السائب بن خلاد بن سويد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". اهـ.
ولفظ مالك في موطئه: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإِهلال" يريد أحدهما. وقال الترمذي في هذا الحديث: حديث حسن صحيح.
وجمهور أهل العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب. وذهب الظاهرية إلى أنه للوجوب، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه.
وأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم.
قال مالك في موطئه: إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها. وعلل بعض أهل العلم خفض المرأة صوتها بالتلبية بخوف الافتتان بصوتها.
وقال الرافعي في شرحه الكبير المسمى فتح العزيز في شرح الوجيز: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته. والنساء تقتصرن على إسماع أنفسهن، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.
قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض أصحابنا. اهـ. وذكر نحوه النووي عن الروياني ثم قال: وكذا قال غيره: لا يحرم، لكن يكره. صرح به
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 381)
الدارمي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. ويخفض الخنثى صوته كالمرأة. ذكره صاحب البيان. وهو ظاهر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء، ولا يجوز لها رفعه بحال. ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء وَمفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء، كقول غيلان ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق … رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله: كونا فكانتا … فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء، كالبشرة الناعمة والعينين الحسنتين. وكقول معنب بن أم صاحب:
وفي الخدور لو أن الدار جامعة … بيض أوانس في أصواتها غنن
فتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن. وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف فيه. وقد قال جل وعلا مخاطبًا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن خير أسوة لنساء المسلمين: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)} لأن تليين الصوت وترخيمه يدك على الاهتمام بالريبة كإبداء غيره من محاسن المرأة للرجال، كما قال الشاعر:
يحسبن من الكلام زوانيا … ويصدهن عن الخنا الإِسلام
الفرع الثاني: اعلم أنه يستحب الإِكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 382)
الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال. وعلى هذا أكثر أهل العلم.
قال صاحب المهذب: يستحب أن يكثر من التلبية، ويلبي عند اجتماع الرفاق، وفي كل صعود، وهبوط، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، لما روى جابر رضي الله عنه، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا رأى ركبًا، أو صعد أكمة، أو هبط واديًا" وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل. انتهى محل الغرض منه.
ولم يتكلم النووي في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور.
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير في حديث جابر المذكور: هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب، وبيض له النووي، والمنذري. وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا لقي ركبًا" فذكره. وفي إسناده من لا يعرف. وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبًا، ونازلًا، ومضطجعًا.
وروى ابن أبي شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا واديًا، أو علوه، وعند التقاء الرفاق. وعند خيثمة نحوه. وزاد: وإذا استقلت بالرجل راحلته. انتهى من التلخيص.
وقال مالك في الموطأ: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 383)
ويستأنس لحديث جابر المذكور بقول البخاري: باب التلبية إذا انحدر في الوادي. ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس، وفيه قال: "أما موسى كأني أنظر إليه، إذا انحدر في الوادي يلبي" وقال في الفتح في شرح هذا الحديث: وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف القدوم، والسعي بعده. وممن قال: إنه لا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده: مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وممن أجاز التلبية في طواف القدوم: أحمد.
وقال ابن قدامة في المغني: وبه يقول ابن عباس، وعطاء بن السائب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن أبي ليلى، والشافعي. وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت وقال ابن عيينة: ما رأينا أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وذكر أبو الخطاب: أنه لا يلبي، وهو قول للشافعي؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. انتهى محل الغرض من المغني. وقد قدمنا لك أن القول الجديد الأصح من مذهب الشافعي: أنه لا يلبي خلافًا لما يوهمه كلام صاحب المغني. وروى مالك في موطئه عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي، حتى يغدوا من منى إلى عرفات، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 384)
التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. انتهى من الموطأ، وروى مالك في الموطأ أيضًا عن ابن شهاب، أنه كان يقول: كان عبد الله بن عمر لا يلبي، وهو يطوف بالبيت. انتهى منه. وقد روي عن ابن عمر أيضًا خلاف هذا، فقد ذكر ابن حجر في التلخيص: أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى.
الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد.
وأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد إلَّا أنه لا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري. ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء خلافًا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحاري، ولا يعجبني أن يلبي في المصر. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه
فمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والصيغة في قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} صيغة خبر أريد بها الإِنشاء، أي:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 385)
فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإِنشاء؛ لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدًا، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة. ومنها إظهار تأكيد الإِتيان بالفعل، وإلزام ذلك، كقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية، أي: آمنوا باللَّه بدليل جزم الفعل في قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} الآية، فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي: آمنوا باللَّه، يغفر لكم ذنوبكم كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} الآية {تَعَالَوْا أَتْلُ} الآية، ونحو ذلك. فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية هو إظهار التأكد، واللزوم في الإِتيان بالإِيمان، فعبر عنه بصيغة الخبر، لإِظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية، وقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} الآية. المراد الأمر بالإِرضاع، والتربص، وقد عبر عنه بصيغة خبرية؛ لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني.
والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما: مباشرة النساء بالجماع، ومقدماته.
والثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا. ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته. ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجّاج:
ورب أسراب حجيج كظمِ … عن اللغا ورفث التكلّم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 386)
وقد قدمنا هذا البيت في سورة المائدة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما أنشد وهو محرم قول الراجز:
وهنَّ يمشين بنا هميسًا … إن تَصْدق الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما روجع به النساء، وفي لفظ: ما قيل من ذلك عند النساء.
والأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى. والفسوق في اللغة: الخروج، ومنه قول العجاج:
يهوين في نجد وغورًا غائرًا … فواسقًا عن قصدها جوائرا
يعني بقوله: فواسقا عن قصدها: خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها.
والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة والمراء، أي: لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه. وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج، أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
ومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه، من حلق شعر الرأس في قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
ومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه؛ لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر عن راحلته فوقصته فمات: "لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا" وفي رواية في صحيح مسلم: "ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". وهذا الحديث في صحيح مسلم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 387)
بألفاظ متعددة، في بعضها الاقتصار على النهي عن تخمير الرأس، وفي بعضها النهي عن تخمير الرأس والوجه، وفي بعضها: النهي عن مسه بطيب، وفي بعضها: النهي عن أن يقربوه طيبًا وأن يغطوا وجهه. وكل ذلك ثايت. وهو نص صريح في منع تغطية المحرم الذكر رأسه أو وجهه. أما المرأة فإنها تغطي رأسها، ولا تغطي وجهها إلَّا إذا خافت نظر الرجال الأجانب إليه. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك لبس كل شيء محيط بالبدن، أوبعضه، وكل شيء يغطي الرأس كما تقدم قريبًا، فلا يجوز للمحرم لبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا القباء، ولا الخف إلَّا إذا لم يجد نعلًا، فإنه يجوز له لبس الخفين، ويلزمه أن يقطعهما أسفل من الكعبين، وكذلك إذا لم يجد إزارًا، فله أن يلبس السراويل على الأصح فيهما.
وكذلك لا يجوز له أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران. وهذه أدلة منع ما ذكر.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يلبس القمص المحرم، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو ورس". انتهى من صحيح البخاري.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 388)
رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس" وأخرج مسلم رحمه الله هذا الحديث عن ابن عمر أيضًا من طريق ابنه سالم، وأخرج بعضه عنه أيضًا من طريق عبد الله بن دينار. ثم قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد جميعًا، عن حماد قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: "السراويل لمن لم يجد الإِزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين" يعني المحرم. وقد ذكر مسلم هذا الحديث من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وزاد شعبة في روايته، عن عمرو: يخطب بعرفات. وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس أيضًا. ثم قال مسلم رحمه الله: وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزار فليلبس سراويل". اهـ من صحيح مسلم.
وهو يدل دلالة واضحة على جواز لبس السراويل للمحرم الذي لم يجد إزارًا، كجواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين. وفي حديث ابن عباس، وجابر المذكورين زيادة على حديث ابن عمر: وهي جواز السراويل لمن لم يجد إزار. وهذه الزيادة يجب قبولها خلافًا لمن منع قبولها. وإطلاق الخفين في حديث ابن عباس، وجابر المذكورين
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 389)
يجب تقييده بما في حديث ابن عمر من قطعهما أسفل من الكعبين، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد حكمهما وسببهما كما هنا، كما هو مقرر في الأصول.
فأظهر الأقوال دليلًا: أنه لا يجوز لبس الخفين إلَّا في حالة عدم وجود النعلين، وأن قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين لا بد منه، وأن لبس السراويل جائز للمحرم الذي لم يجد إزارًا خلافًا لمن ذهب إلى غير ذلك.
وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا العمامة، ولا الخف إلَّا ألا يجد نعلين، فليلبس الحفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" فرواه البخاري ومسلم هكذا، وزاد البيهقي وغيره فيه "ولا يلبس القباء" وقال البيهقي: هذه الزيادة صحيحة محفوظة. انتهى منه. وهو دليل على منع لبس القباء للمحرم.
وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث ابن عمر المذكور. زاد الثوري في روايته، عن أيوب، عن نافع في هذا الحديث: ولا القباء. أخرجه عبد الرزاق. ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع أيضًا. انتهى محل الغرض منه.
وهذا الذي ذكرنا من تحريم اللباس المذكور إنما هو في حق الرجال. وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب إلَّا أنهن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 390)
لا يجوز لهن أن ينتقبن، ولا أن يلبسن القفازين؛ لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها.
وقد قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب الحديث وفيه "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق في النقاب والقفازين. وقال عبد الله: ولا ورس. وكان يقول: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع، عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة. وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى من صحيح البخاري.
وقال أبو داود رحمه الله في سننه - بعد أن ساق حديث ابن عمر المتقدم - : حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه. وزاد: ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين. وفي لفظ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين".
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من أنواع الثياب من معصفر، أو خز، أو حرير، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. فرواه أبو داود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي إلَّا أنه قال: حدثني نافع عن ابن عمر. وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس، وإذا قال
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 391)
المدلس: حدثني احتج به على المذهب الصحيح المشهور. انتهى منه.
وقال ابن حجر في التلخيص: حديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن النقاب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب معصفرًا، أو خزًّا، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن عمر. واللفظ لأبي داود زاد فيه بعد قوله: عن النقاب: وما مس الزعفران، والورس من الثياب، وليلبسن بعد ذلك. ورواه أحمد إلى قوله من الثياب.
ومن ذلك استعمال المحرم الطيب في بدنه، أو ثيابه. والطيب هو ما يتطيب به، ويتخذ منه الطيب، كالمسك، والكافور، والعنبر، والصندل، والورس، والزعفران، والورد، والياسمين ونحو ذلك. والأصل في منع استعمال الطيب للمحرم هو ما قدمنا في حديث ابن عمر المتفق عليه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس ما مسه الزعفران، والورس من الثياب في الإِحرام. وما قدمنا من حديث مسلم في الذي وقع عن راحلته فأوقصته فمات. ففي لفظ في صحيح مسلم: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل بماء وسدر، وأن يكفن في ثوبين، ولا يمس طيبًا الحديث. وفي لفظ في صحيح مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغسلوه ولا تقربوه طيبًا ولا تغطوا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي" فقوله: "ولا يمس طيبًا" في الرواية الأولى نكرة في سياق النفي. وقوله: "ولا تقربوه طيبًا" في الرواية الثانية نكرة في سياق النهي، وكلتاهما من صيغ العموم، كما هو مقرر في الأصول، فهو يدل على منع جميع أنواع الطيب للمحرم، وترتيبه صلى الله عليه وسلم على ذلك بالفاء قوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" دليل
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 392)
على أن علة منع ذلك الطيب كونه محرمًا ملبيًا. والدلالة على العلة المذكورة: هي من دلالة مسلك الإِيماء والتنبيه. كما هو معروف في الأول.
ومن ذلك عقد النكاح، فإنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج غيره بولاية أو وكالة. وسيأتي الخلاف في تزويج المحرم غيره بالولاية العامة إن شاء الله تعالى. وكون إحرام أحد الزوجين أو الولي مانعًا من عقد النكاح هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وعزاه النووي في شرح المهذب لجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال: وهو مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ومالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود وغيرهم.
وقال في شرح مسلم: قال مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. اهـ.
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم: إلى أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي، ليس مانعًا من عقد النكاح. وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وهو مروي عن الحكم، والثوري، وعطاء، وعكرمة. وعزاه صاحب المغني لابن عباس. والظاهر أن عزو هذا القول الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول، كما ذكرناه عنه آنفًا، كما سترى ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 393)
وإذا علمت أقوال أهل العلم في الإِحرام بحج أو عمرة، هل هو مانع من عقد النكاح، أو لا، فهذه أدلتهم.
أما الجمهور القائلون بأن الإِحرام مانع من النكاح، فاستدلوا بما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُنكح المحرم، ولا يَنكح ولا يخطب".
وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، حدثني نبيه بن وهب، قال: بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه، فأرسلني إلى أبان بن عثمان، وهو على الموسم فقال: ألا أراه أعرابيًا إن المحرم لا يُنكح ولا يَنكح. أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا عبد الأعلى (ح) وحدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا محمد بن سواء، قالا جميعًا: حدثنا سعيد عن مطر، ويعلى بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 394)
أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المحرم لا ينكح ولا يخطب".
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله بن معمر، أراد أن ينكح ابنه طلحة بنت شيبة بن جبير في الحج، وأبان بن عثمان يومئذ أمير الحاج فأرسل إلى أبان: إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر فأحب أن تحضر ذلك، فقال له أبان: ألا أراك عراقيًا جافيًا إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا ينكح المحرم".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق الحنظلي جميعًا، عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس أخبره "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو محرم" زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها، وهو حلال. وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، عن ابن عباس أنه قال: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهو محرم".
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا أبو فزارة، عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال" قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. انتهى من صحيح مسلم.
وحديث عثمان المذكور في صحيح مسلم رواه أيضًا مالك وأحمد وأصحاب السنن. وقال أبو عيسى الترمذي - بعد أن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 395)
ساقه - : حديث عثمان حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر. وهو قول بعض فقهاء التابعين. وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق لا يرون أن يتزوج المحرم. وقالوا: إن نكح فنكاحه باطل.
وحديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة المذكور في صحيح مسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو حلال" رواه أيضًا الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والإِمام أحمد. وقال الترمذي: حدثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال" رواه مالك مرسلًا، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا. انتهى محل الغرض منه. وحديث أبي رافع هذا رواه أيضًا الإِمام أحمد.
وروى مالك رحمه الله في موطئه، عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره. وفي الموطأ أيضًا، عن مالك أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم؟ فقالوا: لا ينكح المحرم، ولا يُنكح. وفي الموطأ أيضًا عن مالك، عن داود بن الحصين: أن أبا غطفان بن طريف
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 396)
المري، أخبره أن أباه طريفًا، تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب رضي الله عنه نكاحه. وحديث أبي غطفان بن طريف، هذا رواه أيضًا الدارقطني. وروى الإِمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها، وأنت محرم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. انتهى منه بواسطة نقل المجد في المنتقى.
فهذا هو حاصل أدلة من قال: بأن الإِحرام مانع من عقد النكاح.
وأما الذين قالوا: بأن الإِحرام لا يمنع عقد النكاح، فقد استدلوا بما رواه الشيخان في صحيحيهما، وأصحاب السنن، والإِمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم". وللبخاري "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف". اهـ.
قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس رضي الله عنهما فيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، واللَّه تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وهو المشرع لأمته بأقواله، وأفعاله، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه، فلو كان تزويج المحرم حرامًا لما فعله صلى الله عليه وسلم .
واحتج الجمهور القائلون بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة، قالوا: ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" وصيغة النفي في قوله: لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب يراد بها النهي، كقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} أي:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 397)
لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج. وإيراد الإِنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء. كما هو مقرر في المعاني.
والحديث دليل صحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم على منع نكاح المحرم، وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث والآثار الدالة على منع نكاح المحرم.
وأجاب الجمهور القائلون بمنع إحرام أحد الزوجين، أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور، بأجوبة.
واعلم أولًا: أن المقرر في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح.
وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع "أنه تزوجها وهو حلال" ووجه الجمع في ذلك، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بان المراد بكونه محرمًا كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء.
قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور، وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة في عمرة القضاء". اهـ منه. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك، كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم، أو غير ذلك.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 398)
وقال ابن منظور في اللسان. وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإِحرام على الدخول في الشهر الحرام - وقد أنشده في اللسان شاهدًا لذلك - قول زهير:
جعلن القنان عن يمين وحزنه … وكم بالقنان من محل ومحرم
وقول الآخر:
وإذ فتك النعمان بالناس مُحرمًا … فملئ من عوف بن كعب سلاسل
وقول الراعي:
قتلوا ابن عفَّان الخليفَة مُحرما … ودعَا فلم أر مثله مقتولا
فتفرقت من بعد ذاك عصاهُم … شققا وأصبح سيفهم مسلولا
ويروى: فلم أر مثله مخذولًا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا، أي: في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة. وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك.
وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرمًا في بيته المذكور كونه في حرمه الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يحل من نفسه شيئًا يستوجب به القتل. ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرما … غادروه لم يمتع بكفن
يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أنه له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرمًا. وعلى
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 399)
تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع، ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كل الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باق، فالمصير إلى الترجيح إذًا واجب. وحديث ميمونة، وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره. وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور، مع حديث ابن عباس.
وإليه أشار في مواقي السعود مبحث الترجيح، باعتبار حال الراوي بقوله عاطفًا على ما ترجح به رواية أحد الراويين على رواية الآخر:
أو راويًا باللفظ أو ذا الواقع … وكون من رواه غير مانع
ومحل الشاهد منه قوله: أو ذا الواقع، أي: يقدم خبر ذي الواقع المروي على خبر غيره كخبر ميمونة، مع خبر ابن عباس. ومما يرجح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روي على خبر غيره؛ لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره. والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور "أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال" قال: وكنت الرسول فيما بينهما، مع حديث ابن عباس المذكور "أنه تزوجها وهو محرم".
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 400)