Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع.
وفي لفظ لمسلم قالت: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "فحجي عنه". اهـ.
وهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان أخرجه باقي الجماعة، إلّا أن بعضهم يرويه عن ابن عباس، وهو عبد الله، وبعضهم يرويه عن أخيه الفضل بن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو داود في سننه: حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم بمعناه قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين - قال حفص في حديثه: رجل من بني عامر - أنه قال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن. قال: "احجج عن أبيك واعتمر". وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يوسف بن عيسى، نا وكيع عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير … إلى آخر الحديث كلفظ أبي داود الذي ذكرنا، ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وإنما ذكرت العمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. انتهى منه.
وحديث أبي رزين هذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن علي بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن شعبة به،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 101)

نحو ما تقدم. وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الترمذي بعد ذكره الحديث المتفق عليه في قصة استفتاء الخثعمية ما نصه. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب غير حديث. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يرون أن يحج عن الميت.
وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه. وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي، إذا كان كبيرًا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي. انتهى من سنن الترمذي.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم … إلى آخر السند والمتن كما ذكرناه آنفًا عند الترمذي. اهـ.
وعن علي - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي كبير، وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "نعم" رواه أحمد والترمذي، وصححه. انتهى منهما بواسطة نقل المجد في المنتقى، والنووي في شرح المهذب.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحديث علي أخرجه أيضًا البيهقي. اهـ. وقوله في هذا الحديث: وقد أفند، أي: خرف وضعف عقله من الهرم.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 102)

جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب، وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ أن أحج عنه؟ قال: "آنت أكبر ولده"؟ قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه"؟ قال: نعم. قال: "فحج عنه" وفي لفظ النسائي، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم، قال: "فدَين الله أحق" وفي لفظ عند النسائي، عن ابن عباس أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أبي أدركه الحج، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان عليه دَين فقضيته، أكان مجزئًا"؟ قال: نعم. قال: "فحج عن أبيك". اهـ. من سنن النسائي.
وحديث ابن الزبير الذي ذكرناه آنفًا عند النسائي قال المجد في المنتقى: رواه الإِمام أحمد، والنسائي بمعناه.
وقال الشوكاني: قال الحافظ: إن إسناده صالح. انتهى. والأحاديث بمثل هذا كثيرة.
وأما النوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره، فهو من لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال يدفعه لمن يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج والولد مستطيع، فهل يجب الحج على الوالد، ويلزمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم.
قال النووي في شرح المهذب: فرع: في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد ما لا يحج به غيره، فوجد من يطيعه، قد ذكرنا

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 103)

أن مذهبنا وجوب الحج عليه. وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكًا احتج في مسألة العاجز الذي له مال بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (39)} وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلًا … إلى آخر ما تقدم، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي ذكرنا وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب؛ كتشبيهه بدين الآدمي، وكقول السائل: يجزئ عنه أن أحج عنه. والإِجزاء دليل المطالبة، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول: إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي في الحج عنه، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد: "آنت أكبر ولده" وأمره بالحج عنه.
وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالًا فأوجبوا عليه الحج، وبين وجوده ولدًا يطيعه فلم يوجبوه عليه؛ فلأن المال ملكه، فعليه أن يستأجر به، والولد مكلف آخر ليس ملزمًا بفرض على شخص آخر؛ ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيع ببدن، ولا بزاد وراحلة، ولو وجد إنسانًا غير الولد يطيعة في الحج عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف. وفي فروع الشافعية توجيه كل قول منها، فانظره في النووي في شرح المهذب، وأظهرها أنه كالولد.
تنبيه
إذا مات الشخص، ولم يحج، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه، أو بغيره عند من يقول بذلك، وكان قد ترك مالًا،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 104)

فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: يجب أن يحج عنه، ويعتمر عنه من تركته، سواء مات مفرطًا، أو غير مفرط؛ لكون الموت عاجله عن الحج فورًا. وبهذا قال الشافعي، وأحمد.
قال ابن قدامة في المغني: وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك، فهو في الثلث. وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة.
واحتجوا أيضًا أن ظاهر القرآن كقوله: {وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (39)} مقدم على ظاهر الأحاديث، بل على صريحها؛ لأنه أصح منها.
وأجاب المخالفون بأن الأحاديث مخصصة لعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه، بتقديم المال، وأجرة من يحج عنه، فهذا من سعيه.
وأجابوا عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة، بخلاف الحج.
والذين قالوا: يجب أن يحج عنه من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك، تقتضي أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه.
منها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أن امرأة من جهينة جاءت إلى

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 105)

النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". اهـ.
والحج في هذا الحديث وإن كان منذورًا فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر. واستدل بالحديث المذكور بعض أهل العلم على صحة نذر الحج ممن لم يحج.
قال ابن حجر في الفتح: فإذا حج أجزأه عن حجة الإِسلام، عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ثم يحج حجة الإِسلام. وقيل: يجزئ عنهما.
وقال البخاري أيضًا في كتاب: الأيمان والنذور: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض الله فهو أحق بالقضاء". اهـ.
وقال المجد في المنتقى بعد أن أشار لحديث البخاري هذا: وهو يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو، أو لا؟ وشبهه بالدين. انتهى.
وقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي: طلب التفصيل في أحوال الواقعة، ينزل منزلة العموم القولي. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
ونزّلن تركَ الاستفصالِ … منزلةَ العمومِ في الأقْوَالِ
وخالف في هذا الأصل أبو حنيفة رحمه الله كما هو مقرر في

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 106)

الأصول، مع بيان الخلاف في المسائل الفقهية، تبعًا للخلاف في هذا الأصل المذكور.
ومنها: ما رواه النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت، فأتى أخوها النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك، فقال: "أرأيت لو كان على أختك دَيْن أكنت قاضيه؟ " قال: نعم قال: "فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء" انتهى.
وهذه الأحاديث التي ذكرنا في نذر الحج، وقد بينا أن إيجاب الله فريضة الحج أعظم من إيجابها بالنذر، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقضائها وشبهها بِدينِ الآدميّ. وسنذكر أيضًا إن شاء الله أحاديث ليس فيها نذر الحج.
قال النسائي في سننه: أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، عن عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. قال: "فدين الله أحق". اهـ.
ورجال هذا الإِسناد ثقات معروفون، لا كلام في أحد منهم، إلَّا الحكم بن أبان العدني. وقد قال فيه ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. قال ابن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان، وعده ابن حبان في الثقات. وقال: ربما أخطأ. وإنما وقع المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وحكى ابن خلفون: توثيقه

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 107)

عن ابن نمير، وابن المديني، وأحمد بن حنبل. اهـ.
وقال ابن عدي: فيه ضعف. وقال ابن خزيمة في صحيحه: تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره. وبما ذكر تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، وليس فيه نذر الحج.
وقال النسائي في سننه أيضًا: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أبو التياح، قال: حدثني موسى بن سلمة الهذلي، أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: "نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها" وهذا الإِسناد صحيح. وفي لفظ عند النسائي أيضًا، عن ابن عباس، بإسناد آخر: أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن أبيها، مات ولم يحج. قال: "حجي عن أبيك" وإسناده صحيح أيضًا. وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس بإسناد آخر صحيح.
وقال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإِسلام، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أن أباكَ تركَ دَينًا عليه أقضيته عنه؟ " قال: نعم قال: "فاحجج عن أبيك" رواه الدارقطني. انتهى من المنتقى.
وقال الترمذي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، نا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي ماتت، ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 108)

عنها". اهـ. ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وأخرج البيهقي نحوه بإسناد صحيح.
وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها حج قال: "حجي عن أمك" ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث وبما سيأتي إن شاء الله.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال: "وجب أجرك وردها عليك الميراث" قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها" انتهى من صحيح مسلم.
فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن وجب عليه الحج في الحياة، وترك مالًا وجب أن يحج عنه، وليست كلها ظاهرة في ذلك، ولكن بعضها ظاهر فيه كتشبيهه بِديْن الآدمي، ونحو ذلك مما تقدم.
وأجاب المخالفون بأن الحج أعمال بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال، والأعمال البدنية تسقط بالموت، فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع، وفاعل خيرًا. قالوا: ووجه تشبيهه بالدَّين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد أن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 109)

القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه.
واحتجوا أيضًا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان في الحج عنه، قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر، فهو للإِباحة؛ لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإِباحة.
قال ابن السبكي في جمع الجوامع في مبحث الأمر: فإن ورد بعد حظر قال الإِمام: أو استئذان فللإِباحة، وقال أبو الطيب، والشيرازي، والسمعاني، والإِمام: للوجوب، وتوقف إمام الحرمين انتهى منه. فتراه صدر بأن الأمر بعد الاستئذان للإِباحة، والخلاف في المسألة معروف، وقد ذكرنا فيه أقوال أهل العلم في أبيات مراقي السعود في أول سورة المائدة.
ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإِباحة أن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما اصطادوه بالجوارح، واستأذنوه في أكله، نزل دي ذلك قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ} فصار هذا الأمر بالأكل للإِباحة؛ لأنه وارد بعد سؤال، واستئذان.
ومن أمثلته من السنَّة حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" الحديث، فإن معنى نعم هنا: صَلِّ فيها. وهذا الأمر بالصلاة فيها للإِباحة؛ لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر، أو الاستئذان معروف.
هذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره، ووجوب الحج عمن وجب عليه في الحياة، ومات قبل أن يحج وترك مالًا، وقد علمت أدلتهم ومناقشتها.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 110)

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأحاديث التي ذكرنا تدل قطعًا على مشروعية الحج عن المعضوب، والميت.
وقد قدمنا أن الأظهر عند وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرط، وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عندنا من رأس ماله إن ترك مالًا؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته، فكانت دَيْنًا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث المذكورة بأحقيته، حيث قال: "فَدَيْنُ الله أحق أن يُقضى".
أما من عاجله الموت قبل التمكن، فمات غير مفرط، فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه، ولا دَيْن لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها. وقد دلت الأحاديث المذكورة على جواز حج الرجل عن المرأة، وعكسه، وعليه عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلَّا الحسن بن صالح بن حي.
والأحاديث المذكورة حجة عليه، وقد قدمنا أن مالكًا رحمه الله ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرنا مع كثرتها وصحتها؛ لأنها مخالفة عندهم لظاهر القرآن في قوله: {وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (39)} وقوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا} والمعضوب والميت ليس واحد منهما بمستطيع، لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه.
واعلم أن ما اشتهر عن مالك من أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد: معناه عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت؛ فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلَّا بوصية، فإن أوصى به صح من الثلث. وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده، بل مكروه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 111)

والأفضل عنده أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج، كأن يتصدق به عنه، أو يعتق به عنه، ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح حجه عنه.
والحاصل: أن النيابة عن الصحيح في الفرض عنده ممنوعة، وفي غير الفرض مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلًا للحج.
قال خليل بن إسحاق في مختصره: "ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلَّا كره". اهـ.
وقال شارحه الحطاب: ويدخل في قول المصنف: "وإلَّا كره" بحسب الظاهر ثلاث صور: استنابة الصحيح في النفل، واستنابة العاجز في الفرض، وفي النفل، لكن في التحقيق ليس هنا إلَّا صورتان؛ لأن العاجز لا فريضة عليه. اهـ.
واعلم: أن بعض المالكية حمل الكراهة المذكورة على التحريم، والأحاديث التي ذكرنا حجة على مالك، ومن وافقه، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن ما عليه جمهور العلماء من جواز الحج، عن المعضوب، والميت محله فيما إذا كان الذي يحج عنهما قد حج عن نفسه حجة الإِسلام خلافًا لمن لم يشترط ذلك.
واحتج الجمهور القائلون بأن النائب عن غيره في الحج لا بد أن يكون حج عن نفسه حجة الإِسلام بحديث جاء في ذلك.
قال أبو داود في سننه: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهناد بن السري - المعنى واحد - ، قال إسحاق: ثنا عبدة بن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 112)

سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة".
وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من شبرمة؟ " قال: قريب لي، قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" وإسناد هذا الحديث عند أبي داود وابن ماجه رجاله كلهم ثقات، معروفون، إلَّا عزرة الذي رواه عنه قتادة، وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه عزرة. وعزرة المذكور في إسناد هذا الحديث عند أبي داود، وابن ماجه ذكراه غير منسوب، وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى، وعزرة بن يحيى لم يذكره البخاري في التاريخ، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يخصه ابن حجر في تهذيب التهذيب بترجمة، ولم يذكره الذهبي في الميزان، وقد ذكره ابن حجر في التقريب، وقال فيه: مقبول.
وقد روى هذا الحديث أيضًا الدارقطني، وابن حبان في صحيحه. وروى البيهقي من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ثم قال: هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه. أخرجه أبو داود في السنن عن إسحاق بن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 113)

إسماعيل، وهناد بن السري، عن عبدة. وقال: يحيى بن معين، أثبت الناس سماعًا عن سعيد عبدة بن سليمان، ثم قال: قال الشيخ: وكذلك رواه أبو يوسف القاضي، عن سعيد، ثم ساق بإسناده رواية أبي يوسف، وأورد متن الحديث كما سبق، ثم قال: وكذلك روى عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، ورواه غندر عن سعيد بن أبي عروبة موقوفًا على ابن عباس. ومن رواه مرفوعًا حافظ ثقة، فلا يضره خلاف من خالفه. وعزرة هذا هو عزرة بن يحيى. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول ذلك، وقد روى قتادة أيضًا عن عزرة بن تميم، وعن عزرة بن عبد الرحمن. اهـ. من البيهقي. وقد أورد روايات أخر عن ابن عباس تؤيد الحديث المذكور، وذكره ابن حجر في التلخيص وأطال فيه الكلام، وذكر كلام البيهقي في تصحيحه، وكلام من لم يصححه، وذكر طرقه ثم قال ما نصه: فيجتمع من هذا صحة الحديث. اهـ. محل الغرض منه.
وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبي داود كما قدمنا، ثم قال: وإسناده على شرط مسلم. والظاهر أن النووي يظن أن عزرة المذكور في إسناده هو ابن عبد الرحمن، وذلك من رجال مسلم، والواقع خلاف ذلك، وهو عزر بن يحيى كما جزم به البيهقي. ثم قال النووي: ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس. ثم ذكر بعض ما ذكرنا سابقًا من تصحيح البيهقي للحديث، وأن رفعه أصح من وقفه.
فتحصل من هذا كله أن الحديث صالح للاحتجاج، وفيه دليل

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 114)

على أن النائب في الحج، لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، وقاس العلماء العمرة على الحج في ذلك، وهو قياس ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
وخالف في ذلك بعض العلماء كأبي حنيفة ومن وافقه، فقالوا: يصح حج النائب عن غيره وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث التي ذكرناها في الحج عن المعضوب والميت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول فيها: "حج عن أبيك، حج عن أمك"، ونحو ذلك من العبارات، ولم يسأل أحدًا منهم هل حج عن نفسه أو لا. وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذي فيه قصة شُبرمة؛ لأنه لا يتعارض عام وخاص، فلا يحج أحد عن أحد، حتى يحج عن نفسه حجة الإِسلام. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
قد علمت مما مر أن الحج واجب مرة في العمر، وهل ذلك الوجوب على سبيل الفور أو التراخي؟
اختلف أهل العلم في ذلك وسنبين هنا إن شاء الله أقوالهم، وحججهم، وما يرجحه الدليل عندنا من ذلك: فممن قال: إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه. قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس. وممن قال إنه على الفور: الإِمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزني. قال النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة. وقال صاحب تبيين الحقائق

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 115)

في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج، قال: يحج، ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور انتهى.
وأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران، كلاهما شهره بعض علماء المالكية.
أحدهما: أنه على الفور، والثاني: أنه على التراخي، ومحل الخلاف المذكور ما لم يخشَ الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورًا اتفاقًا.
قال خليل بن إسحاق في مختصره في الفقه المالكي: "وفي فوريته وتراخيه لخوف الفوات خلاف". اهـ.
وقد ذكر في ترجمته أنه إن قال في مختصره: "خلاف"، فهو يعني بذلك اختلافهم في تشهير القول.
وقال الشيخ المواق في كلامه على قول خليل المذكور ما نصه: الجلاب: من لزمه فرض الحج لم يجز له تأخيره، إلَّا من عذر وفرضه على الفور دون التراخي، والتسويف، وعن ابن عرفة هذا للعراقيين، وعزا لابن محرز والمغاربة وابن العربي، وابن رشد: أنه على التراخي ما لم يخف فواته.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه حججهم.
أما الذين قالوا: إنه على التراخي فاحتجوا بأدلة.
منها: أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 116)

خلاف أن آية: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه، وهم محرمون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف، ويدل عليه ما تقدم في حديث كعب بن عجرة الذي نزل فيه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وذلك متصل بقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} الآية، ولذا جزم الشافعي، وغيره: بأن الحج فرض عام ست قالوا: وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحج إلَّا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما آخره عن أول وقت للحج، بعد نزول الآية. قالوا: ولا سيما أنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان، واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة، ولم يحج، قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد، فأقام للناس الحج سنة ثمان، بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيمًا بالمدينة هو أزواجه وعامة أصحابه، ولم يحجوا، قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع، وانصرف عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقام للناس الحج سنة تسع، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ولم يحجوا، ثم حج - صلى الله عليه وسلم - هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر، دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور، بل على التراخي.
واستدلوا لذلك أيضًا بما جاء في صحيح مسلم في قصة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 117)

ضمام بن ثعلبة السعدي - رضي الله عنه - : حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: "صدق" قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله" قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله" قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله" قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق" ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لئن صدق ليدخلن الجنة". انتهى من صحيح مسلم.
قالوا: هذا الحديث الصحيح جاء فيه وجوب الحج، وقد زعم الواقدي وغيره: أن قدوم الرجل المذكور وهو ضمام بن ثعلبة كان عام خمس، قالوا: وقد رواه شريك بن أبي نمر عن كريب فقال فيه: بعث بنو سعد ضمامًا في رجب سنة خمس، فدل ذلك على أن الحج

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 118)

كان مفروضًا عام خمس، فتأخيره - صلى الله عليه وسلم - الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي، لا على الفور.
ومن أدلتهم على أنه على التراخي: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أمر المحرمين بالحج أن يفسخوه في عمرة" فدل ذلك على جواز تأخير الحج، وهو دليل على أنه على التراخي.
ومن أدلتهم أيضًا: أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله فإنه يسمى مؤديًا للحج لا قاضيًا له بالإِجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء.
ومن أدلتهم على أنه على التراخي: ما هو مقرر في أصول الشافعية: وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن، لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد، فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر.
ومن أدلتهم: أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة قالوا: فهي على التراخي، ويقاس الحج عليها، بجامع أن كلًّا منهما واجب ليس له وقت معين.
ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين. قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنَّة. هذا هو حاصل أدلة القائلين بأن وجوب الحج على التراخي لا على الفور.
وأما الذين قالوا: إنه على الفور فاحتجوا أيضًا بأدلة، ومنعوا أدلة المخالفين.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 119)

فمن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك، وهي على قسمين:
قسم منها: فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك.
والقسم الثاني: يدل على توبيخ من لم يبادر، وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يمتثل؛ لأنه قد يكون اقترب أجله، وهو لا يدري.
أما آيات القسم الأول فكقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية، فقوله: {وَسَارِعُوا} قوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} فيه الأمر بالمسارعة، والمسابقة إلى مغفرته، وجنته جل وعلا، وذلك بالمبادرة، والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور، لا التراخي، وكقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ} الآية، ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال. وصيغ الأمر في {سَابِقُوا} قوله: {وَسَارِعُوا} وقوله: {سَابِقُوا} وقوله: {فَاسْتَبِقُوا} تدل على الوجوب؛ لأن الصحيح المقرر في الأصول: أن صيغة افعل إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وإليه أشار في المراقي بقوله:

• وافعل لدى الأكثر للوجوب * إلخ
وذلك لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} وقال جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فصرح

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 120)