العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة، إلَّا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس، لحديث أسماء، وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك. وأما رميهم أعني الضعفة والنساء، قبل طلوع الفجر، فهو محل نظر، فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه، وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن: يقتضي منعه.
والقاعدة المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع، وإلَّا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم، فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس: على وقت الفضيلة، وحديث عائشة: على وقت الجواز، وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنَّة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق، وهو مردود كما هو مقرر في الأصول. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
والفرق بين الأصل والفرع قدح … إبداء مختص بالأصل قد صلح
أو مانع في الفرع … إلخ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 301)
ومحل الشاهد منه قوله: إبداء مختص بالأصل قد صلح؛ لأن معترض قياس القوي على الضعيف في هذه المسألة يبدي وصفًا مختصًا بالأصل، دون الفرع صالحًا للتعليل، وهو الضعف؛ لأن الضعف الموجود في الأصل المقيس عليه الذي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس، الذي هو الذكر القوي كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
الفرع السادس: اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر، فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحبًا لها. انتهى منه بواسطة نقل ابن قدامة في المغني. فإن فات يوم النحر، ولم يرمها فقال بعض أهل العلم: يرميها ليلًا. والذين قالوا: يرميها ليلًا منهم من قال: رميها ليلًا أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية حكاهما صاحب التقريب، والشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، وآخرون.
قال النووي: وروى مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه نافع: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية، حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا، ولم ير عليهما شيئًا. انتهى منه. وهو دليل على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء، لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن قال يرميها ليلًا: مالك وأصحابه؛ لأن مذهبه قضاء الرمي الفائت في الليل وغيره.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 302)
وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها، ثم ذكرها ليلًا أو نهارًا، فإن كان ذلك بعدما صدر، وهو بمكة، أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب. انتهى من الموطأ.
وقال الشيخ المواق في شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على قوله: "والليل قضاء": قال ابن شاس: للرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات، فوقت الأداء في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء، أو وقت قضاء؟ ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس، ويتردد في الليل كما تقدم. انتهى منه.
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها، ولا شيء عليه؛ لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا، كما في الوقوف بعرفة، فإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم. انتهى كرماني انتهى منه.
وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر، وهولم يرم جمرة العقبة، لم يرمها في الليل، ولكن يؤخر رميها، حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة في المغني: فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد. وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق. وقال الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرميها ليلًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ارم ولا حرج". انتهى من المغني.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 303)
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلًا هل يجوز أو لا؟ وعلى جوازه هل هو أداء أو قضاء؟
فاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلًا، استدل بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لا حرج على من رمى بعدما أمسى.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: "لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج" وقال: رميت بعدما أمسيت فقال: "لا حرج" قالوا: قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل.
واعلم أن من قالوا: لا يجوز الرمي ليلًا ردوا الاستدلال بهذا الحديث قائلين: إن مراد السائل بقوله: بعدما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى .. الحديث. فتصريحه بقوله: يوم النحر يدل على أن السؤال وقع في النهار، والرمي بعد الإِمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل.
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: قال: رميت بعدما أمسيت، أي: بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى منه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 304)
وقال ابن منظور في لسان العرب: المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل. اهـ.
قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإِمساء فيه آخر النهار بعد الزوال، لا الليل. وإذًا فلا حجة فيه للرمي ليلًا.
وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلًا عن هذا بأجوبة:
الأول منها: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حرج" بعد قول السائل: رميت بعدما أمسيت. يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار، وجزء من الليل. وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار. وقد قدمنا الأدلة الصحيحة على أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعًا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق. ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلَّا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت لا ينصرف إلَّا إلى الليل؛ لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي.
قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد - هو ابن زريع - قال: حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أيام منى فيقول: "لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 305)
"لا حرج" فقال رجل: رميت بعدما أمسيت قال: "لا حرج". انتهى منه. وهذا الحديث صحيح الإِسناد كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في صحيحه، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفًا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلَّا إلى الليل كما بينا.
فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري، فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرًا لتخصيصه به. ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود، وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإِفراد.
فالجواب: أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه على مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور سواء كان العام، وبعض أفراده المذكور بحكمة في نص واحد أو نصين.
فمثال كونهما في نص واحد قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فلا يخصص عموم الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات بالصلاة الوسطى، بل المحافظة على جميعها واجبة.
ومثال كونهما في نصين: حديث ابن عباس العام في جلود الميتة "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديثه الآخر أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" الحديث. فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الأخير لا يخصص عموم الجلود المذكورة "أيما إهاب دبغ" الحديث. فجواز الانتفاع عام في جلد الشاة، وفي غيرها من الأهب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 306)
إلَّا ما أخرجه دليل خاص؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما لا يخصص به العموم.
وذكر ما وافقه من مفرد … ومذهب الراوي على المعتمد
وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلًا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول: "لا حرج" وأنه سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت فقال: "لا حرج" ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر. وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر من أيام منى، ولا ينافي ذلك أنه قال: لا حرج في أشياء أخر في بقية أيام منى. وغاية ذلك أن أيام منى عام ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت.
الجواب الثالث: هو ما قدمنا في الموطأ عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرمي ليلًا جائز. وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر؛ لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة، وهي عذرها معاونة ابنة أخيها. والعلم عند الله تعالى.
الفرع السابع: اعلم أنه لا بأس بلقط الحصيات من المزدلفة، أعني السبع التي ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر. وبعض أهل العلم يقول: إن لقطها من المزدلفة مستحب، واستدلوا لذلك بأمرين:
الأول: حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 307)
قال له غداة يوم النحر: "القط لي حصى" فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف.
قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات، فصحيح رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وهو على شرط مسلم من رواية عبد الله بن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس. ورواه النسائي، وابن ماجه بإسنادين صحيحين، إسناد النسائي على شرط مسلم، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقًا. وظاهر روايتيهما أنه عبد الله بن عباس، لا الفضل. وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف في مسند عبد الله بن عباس، لا الفضل بن عباس، ولم يذكره في مسند الفضل. والجميع صحيح كما ذكرناه، فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي، وأرسله في روايتي النسائي، وابن ماجه. وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه، فأولى بالاحتجاج، وقد عرف هنا أنه الفضل بن عباس. فالحاصل: أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس، والله أعلم. انتهى كلام النووي.
الأمر الثاني: أن السنَّة أنه إذا أتى منى لا يشتغل بشيء قبل الرمي، فاستحب أن يأخذ الحصى من منزله بمزدلفة لِأَلَّا يشتغل عن الرمي بلقطه إذا أتى مني، ولا شك أنه إن أخذ الحصى من غير المزدلفة أنه يجزئه؛ لأن اسم الحصى يقع عليه. والله تعالى أعلم.
الفرع الثامن: اعلم أن السنَّة أن يكون الحصى الذي يرمى به مثل حصى الخذف، لأحاديث واردة بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم: فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف الحديث.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 308)
قال في اللسان: والخذف رميك بحصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك. وقال الجوهري في صحاحه: الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع. ومنه قول الشاعر: "خذف أعسرا". اهـ منه. والشاعر امرؤ القيس وتمام البيت:
كأن الحصى من خلفها وأمامها … إذا نجلته رجلها خذف أعسرا
الفرع التاسع: اعلم أن جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: هو ركن.
واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" كما في صحيح مسلم، وفي رواية البيهقي "خذوا عني مناسككم" وفي رواية أبي داود: "لتأخذوا مناسككم".
الفرع العاشر: أجمع العلماء على أنه لا يرمى من الجمرات يوم النحر إلَّا جمرة العقبة.
الفرع الحادي عشر: اعلم أن الأفضل في موقف من أراد رمي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره، كما دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك.
قال النووي في شرح المهذب: وبهذا قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وجابر، والقاسم بن محمد، وسالم، وعطاء، ونافع، والثوري، ومالك وأحمد. قال ابن المنذر: وروينا أن عمر رضي الله عنه خاف الزحام فرماها من فوقها.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 309)
المسألة التاسعة: اعلم أنه إذا رمى الجمرة يوم النحر وحلق فقد تحلل التحلل الأول، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام إلَّا النساء. وعند مالك: إلَّا النساء والصيد والطيب، فإن طاف طواف الإِفاضة وكان قد سعى بعد طواف القدوم، أو سعى بعد إفاضته فقد تحلل التحلل الثاني، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام حتى النساء والصيد والطيب.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنهم اختلفوا في الحلق، هل هو نسك كما قدمناه في سورة البقرة؟
فمن قال: هو نسك قال: إن التحلل الأول لا يكون إلَّا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إن الحلق غير نسك قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر.
وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك، كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية.
الفرع الثاني: في مذاهب العلماء في مسألة التحلل: فمذهب مالك: أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شيء إلَّا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها، لا حرام، وإن طاف طواف الإِفاضة، وكان قد سعى حل له كل شيء. ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا حلق، أو قصر حل التحلل الأول، ويحل به كل شيء عنده إلَّا النساء، وإن طاف طواف الإِفاضة حل له النساء. وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 310)
لا بالطواف؛ لأن الحلق هو المحلل، دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف، فإذا طاف عمل الحلق عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت.
والدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى يحلق. وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق إلَّا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي في هذه المسألة هو أنه على القول بأن الحلق نسك، يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإِفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني، وبالأول يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، وبالثاني تحل النساء. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين: هما رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني. ومذهب الإِمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة، ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، فإن طاف طواف الإِفاضة، حلت له النساء.
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب أحمد. وهذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاووس، والنخعي، وعبد الله بن الحسين، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروى أيضًا عن ابن عباس. وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلَّا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 311)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يحل له كل شيء إلَّا النساء والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة. وعن عروة: أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروى في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا. انتهى كلام صاحب المغني.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب. أما بالنسبة إلى الصيد، فلم أرَ له مستندًا من النقل، إلَّا أمرين:
أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فهو مرسل؛ لأن مكحولًا لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع ومرسل. والله أعلم.
والثاني: التمسك بظاهر قوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة، دليل على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}؛ لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء.
وأما حجته أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 312)
الحج، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حلَّ له ما حرم على الحاج إلَّا النساء، والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. اهـ.
ومما يستدل به المالك على ذلك = ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ زيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنَّة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة … الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلَّا النساء والطيب حتى يزور البيت. اهـ. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي.
هذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به، ما عدا النساء والصيد والطيب. وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده، لا حرام.
وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلَّا النساء كأحمد، والشافعي ومن وافقهما، فمنها حديث عائشة المتفق عليه، قالت: كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإِحرامه، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد. منها
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 313)
قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت.
ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه الإِمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟
قال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس هذا: وقد روى النسائي بإسناده عن الحسن بن عبد الله العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء" هكذا رواه النسائي، وابن ماجه مرفوعًا، وإسناده جيد إلَّا أن يحيى بن معين وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس. ورواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس. انتهى كلام النووي رحمه الله.
والذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور موقوف عندهما على ابن عباس إلَّا ما ذكره من أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتضمخ بالمسك.
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني المذكور: قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. اهـ. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة.
ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه أبو داود في سننه من طرق
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 314)
الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلَّا النساء". اهـ.
ومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين:
أحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة.
والثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري.
وقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف. الحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه.
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه أبو داود بإسنادٍ ضعيف جدًّا من رواية الحجاج بن أرطاة. وقال: هو حديث ضعيف. اهـ.
هذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل شيء إلَّا النساء.
وأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلَّا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، بناءً على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك.
يحل له كل شيء إلَّا النساء بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا. والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما. والله تعالى أعلم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 315)
بالتحلل الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلَّا بالتحلل الأخير. وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر؛ لأن الأحاديث التي فيها التصريح. بأنه يحل له كل شيء إلَّا النساء قد علمت ما فيها من الكلام. وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد.
وظاهر قوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول؛ لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإِحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه. والله تعالى أعلم.
المسألة العاشرة: في أحكام الرمي:
اعلم أنا قدمنا في الكلام على الإِفاضة من مزدلفة إلى منى بعض أحكام رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبًا. والآن سنذكر إن شاء الله المهم من أحكام الرمي.
أعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل له كل شيء حرم عليه بالإِحرام، فحجه قام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى فيها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 316)
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلَّا بعد الزوال، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: "رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس" هذا لفظ مسلم عنه في صحيحه. وحديث جابر هذا الذي رواه مسلم في صحيحه موصولًا باللفظ الذي ذكرنا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به بلفظ: وقال جابر: "رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال" ثم ساق البخاري رحمه الله بسنده عن ابن عمر قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا.
وقال ابن حجر في فتح الباري في قول ابن عمر: كنا نتحين … الحديث، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو دليل على أن الحافظ ابن حجر يرى قول ابن عمر: "كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا" له حكم الرفع. وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع. وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يوم حين صلَّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس" الحديث. وفي إسناده محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وهو مدلس، وقد قال ابن إسحاق المذكور في الإِسناد المذكور: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. والمدلس إذا عنعن لم تقبل روايته عند أهل الحديث. وقد قدمنا مرارًا أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، وأن المشهور عن أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: الاحتجاج بالمرسل.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 317)
وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: "رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمار حين زالت الشمس".
وبهذه النصوص الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلم أن قول عطاء وطاووس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت عنه المعتضد بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد، وأبو يوسف. ولم يرد في كتاب الله، ولا سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - شيء يخالف ذلك. فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنَّة الثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: اعلم أنه يجب الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة، فيرميها كذلك، ولا يقف عندها، بل ينصرف إذا رمى. وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأمر بأخذ المناسك عنه. فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور. ففي صحيح البخاري رحمه الله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 318)
يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله. اهـ. روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : "لتأخذوا عني مناسككم" فإن لم يرتب الجمرات، بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منسكًا؛ لأنه خالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا، فيكون مردودًا. وبهذا قال مالك، والشافعي وأحمد، وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنة، فإن نكس الرمي أعاده وإن لم يعد أجزأه. وهو قول الحسن وعطاء. واحتجوا بأدلة لا تنهض. وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إن الترتيب شرط، لو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث لم يجزه إلَّا الأولى، لعدم الترتيب في الوسطى، والأخيرة، فعليه أن يرمى الوسطى، ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها. هذا هو الظاهر.
واعلم أن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الرمي، ليس فيها نص، وسنذكر هنا بعض ذلك مما يظهر لنا أنه أقرب للصواب، مع الاختصار، لعدم النصوص في ذلك.
فمن ذلك: أن الأقرب فيما يظهر لنا أنه لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى؛ لأن ذلك ليس برمي في العرف، خلافًا لمن قال: إنه رمي، وأنه لا بد من وقوع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 319)
الحصاة في نفس المرمى، وهو الجمرة التي يحيط بها البناء واستقرارها فيه خلافًا لمن قال: إنها إن وقعت في المرمى، ثم تدحرجت حتى خرجت منه أنه يجزئه، وأنها لو ضربت شيئًا دون المرمي، ثم طارت، وسقطت في المرمى أن ذلك يجزئه، بخلاف ما لو جاءت في محمل، أو في ثوب رجل، فتحرك المحمل، أو الرجل فسقطت في المرمى، فإنها لا تجزئ، وكذلك لو جاءت دون المرمي، فأطارت حصاة أخرى، فجاءت هذه الحصاة الأخرى في المرمى، فإنها لا تجزئه؛ لأن الحصاة التي رماها لم تسقط في المرمى، وإنما وقعت فيه الحصاة التي أطارتها، وأنها إن أخطأت المرمى، ولكن سقطت قريبًا منه، أن ذلك لا يجزئه، خلافًا لمن قال: يجزئه، وأنه لا ينبغي أن يرمي إلَّا بالحجارة، فلا ينبغي الرمي بالمدر، والطين، والمغرة، والنورة، والزرنيخ، والملح، والكحل، وقبضة التراب، والأحجار النفيسة: كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، ونحو ذلك، خلافًا لمن أجاز الرمي بذلك.
ولا يجوز الرمي بالخشب، والعنبر، واللؤلؤ، والجوهر، والذهب، والفضة. والأقرب أيضًا أن الحصاة إن وقعت في شقوق في البناء المنتصب في وسط الجمرة، وسكنت فيها أنها لا تجزئ؛ لأنها وقعت في هواء المرمى، لا في نفس المرمى خلافًا لمن قال: إنها تجزئه. والأقرب: أنه لا يلزم غسل الحصى؛ لعدم الدليل على ذلك، وأنه لو رمى بحصاة نجسة أجزأه ذلك؛ لصدق اسم الرمي عليه، وعدم نص على اشتراط طهارة الحصى، مع كراهة ذلك عند بعض أهل العلم، وقول بعضهم بعدم الإِجزاء. والأقرب أنه لو رمى بحصاة قد رمى بها أنها تجزئه، لصدق اسم الرمي عليها، وعدم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 320)