إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا نحوه، رواه البيهقي أيضًا.
فأما طريق عطاء فإن عطاء من الثقات، لكنه اختلط بأخرة. قال ابن معين: من سمع منه قديمًا فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا، فليس بشيء، وجميع من روى عنه روى عنه في الاختلاط إلَّا شعبة، وسفيان. وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه.
وأما طريق ليث، فليث رجل صالح صدوق يستضعف. قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع عطاء يقوي رفع الحديث.
وأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال: ولم يصنع الباغندي شيئًا في رفعه لهذه الرواية، فقد رواه ابن جريج، وأَبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفًا. انتهى من نصب الراية للزيلعي.
ثم قال أيضًا: حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدَّثنا محمد بن أبان، ثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ثنا أَبو حذيفة موسى بن مسعود، ثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر لا نعلمه إلَّا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام" انتهى منه.
واعلم: أن علماء الحديث قالوا: إن وقف هذا الحديث على ابن عبَّاس أصح من رفعه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وقد علمت مما مر قريبًا أن حديث ابن عبَّاس المذكور رفعه عطاء بن السائب، وليث بن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 221)
أبي سليم، والظاهر أن اجتماعهما معًا لا يقل عن درجة الحسن. ومما يؤيد ذلك أن ممن روى رفعه عن عطاء سفيان الثَّوري، وقد ذكروا أن رواية سفيان عنه صحيحة؛ لأنه روى عنه قبل اختلاطه، وعلى ذلك فهو دليل على اشتراط الطهارة، وستر العورة؛ لأن قوله: "الطواف صلاة" يدل على أنَّه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة إلَّا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك.
فإن قيل: المحققون من علماء الحديث يرون أن الصحيح أن حديث: "الطواف صلاة" موقوف لا مرفوع؛ لأن من وقفوه أضبط، وأوثق ممن رفعه؟
فالجواب: أنا لو سلمنا أنَّه موقوف، فهو قول صحابي اشتهر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لا سيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة للطواف.
وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث "الطواف صلاة" ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنَّه موقوف على ابن عبَّاس، وتحصل منه الدلالة أيضًا؛ لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضًا، عند أبي حنيفة. انتهى منه.
فهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف.
وأما اشتراط ستر العورة للطواف فقد استدلوا له بحديث متفق عليه دال على ذلك.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 222)
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن بكير، حدَّثنا اللَّيث، قال يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدَّثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدَّثنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس أن ابن شهاب أخبره، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أَبو بكر الصديق رضي الله عنه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر: "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. فهذا الحديث المتفق عليه بلفظ "ولا يطوف بالبيت عريان" يدل فيه مسلك الإِيماء والتنبيه على أن علة المنع من الطواف كونه عريانًا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وجوب ستر العورة للطواف يدل عليه كتاب الله في قوله تعالى في سورة الأعراف: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية. وإيضاح دلالة هذه الآية الكريمة على ستر العورة للطواف يتوقف أولًا على مقدمتين:
الأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث أن تفسير
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 223)
الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع كما أوضحناه في سورة البقرة.
قال العلوي الشنقيطي في طلعة الأنوار:
تفسير صاحب له تعلق … بالسبب الرفع له محقق
وقال العراقي في ألفيته:
وعد ما فسره الصحابي … رفعًا فمحمول على الأسباب
المقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبًا تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية في هذا السبب: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية. ومن زينتهم التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم الثياب عند المسجد الحرام للطواف؛ لأنه هو صورة سبب النزول. فدخولها في حكم الآية قطعي عند الجمهور، كما ذكرناه الآن وأوضحناه سابقًا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. فالأمر في: خذوا شامل لستر العورة للطواف، وهو أمر حتم أوجبه الله مخاطبًا به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه الأمر.
واعلم أيضًا: أنَّه ثبت عن ابن عبَّاس ما يدل على أنَّه فسر: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} بلبس الثياب للطواف استنادًا لسبب النزول.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 224)
قال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر (ح) وحدثني أَبو بكر بن نافع واللفظ له، حدَّثنا غندر، حدَّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. انتهى منه. ولأجل هذا كان ابن عبَّاس يفسر الزينة المذكورة في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع كما بينا والبيت المذكور بعده:
جهم من الجهم عظيم ظله … كم من لبيب عقله يضله
• وبناظر ينظر ما يمله *
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عبَّاس في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع. اهـ منه. وجماهير علماء التفسير مطبقون على هذا التفسير المتعلق بسبب النزول، فتبين بما ذكرنا أن القرآن والستة الصحيحة دلَّا معًا على ستر العورة للطواف، وقد قدمنا مرارًا كلام العلماء في اقتضاء النهي الفساد فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقد رأيت فيما كتبنا أدلة الجمهور على طهارة الحدث وستر العورة للطواف.
أما طهارة الخبث: فقد استدلوا لها بما تقدم من أن الطواف
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 225)
صلاة، وقد بينا وجه الدلالة منه على ذلك، سواء قلنا: إنه موقوف، أو مرفوع. وقد يقال: إنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف بقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ} الآية، لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم عند الله تعالى.
وإذا علمت مما ذكرنا أن جماهير العلماء منهم الأئمة الثلاثة قالوا: باشتراط الطهارة وستر العورة للطواف، وأن أبا حنيفة خالف الجمهور في هذه المسألة، فلم يشترط الطهارة، ولا ستر العورة للطواف. فاعلم أن حجته في ذلك هي قاعدة مقررة في أصوله ترك من أجلها العمل بأحاديث صحيحة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتلك القاعدة التي ترك من أجلها العمل ببعض الأحاديث الصحيحة، متركبة من مقدمتين:
أحداهما: أن الزِّيادة على النص تنسخ.
والثانية: أن الأخبار المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد، فقال في المسألة التي نحن بصددها: قال الله تعالى في كتابه: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (29)} وهو نص متواتر، فلو زدنا على الطواف اشتراط الطهارة، والستر، فإن هذه الزِّيادة نسخ، وأخبارها أخبار آحاد فلا تنسخ المتواتر الذي هو الآية، ولأجل هذا لم يقل بتغريب الزاني البكر، لأن الأحاديث الصحيحة الدالة عليه عنده أخبار آحاد، وزيادة التغريب على قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} الآية، نسخ له، وهو متواتر، فلا ينسخ بأخبار الآحاد. ولأجل ذلك أيضًا لم يقل بثبوت المال بالشاهد واليمين، لأنه يرى ذلك زيادة على قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 226)
الشُّهَدَاءِ} الآية، والزِّيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. اهـ.
والتحقيق في مسألة الزِّيادة على النص هو التفصيل: فإن كانت الزِّيادة أثبتت شيئًا نفاه المتواتر، أو نفت شيئًا أثبته، فهي نسخ له، وإن كانت الزِّيادة زيد فيها شيء، لم يتعرض له النص المتواتر، فهي زيادة شيء مسكوت عنه لم ترفع حكمًا شرعيًّا، وإنَّما رفعت البراءة الأصلية التي هي الإِباحة العقلية، ورفعها ليس بنسخ.
مثال الزِّيادة التي هي نسخ على التحقيق: زيادة تحريم الخمر بالقرآن، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة الصحيحة، على قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ} فإن هذه الآية الكريمة لم تسكت عن إباحة الخمر، والحمر الأهلية وقت نزولها، بل صرحت بإباحتهما بمقتضى الحصر الصريح بالنفي في: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} والإِثبات في قوله: {إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً} الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريمًا دلت الآية على نفيه.
ومثال الزِّيادة التي لم يتعرض لها النص بنفي ولا إثبات، زيادة تغريب الزاني البكر عامًا بالسنة الصحيحة على آية الجلد، وزيادة الحكم بالشاهد واليمين على آية: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} الآية، وزيادة الطهارة، والستر التي بينا أدلتها على آية: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (29)} وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة الزِّيادة على النص بقوله:
وليس نسخًا كل ما أفادا … فيما رسا بالنص الازديادا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 227)
وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} الآية، وبينا أن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا علم تأخرها عنه، وبيناها أيضًا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} الآية، ولذلك اختصرنا هاهنا، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أن الطواف في الحج المفرد والقران ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة: وهو طواف الزيارة، وطواف الوداع.
أما طواف الإِفاضة فهو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء، وأما طواف الوداع، وطواف القدوم: فقد اختلف فيهما العلماء، فذهب مالك وأصحابه، إلى أن طواف القدوم واجب يجبر بدم، وأن طواف الوداع سنة، ولا يلزم بتركه شيء.
واستدل لوجوب طواف القدوم بحديث عائشة، وعروة المتفق عليه الذي قدمناه بسنده ومتنه عند الشيخين، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم أول ما يبدأ به الطواف، وكذلك الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : "خذوا عني مناسككم".
واستدل لعدم وجوب طواف الوداع بترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - للحائض في تركه، ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجبًا لأمر يجبره.
وأكثر أهل العلم على أن طواف القدوم لا يلزم بتركه شيء.
وقال ابن حجر في الفتح: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه. وعن مالك وأبي ثور عليه دم. ومن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 228)
حججهم على أن طواف القدوم لا شيء في تركه أنَّه تحية، فلم يجب كتحية المسجد. وأكثر أهل العلم على أن طواف الوداع واجب، يجب بتركه الدم إلَّا أنَّه يرخص في تركه للحائض خاصة إذا نفرت رفقتها قبل أن تطهر.
قال النووي في شرح مسلم: الصحيح في مذهبنا وجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، ثم قال: وبه قال أكثر العلماء، منهم الحسن البصري، والحكم، وحماد، والثوري، وأَبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأَبو ثور. وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. انتهى منه. وقد نقل ابن حجر كلامه هذا، ثم تعقب عزوه سنيته، لابن المنذر فقال: والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر أنَّه واجب؛ للأمر به إلَّا أنَّه لا يجب بتركه شيء.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين في طواف الوداع دليلًا أنَّه واجب.
قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدَّثنا سعيد بن منصور، وزهير بن حرب، قالا: حدَّثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت" قال زهير: ينصرفون كل وجه، ولم يقل في. انتهى منه. فقوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحيح بصيغة النهي الصريح: "لا ينفرن أحد" إلخ. دليل على منع النفر بدون وداع، وهو واضح في وجوب طواف الوداع. ثم قال مسلم رحمه الله: حدَّثنا سعيد بن منصور، وأَبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لسعيد قالا: حدَّثنا سفيان، عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 229)
ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلَّا أنَّه خفف عن المرأة الحائض. اهـ منه.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا مسدد، حدَّثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفف عن الحائض. انتهى منه. وقوله: أمر بصيغة المبني للمفعول، ومعلوم في علوم الحديث، وأصول الفقه أن مثل ذلك له حكم الرفع. فهو حديث صحيح متفق عليه، يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطواف الوداع، مع الترخيص لخصوص الحائض، والله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، وقد نهى في حديث مسلم السابق عن النفر بدون طواف وداع، وأمر في الحديث المتفق عليه بالوداع. فدل ذلك الأمر، وذلك النهي على وجوبه. أما لزوم الدم في تركه، فيتوقف على دليل صالح لإِثبات ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما تيسر من أدلة الدماء التي يوجبها الفقهاء. وحديث ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لصفية أن تنفر وهي حائض من غير وداع معروف.
الفرع السادس: في أول وقت طواف الإِفاضة وآخره:
الظاهر أن أول وقته أول يوم النحر بعد الإِفاضة من عرفة ومزدلفة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه طاف طواف الإِفاضة، يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة، والنحر والحلق، وقال: "خذوا عني مناسككم" والشَّافعية، ومن وافقهم يقولون: إن أول وقته يدخل بنصف ليلة النحر، ولا أعلم لذلك دليلًا مقنعًا.
وأما آخر وقت طواف الإِفاضة، فلم يرد فيه نص، وجمهور
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 230)
العلماء على أنَّه لا آخر لوقته، بل يبقى وقته ما دام صاحب النسك حيًّا، ولكن العلماء اختلفوا في لزوم الدم بالتأخير.
قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا أن طواف الإِفاضة لا آخر لوقته، بل يبقى ما دام حيًّا، ولا يلزمه بتأخيره دم. قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا بينهم في أن من آخره وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه، فإن آخره عن أيام التشريق، فقد قال جمهور العلماء كمذهبنا: لا دم. وممن قال به: عطاء، وعمرو بن دينار، وابن عيينة، وأَبو ثور، وأَبو يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال أَبو حنيفة: إن رجع إلى وطنه قبل الطواف لزمه العود للطواف، فيطوف، وعليه دم للتأخير، وهو الرواية المشهورة عن مالك. دليلنا أن الأصل عدم الدم حتَّى يرد الشرع به، والله أعلم. انتهى الغرض من كلام النووي.
ولزوم الدم بالتأخير فيه خلاف معروف عند المالكية، مع اتفاقهم على أن من آخره إلى انسلاخ شهر ذي الحجة عليه الدم.
الفرع السابع: لا خلاف بين العلماء في استحباب استلام الحجر الأسود للطائف، وجماهيرهم على تقبيله، وإن عجز وضع يده عليه، وقبَّلها خلافًا لمالك قائلًا: إنه يضعها على فيه من غير تقبيل. وقال النووي في شرح المهذب: أجمع المسلمون على استحباب استلام الحجر الأسود، ويستحب عندنا مع ذلك تقبيله، والسجود عليه بوضع الجبهة كما سبق بيانه، فإن عجز عن تقبيله قبل اليد بعده. وممن قال بتقبيل اليد: ابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأَبو هريرة، وأَبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطاء وعروة،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 231)
وأيوب السختياني، والثوري، وأحمد، وإسحاق. حكاه عنهم ابن المنذر قال: وقال القاسم بن محمد ومالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل.
قال ابن المنذر: وبالأول أقول؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معلوه، وتبعهم جملة الناس عليه، ورويناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما السجود على الحجر الأسود، فحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس، وطاوس، والشَّافعي، وأحمد. وقال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد روينا فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال مالك: هو بدعة. واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن الجمهور في المسألتين، فقال جمهور العلماء: على أنَّه يستحب تقبيل اليد إلَّا مالكًا في أحد قوليه، والقاسم بن محمد قالا: لا يقبلها. قال: وقال جميعهم: يسجد عليه إلَّا مالكًا وحده فقال: بدعة.
وأما الركن اليماني ففيه للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه يستحب استلامه باليد، ولا يقبل، بل تقبل اليد بعد استلامه، وهذا هو مذهب الشَّافعي، قال النووي: وروي عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة.
القول الثاني: أنَّه يستلمه، ولا يقبل يده بعده، بل يضعها على فيه من غير تقبيل، وهو مشهور مذهب مالك، وأحمد، وعن مالك رواية: أنَّه يقبل يده بعد استلامه كمذهب الشَّافعي.
القول الثالث: أنَّه يقبله، وهو مروي عن أحمد.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 232)
تنبيهان
الأول: قد جاءت روايات متعارضة في الوقت الذي طاف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - طواف الإِفاضة، وفي الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر، فقد جاء في بعض الووايات: أنَّه طاف يوم النحر، وصلى ظهر ذلك اليوم بمنى، وجاء في بعض الروايات: أنَّه صلى ظهر ذلك اليوم في مكة، وفي بعض الروايات: أنَّه طاف ليلًا لا نهارًا. ففي حديث جابر الطويل في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مسلم ما لفظه: "ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه أفاض نهارًا، وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة: أنَّه طاف يوم النحر، صلى الظهر بمكة.
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى" قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. انتهى منه. فترى حديث جابر وحديث ابن عمر الثابتين في صحيح مسلم اتفقا على أنَّه طاف طواف الإِفاضة نهارًا، واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم، ففي حديث جابر أنَّه صلاها بمكة، وكذلك قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر أنَّه صلاها بمنى بعدما رجع من مكة.
ووجه الجمع بين الحديثين: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بمكة، كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى، فصلى بأصحابه الظهر مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين: مرة بطائفة، ومرة بطائفة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 233)
أخرى في بطن نخل، كما أوضحناه سابقًا في سورة النساء، فرأى جابر وعائشة صلاته في مكة فأخبرا بما رأيا وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى فأخبر بما رأى، وقد صدق. وهذا واضح، وبهذا الجمع جزم النووي، وغير واحد.
وقال البخاري في صحيحه: وقال أَبو الزُّبَير، عن عائشة، وابن عبَّاس رضي الله عنهم: أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيارة إلى الليل. انتهى محل الغرض منه. وقد قدمنا أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه، مع أنَّه وصله أَبو داود والتِّرمِذي وأحمد، وغيرهم من طريق سفيان، وهو الثَّوري، عن أبي الزُّبَير به. وزيارته ليلًا في هذا الحديث المروي عن عائشة، وابن عبَّاس، مُخَالفَةُ لما قدمنا في حديث جابر وابن عمر، وللجمع بينهما أوجه من أظهرها عندي اثنان.
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف طواف الزيارة في النهار، يوم النحر، كما أخبر به جابر وعائشة، وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة، وابن عبَّاس.
وقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزور البيت أيام منى. اهـ.
وقال ابن حجر في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان، ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عبَّاس هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. وهذا ظاهر.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 234)
الوجه الثاني: في الجمع بين الأحاديث المذكورة أن الطواف الذي طافه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن قَتَادة: أن أَنس بن مالك رضي الله عنه حدثه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به".
تابعه اللَّيث، حدثني خالد، عن سعيد، عن قَتَادة أن أَنس بن مالك رضي الله عنه حدثه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم -" انتهى من البخاري.
وهو واضح في أنَّه طاف طواف الوداع ليلًا. وحديث عائشة المتفق عليه يدل لذلك، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم في زاد المعاد. ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة فحديث جابر، وعائشة، وابن عمر أنَّه طاف طواف الزيارة نهارًا أصح مما عارضها، فيجب تقديمها عليه. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الثاني: اعلم أنَّه جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف ماشيًا، ومما يدل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي سقناها سابقًا في أنَّه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، فإن ذلك يدل على أنَّه ماش على رجليه، لا راكب، مع أنَّه جاءت روايات أخر صحيحة تدل على أنَّه طاف راكبًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: حدَّثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "طاف
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 235)
النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن "تابعه الدراوردي، عن ابن أخي الزُّهْريّ، عن عمه.
وقال مسلم في صحيحه: حدثني أَبو طاهر، وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن".
حدَّثنا أَبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: "طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجن؛ لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه".
وفي لفظ عن جابر عند مسلم "طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني الحكم بن موسى القنطري، حدَّثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: "طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس". انتهى منه.
فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن ابن عبَّاس، وجابر، وعائشة، رضي الله عنهم، صريحة في أنَّه طاف راكبًا.
ووجه الجمع بين هذه الأحاديث الدالة على طوافه راكبًا، مع الأحاديث الدالة على أنَّه طاف ماشيًا كأحاديث الرمل في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الأخيرة: هو "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 236)
طواف القدوم ماشيًا، ورمل في أشواطه الثلاثة الأول، وطاف طواف الإِفاضة في حجة الوداع راكبًا" هو نص صريح صحيح، يبين أن من طاف، وسعى راكبًا، فطوافه وسعيه كلاهما صحيح، لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك مع قوله: "خذوا عني مناسككم" وقد قدمنا البحث مستوفى في المشي، والركوب في الحج مع مناقشة أدلة الفريقين. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن: أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف، ولكنهم اختلفوا في ركعتي الطواف، هل حكمهما الوجوب أو السنية؟ فقال بعض أهل العلم: إن ركعتي الطواف واجبتان، واستدلوا لوجوبهما بصيغة الأمر في قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، قالوا: والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام، ممتثلًا بذلك الأمر في قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : "خذوا عني مناسككم" والأمر في قوله: {وَاتَّخِذُوا} على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب كما بيناه مرارًا في هذا الكتاب المبارك.
وقال جمهور العلماء: إن ركعتي الطواف من السنن، لا من الواجبات. واستدلوا لعدم وجوبهما بحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الثابت في الصحيح قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإِسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّعَ" الحديث. قالوا: وفي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه لا يجب شيء من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 237)
الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف خلف المقام وارد بعد قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا. إلَّا أن تطوع" والعلم عند الله تعالى.
والمستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} كما هو ثابت في حديث جابر.
وجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لوصلاهما في أي موضع غيره صح ذلك. ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي أهل العلم: إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه. ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير وقت النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم، قال: [باب الطواف بعد الصبح والعصر] وكان ابن عمر رضي الله عنهما: يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح، فركب حتَّى صلى الركعتين بذي طوى. وفعل عمر رضي الله عنه هذا الذي ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما في أي موضع صلاهما فيه، وأن تأخيرهما عن وقت النهي هو الصواب. وممن قال به: أَبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء، ومالك وأصحابه، وعزاه بعضهم إلى الجمهور، وقد قدمنا مرارًا قول من يقول من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي في أوقات النهي، إلَّا أن القاعدة المقررة في الأصول: أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 238)
وقال الشَّافعي وأصحابه: إن صلاة ركعتي الطواف جائزة في أوقات النهي بلا كراهة، واستدلوا لذلك بدليلين.
أحدهما: عام وهو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات، لا تدخل في عموم النهي، لأن سببها الخاص، يخرجها من عموم النهي، كركعتي الطواف، فإنهما لسبب خاص، هو الطواف، وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك.
وأحدهما خاص: وهو ما ورد في خصوص البيت الحرام، كحديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه التِّرمِذي، ورواه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني.
قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه الشَّافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من حديث أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم. وصححه التِّرمِذي. ورواه الدَّارَقُطني من وجهين آخرين، عن نافع بن جبير، عن أبيه. ومن طريقين آخرين عن جابر وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير، لا عن جابر. وأخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن ابن عبَّاس من رواية مجاهد عنه، ورواه الطبراني من رواية عطاء، عن ابن عبَّاس، ورواه أَبو نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة، عن أبي الزُّبَير، عن علي بن عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه. وهو معلول. وروى ابن عدي من طريق سعيد بن أبي راشد، عن عطاء، عن أبي هريرة حديث "لا صلاة بعد الفجر حتَّى تطلع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 239)
الشمس" الحديث. وزاد في آخره "من طاف فليصل" أي: حين طاف، وقال: لا يتابع عليه، وكذا قال البخاري. وروى البيهقي من طريق عبد الله بن باباه، عن أبي الدرداء: أنَّه طاف عند مغرب الشمس فصلى الركعتين، وقال: إن هذه البلدة ليست كغيرها.
تنبيه: عزا المجد بن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة، إلَّا البخاري. وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطَّبري، فقال: رواه السبعة إلَّا البخاري، وابن الرفعة، فقال: رواه مسلم، ولفظه "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وكأنه والله أعلم: لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة، دون البخاري اقتطع مسلمًا من بينهم واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية، فأخطأ مكررًا.
فائدة: قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة صلاة الطواف خاصة، وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات. انتهى كلام ابن حجر في التلخيص الحبير.
وهذا الذي ذكرنا عن الشَّافعي وأصحابه من جواز صلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي بلا كراهة، حكاه ابن المنذر، عن ابن عمر، وابن عبَّاس، والحسن، والحسين بن علي، وابن الزُّبَير، وطاوس، وعطاء، والقاسم بن محمد، وعروة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب.
ومما استدلوا به على ذلك ما رواه مجاهد عن أبي ذر مرفوعًا "لا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تطلع الشمس إلَّا بمكة".
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 240)