عرفة، ثم عاد إلى الميقات، فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإِملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا: المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. والفرق أن اسم القرآن لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن.
قال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا: إذا أحرم بهما جميعًا، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. انتهى منه.
وظاهر كلام خليل في مختصره المالكي أن السفر لا يسقط دم القران.
والحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد دخول مكة، هل يسقط دم القرآن أو لا؟ وبينا قول صاحب الإِنصاف: أن سقوطه بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع.
وأقرب الأقوال عندي للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر. وقد بينا أن الأحوط عندنا أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر؛ لأنه اكتفى عن النسكين بعمل أحدهما على قول الجمهور، كما تقدم.
وأظهر قولي أهل العلم عندنا أن المكي إذا أراد الإِحرام بالقران، أحرم به من مكة؛ لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 561)
بين الحل والحرم، خلافًا لمن قال: يلزم المكي القارن إنشاء إحرامه من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان في مكة، وأراد أن يحرم قارنًا، فالأظهر أنه يحرم بالقران من مكة خلافًا لمن قال: يحرم به من أدنى الحل لما بينا. والعلم عند الله تعالى.
وإذا عرفت الشروط التي بها يجب دم التمتع والقران، فاعلم أنا أردنا هنا أن نبين ما يجزئ فيه ووقت ذبحه.
أما ما يجزئ فيه، فالتحقيق أنه ما تيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة. والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة، أو بقرة وذبحوها أجزأت عنهم، للنصوص الصحيحة الدالة على ذلك، كحديث جابر الثابت في الصحيح قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ لمسلم "قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة" فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلَّا من البدن: قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وفي لفظ لمسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة" فقال رجل لجابر:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 562)
أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلَّا من البدن" وحضر جابر الحديبية قال: "نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة" وفي لفظ له عنه، وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها". اهـ. محل الغرض من صحيح مسلم.
وهذه الروايات الصحيحة تدل: على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك بالسبع في بدنة، أو بقرة، ويدل على أن ذلك داخل فيما استيسر من الهدي. أما الشاة والبدنة كاملة فإجزاء كل منهما لا إشكال فيه.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا أبو جمرة قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما، عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. الحديث. فقوله: أو شرك في دم: يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة عن جابر: أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" ثم قال: وبهذا قال الشافعي والجمهور، سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم. وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 563)
متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع، دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا. اهـ منه.
والتحقيق أن سبع البدنة وسبع البقرة كل واحد منهما يقوم مقام الشاة، ويدخل في عموم: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} والروايات الصحيحة التي ذكرنا حجة على كل من خالف ذلك كمالك، ومن وافقه.
وما احتج به إسماعيل القاضي لمالك من أن الاشتراك في الهدي، لا يصح من أن حديث جابر، إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين، وأن حديث ابن عباس خالف فيه أبو جمرة عنه ثقات أصحابه، رووا عنه أن ما استيسر من الهدي: شاة، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيد صحيحة = مردود.
أما دعوى أن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، فهي مردودة بما ثبت في الروايات الصحيحة في مسلم التي سقناها بألفاظها: أنهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه صلى الله عليه وسلم أيضًا في حجه، ولا شك أن المراد بحجه حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وفي بعض الروايات الصحيحة عند مسلم التي سقناها بألفاظها آنفًا التصريح بوقوع الاشتراك في الحجة المذكورة، كما هو واضح من ألفاظ مسلم التي ذكرناها.
وأما دعوى مخالفة أبي جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فهي مردودة أيضًا بما ذكره ابن حجر في الفتح حيث قال: وليس بين رواية أبي جمرة، ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 564)
بالإِبل والبقر. وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، إلى أن قال: وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه، وهو أبو جمرة الضبعي. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنَّة. وذكر ابن حجر رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبي، عن ابن عمر.
وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة. وذكر ابن حجر في الفتح عن سعيد بن المسيب في إحدى الروايتين عنه: أنها تجزئ عن عشرة. قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. واحتج لذلك في صحيحه، وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج: "أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير" الحديث. وهو في الصحيحين.
وأجمعوا على أن الشاة: لا يصح الاشتراك فيها.
وقوله: أو شاة هو قول جمهور العلماء. ورواه الطبراني، وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلَّا من الإِبل والبقر. ووافقهما القاسم، وطائفة. قال إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن. قال: ويرد هذا قوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم هدي.
قلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمر قال: قال ابن عباس: الهدي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 565)
شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: فإن الله يقول: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. اهـ من فتح الباري.
وقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: "أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنمًا" وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية الغنم هديًا كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي التمتع الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة، وسبع البقرة عن المتمتع الواحد، وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين؛ لثبوت الروايات الصحيحة بذلك. ولم يقم من كتاب الله، ولا سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم نص صريح في محل النزاع يقاومها. ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج "أنه صلى الله عليه وسلم جعل البعير في القسمة يعدل عشرًا من الغنم" لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم. والعلم عند الله تعالى.
ومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور. وقد أورده البخاري في كتاب الذبائح عن رافع بن خديج بلفظ قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير، فند منها بعير" الحديث.
ونص كلام ابن حجر في هذا الحديث: وهذا محمول على أن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 566)
هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإِبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه. ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإِبل، دون الغنم.
وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة" والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة.
وأما حديث ابن عباس "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا.
والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإِبل والغنم التي كانوا غنموها. ويحتمل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحًا مثلًا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه. ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر.
وكون اللحم رد ليطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى غير ظاهر عندي. واللَّه أعلم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 567)
وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضًا مسلم في كتاب الصيد والذبائح، ولفظ المراد منه عن رافع قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرًا من الغنم بجزور".
والحاصل: أن أخص شيء في محل النزاع وأصرحه فيه، وأوضحه فيه حديث جابر الذي ذكرنا روايته عند مسلم. أما حديث رافع فهو في قسمة الغنيمة، لا في الهدي. وأما حديث ابن عباس فظاهره أنه في الضحايا. وعلى كل حال فحديث جابر أصح منه. فالذي يظهر أن المتمتع يكفيه سبع بدنة، وأن النص الصريح الوارد بذلك ينبغي تقديمه على أنه يكفيه عشر بدنة. وقد رأيت أدلة القولين. والعلم عند الله تعالى.
فإذا علمت أقوال أهل العلم في تعيين القدر المجزئ في هدي التمتع، والقران، وأن أظهر الأقوال أن أقله شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، وأن إجزاء البدنة الكاملة لا نزاع فيه.
فاعلم: أن أهل العلم اختلفوا في وقت وجوبه، ووقت نحره، وهذه تفاصيل أقوالهم وأدلتها، وما يرجحه الدليل منها.
أما مذهب مالك فالتحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبًا تامًا إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" ولذا لو مات المتمتع يوم النحر، قبل رمي جمرة العقبة لا يلزم إخراج هدي التمتع من تركته، لأنه لم يتم وجوبه. وهذا هو الصحيح المشهور في مذهب مالك.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 568)
وقد كنت قلت في نظمي في فروع مالك، وفي الفرائض على مقتضى مذهبه في الكلام على ما يخرج من تركة الميت قبل ميراث الورثة بعد أن ذكرت قضاء ديونه:
وأتبعن دينه بهدي … تمتع إن مات بعد الرمي
واعلم: أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله كما هو ظاهر قول خليل في مختصره المالكي. قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله" قد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي. والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة. وبه جزم ابن رشد وابن العربي، وصاحب الطراز، وابن عرفة. قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات - يعني: المتمتع قبل رمي جمرة العقبة - فلا دم عليه.
ابن رشد: لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره، وهو بعد رمي جمرة العقبة، فإن مات قبله لم يجب عليه.
ابن عرفة: قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد، عن ابن القاسم. وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر، ولم يرم فقد لزمه الدم. ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه. ولا أعلم في سقوطه خلافًا.
ولعبد الحق، عن ابن الكاتب، عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. اهـ من الحطاب.
فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور أنه لا يجب على من مات
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 569)
إلَّا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة. وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة. أما لو مات قبل الوقوف بعرفة، فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية. وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلَّا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره، أو قلده قبل إحرام الحج، كان هدي تطوع، فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده، وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. وعن ابن القاسم. أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج، ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع، وعليه فالمراد بقول خليل: "وأجزأ قبله"، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده، وإشعاره على إحرام الحج. هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو بعده قبل وقت النحر، فقد غلط غلطًا فاحشًا.
قال الشيخ المواق في شرحه قول خليل: "وأجزأ قبله" ما نصه: ابن عرفة: يجزئ تقليده، وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضًا قبله على قول ابن القاسم. اهـ منه.
وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله" ما نصه:
فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا؟.
قلت: يظهر في جواز تقليده، وإشعاره بعد الإِحرام بالحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد، لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه، فلا يجزئ إلَّا إذا قلد بعد كمال الأركان.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 570)
وقال الشيخ الحطاب أيضًا: والحاصل: أن دم التمتع والقران، يجوز تقليدهما قبل وجوبهما على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف.
فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة. نعم على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإِحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك، ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبًا غير متحتم، لأنه معرض للسقوط بالموت، والفوات، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب، فلا يسقط بالموت. كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبًا غير متحتم، بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة، وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة، أو طلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل: على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك. واللَّه أعلم. ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك.
قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافًا للشافعي، لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلَّا يوم النحر. وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقاله في التلقين: الواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر. وله مثله في مختصر عيون المجالس. ثم قال الحطاب رحمه الله: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حين يحرم بالحج.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 571)
واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة قبل الإِحرام بالحج.
ودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل، وهو المفهوم من قوله تعالى. {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. اهـ منه. وكلام علماء المالكية بنحو هذا كثير معروف.
والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع، والقران عند مالك، وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وأن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلَّا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج، لا شيء آخر، فما نقل عن عياض وغيره من المالكية، مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر كله غلط. إما من تصحيف الإِشعار، والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطًا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية، كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق، ولا تغتر بغيره.
ومذهب الإِمام أحمد في وقت وجوبه فيه خلاف، فقيل: وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج.
قال في المغني: وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} إلى أن قال: وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة. قال: وهو قول مالك، واختيار القاضي. ووجه في المغني هذا القول بأنه قبل الوقوف لا يعلم أيتم حجه أو لا؛ لأنه قد يعرض له الفوات، فلا يكون متمتعًا، فلا يجب عليه دم، وذكر عن عطاء وجوبه برمي جمرة العقبة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 572)
وعن أبي الخطاب يجب إذا طلع فجر يوم النحر، ثم قال في المغني: فأما وقت إخراجه فيوم النحر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، ثم قال: وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال، ومعه هدي، قال: ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره لا يضيع أو يموت أو يسرق. وكذلك قال عطاء. وإن قدم في العشر حتى ينحره بمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنًا. اهـ محل الغرض منه. وسترى ما يرد هذا إن شاء الله تعالى.
وقال صاحب الإِنصاف: يلزم دم التمتع، والقران بطلوع فجر يوم النحر على الصحيح من المذهب، وجزم به القاضي في الخلاف، ورد ما نقل عنه خلافه إليه وجزم به في البلغة، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة، والتلخيص، والفروع، والرعايتين، والحاويين، وعنه يلزم الدم إذا أحرم بالحج، وأطلقهما في المذهب، ومسبوك الذهب. وعنه يلزم الدم بالوقوف. وذكره المصنف والشارح اختيار القاضي.
قال الزركشي: ولعله في المجرد وأطلقها، والتي قبلها في الكافي، ولم يذكر غيرها، وكذا قال المغني والشرح. وقال ابن الزاغوني في الواضح: يجب دم القران بالإِحرام. قال في الفروع: كذا قال، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية التمتع، إذ قال في الفروع: ويتوجه أن يبني عليهما ما إذا مات بعد سبب الوجوب، يخرج عنه من تركته.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 573)
وقال بعض الأصحاب: فائدة الروايات إذا تعذر الدم، وأراد الانتقال إلى الصوم، فمتى يثبت العذر فيه الروايات، ثم قال في الإِنصاف: هذا الحكم المتقدم في لزوم الدم. وأما وقت ذبحه فجزم في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين، والحاويين وغيرهم. أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه.
قال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحر، ثم ذكر صاحب الإِنصاف عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك، وذكر رده، ورده الذي ذكر هو الصحيح.
ومن جملة ما رده به فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعًا، ثم قال: وقد جزم في المحرر، والنظم، والحاوي، والفائق وغيرهم: أن وقت دم المتعة والقران: وقت دم الأضحية على ما يأتي في بابه، ثم قال: واختار أبو الخطاب في الانتصار: يجوز له نحره بإحرام العمرة، وأنه أولى من الصوم، لأنه بدل، وحمل رواية ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر، ثم قال:
ونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي ينحره لا يضيع، أو يموت، أو يسرق. قال في الفروع وهذا ضعيف.
قال في الكافي: وإن قدم قبل العشر نحره، وإن قدم به في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، استدل بهذه الرواية، واقتصر عليه. انتهى محل الغرض من الإِنصاف.
وقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبنى
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 574)
عليها لزوم الهدي في تركته إن مات بعد الوجوب، وتحقق وقت العذر المبيح للانتقال إلى الصوم إن لم يجد الهدي، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح؛ لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل عن وقت الوجوب.
وأن الصحيح المشهور من مذهبه: أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. واختيار أبي الخطاب: جواز ذبحه بإحرام المتعة.
ورواية أبي طالب: جواز ذبحه إن قدم به قبل العشر كلاهما ضعيف لا يعول عليه، ولا يعضده دليل. والتعليل بخوف الموت والضياع، والسرقة منتقض بما إذا قدم به في العشر، لأن العشر يحتمل أن يموت فيها، أو يضع، أو يسرق كما ترى. والتحديد بنفس العشر لا دليل عليه من نص ولا قياس، فبطلانه واضح؛ لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة، وذلك موجود في الهدي الذي قدم به في العشر، مع أن الأصل في كليهما السلامة. والعلم عند الله تعالى.
ومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن وقت وجوب دم التمتع هو وقت الإِحرام بالحج.
قال النووي في شرح المهذب: وبه قال أبه حنيفة، وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات.
وقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة.
وأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز قبل الإِحرام بالحج، قالوا: لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن، فلا تجوز قبل وجوبها، كالصلاة والصوم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 575)
والقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة؛ لأنه حق مالي يجب بسببين، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول. أما جواز ذبحه بعد الإِحرام بالحج، فلا خلاف فيه عند الشافعية، كما أن ذبحه قبل الإِحرام بالعمرة لا يجوز عندهم، بلا خلاف.
وقد قدمنا نقل النووي عن أبي حنيفة: أن وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ يوم النحر، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه. وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب، ووقت النحر؛ لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته، فيما لو مات المحرم، هل يخرج الهدي من تركته بعد موته؛ ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب جواز الذبح.
ومن فوائد ذلك: أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإِحرام عند من يقول بذلك لا يتعين لزوم الدم؛ لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع، فلا دم تمتع عليه، وإنما عليه دم الفوات. كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع، والقران فدونك أدلتهم، ومناقشتها، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها.
اعلم: أن من قال بجوازه قبل يوم النحر: كالشافعية، وأبي الخطاب من الحنابلة، ورواية ضعيفة عن أحمد إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا، واحتج لهم بأشياء.
أما رواية أبي طالب عن أحمد بجواز تقديم ذبحه إن قدم به
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 576)
صاحبه قبل العشر، فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها؛ وبينا أنها لا مستند لها لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنَّة ثابتة.
وأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة، فلا مستند له من كتاب، ولا سنَّة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان، وهما العمرة والحج في تلك السنَّة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإِتيان بالمسبب، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى، ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا، كما ترى. وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة.
منها: أن هدي التمتع حق مالي، يجب بسببين: هما الحج، والعمرة، فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول.
ومنها: قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا: قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: عليه ما استيسر من الهدي، وبمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فوجب حينئذٍ؛ لأنه معلق على التمتع، وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج، وهو الإِحرام.
ومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع، وذبح الهدي معلق على التمتع، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 577)
ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} الآية، وتقديم البدل يدل على تقديم المبدل منه.
ومنها: أنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر، كدم فدية الطيب واللباس.
ومنها: ظواهر بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي.
وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. انتهى بلفظه من صحيح مسلم.
وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج. وفي المسألة خلاف، وتفصيل. . . إلى آخر كلام النووي.
ومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجًا،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 578)
حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلَّا ليال قلائل أمرنا بالإِحلال الحديث.
وفيه: قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنمًا فأصاب سعدَ بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اصرخ: أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا" إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر أيضًا، وفيه أيضًا زيادة ألفاظ كثيرة. اهـ.
وأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور، وقوله في هذا الحديث: "فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة" إلخ. قد يتوهم منه أن ذبخ سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة.
هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه، ولأنه لا يحتاج في سقوطه إلى دليل.
وأما الجمهور القائلون بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة في أن أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر، وكان صلى الله عليه وسلم قارنًا كما قدمنا ما يدل على الجزم بذلك، سواء قلنا: إنه بدأ إحرامه قارنًا، أو أدخل العمرة على الحج، وأن ذلك خاص به كما تقدم. وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة إلَّا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 579)
عائشة، فإنها كانت قارنة على التحقيق، كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد عن أحد من أزواجه إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه، والقارنين الذين ساقوا الهدي، لم ينحر أحد منهم البتة قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من الخلفاء أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر البتة.
فإن قيل: فعله صلى الله عليه وسلم لا يتعين به الوجوب، لإِمكان أن يكون سنَّة لا فرضًا؛ لأن الفعل لا يقع في الخارج إلّا شخصيًّا، فلا عموم له، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها الأول، وإذًا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر، مع جواز الذبح قبله.
فالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا لنص فهو محمول على الوجوب إن كان الفعل المبين واجبًا، كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينًا به المراد من اليد في قوله: {فَاقْطَعُوَا أَيْدِيَهُمَا} يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، وأوقاتها؛ لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنَّة. ولذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتأخذوا عني مناسككم" وإذًا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل، كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 580)