قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. انتهى من نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي رحمه الله.
ومن أدلتهم على ذلك ما أخرجه الدَّارَقُطني عن أبي بردة عمرو بن يزيد، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرته، وحجه طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر وعمر، وعلي، وابن مسعود. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة متروك، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء.
ومن أدلتهم أيضًا … ما أخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن حصين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافين وسعى سعيين. انتهى. قال الدَّارَقُطني: يقال إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم في متنه، والصواب بهذا الإِسناد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قرن الحج، والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، وحدث به على الصواب، كما حدَّثنا به محمد بن إبراهيم بن نيروز، حدَّثنا محمد بن يحيى الأزدي به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن. انتهى. قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف، ولا السعي، كما حدَّثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد بن الوكيل، ومحمد بن مخلد قالا: حدَّثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة بهذا الإِسناد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن. انتهى كله من نصب الراية.
وقد علمت منه أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس فيها حديث قائم كما رأيت.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 201)
وقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج الحنفية بما روي عن علي أنَّه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق، والدارقطني، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسنادٍ ضعيفٍ نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك. والمخرج في الصحيحين، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنَّه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم، وطواف الإِفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم. لا يصح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا عن أحد من أصحابه بشيء في ذلك أصلًا. انتهى محل الغرض منه.
وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: وأما من قال: إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدَّارَقُطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر أنَّه جمع بين حج وعمرة معًا، وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت. وعن علي رضي الله عنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود. وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 202)
طاف طوافين، وسعى سعيين. وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدَّارَقُطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث علي الأول ففيه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده. قال الدَّارَقُطني: عيسى بن عبد الله يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبد الله فيرويه أَبو بردة عمرو بن يزيد عن حمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان. قال يحيى: هو كذاب خبيث. قال الرازي والنَّسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم.
فإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا بأن القارن يطوف طوافًا، ويسعى سعيًا كفعل المفرد، أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين:
الأول: هو ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي، وابن حجر وابن القيم عن الدَّارَقُطني، وغيره من أوجه ضعفها.
والثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن بعضها يصلح للاحتجاج
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 203)
وضعافها يقوى بعضها بعضًا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول، فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح، وأرجح، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح الدالة على أن النبي لم يفعل في قرانه إلَّا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عبَّاس عند البخاري، وكالحديث المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: "يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك" كما قدمناه واضحًا.
وقد اتضح من جميع ما كتبناه في هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج، وأن المتمتع يطوف، ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجته. ومما يوضح من جهة المعنى أنَّه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من مِنًى أنَّه يهل بالحج بالإِجماع، والحج يدخل في معناه دخولًا مجزومًا به الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها، وسعيها، لكان إهلاله بالحج إهلالًا بحج، لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف، ولا في الشرع. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنَّه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدئ طوافه مارًّا بجميع بدنه على جميع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 204)
الحجر، جاعلًا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفًا بالبيت، ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت؛ فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوافة واحدة، ثم يفعل كذلك، حتَّى يتمم سبعًا.
وأصح أقوال أهل العلم فيما يظهر لنا والله أعلم أنَّه لا بد من أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن شاذروان الكعبة؛ لأنه منها، وكذلك لا بدَّ أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن جدار الحجر؛ لأن أصله من البيت، ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم، ولأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين الشاميين؛ لأن أصلهما من وسط البيت؛ لأن قريشًا لم تبنِ ما كان عن شمالها من البيت، وهو الحجر الذي عليه الجدار، وأصله من البيت كما بينا. ومما يدل على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة رضي الله عنها.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ألم تري قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر، لفعلت" قال عبد الله رضي الله عنه: لئن كانت عائشة رضي الله عنها سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها في صحيح البخاري قالت: "سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجدر أمن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 205)
البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ألم تري قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه الأرض". اهـ. والمراد بالجدر بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة هنا: الحجر. وفي رواية عنها رضي الله عنها في صحيح البخاري أيضًا قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم - عليه السلام - ، فإِن قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت لها خلفًا" قال أَبو معاوية: حدَّثنا هشام خلفًا، يعني: بابًا. وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا فبلغت به أساس إبراهيم" فذلك الذي حمل ابن الزُّبَير رضي الله عنهما على هدمه. قال يزيد: وشهدت ابن الزُّبَير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإِبل قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. انتهى من صحيح البخاري. ويزيد المذكور هو ابن رومان. وجرير هو ابن حازم، وهما مذكوران في سند الحديث المذكور.
وقال مسلم في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أَبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 206)
قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا". اهـ.
وقال النووي خلفًا، أي: بابًا من خلفها، وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها فيه أيضًا قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر" وفي رواية عنها فيه قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حين بنت الكعبة" انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في الصحيحين نص صريح فيما ذكرنا. وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العلم أن من سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح، لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافًا بالبيت. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 207)
طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإِبقاء عليهم.
ثم قال البخاري رحمه الله: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال البخاري رحمه الله: حدثني محمد، حدَّثنا سريج بن النعمان، حدَّثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سعى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه اللَّيث. قال: حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلا نحب أن نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 208)
الطويل في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مسلم: حتَّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا … الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" زاد مسلم: وكان ابن عمر يفعل ذلك.
وبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة وطواف القدوم مما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى ذلك عامة أهل العلم إلَّا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم.
تنبيهان
الأول: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها، بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا؟.
فالجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم، وقواهم بعد القلة والضعف، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 209)
بِنَصْرِهِ} الآية، وقال تعالى عن نبيه شعيب: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} الآية.
وصيغة الأمر في قوله: (اذكروا) في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة. وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح. ومما يؤيده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يكن بعد ذلك تركه لزوالها. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف؛ لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله، بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه، وقد قدمنا في حديث ابن عبَّاس عند البخاري ما لفظه: فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عبَّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا الإِبقاء عليهم. فحديث ابن عبَّاس هذا الذي أخرجه الشيخان فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين، وقد بين ابن عبَّاس علة ذلك، وهي قوله: فجلسوا مما يلي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 210)
الحجر، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء، وإذًا فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه؛ لأن الكعبة تحول بينهم وبينه، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا، فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح أنَّه صلى الله عليه وسلم رمل الأشواط الثلاثة كلها، من الحَجَر إلى الحَجَر.
ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما لفظه قال: "رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحَجَر إلى الحجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا" وفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا عن نافع أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، وفي لفظ عند مسلم أيضًا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود، حتَّى انتهى إليه ثلاثة أطواف، وفيه عن جابر أيضًا بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أطواف من الحَجَر إلى الحَجَر.
والجواب عن هذا الذي ذكرنا من اختلاف الروايات أن حديث ابن عبَّاس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل في كل شوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، كما أجاب بهذا غير واحد.
وقال النووي في شرح مسلم: إن رمله صلى الله عليه وسلم في كل الشوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، ناسخ للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عبَّاس لأنه متأخر عنه، والمتأخر ينسخ المتقدم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 211)
النووي، لما تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء أن الأفعال لا تعارض بينها، فلا يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في الخارج إلَّا شخصيًّا لا كليًّا، حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجائز أن يقع الفعل واجبًا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه.
قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر .. إلخ. ومحل عدم تعارض الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، وإلَّا كان آخر الفعلين ناسخًا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخًا، كما لو لم يقترن بهما قول. وعن مالك والشَّافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن اقترن بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما.
مثال الفعلين اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه صلى الله عليه وسلم بين الركنين اليمانيين، ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع.
ومثال الفعلين اللذين اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخًا للمشي بين الركنين، وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة: قيل: كل صورة بعد أخرى، فهي ناسخة لها، وقيل: كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، وإن لم يترجح
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 212)
واحد، فالتخيير، وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
ولم يكن تعارضُ الأفعال … في كل حالة من الأحوال
وإن يكُ القولُ بحكم لامعا … فآخرُ الفعلين كان رافعا
والكل عند بعضهم صحيحُ … ومالكٌ عنه روى التّرجيح
وحيثما قد عدم المصير إليه … فالأولى هو التخيير
وقال صاحب الضياء اللامع شرح جمع الجوامع: تنبيه: لم يتعرض المصنِّف للتعارض بين الفعلين، وصرح الرهوني وغيره بأنه لا تعارض بينهما في الحقيقة سواء تماثل الفعلان، أو اختلفا، وسواء أمكن الجمع بينهما، أو لم يمكن؛ لأن الفعل لا عموم له من حيث هو إذ لا يقع في الأعيان إلَّا مشخصًا، فلا يكون كليًّا حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجاز أن يكون واجبًا في وقت مباحًا في آخر، وهذا ما لم يقترن بالفعل قول يدل على ثبوت الحكم؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة فقال الأبياري: هذا كاختلاف القولين على الصحيح، والمتأخر ناسخ، وقيل: يصح إيقاعها على كل وجه من تلك الوجوه، وبه قال القاضي، وللشافعي ميل إليه، وقيل: يطلب الترجيح، كما قال مالك والشَّافعي. انتهى محل الغرض منه.
والرمل: مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها رملًا بفتح الميم ورملانًا: إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو، أي: لا يثب. وأنشد المبرد:
ناقته ترمل في النقال … متلف مال ومفيد مال
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 213)
ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل، وفي بعضها خب، والمعنى واحد.
الفرع الثالث: التحقيق أن الاضطباع يسن في الطواف، لثبوت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - .
قال أَبو داود في سننه: حدَّثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن يعلى، قال: "طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطبعًا ببرد أخضر" حدَّثنا أَبو سلمة موسى، ثنا حمَّاد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى" انتهى منه.
وقال التِّرمِذي في جامعه: حدَّثنا محمود بن غيلان، نا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت مضطبعًا، وعليه برد" قال أَبو عيسى: هذا حديث الثَّوري عن ابن جريج لا نعرفه إلَّا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح. وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه، وهو يعلى بن أمية.
وقال ابن ماجة في سننه: حدَّثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف وقبيصة قالا: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى بن أمية، عن أبيه يعلى "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف مضطبعًا" قال قبيصة: وعليه برد. انتهى منه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 214)
وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عبَّاس الذي ذكرناه آنفًا في الاضطباع عند أبي داود: وحديث ابن عبَّاس هذا صحيح، رواه أَبو داود بإسناد صحيح، ولفظه: عن ابن عبَّاس. ثم ساقه كما سقناه آنفًا، ثم قال: ورواه البيهقي بإسناد صحيح قال: عن ابن عبَّاس قال: "اضطبع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه، ورملوا ثلاثة أشواط، ومشوا أربعًا" وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت مضطبعًا ببرد" رواه أَبو داود والتِّرمِذي، وابن ماجة بأسانيد صحيحة.
وقال التِّرمِذي: هو حديث حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت مضطبعًا" إسناده صحيح. وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت عمر يقول: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وَقَدْ وطد الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا نترك شيئًا كنا نصنعه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . رواه البيهقي بإسناد صحيح. انتهى كلام النووي.
وبذلك تعلم سنية الاضطباع في الطواف، خلافًا لمالك ومن قال بقوله: إن الاضطباع ليس بسنَّة.
وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة وهو افتعال من الضبع بفتح الضاد، وسكون الباء بمعنى العضد، سمي بذلك لإِبداء أحد الضبعين، والعرب تسمى العضد ضبعًا، ومنه قول طرفة في معلقته:
وإن شئت سامى واسط الكور رأسها … وعامت بضبعيها نجاء الخَفَيْدَدِ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 215)
تقول العرب: ضبعه إذا مد إليه ضبعه، ليضربه. ومنه قول عمرو بن شاس.
نذود الملوك عنكم وتذودنا … ولا صلح حتَّى تضبعونا ونضبعا
أي: تمدون أضباعكم إلينا بالسيوف، ونمد أضباعنا إليكم، وقيل: تضبعون، أي: تمدون أضباعكم للصلح والمصافحة. والطاء في الاضطباع مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن الضاد من حروف الإِطباق على القاعدة المشار لها بقوله في الخلاصة:
طاتا افتعال رد إثر مطبق … في ادان وازدد وادكر دالًا بقي
الفرع الرابع: في كلام العلماء في الطواف هل يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة أو لا يشترط ذلك؟
اعلم أن اشتراط الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة في الطواف هو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، وأصحابه، والشَّافعي، وأصحابه، وهو مشهور مذهب الإِمام أحمد.
قال النووي في شرح المهذب: وحكاه الماوردي عن جمهور العلماء، وحكاه ابن المنذر في طهارة الحدث، عن عامة العلماء.
وخالف الإِمام أَبو حنيفة رحمه الله الجمهور في هذه المسألة، فقال: لا تشترط للطواف طهارة، ولا ستر عورة، فلو طاف جنبًا، أو محدثًا، أو عليه نجاسة، أو عريانًا صح طوافه عنده.
واختلف أصحابه في وجوب الطهارة للطواف، مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط فيه. ومن أشهر الأقوال عندهم أنَّه إذا طاف طواف الإِفاضة جنبًا، فعليه بدنة، وإن طافه محدثًا فعليه شاة، وأنه يعيد
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 216)
الطواف بطهارة ما دام بمكة، فإن رجع إلى بلده فالدم على التفصيل المذكور. واحتج الجمهور لاشتراط الطهارة للطواف، بأدلة:
منها: حديث عائشة المتفق عليه الذي ذكرناه سابقًا بسنده، ومتنه عند البخاري ومسلم: أن أول شيء بدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم "أنَّه توضأ، ثم طاف بالبيت" الحديث. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرحت فيه عائشة رضي الله عنها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوضوء قبل الطواف لطوافه، فدل على أنَّه لا بد للطواف من الطهارة.
فإن قيل: وضوءه - صلى الله عليه وسلم - المذكور في هذا الحديث فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.
فالجواب: أن وضوءه لطواف المذكور في هذا الحديث قد دل دليلان على أنَّه لازم، لا بد منه.
أحدهما: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره في قوله: "خذوا عني مناسككم".
والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (29)} وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 217)
قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: "ووقوعه بيانًا" ما نصه: الثاني: أن يكون فعله - صلى الله عليه وسلم - لبيان مجمل، إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} وإما بقول كقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: "خذوا عني مناسككم" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. انتهى محل الغرض منه.
وأشار في مراقي السعود إلى أن فعله - صلى الله عليه وسلم - الواقع لبيان مجمل من كيب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجبًا فالفعل المبين له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله:
من غير تخصيص وبالنص يرى … وبالبيان وامتثال ظهرا
ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان. يعني: أنَّه يعرف حكم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوجوب أو غيره بالبيان، فإذا بين أمرًا واجبًا كالصلاة والحج، وقطع السارق بالفعل، فهذا الفعل واجب إجماعًا؛ لوقوعه بيانًا لواجب إلَّا ما أخرجه دليل خاص، وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب طواف الركن بقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (29)} وقد بينه - صلى الله عليه وسلم - بفعله وقال: "خذوا عني مناسككم" ومن فعله الذي بينه به الوضوء له، كما ثبت في الصحيحين، فعلينا أن نأخذه عنه إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخالف ما ذكرنا.
ومن أدلتهم على اشتراط الطهارة من الحدث للطواف: ما أخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. قال البخاري رحمه الله في كتاب الحيض: حدَّثنا أَبو نعيم،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 218)
قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا نذكر إلَّا الحج، فلما جئنا سرف طمثت الحديث، وفيه "فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري". انتهى منه.
وأخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة هذا بإسنادين عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها بلفظ: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري" وفي لفظ لمسلم عنها: "فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تغتسلي" قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه صرح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بنهي عائشة رضي الله عنها عن الطواف إلى غاية هي الطهارة لقوله: "حتَّى تطهري" عند الشيخين و"حتَّى تغتسلي" عند مسلم، ومنع الطواف في حالة الحدث الذي هو الحيض إلى غاية الطهارة من جنابته يدل مسلك الإِيماء، والتنبيه على أن علة منعها من الطواف هو الحدث الذي هو الحيض، فيفهم منه اشتراط الطهارة من الجنابة للطواف كما ترى.
فإن قيل: يجوز أن تكون علة النهي عن طوافها، وهي حائض، أن الحائض لا تدخل المسجد.
فالجواب: أن نص الحديث يأبى هذا التعليل، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "حتَّى تطهري" "حتَّى تغتسلي" ولو كان المراد ما ذكر لقال: حتَّى ينقطع عنك الدم.
قال النووي في شرح المهذب: فإن قيل: إنما نهاها، لأن الحائض لا تدخل المسجد.
قلنا: هذا فاسد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "حتَّى تغتسلي" ولم يقل حتَّى ينقطع دمك، وهو ظاهر.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 219)
ومن أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة في الطواف: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "الطواف بالبيت صلاة" الحديث.
قال الزيلعي في نصب الراية: رواه ابن حبان في صحيحه في النوع السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الطواف بالبيت صلاة إلَّا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلَّا بخير" انتهى. وسكت الحاكم عنه، وأخرجه التِّرمِذي في كتابه عن جرير، عن عطاء بن السائب به بلفظ: "الطواف بالبيت مثل الصلاة" قال: وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث عطاء بن السائب. وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ثم قال: وهذا حديث قد رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه، وروي عنه موقوفًا، وهو أصح. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في الإِمام: هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع فله ثلاثة أوجه:
أحدها: رواية عطاء بن السائب رواها عنه جرير، وفضيل بن عياض، وموسى بن أعين، وسفيان أخرجها كلها البيهقي.
الوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا باللفظ المذكور، أخرجها البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه.
الوجه الثالث: رواية الباغندي، عن أبيه، عن ابن عيينة، عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 220)