Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لا يجوز لأحد دخول مكة لغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك. وقال بعضهم. إذا كان دخوله مكة لغرض غير النسك، فلا مانع من دخوله غير محرم، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين أهل العلم.
وقال ابن حجر في فتح الباري في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في هذه المسألة: وقد اختلف العلماء في هذا. فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول: يجب مطلقًا، وفيمن يتكرر منه دخولها خلاف، وهو أولى بعدم الوجوب. والمشهور عن الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر، والزهري، والحسن، وأهل الظاهر. وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة. واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات. وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب. انتهى كلام ابن حجر. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض: أن هذا هو قول أكثر العلماء.
وإذا علمت اختلاف العلماء في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلَّا للمتوددين عليها كثيرًا كالحطابين، وذوي الحاجات المتكررة كالمالكية والحنابلة، ومن وافقهم فقد استدلوا بأدلة:
منها قول بعضهم: إن من نذر دخول مكة لزمه الإِحرام. قالوا: ولو لم يكن واجبًا لم يجب بنذر الدخول، كسائر البلدان.
ومنها: ما رواه البيهقي في سننه: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 361)

يوسف الأصباني، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا سعدان بن نصر، ثنا إسحاق الأزرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: لا يدخل مكة أحد من أهلها، ولا من غير أهلها إلَّا بإحرام. ورواه إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس: فواللَّه ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا حاجًا أو معتمرًا. انتهى من البيهقي.
وقال ابن حجر في التلخيص: حديث ابن عباس "لا يدخل أحد مكة إلَّا محرمًا". رواه البيهقي من حديثه، وإسناده جيد، ورواه ابن عدي مرفوعًا من وجهين ضعيفين. ولابن أبي شيبة من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلَّا الحطابين والعمالين، وأصحاب منافعها. وفيه طلحة بن عمرو فيه ضعف. وروى الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء: أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. اهـ منه.
ومنها: أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها.
وأما الذين قالوا بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكًا، فاحتجوا بأدلة.
منها: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر. وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكر الحطابين وغيرهم، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور سابقًا وفيه "هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة" الحديث. ومراد البخاري رحمه الله أن مفهوم قوله: ممن أراد الحج والعمرة أن من لم يرد الحج والعمرة لا إحرام عليه ولو دخل مكة.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 362)

وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث وحاصله: أنه خص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة. واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ممن أراد إلحج والعمرة. فمفهومه: أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام. انتهى محل الغرض منه.
ثم قال البخاري رحمه الله؛ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه". انتهى منه. فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، دليل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، كما هو واضح. وحديث أنس هذا أخرجه مالك في الموطأ، وزاد: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرمًا. وأخرجه أيضًا مسلم في صحيحه باللفظ الذي ذكره البخاري في باب جواز دخول مكة بغير إحرام.
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد الثقفي، قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة" وقال قتيبة "دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" وفي رواية قتيبة: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، وفي رواية أخرى عند مسلم عن جابر أيضًا "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء". وفي رواية عند مسلم من طريق عمرو بن حريث، عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". وفي لفظ لمسلم، عن عمرو بن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 363)

حريث، عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد ألقى طرفيها بين كتفيه، ولم يقل أبو بكر على المنبر. انتهى منه.
فإن قيل: في بعض هذه الأحاديث الصحيحة: أنه دخل مكة، وعلى رأسه المغفر، وفي بعضها: أنه دخل وعليه عمامة سوداء.
فالجواب: أن العلماء جمعوا بين الروايتين.
قال القاضي عياض: وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله: خطب الناس، وعليه عمامة سوداء؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. وجمع بعض أهل العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، وكانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. انتهى محل الغرض منه من فتح الباري.
وقال ابن حجر في الفتح في قول البخاري: ودخل ابن عمر، وصله مالك رحمه الله في الموطأ عن نافع قال: أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إذا كان بقديد - يعني بضم القاف - جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام. اهـ منه، وقد ذكره مالك في الموطأ في جامع الحج بلفظ: جاءه خبر من المدينة يدل عن الفتنة، وباقي اللفظ كما ذكره ابن حجر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا: أن من أراد دخول مكة حرسها الله لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 364)

عليه الإِحرام، ولو أحرم كان خيرًا له، لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر، فحديث ابن عباس المتفق عليه: خص فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإِحرام بمن أراد النسك. وظاهره أن من لم يرد نسكًا فلا إحرام عليه. وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح غير محرم، ودخول ابن عمر غير محرم. والعلم عند الله تعالى.
وأما قول بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم أن دخول مكة بغير إحرام من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فهو لا تنهض به حجة، لأن المقرر في الأصول وعلم الحديث أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يختص حكمه به إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، لأنه هو المشرع لأمته باقواله وأفعاله وتقريره كما هو معلوم.
الفرع التاسع: في حكم تأخير الإِحرام عن الميقات، وتقديمه عليه قد قدمنا أنه لا يجوز تأخير الإِحرام عن الميقات ممن يريد حجًا أو عمرة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقد قدمنا دليله.
وأما ما رواه مالك رحمه الله في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أهل من الفرع. ومعلوم أن الفرع وراء ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة، فهو محمول عند أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره، على أنه وصل الفرع وهو لا يريد النسك، فطرأت عليه نية النسك بالفرع، فأهلَّ منه، وهذا متعين؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما ممن روى المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن المعلوم أنه لا يخالف ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما الإِحرام من موضع فوق الميقات، فأكثر أهل العلم على جوازه، وحكى غير واحد عليه الاتفاق.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 365)

واختلفوا في الأفضل من الأمرين: وهما الإِحرام من الميقات، أو الإِحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات؟
قال النووي في شرح المهذب: أجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة، فمن بعدهم، على أنه يجوز الإِحرام من الميقات، ومما فوقه، وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال: لا يجوز الإِحرام مما فوق الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه، ويلزمه أن يرجع، ويحرم من الميقات. وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله. انتهى كلام النووي.
وحجة من قال: إن الإِحرام من الميقات أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة، وهذا مجمع عليه من أهل العلم، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجماهير العلماء، وأهل الفضل، فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإِحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، وإحرامه من الميقات دليل واضح، لا شك فيه أن السنَّة هي الإِحرام من الميقات، لا مما فوقه.
واحتج من قال: يكون الإِحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حكيمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أنها سمعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة" شك عبد الله أيّهما قال. قال أبو داود: يرحم الله

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 366)

وكيعًا أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة. انتهى من سنن أبي داود.
واحتج أهل هذا القول أيضًا بتفسير عمر، وعلي رضي الله عنهما لقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبد الله بن عمر أهل من إيلياء: وهي بيت المقدس.
ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة ليس بالقوي.
قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث أم سلمة، فرواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وآخرون. وإسناده ليس بالقوي، وبأن تفسير علي وعمر رضي الله عنهما للآية، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج. وقد قال صلى الله عليه وسلم : "خذوا عني مناسككم" وإحرامه من الميقات مجمع عليه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا هو: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والإِحرام من الميقات، فلو كان الإِحرام قبله فيه فضل لفعله صلى الله عليه وسلم ، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم .
وقال النووي في شرح المهذب - بعد أن بين أن الإِحرام من الميقات أفضل من غيره ما نصه - : فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من الميقات لبيان جوازه.
فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم : "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة".

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 367)

الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانًا للجواز، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيآت، كما توضأ مرة في بعض الأحوال، وداوم على الثلاث. ونظائر هذا كثيرة. ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا. وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته، ولم يوجد ذلك؛ فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي، فيجاب عنه بأربعة أجوبة.
الأول: أن إسناده ليس بقوي.
الثاني: أنه فيه بيان فضيلة الإِحرام من فوق الميقات، وليس فيه أنه أفضل من الميقات. ولا خلاف أن الإِحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف أيهما أفضل.
فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.
فالجواب: أن فيه زيادة وهي تبيين قدر الفضيلة فيه.
والثالث: أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل.
الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى؛ لأن له مزايا عديدة معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 368)

ولا شك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الأقصى، بدليل الحديث المتفق عليه "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام" ولا خلاف بين أهل العلم في دخول المسجد الأقصى في هذا العموم، وتفضيل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عليه في الجملة، فلو كان فضل المكان سببًا للإِحرام فيه قبل الميقات لأحرم النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، لأنه لا يفعل إلَّا ما هو الأفضل والأكمل صلوات الله وسلامه عليه، ولا يخفى أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل من غيره.
الفرع العاشر: في حكم تقديم الإِحرام على ميقاته الزماني الذي هو أشهر الحج التي تقدم بيانها.
اعلم أن جماعة من أهل العلم قالت: لا ينعقد الإِحرام بالحج في غير أشهر الحج، وأكثر من قال بهذا يقولون: إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا حج. وهذا هو مذهب الشافعي.
قال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وطاووس، ومجاهد، وأبو ثور. ونقله الماوردي عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس وأحمد. وقال الأوزاعي: يتحلل بعمرة. وقال ابن عباس: لا يحرم بالحج إلَّا في أشهره. وقال داود: لا ينعقد. وقال النخعي والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يجوز قبل أشهر الحج، ولكن يكره. قالوا: فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف. واحتج لهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج، ولأنها عبادة تدخلها النيابة، وتجب الكفارة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 369)

في إفسادها، فلم تخص بوقت كالعمرة؛ ولأن الإِحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه، وهو شوال، فعلم أنه لا يختص بزمان. قالوا: ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان. وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا الزمان. قالوا: وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد لكن اختلفنا، هل ينعقد حجًّا أو عمرةً؟ فلولم ينعقد حجًا لما انعقد عمرة. انتهى محل الغرض من كلام النووي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى؛ لأن الآية {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات هي قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت من الغرائب كما ترى.
والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديًا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة. والعلم عند الله تعالى.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 370)

المسألة الثانية عشرة في التلبية في بيان أول وقتها ووقت انتهائها وفي حكمها وكيفية لفظها ومعناها
أما لفظها: فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، ومسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في تلبيته إذا أهل محرمًا: "لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك" ورواية البخاري عن عائشة المذكورة إلى قوله: "إن الحمد والنعمة لك" وقد أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإِحرام بالحج أو العمرة. ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة، على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكاه ابن عبد البر، عن مالك قال: وهو أحد قولي الشافعي. انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.
وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما؛ لأن الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "لتأخذوا عني مناسككم" وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها. والدليل على ذلك من وجهين:

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 371)

أحدهما: ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن ساق حديثه بلفظ تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة قال: قال نافع: كان عبد الله رضي الله عنه يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل.
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضًا بعد أن ساق حديثه بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عمر، من رواية ابنه سالم رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول. لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل. اهـ.
وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبد الله، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه. اهـ.
ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ، لو كان فيها محذور، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله رضي الله عنهما.
الوجه الثاني: هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه ما نصه: "فأهل بالتوحيد: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك، وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئًا منه". انتهى محل الغرض من حديث جابر المذكور. وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته صلى الله عليه وسلم ، ويقرهم على ذلك، ولم ينكره عليهم كما ترى.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 372)

وأما أول وقتها: فأظهر أقوال أهل العلم فيه: أنه أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم أهلَّ حين استوت به راحلته.
قال البخاري في صحيحه: باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمًا.
باب الإِهلال مستقبل القبلة. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما: إذا صلَّى بالغداة بذي الحليفة، أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى بات به، حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهن، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الخليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. انتهى من صحيح البخاري.
فهذه الروايات الصحيحة الثابتة عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا من أن أول وقت الإِحرام عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 373)

رضي الله عنه يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا من عند المسجد - يعني ذا الحليفة - . وحدثناه قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له: الإِحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا من عند الشجرة، حين قام به بعيره. وفي لفظ لابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم: فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته، وفي لفظ له أيضًا عند مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة، وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى، ومراد ابن عمر رضي الله عنهما بكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِحرام من البيداء هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه. . . الحديث، وما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه أيضًا، عن أنس بن مالك بلفظ قال: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد الله وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما. . . الحديث. ومراد ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل محرمًا حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل البيداء. ووجه الجمع بين حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وأنس معروف عند أهل الحديث، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم، ثم لما استوت

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 374)

به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع.
وقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى استوت به راحلته، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة. ومراد ابن عمر بالإِنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء. وهذا الجمع ذكره ابن حجر، عن أبي داود، والحاكم.
وقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق عَلمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي. قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى منه.
وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية؛ وأنه وقت انعقاد الإِحرام فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها.
والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما، وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة، وقوله في هذا الحديث الصحيح: "حتى بلغ الجمرة"، هو حجة من قال: يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضًا "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة"

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 375)

وقوله في هذا الحديث: "حتى رمى جمرة العقبة" هو حجة من قال يلبي حتى ينتهي رميه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام: "لبيك اللَّهم لبيك" وجمع هي المزدلفة. وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم أيضًا: قال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: "لبيك اللَّهم لبيك" وفي لفظ عنه أيضًا عند مسلم، من رواية عبد الرحمن بن يزيد، والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة هاهنا يقول: "لبيك اللَّهم لبيك" ثم لبى ولبينا معه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: فهذه النصوص الصحيحة تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها، لا الانتهاء منه.
ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة. فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة؛ لتتابع رمي الحصيات.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: ولابن خزيمة عن الفضل أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: "حتى

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 376)

رمى جمرة العقبة" أتم رميها. اهـ. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها.
وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء التلبية مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، وعن علي، وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة. وهذا قريب من قول سعد وعائشة. وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة. ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. وقد روى مالك رحمه الله في الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يلبي بالحج، حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. قطع التلبية. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. اهـ. وروى مالك في الموطأ أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف. وروى في الموطأ أيضًا عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك في العمرة إذا دخل الحرم. اهـ.
والتحقيق أنه لا يقطعها إلَّا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل ابن عباس الثابت في الصحيح على ذلك دلالة واضحة، ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضًا، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك. والعلم عند الله تعالى.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 377)

وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافًا معروفًا. قال ابن حجر في فتح الباري: لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة.
الأول: أنها سنَّة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصًا يدل عليه وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنَّة، ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلَّا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج، وإلَّا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم. وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق. وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإِحرام فهو محرم.
رابعها: أنها ركن في الإِحرام لا ينعقد بدونها. حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبير من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظيرة تكبيرة الإِحرام للصلاة،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 378)

ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإِحرام. وهو قول عطاء، أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النووي: عن داود: أنه لا بدَّ من رفع الصوت بها. وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. انتهى من فتح الباري.
وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى كما ذكرنا وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل. أما كونها مسنونة، أو مستحبة، أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم . والعلم عند الله تعالى.
وأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب، فلفظة: لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، أي: إجابة لك بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك. وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى. قال: وإنما انقلبت ألفه ياء، لاتصالها بالضمير، كما قلبت ألف لدى، وإلى، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول: لديك، وإليك، وعليك بإبدال الألف ياء. والأظهر قول سيبويه، وجمهور أهل اللغة.
ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإِضافة للاسم الظاهر، لا الضمير كما في قول الشاعر، وهو أعرابي من بني أسد:
دعوتُ لما نابني مِسورَا … فلبِّي فلبِّي يدي مسور

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 379)

وقال ابن الأنباري: ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك، أي: تحننًا بعد تحنن. وقال القاضي عياض: اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها، فقيل معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي: تواجهها، وقيل: معناها محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه، وقيل معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لب الطعام ولبابه، وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك مأخوذ من قولهم: لبَّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه.
قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل. وقيل في "لبيك"، أي: قربًا منك، وطاعة، والإِلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع. انتهى كلام عياض، مع تصرف، وحذف يسير بواسطة نقل النووي في شرح مسلم. وما قاله الشيخ عياض رحمه الله يدور حوله كلام أهل اللغة في معنى التلبية، وبقية ألفاظ التلبية معانيها ظاهرة.
واعلم أن لفظة لبيك ملازمة للإِضافة لضمير المخاطب، وشذ إضافتها للظاهر كما تقدم قريبًا، وشذَّ أيضًا إضافتها لضمير الغائب كقول الراجز:
إنك لو دعوتني ودوني … زوراء ذات منزع بيون
لقلت: لبيه لمن يدعوني
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية، لما رواه مالك في الموطأ، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 380)