ ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج. في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 146)
إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. لكن قال الحافظ البيهقي: له شاهد بإسناد صحيح. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني هارون بن سعيد الإِيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو - وهو ابن الحرث - عن محمد بن عبد الرحمن. أن رجلًا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير، عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلًا يقول ذلك، قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلَّا بالحج، قلت: فإن رجلًا كان يقول ذلك. قال: بئسما قال، فتصداني الرجل، فسألني فحدثته فقال: فقل له فإن رجلًا كان يخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك؟ قال: فجئته، فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري، قال: فما باله لا يأتيني بنفسه، يسألني، أظنه عراقيًّا؟ فقلت: لا أدري قال: فإنه قد كذب قد حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة - رضي الله عنها - أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأبه الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة. وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 147)
تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك. انتهى من صحيح مسلم. وفيه التصريح من عروة بن الزبير رضي الله عنهما بأن الخلفاء الراشدين والمهاجرين، والأنصار كانت عادتهم أن يأتوا مفردين بالحج، ثم يتمونه كما رأيت.
وقال النووي في شرح الحديث المذكور: وقوله: ثم لم يكن غيره، وكذا قال فيما بعده، ولم يكن غيره. هكذا هو في جميع النسخ غيره بالغين المعجمة والياء. قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ قال: وهو تصحيف، وصوابه: ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم. وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. هذا كلام القاضي.
قلت: هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى؛ لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها.
ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي: لم يغير الحج، ولم ينقله، ويفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران. والله أعلم. انتهى كلام النووي، وهو صواب.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 148)
عبد الرحمن بن نوفل القرشي: أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج عثمان رضي الله عنه، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدأون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت، تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت، هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه أيضًا: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب: أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن ذكرت لعروة قال: فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما مثله، ثم حججت مع أبي الزبير رضي الله عنه، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين، والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 149)
قالوا: وجواب ابن عباس رضي الله عنهما عن حديث عروة المذكور لا يدفع احتجاج عروة بما ذكر، وكذلك جواب ابن حزم، وقد أجاب عروة ابن عباس فأسكته.
أما جواب ابن عباس الذي ذكروه، فهو ما رواه الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عروة: نهى أبو بكر، وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول: قال أبو بكر وعمر.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة، فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله، وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: لهما أعلم بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأتبع لها منك. اهـ. قالوا: فترى عروة أجاب ابن عباس بجواب أسكته به.
ولا شك أن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا أعلم بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتبع لها، لا يمكن ابن عباس أن ينكر ذلك.
وأما جواب ابن حزم فهو قوله: إن ابن عباس أعلم بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر من عروة، وأنه - يعني ابن عباس - خير من عروة وأولى منه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والخلفاء الراشدين. ثم ساق آثارًا من طريق البزار وغيره عن ابن عباس، يذكر فيها التمتع، عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 150)
أبي بكر، وعمر، وأن أول من نهى عنه معاوية. ولا يخفى سقوط كلام ابن حزم المذكور رده على عروة بن الزبير رضي الله عنهما.
أما قوله: إن ابن عباس أعلم من عروة، وأفضل فلا يرد رواية عروة بسند صحيح عن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يفردون كما ثبت في صحيح مسلم. وابن عباس لم يعارض عروة بأن فعلهما كان مخالفًا لما ذكره عروة عن الإِفراد، وإنما احتج بأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالاتباع من أمرهما، وقد أجابه عروة بأنهما ما فعلا إلَّا ما علما من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكمل وأتبع لسنته - صلى الله عليه وسلم - .
وأما الآثار التي رواها من طريق ليث وغيره فلا يخفى أنها لا تعد شيئًا مع ما ثبت في الصحيحين عنهم من الروايات التي لا مطعن فيها أنهم كانوا يفضلون الإِفراد.
ومن فهم كلامهم حق الفهم أعني الخلفاء الراشدين علم أنهم رضي الله عنهم يعلمون جواز التمتع والقران علمًا لا يخالجه شك، ولكنهم يرون أنه أتم للحج والعمرة أن يفصل بينهما، كما لا يخفى والمعنى غير خاف، بل هو ظاهر من سياق السؤال والجواب لمن تأمل ذلك. ومما يدل على صحة ما ذكره عروة بن الزبير في حديث مسلم المذكور من أن الخلفاء كانوا يفردون ما ثبت في الصحيحين من نحو ذلك، عن عمر، وعثمان رضي الله عنهما.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بما أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 151)
والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر رضي الله عنه فقال: إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمر بالتمام قال الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وإن نأخذ بسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه لم يحل حتى نحر الهدي. انتهى منه ونحوه أخرجه مسلم أيضًا.
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة، أن كتاب الله دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، وأن سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل، حتى بلغ الهدي محله، لكن الجواب عن ذلك: هو ما أجاب به هو - صلى الله عليه وسلم - حيث قال "ولولا أن معي الهدى لأحللت" فدل على جواز الإِحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر أنه منع منه سدًّا للذريعة.
وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه. وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإِفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليه، كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.
قال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإِفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإِجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. انتهى الغرض من كلام
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 152)
ابن حجر في الفتح. وهو واضح في أن عمر رضي الله عنه ما كان يرى إلَّا تفضيل الإِفراد على غيره، وشاهد لصحة قول من قال: إنه حج بالناس عشر حجج مفردًا.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلَّا رجمته بالحجارة. وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة بهذا الإِسناد. وقال في الحديث: فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم. اهـ. منه.
وهو دليل على ما ذكرنا من أن عمر رضي الله عنه يرى أن الإِفراد أفضل، ويدل على صدق من قال: إنه حج عشر حجج بالناس مفردًا كما تقدم.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن علي بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعليًّا رضي الله عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما الحديث. وفيه التصريح بأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يرى أفضلية الإِفراد على غيره؛ لنهيه عن التمتع والقران الثابت في الصحيح كما رأيت.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 153)
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها الحديث. وفيه التصريح بنهي عثمان رضي الله عنه عن التمتع. وبما ذكرنا كله تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كلهم كانوا يرون الإِفراد أفضل، وكان هو الذي يفعلونه كما رأيت الروايات الصحيحة بذلك، وهو المعروف عنهم رضي الله عنهم، فما ورد مما يخالف ذلك فهو مردود بما رأيت.
تنبيه
فإن قيل: هؤلاء الذين يفضلون الإِفراد، كمالك، والشافعي، وأصحابهما، وكأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ومن ذكرنا سابقًا ممن يقول بأفضلية الإِفراد على غيره من أنواع النسك بأي جوابٍ يجيبون عن الأحاديث الصحيحة الواردة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه كان متمتعًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر كل من لم يسق هديًا من أصحابه بأن يتحلل من إحرامه بعمرة، فالذين أحرموا بالإِفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة، والتحلل التام من تلك العمرة، وتأسف هو - صلى الله عليه وسلم - على أنه ساق الهدى الذي صار سببًا لمنعه من التحلل بعمرة وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة" مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يتأسف على فوات العمرة، إلَّا وهي أفضل من غيرها، والقران الذي اختاره الله له لا يكون غيره أفضل منه؛ لأن الله لا يختار لنبيه في نسكه إلَّا ما هو الأفضل.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 154)
فالجواب: أن المالكية والشافعية يقولون: إن التمتع الذي أمر به - صلى الله عليه وسلم - من كان مفردًا، وذلك بفسخ الحج في العمرة لا شك أنه في ذلك الوقت، وفي تلك السنة أفضل من غيره، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك الوقت أن يكون أفضل فيما سواه.
وإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريبًا تفصيلها إن شاء الله على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته، وهي أن يبين للناس أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وما فعله - صلى الله عليه وسلم - ، أو أمر به للبيان والتشريع، فهو قربة في حقه، وإن كان مكروهًا، أو مفضولًا، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولًا أو مكروهًا، ويفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
وربما يفعل للمكروه … مبينًا أنه للتنزيه
فصار في جانبه من القرب … كالنهي أن يشرب من فم القرب
وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل المكروه المنهي عنه، مبينًا بذلك الفعل أن النهي للتنزيه، لا للتحريم، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها؛ لما فيه من البيان، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب، وقد شرب منها. انتهى منه.
وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان، بل لا كراهة في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 155)
واحد منهما يقينًا، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته. وهذه هي الأدلة الدالة على أنه فعل ذلك لبيان الجواز، ولذلك يختص بذلك الركب، وتلك السنة.
الأول: منها حديث ابن عباس المتفق عليه الذي قدمناه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أيّ الحل؟ قال: "الحل كله" قالوا: فقوله في هذا الحديث المتفق عليه: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض"، وترتيبه بالفاء على ذلك قوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له - صلى الله عليه وسلم - على أمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة، هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، فالفسخ لبيان الجواز كما دل عليه هذا الحديث المتفق عليه، لا لأن الفسخ في حدّ ذاته أفضل. وقد تقرر في مسلك النص، ومسلك الإِيماء والتنبيه أن الفاء من حروف التعليل، كما قدمناه مرارًا قالوا: فقول: من زعم أن قوله في الحديث المذكور: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور" لا ارتباط بينه، وبين قوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه لولم يقصد به ذلك، لكان ذكره قليل الفائدة.
ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد بن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 156)
السري، عن ابن أبي زائدة، حدثنا ابن جرير، ومحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم، كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل الصفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. اهـ.
وقد بين الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى أن حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور دال على ذلك، ولا ينافي ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى فسخ الحج في العمرة لازمًا؛ لأنه لا مانع من أن يكون يعلم أن الفسخ لبيان الجواز المذكور، كما دل عليه حديثه، وهو يرى بقاء حكمه، ولو كان سببه الأول بيان الجواز، ولكن غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من المهاجرين والأنصار خالفوه في رأيه ذلك.
الدليل الثاني من أدلتهم: على أن فسخ الحج في العمرة المذكورة لبيان الجواز، وأنه خاص بذلك الركب، وتلك السنة، هو ما جاء من الأحاديث دالًّا على ذلك.
قال أبو داود في سننه: حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: "بل لكم خاصة". اهـ.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد العزيز - وهو الدراوردي - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 157)
يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: "بل لنا خاصة". اهـ.
وقال ابن ماجة في سننه: حدثنا أبو مصعب، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "بل لنا خاصة".
وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عياش العامري، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت رخصة يعني: المتعة في الحج.
وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن فضيل، عن زبيد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء، ومتعة الحج.
حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء، قال: أتيت إبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي فقلت: إني أهم أن أجمع العمرة والحج العام، فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ليهم بذلك.
قال قتيبة: حدثنا جرير، عن بيان، عن إبراهيم التيمي، عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 158)
أبيه: أنه مر بأبي ذر رضي الله عنه بالربذة فذكر ذلك له فقال: إنما كانت لنا خاصة دونكم.
وقال البيهقي وغيره من الأئمة: مراد أبي ذر بالمتعة المذكورة: المتعة التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها أصحابه رضي الله عنهم، وهي فسخ الحج في العمرة.
واستدلوا على أن الفسخ المذكور: هو مراد أبي ذر رضي الله عنه بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد - يعني ابن السري - عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليم بن الأسود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالوا: فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر رضي الله عنه بفسخ الحج في العمرة، وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم. وضعفت رواية أبي داود هذه بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلّس. وقد قال: عن عبد الرحمن بن الأسود. وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصح السماع من طريق أخرى. ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين:
الأولى: أن مشهور مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما قدمناه مرارًا.
والثانية: أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإِبهام ولو قرينة أو غيرها، كما هو مقرر في الأصول. وقد قدمناه مرارًا أيضًا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 159)
وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين:
الأولى منهما: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه المذكور عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه فيه ابنه الحارث بن بلال، وهو مجهول، قالوا: وقال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله في حديث بلال المذكور: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به. قال: وقد روى فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذر عند مسلم موقوف عليه، وليس بمرفوع، وإذا كان الأول في سنده مجهول، والثاني موقوفًا تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج.
الجهة الثانية: من جهتي رد الحديثين المذكورين: هي أنهما معارضان بأقوى منهما، وهو حديث جابر المتفق عليه: أن سراقة بن مالك بن جعشم، سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال في تمتعهم المذكور: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بل للأبد" وفي رواية في الصحيح فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد".
ورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج، قالوا: ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال ابن حجر في التقريب فيه: هو مقبول، قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم عن أبي ذر، كما رأيته آنفًا. قالوا: إن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 160)