Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لا يشترط له نية تخصه، وإذا سلمنا صحته بدون النية، كما قدمنا أنه هو الصواب فلا مانع من صحته من المغمى عليه، كما يصح من النائم. وأحتج من خالف في ذلك بأن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوله. وممن قال بعدم صحته. الحسن، وممن قال بصحته: عطاء. والله أعلم.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وقف بعرفات، وهو لا يعلم أنها عرفات. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. انتهى منه.
الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في مشروعية جمع الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه.
وأظهر الأقوال دليلًا: أنه يؤذن للظهر فقط، ويقيم لكل واحدة منهما.
وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث "أتموا فإنا قوم سفر" إنما قاله لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة. وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى ركعتين بمنى، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا"، وممن قال بأن أهل مكة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 281)

يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى. مالك، وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. وممن قال بأن أهل مكة يتمون صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، ويحيى القطان، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغنى، وعزا النووي هذا القول للجمهور.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن ظاهر الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة، بل ذلك الإِتمام في مكة. وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأن أقوى الأقوال دليلًا هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها - يعني الخطبة - ، يوم عرفة أمر بلالًا، فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة. وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام، فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإِتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" فقد غلط عليه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 282)

ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببًا، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
وقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور لأهل مكة من أجل النسك. والعلم عند الله تعالى.
ولا يخفى أن حجة من قالوا بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد، أو ثلاثة أيام. وعرفة ومزدلفة ومنى أقل مسافة من ذلك، قالوا: ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته. هذا هو دليلهم.
الفرع الخامس: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له، ولا فضيلة فيه؛ لأنه لم يرد في خصومه شيء، بل هو كسائر أرض عرفة، وعرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فالوقوف فيه أفضل من غيره، كما قاله غير واحد. وبذلك تعلم أنما قاله أبو جعفر بن جرير الطبري والماوردي من استحباب صعود جبل الرحمة لا يعول عليه. والعلم عند الله تعالى.
والتحقيق: أن عرنة ليست من عرفة، فمن وقف بعرنة لم يجزئه ذلك. وما يذكر عن مالك من أن وقوفه بعرنة يجزئ، وعليه دم. خلاف التحقيق الذي لا شك فيه. والظاهر أنه لم يصح عن مالك.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 283)

المسألة الثامنة: لا خلاف بين العلماء أنه إن غربت الشمس واستحكم غروبها، وهو واقف بعرفة، أفاض منها إلى المزدلفة، وذلك هو معنى قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} الآية. كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة.
وقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات، ففي حديث جابر الطويل عند مسلم "فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا، حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء" الحديث. وقول جابر في هذا الحديث: وقد شنق للقصواء الزمام، يعني أنه يكفها بزمامها عن شدة المشي، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل، إذا مل من الركوب. وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرحل، شبه المخدة الصغيرة، وقوله: ويقول بيده السكينة السكينة، أي: يأمرهم بالسكينة مشيرًا بيده. والسكينة: الرفق والطمأنينة. وقول جابر في هذا الحديث: كلما أتى حبلًا من الحبال: هو بالحاء المهملة، والباء الموحدة، والمراد بالحبل في حديثه: الرمل المستطيل المرتفع، ومنه قول ذي الرمة:
ويومًا بذي الأرطى إلى جنب مشرف … بوعسائه حيث اسبطرت حبالها

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 284)

وقول عمر بن أبي ربيعة:
يا ليتني قد أجزتُ الحبلَ نحوكُمُ … حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر
وحديث جابر هذا الدال على الرفق، وعدم الإِسراع، وما جاء في معناه من الأحاديث يفسره حديث أسامة الثابت في الصحيحين "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص" والعنق بفتحتين: ضرب من السير دون النص، ومنه قول الراجز:
يا ناقُ سيري عَنَقًا فسيحًا … إلى سليمانَ فنَستريحا
والنص: أعلى غاية الإِسراع، ومنه قول كثير:
حلفت بربّ الراقصات إلى منىً … يجوبُ الفيَافِي نصّها وذميلُها
والفجوة تقدم تفسيرها بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ}.
وإذا علمت وقت إفاضته - صلى الله عليه وسلم - من عرفات إلى المزدلفة، وكيفية إفاضته، فاعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - نزل في الطريق، فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، وأخبرهم بأن الصلاة أمامهم، ثم أتى المزدلفة، فأسبغ وضوءه، وصلى المغرب والعشاء بأذان واحد، وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئًا ثم اضطجع - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول وقته، حين تبين له الصبح بأذان، وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. ومن فعل كفعله - صلى الله عليه وسلم - فقد أصاب السنَّة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : "لتأخذوا عن مناسككم".
وأما من خالف في ذلك، فلم يبت بالمزدلفة، فقد اختلف العلماء في حكمه إلى ثلاثة مذاهب:

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 285)

الأول: إن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم.
الثاني: أنه ركن لا يتم الحج بدونه.
الثالث: أنه سنة وليس بواجب. والقول: بأنه واجب يجبر بدم هو قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.
قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن المشهورون من مذهبنا أنه ليس بركن، فلو تركه صح حجه. قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. انتهى منه.
وممن قال بأنه ركن لا يصح الحج إلا به خمسة من أئمة التابعين، وبعض الشافعية. وأما الخمسة المذكورون: فهم علقمة، والأسود، والشعبي، والنخعي، والحسن البصري. وممن قال به من الشافعية: أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. ونقله القرطبي أيضًا عن عكرمة، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان. قال: وروي عن ابن الزبير.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير. وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداد بن علي الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلام. واختاره المحمدان: ابن جرير وابن خزيمة. وهو أحد الوجوه للشافعية. وهؤلاء القائلون بأن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 286)

يقولون: إن فاته المبيت بها تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل.
وممن قال بأن المبيت بمزدلفة سنة لا يجب بتركه دم: بعض الشافعية، وذكر النووي أن هذا القول مشور أيضًا، لكن الأول أصح منه. وعن عطاء، والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به. ومن شاء لم ينزل به، وروى نحوه الطبري بسند فيه ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا. قاله الحافظ في الفتح.
فإذا علمت أقوال أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة، فهذه تفاصيل أدلتهم: أما الذين قالوا بأنه واجب، وليس بركن. فقد استدلوا على أنه ليس بركن بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه، وقد قدمنا ألفاظ رواياته، وأنه صحيح، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أن من أدرك عرفة ولو في آخر جزء من ليلة النحر قبل الصبح أنه تم حجه، وقضى تفثه، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر قد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المذكور بأن حجه تام.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم صحيح، ودلالته عليه هي المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإِشارة. ومعلوم في الأصول أن دلالة الإِشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإِيماء، والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل المفهوم؟ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:
وفي كلام الوحي والمنطوق هل … ما ليس بالصريح فيه قد دخل

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 287)

وهو دلالة اقتضاء أن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات … إشارة كذلك الإِيما آتى. إلخ
وقصدنا هنا إيضاح دلالة الإِشارة دون غيرها. وضابط دلالة الإِشارة هي: أن يساق النص لمعنى مقصود، فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزومًا لا ينفعك، كما أشار له في المراقي بقوله:
فأول إشارة اللفظ لما … لم يكن القصد له قد علما
فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة، ولكنه ذكره قاصدًا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجه تام. وهذا المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ، وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة؛ لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل، فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد صرح - صلى الله عليه وسلم - بأن حجه تام.
ومن أمثلة دلالة الإِشارة في القرآن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فإنه يدل بدلالة الإِشارة المذكورة على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام، وذلك صادق بآخر جزء منها بحيث لا يبقى بعده من الليل قدر ما يسع الاغتسال، فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل الذي دلت عليه الآية أنه لا بد أن يصبح جنبًا، ولفظ الآية: لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبًا، ولكن المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 288)

ومن أمثلتها أيضًا في القرآن قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} مع قوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرًا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين شهرًا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان دلالة الإِشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)}.
ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإِشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه، أولم يدل عليه. وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك. وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإِفاضة من عرفة.
وأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقًا، فإن فيه "من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 289)

قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" قالوا: فقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مضرس هذا: "من أدرك معنا هذه الصلاة" الحديث. يفهم منه أن من لم يدركها معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه. والمراد بها صلاة الصبح بمزدلفة كما هو واضح. قالوا: وفي رواية عند النسائي، عن عروة بن مضرس: من أدرك جمعًا مع الإِمام، والناس حتى يفيضوا، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك. قالوا: ولأبي يعلى: ومن لم يدرك جمعًا، فلا حج له.
وأجاب الجمهور القائلون بأن المبيت بمزدلفة ليس بركن عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتم الحج إلا به.
قالوا: أما الآية التي استدلوا بها على وجوب الوقوف بمزدلفة التي هي قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} الآية، فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلًا، وإنما أمر فيها بذكر الله عند المشعر الحرام.
قالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج بإجماعهم، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضًا.
وأجابوا عن استدلالهم بمفهوم الشرط في حديث عروة بن مضرس المذكور "من أدرك معنا هذه الصلاة" الحديث. بأنهم أجمعوا كلهم على أنه لو بات بمزدلفة، ووقف قبل ذلك بعرفة، ونام عن صلاة الصبح، فلم يصلها مع الإِمام، حتى فاتته أنه حجه تام. وقد قدمنا دلالة حديث عبد الرحمن بن يعمر على ذلك.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 290)

وأجابوا عن رواية النسائي التي أشرنا إليها التي قال فيها: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثني جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من أدرك جمعًا مع الإِمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك، ومن لم يدرك مع الناس والإِمام فلم يدرك". اهـ. بأن هذه الزيادة في هذه الرواية، لم تثبت.
قال ابن حجر في فتح الباري في بيان تضعيف الزيادة المذكورة: وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي، عن عروة، وأن مطرفًا كان يهم في المتون. قال: وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم: أن من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإِمام، أن الحج يفوته، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإِجماع على الإِجزاء كما حكاه الطحاوي. انتهى كلام ابن حجر مع حذف يسير.
وأجابوا عن الرواية المذكورة عند أبي يعلى، وغيره بأنها ضعيفة.
قال النووي في شرح المهذب في كلامه على قول القائلين بأنه ركن: واحتج لهم بالحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من فاته المبيت بمزدلفة فقد فاته الحج" ثم قال: وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه ليس بثابت ولا معروف.
والثاني: أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج، لا فوات أصله. انتهى منه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 291)

وما ذكرنا عن ابن حجر من تضعيف الزيادة المذكورة، يعني به ما عند النسائي، وأبي يعلى منها في حديث عروة المذكور.
ومن أدلتهم على أن المبيت بمزدلفة ركن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
وأجاب الجمهور عن هذا: أنهم لم يخالفوا في أنه نسك ينبغي أن يؤخذ عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر: وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقًا الدال على عدم اشتراط المبيت بمزدلفة، كما أوضحنا وجه دلالته على ذلك. والعلم عند الله تعالى.
وأما حجة من قال: إن المبيت بمزدلفة سنة، وليس بركن، ولا واجب هي إنه مبيت، فكان سنة، كالمبيت بمنى ليلة عرفة. أعني: الليلة التاسعة، التي صبيحتها يوم عرفة. هذا هو حاصل أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المبيت بمزدلفة.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا أن الاستدلال بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه على عدم ركنية المبيت بمزدلفة صحيح، وأن دلالته على ذلك إشارة كما هو معروف في الأصول. ولا شك أنه ينبغي للحاج أن يحرص على أن يفعل كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيبيت بمزدلفة كما قدمنا إيضاحه. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: قد قدمنا أن المزدلفة كلها موقف، فحيث وقف منها أجزأه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. وقد قدمناه من حديث جابر عند مسلم.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 292)

الفرع الثاني: اعلم أنه ينبغي التعجيل بصلاة الصبح يوم النحر بمزدلفة في أول وقتها، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - .
واعلم أن ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا بميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها". ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ممنوع إجماعًا، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها فيه، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر.
ومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود نفسه رضي الله عنه، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله رضي الله عنه، فأتينا المزدلفة. الحديث. وفيه: فلما طلع الفجر قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله. انتهى من صحيح البخاري.
فقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح: فلما طلع الفجر، وقوله: والفجر حين يبزغ الفجر، وإتباعه ذلك بقوله: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله … صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله: قبل ميقاتها. يعني به: وقتها الذي يصليها فيه عادة، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 293)

النزول بالمزدلفة، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم يقول: لا بد في ذلك من حط الرحال. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم؛ لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلًا فعليه دم إلَّا إن كان لعذر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح؛ لأنه لا دليل مقنعًا يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولا مع من اكتفى بالنزول. وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعًا، لما رخص فيه - صلى الله عليه وسلم - لضعفة أهله؛ لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى.
ولا خلاف بين العلماء أن السنَّة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم.
ومن المعلوم أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد، خلافًا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة.
الفرع الرابع: اعلم أنه لا بأس بتقديم الضعفة إلى منى قبل طلوع الفجر. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ومن المعلوم أن ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 294)

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإِمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جمع بليل.
حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أنا ممن قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله.
حدثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت. فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه: ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن.
حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا عبد الرحمن - هو

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 295)

ابن القاسم - عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت سودة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة جمع وكانت ثقيلة ثبطة، فأذن لها.
حدثنا أبو نعيم، حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلنا بالمزدلفة، فاستأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن. ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. انتهى من صحيح البخاري.
وهذه الأحاديث التي رواها البخاري عن ابن عمر، وابن عباس، وأسماء، وعائشة رضي الله عنهم رواها كلها مسلم في صحيحه أيضًا مع بعض اختلاف في الألفاظ، والمعنى واحد.
وروى مسلم في صحيحه عن أم حبيبة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بها من جمع بليل. وفي لفظ لها عند مسلم: كنا نفعله على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نغلس من جمع إلى منى. وفي رواية الناقد: نغلس من مزدلفة. اهـ. وهذه النصوص الصحيحة تدل على جواز تقديم الضعفة والنساء من المزدلفة ليلًا كما ترى.
الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من الضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، وممن قال بهذا: الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 296)

وقال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر، وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد.
وذهبت جماعة من أهل العلم: إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس. وهو اختيار ابن القيم.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: إن رمي جمرة العقبة يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر فقد استدلوا بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني عندها. انتهى منه.
قال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث عائشة في إرسال أم سلمة فصحيح. رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم.
وقال الزيلعي في نصب الراية - بعد أن ساق حديث أبي داود هذا عن عائشة: ورواه البيهقي في سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه. وما ذكره الزيلعي من أنه قال: إسناده صحيح لا غبار عليه لم أره في سننه الكبرى. وقد ذكر الحديث فيها بدون التصحيح المذكور.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 297)

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي من كون إسناد أبي داود المذكور صحيحًا، على شرط مسلم = صحيح؛ لأن طبقته الأولى هارون الحمال، وهو ثقة من رجال مسلم، وطبقته الثانية محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو صدوق. أخرج له الشيخان وغيرهما، وطبقته الثالثة الضحاك بن عثمان الحزامي الكبير، وهو صدوق يهم، وهو من رجال مسلم، وباقي الإِسناد: هشام، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وصحته ظاهرة، فالاحتجاج بهذا الإِسناد ظاهر؛ لأن جميع رجاله من رجال مسلم، وبعض رجاله أخرج له الجميع، فظاهره الصحة، مع أن بعض أهل العلم ضعفه قائلًا: إنه مضطرب متنًا وسندًا. وممن ذكر أنه ضعفه الإِمام أحمد وغيره. ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة.
وتعتضد بما رواه الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. انتهى منه. بواسطة نقل ابن القيم في زاد المعاد. ولا شك أن هذه الرواية عن أم سلمة تقوي الرواية الأولى عن عائشة. ولما ساق ابن القيم هذه الرواية التي ذكرها الخلال قال: قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: رواية سليمان بن داود المذكورة لا تَقِل من أن تعضد الرواية المذكورة قبلها، وسليمان

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 298)

المذكور وَثَّقَه، وأثنى عليه غير واحد. قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وقال البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب.
وقال ابن حجر فيه أيضًا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب في أنه صدوق. وقال فيه في التقريب: سليمان بن داود الخولاني أبو داود الدمشقي سكن داريا صدوق، من السابعة. وبذلك كله يعلم أن روايته لا تقل عن أن تكون عاضدًا لغيرها.
هذا هو حاصل حجة من أجاز رمي الجمرة قبل الصبح.
وأما حجة من قال: لا يجوز رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها وقت الضحى، وقال: خذوا عني مناسككم".
ومنها ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : بعث بضعفة أهله، فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس" وفي لفظ عن ابن عباس، قال: "قدمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أُبَيِنيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" قال أبو داود: اللطح الضرب اللين. وهذا الحديث صحيح. وقال الترمذي رحمه الله في هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 299)

المذكور: أما حديث ابن عباس، فصحيح رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى كلام النووي.
وقال ابن القيم في زاد المعاد في حديث ابن عباس المذكور: حديث صحيح صححه الترمذي وغيره.
وأما حجة من قال بجواز رمي جمرة العقبة للضعفة بعد الصبح قبل طلوع الشمس دون غيرهم، وأن غيرهم لا يجوز له رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها حديث أسماء المتفق عليه الذي قدمناه.
قال فيه: قالت: يا بني: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن. اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وهو بقية الظلام، ومنه قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظلام من الرباب خيالا
وصرحت بأنه - صلى الله عليه وسلم - أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور كما ترى.
ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه أيضًا، فإن فيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله، وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 300)