قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه، فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا: إنه مما للرأي فيه مجال، كما يدل عليه كلام عمران بن حصين الآتي؛ وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحة ذلك، وقد تابعه في ذلك عثمان رضي الله عنه قالوا: ويعتضد حديث الحارث بن بلال المذكور أيضًا بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، الإِفراد، ولولم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك الركب لما عدلوا عنه إلى غيره، لما هو معلوم من تقاهم، وورعهم، وحرصهم على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور. وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار، كما أوضحه عروة بن الزبير رضي الله عنهما في حديثه المتقدم عند مسلم. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك ابن جعشم المدلجي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإجابته له بقوله: بل للأبد لا يستقيم؛ لأنه لا معارضة بين الحديثين لإِمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول، وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعًا، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنهما صادقان، وليس بمتعارضين، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إلغاء أحدهما، كما لا يخفى. ووجه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 161)
الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديث بلال بن الحارث المزني، وأبي ذر رضي الله عنهما محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب، فتحتم فسخ الحج في العمرة، ووجوبه خاص بذلك الركب، لأمره - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر: بل للأبد محمول على الجواز، وبقاء المشروعية إلى الأبد، فاتفق الحديثان.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا صوابه في حديث "بل للأبد" وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين: هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم، وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز، أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية، كما لا يخفى.
واعلم: أن الشافعية والمالكية، ومن وافقهم يقولون: إن قوله - صلى الله عليه وسلم - : "بل للأبد" لا يراد به فسخ الحج في العمرة، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج، وقال بعضهم: المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القرآن.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية، والشافعية قول النبي لسراقة: "بل للأبد" ليس هو معناه، بل معناه: بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة، وبعض روايات الحديث ظاهرة في ذلك ظهورًا بينًا، لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، بل صريح في ذلك.
وسنمثل هنا لبعض تلك الروايات فنقول: ثبت في صحيح
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 162)
مسلم من حديث جابر رضي الله عنه ما لفظه: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد". انتهى المراد منه. وهو صريح في أن سؤال سراقة عن الفسخ المذكور، وجواب النبي له يدل على تأبيد مشروعيته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، فقول المالكية، والشافعية، ومن وافقهم: بأن الفسخ ممنوع لغير أهل حجة الوداع، لا يستقيم مع هذا الحديث الصحيح المصرح، بخلافه كما ترى.
ودعواهم أن المراد بقوله: "بل لأبد أبد" جواز العمرة في أشهر الحج، أو اندراج أعمالها فيه في حالة القرآن بعيد من ظاهر المذكور كما ترى، وأبعد من ذلك دعوى من ادعى أن المعنى: أن العمرة اندرجت في الحج، أي: اندرج وجوبها في وجوبه، فلا تجب العمرة. وإنما تجب على المكلف حجة الإِسلام دون العمرة، وبعد هذا القول وظهور سقوطه كما ترى.
والصواب إن شاء الله: هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه.
وقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإِمام أحمد: أين يقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيًّا رووا الفسخ عنه - صلى الله عليه وسلم - ما نصه: قلت: لا معارضة بينهم، وبينه، حتى يقدموا عليه، لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة، ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 163)
الحارث في إثبات الفسخ للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم، وهي اختصاص الفسخ بهم. اهـ.
وإذا عرفت مما ذكرنا أدلة الذين ذهبوا إلى تفضيل الإِفراد على غيره من أنواع النسك، وعلمت أن جوابهم عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج في العمرة أنه لإِزالة ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وأن الفعل المفعول لبيان الجواز، قد يكون أفضل بذلك الاعتبار من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته.
فاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعًا وكلها ثابتة في الصحيحين، وغيرهما في حجة الوداع مع الأحاديث المصرحة بأنه كان مفردًا التي هي معتمدهم في تفضيل الإِفراد بأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم أولًا مفردًا، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا فأحاديث الإِفراد يراد بها عندهم أنه هو الذي أحرم به أول إحرامه، وأحاديث القرآن عندهم حق، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا، وصيرورته قارنًا في آخر الأمر هي معنى أحاديث القرآن، فلا منافاة. أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعًا، فلا إشكال فيها؛ لأن السلف يطلقون اسم التمتع على القرآن من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له. وتأسفه على فواته بسبب سوق الهدي في قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة" كفعله له. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج في العمرة لبيان الجواز، وهو بالاعتبار أفضل من غيره، فلا ينافي أن الإِفراد
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 164)
أفضل منه بالنظر إلى ذاته، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، قالوا: ولما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج من العمرة أسفوا؛ لأنهم أحلوا وهو باقٍ على إحرامه، فأدخل العمرة على الحج لتطيب نفوسهم بأنه صار معتمرًا مع حجة لما أمرهم بالعمرة، والمانع له من أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي، قالوا: فعمرتهم لبيان الجواز، وعمرته التي بها صار قارنًا لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم، فصار تمتعهم، وقرانه بهذا الاعتبار أولى من غيرهما، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال بعد زوال الموجب الحامل على ذلك.
قالوا: وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، فواظبوا على الإِفراد نحو أربع وعشرين سنة، كلهم يأخذ بسنة الخليفة الذي قبله في ذلك.
قالوا: وما قاله جماعة من أجِّلاء العلماء من أن بيان جواز العمرة في أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك بيانًا متكررًا في سنين متعددة، وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية عام ست، وعمرة القضاء عام سبع، وعمرة الجعرانة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في ذي القعدة من أشهر الحج.
قالوا: وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كافٍ غاية الكفاية، فلا حاجة إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة. وكذلك قوله: "ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليهلّ" المتقدم في حديث عائشة. وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه، تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية التمتع على غيره، لا لشيء آخر.
لا شك في أنه ليس بصحيح، وأن بيان ذلك محتاج إليه غاية
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 165)
الاحتياج في حجة الوداع، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان أمرهم - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج في العمرة، والدليل على ذلك هو ما ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه - وقد ذكرناه في أول هذا البحث - قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض … " الحديث. وفيه: فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال "الحل كله": وفي البخاري قال: "حل كله" فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح: فتعاظم ذلك عندهم، دليل على أنه في ذلك الوقت لم يزل عظيمًا عندهم. ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية، لما تعاظم الأمر عندهم، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر دليل على أن العمرة عام ست، وعام سبع، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم؛ لشدة استحكامه فيها؛ وكذلك إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة. والنبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع مودع حريص على إتمام البيان، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: فتعاظم عندهم، أي: لما كانوا يعتقدونه أولًا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ذلك عندهم. انتهى منه.
قالوا: ولشدة عظمه عندهم لم يمتثلوا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج في العمرة أولًا، حتى غضب عليهم بسبب ذلك. وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكمًا في نفوسهم، من أن العمرة في أشهر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 166)
الحج، من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر.
قالوا: وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هدايا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واعتماره هو مع حجته، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جدًّا للبيان المذكور.
ومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم يزل بالكلية ما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ "وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى مِنَى وذكَرُ أحدنا يقطر؟ فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت" الحديث. هذا لفظ البخاري رحمه الله، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن أمرهم - صلى الله عليه وسلم - أن يحلوا: "ننطلق إلى مِنَى، وذكر أحدنا يقطر" يدل على شدة نفرتهم من الإِحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى. وذلك يؤكد الاحتجاج إلى تأكيد بيان الجواز. وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي في حديث ابن عباس المتقدم، لأن قوله: "فتعاظم ذلك عندهم" يحتمل أن يكون بموجب التعاظم أنهم كانوا أولًا محرمين بحج. ويدل لهذا الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت. الحديث. وفيه فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ إلى آخر الحديث. فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإِحلال بالعمرة؛ لأنهم قد سمّوا الحج، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 167)
أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل باقيًا إلى ذلك الوقت، لأن حديث جابر المذكور، أعني قوله: فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، لا يحتمل هذا الاحتمال، بل معناه: أن تعاظم الإِحلال بعمرة عندهم؛ لأنه في وقت الحج كما بينا، وهو يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير، وأنه ليس المراد الاحتمال المذكور، كما جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ذكرناه عنه آنفًا.
ويبين أيضًا أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم، حيث قال رحمه الله في صحيحه: حدثنا ابن نمير، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس؟ فقال: "أيها الناس أحلوا فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم" الحديث.
فقول جابر رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح: فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج لم يزل، ولولا ذلك لما كبر عليهم، ولا ضاقت صدورهم بالإِحلال بعمرة في أشهر الحج، كما أوضحه حديثه المذكور أيضًا. وعلى هذا الذي ذكروه فالذي استدبره من أمره، ولو استقبله لم يسق الهدي: هو ملاحظة البيان المذكور، وإن كان قد بين ذلك سابقًا لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع، وهو مودع، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 168)
مع أن العمرة المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور؛ لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ في البيان؛ لأنها ليست مع الحج، فهي مستقلة عنه، فلا يحتمل أنها إنما جازت تبعًا. وقد أوضحنا في هذا الكلام حجة من قال من أهل العلم بتفضيل الإِفراد على غيره، من أنواع النسك، وجوابهم عما جاء من الأحاديث دالًّا على أفضلية القرآن أو التمتع، ووجه جمعهم بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها الاختلاف في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
المسألة الرابعة
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القرآن هو أفضل أنواع النسك، وممن قال بهذا: أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة، دالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا في حجته:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج" الحديث أخرجاه بهذا اللفظ.
ومنها: ما أخرجه الشيخان متصلًّا بحديث ابن عمر من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها أخبرته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث ابن عمر المذكور سواء، ومنها: ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما من حديث قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر: "أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا" ثم قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 169)
ومنها: ما رواه الشيخان، عن عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنهما، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. الحديث. هكذا لفظ مسلم في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث، ولفظ البخاري قريب منه بمعناه في التفسير، وفي الحج. ومراد عمران بن حصين رضي الله عنهما بالتمتع المذكور القرآن بدليل الروايات الصحيحة الثابتة في صحيح مسلم، وغيره المصرح بذلك.
قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه، حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن بحرمة، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد.
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفًا قال: قال لي عمران بن حصين بمثل حديث معاذ.
وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إنني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي. واعلم أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 170)
جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال رجل برأيه ما شاء.
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينهنا عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال فيها رجل برأيه ما شاء. انتهى منه.
وهذه الروايات تبين أن مراده بالتمتع القرآن، ومعروف عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم يطلقون اسم التمتع على القرآن؛ لأن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج.
ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين حج وعمرة" ففي بعض روايات حديثه قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهلّ بحج وعمرة، وأهلّ الناس بهما" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقد قدمنا بعض ألفاظ مسلم في حديث أنس في القرآن، ومخالفة ابن عمر له في ذلك، قائلًا: إنه أفرد، وفي بعض روايات حديث أنس عند مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد أنهم سمعوا أنسًا رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أهلّ بهما جميعًا: لبيك عمرةً وحجًّا، لبّيك عمرة وحجًّا. وقد روى عن أنس رضي الله عنه حديث قران النبي هذا ستة عشر رجلًا، كما بينه العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، وهم الحسن البصري،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 171)
وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة، وهو سويد بن حجر الباهلي.
ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها، وعن أبيها، قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبّدْت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر". انتهى منهما بلفظه. وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك، كما جزم به النووي في شرح مسلم.
ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق، يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". اهـ. وقوله في هذا الحديث وقل: "عمرة في حجة" يدل على القرآن، والمحتملات الأخر التي حمله عليها بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور، بل معناه القرآن كما ذكرنا، وجزم به غير واحد. والله تعالى أعلم. والأحاديث بمثل ما ذكرنا كثيرة.
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد منها بضعة وعشرين حديثًا، عن سبعة عشر صحابيًّا، وهم جابر، وعائشة،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 172)
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا. وعده لعثمان رضي الله عنه في جملة من روى القرآن، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي رضي الله عنه على القرآن.
وبالجملة: فثبوت كون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا طرفًا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإِفراد معترفون بقرانه - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، إلَّا أنهم جمعوا بين الأحاديث بأنه أحرم أولًا مفردًا، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا. والذين قالوا: بأفضلية القرآن جزموا بأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم قارنًا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة.
منها: حديث ابن عمر المتفق عليه، وقد قدمناه في هذا المبحث، وفيه: وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج وهو تصريح منه رضي الله عنه بأنه أهل بالعمرة قبل الحج.
ومنها: حديث عمر رضي الله عنه عند البخاري، وقد قدمناه أيضًا وفيه "وقل: عمرة في حجة" وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه. وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة بالإِفراد، والأحاديث الواردة بالقران، والأحاديث الواردة بالتمتع بغير الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإِفراد، وهو أن وجه الجمع أن المراد بالإِفراد إفراد أعمال الحج، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما يفعله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 173)
الحاج المفرد، فيطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، على أصح الأقوال، وأقواها دليلًا.
وأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح؛ لأن الصحابة يطلقون التمتع على القرآن كما قدمنا في حديث عمران بن حصين، وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي رضي الله عنهما، وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك عليّ أهل بهما جميعًا. فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأقره عثمان على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك.
ومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين "تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج" فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القرآن.
المسألة الخامسة
اعلم: أن حجة من قال: بأن التمتع أفضل مطلقًا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي، وكلاهما مروي عن الإِمام أحمد هي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا هديًا أن يفسخوا حجهم في عمرة كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسف هو صلوات الله وسلامه عليه على
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 174)
سوقه للهدي الذي كان سببًا لعدم تحلله بالعمرة معهم. قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الإنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
تنبيهات
التنبيه الأول: اعلم أن دعوى من ادعى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعًا التمتع المعروف، وأنه حل من عمرته، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك، وقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه كان قارنًا، وأنه لم يحل حتى نحو هديه، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها، وعن أبيها، فإن لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثها المتفق عليه قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحو "والأحاديث بمثله كثيرة.
وسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند المروة بمشقص، قلت له: لا أعلم هذا إلَّا حجة عليك. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص، وهو على المروة. انتهى منه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 175)
وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ قال: قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص. فالاستدلال بهذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش، مردود من وجهين:
الأول: أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع، ولا شيء يدل على أن ذلك التقصير كان فيها.
الثاني: ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلَّا بعد الرجوع من عرفات، بعد أن نحر هديه.
وقال النووي في كلامه على حديث معاوية هذا: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة الجعرانة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كان قارنًا كما سبق إيضاحه، وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - حلق بمنى، وفرق أبو طلحة رضي الله عنه شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعًا؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي" وفي رواية "حتى أحل من الحج" والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي. ولا شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع لا يصح بحال. والعلم عند الله تعالى.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 176)
التنبيه الثاني
اعلم أن دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع إلَّا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر دعوى باطلة أيضًا؛ لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة، سواء كان مفردًا أو قارنًا. ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. انتهى منه؛ لأن الذين لم يحلوا من القارنين، والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم على أن معهم الهدي؛ لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك، وبأن من لم يكن معهم هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
التنبيه الثالث
اعلم أن دعوى من قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أحرم إحرامًا مطلقًا، ولم يعين نسكًا، وأنه لم يزل ينتظر القضاء، حتى جاءه القضاء بين الصفا والمروة أنها دعوى غير صحيحة وإن قال الإِمام الشافعي في اختلاف الحديث أن ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 177)
الروايات المتواترة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - عين ما أحرم به من ذي الحليفة من إفراد، أو قران، أو تمتع، لا تمكن معارضتها لقوتها، وتواترها، واتفاق جميعها على تعيين الإِحرام من ذي الحليفة وإن اختلف في نوعه. ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك:
منها: حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا نذكر
حجًّا، ولا عمرة. وفي لفظ: يلبي، ولا يذكر حجًّا ولا عمرة، ونحو ذلك من الأحاديث. وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة.
وقد أجاب العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة، فأفاد وأجاد. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الرابع
اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفردًا، والواردة بأنه كان قارنًا، والواردة بأنه كان متمتعًا لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلَّا الواردة منها بالتمتع، والواردة بالقران، فالجمع بينهما واضح؛ لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران، كما هو معروف عنهم، ولا يمكن النزاع فيه، مع أن أمره - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالتمتع قد يطلق عليه أنه تمتع؛ لأن أمره بالشيء كفعله إياه. أما الواردة بالإِفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال مع الأحاديث الواردة بالتمتع، والقران، فادعاء إمكان الجمع بينها غلط وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 178)
واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه، فمنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: أنه أحرم أولًا مفردًا، وأحاديث القرآن يراد بها: أنه بعد إحرامه مفردًا أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا، فصدق هؤلاء باعتبار أول الأمر، وصدق هؤلاء باعتبار آخره، مع أن أكثرهم يقولون: إن إدخال العمرة على الحج خاص به - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز لغيره. وهذا الجمع قال به أكثر المالكية، والشافعية.
وقال النووي: لا يجوز العدول عنه. ومنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: إفراد أعمال الحج، والقارن يعمل في سعيه وطوافه كعمل المفرد على أصح الأقوال وأقواها دليلًا، وكلا الجمعين غلط، مع كثرة وجلالة من قال به من العلماء. وإنما قلنا: إنهما كليهما غلط؛ لأن المعروف في أصول الفقه، وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضًا صريحًا، بل الواجب بينهما الترجيح، وإنما يكون الجمع بين نصين لم يتناقضا تناقضًا صريحًا، فيحمل كل منهما على محمل ليس في الآخر التصريح بنقيضه، فيكونان صادقين، ولأجل هذا فجميع العلماء يقولون: يجب الجمع إن أمكن، ومفهوم قولهم: إن أمكن أنهما إن كانا متناقضين تناقضًا صريحًا، لا يمكن الجمع بينهما، بل يجب المصير إلى الترجيح.
فإذا علمت هذا فاعلم أن أحاديث الإِفراد صريحة في نفي القران، والتمتع لا يمكن الجمع بينها أبدًا، وبين أحاديثهما، فابن عمر رضي الله عنهما في حديثه الصحيح المتقدم يكذب أنسًا في دعواه القرآن تكذيبًا صريحًا المرة بعد المرة، كما رأيته سابقًا، فكيف يمكن الجمع بين خبرين والمخبران بهما كل منهما يكذب الآخر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 179)
تكذيبًا صريحًا، فالجمع في مثل هذا محال، ومن ادعى إمكانه فقد غلط كائنًا من كان، بالغًا ما بلغ من العلم والجلالة. وعائشة رضي الله عنها في حديثها الصحيح المتقدم تقول: فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بحج، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحج. فذكرها الأقسام الثلاثة وتصريحها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بواحد معين منها، لا يمكن الجمع بينه، وبين خبر من قال: إنه أحرم بقسم من القسمين الآخرين كما ترى، وفي بعض الروايات "أحرم بالحج خالصًا"، وفي بعضها "أحرم بالحج وحده" وفي بعضها "لا نعرف العمرة … " إلخ. وأحاديث القران فيها التصريح بأنه يقول: لبيك حجًّا وعمرة فالجمع بينهما لا يمكن بحال إلَّا على قول من قال: إنه كان قارنًا يلبي بهما معًا، فسمع بعضهم الحج والعمرة معًا، وسمع بعضهم الحج دون العمرة، وبعضهم العمرة دون الحج، فروى كل ما سمع. وعلى أن الجمع غير ممكن فالمصير إلى الترجيح واجب، ولا شك عند من جمع بين العلم والإِنصاف أن أحاديث القران أرجح من جهات متعددة:
منها: كثرة من رواها من الصحابة، وقد قدمنا عن ابن القيم أنها رواها سبعة عشر صحابيًّا، وأحاديث الإِفراد لم يروها إلَّا عدد قليل، وهم: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وأسماء، وكثرة الرواة من المرجحات. قال في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي:
وكثرة الدليل والرواية … مرجح لدى ذوي الدراية
كما قدمناه في البقرة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 180)