بيان لإِجمال نص يقتضي الوجوب أنه واجب، إلى آخر ما قدمناه من الأدلة.
وقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، أو بعد الفراغ من العمرة، كالشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة، ليس معهم حجة واضحة من كتاب الله، ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا فعل أحد من الصحابة، وأن تمسكهم بآية: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة يجب الرجوع إليها. هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي يوم النحر من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها، والتمكن منها، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها، وتضيع تلك الغنم بكثرة، وتنتفخ وينتشر نتن ريحها في أقطار منى، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه نتن الجيف = أن كل ذلك لا يجوز، وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة. ولا يجوز لمن بسط الله يده إقرارهم على ذلك؛ لأنه فساد وأذية لسائر الحجاج بالأرواح المنتنة، وإضاعة للمال، وإفساد له باسم التقرب إلى الله. ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهدٍ وكل مضحٍ أنه يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من يسلخها طرية حين ذبحها أو يسلخها هو، ويحملها بنفسه أو بأجرة، حتى يوصلها إلى المستحقين؛ لأن الله يقول: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)} ويقول: {فَكُلُوا مِنْهَا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 601)
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلَّا بإيصال ذلك إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه، وعلى من بسط الله يده أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإِيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك، كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإِيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها.
واعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلي بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل. والعلم عند الله تعالى.
ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديًا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج، أي: في حالة التلبس بإحرام الحج؛ لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك بالإِحرام. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ولا دليل في الآية عندي؛ لأن الكلام على حذف مضاف، أي: من زمن الحج أشهر معلومات؛ وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا … عنه في الإِعراب إذا ما حذفا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 602)
وعليه فينبغي أن يحرم بحجه قبل يوم التروية ليتم الثلاثة قبل يوم النحر؛ لأن صومه لا يجوز. وكره بعض أهل العلم للحاج صوم يوم عرفة، واستحب أن يفرغ من صوم الثلاثة قبله، وجزم به صاحب المهذب. والتحقيق: أن السبعة إنما يصومها بعد الرجوع إلى أهله، ووصوله إلى بلده، وأنه ليس المراد أنه يصومها في طريقه في رجوعه. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: أن المراد الرجوع إلى أهله، وهو ظاهر القرآن؛ فلا يجوز العدول عنه. والظاهر أن الأيام الثلاثة والأيام السبعة لا يجب التتابع في واحد منهما، لعدم الدليل على ذلك.
قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا، وإن فاته صومها قبل يوم النحر، فهل يجوز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق للمتمتع.
والثاني: يجوز له صومها.
وفيها قول ثالث: أنها يجوز صومها مطلقًا. ولا يخفى بُعد هذا القول وسقوطه.
أما حجة من قال: إنها لا يجوز صومها للمتمتع، ولا غيره فهو ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم عنه زيادة "وذكر الله".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 603)
حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه حدثه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم: "فناديا". اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيان: هما كعب بن مالك، ونبيشة بن عبد الله الهذلي، فيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بأن أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذلك يدل على أنها لا يجوز صومها. وظاهر الحديث الإِطلاق في المتمتع وغيره. وفي الحديث المذكور: الرد على من أجاز صومها مطلقًا. ومما يؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن، وأمر بفطرهن. قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أبو داود، وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم.
وأما حجة من قال بجواز صوم أيام التشريق الثلاثة للمتمتع الذي فاته صومها قبل يوم النحر، فهي ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب صيام أيام التشريق. قال أبو عبد الله: قال لي محمد بن المثنى: حدثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي كانت عائشة رضي الله عنها تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهم قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلَّا لمن لم يجد الهدي. انتهى منه. قالوا: فهذا الحديث له
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 604)
حكم الرفع، وفيه التصريح بالترخيص في صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا.
والروايات الصحيحة التي رواها الحفاظ من أصحاب شعبة: لم يرخص بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول.
قال في الفتح: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني - واللفظ له - والطحاوي: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة. وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال.
وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال:
ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع، وإلَّا فلا.
واختلف في الترجيح فيما إذا لم يضفه. ويلتحق به رخص لنا في كذا، وعزم علينا ألا نفعل كذا، كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى. لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله: في الحج يعم ما قبل النحر، وما بعده، فتدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية. وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإِذن،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 605)
وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز. وإلى هذا جنح البخاري. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر في الفتح وتراه فيه يجعل: أمرنا، ونهينا، ورخص لنا، وعزم علينا، كلها سواء في الخلاف المذكور، هل لها حكم الرفع أو الوقف؟ وممن قال بصوم أيام التشريق للمتمتع: ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، والزهري، ومالك، والأوزاعي وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين، وممن روى عنه عدم صوم المتمتع لها: الشافعي في القول الثاني، وأحمد في الرواية الثالثة، وروي نحوه عن علي والحسن، وعطاء وهو قول ابن المنذر. قاله في المغني.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: مسألة صوم أيام التشريق للمتمتع يظهر لي فيها أنها بالنسبة إلى النصوص الصريحة يترجح فيها عدم جواز صومها، وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يترجح فيها جواز صومها. وإيضاح هذا أن عدم صومها دل عليه حديث نبيشة الهذلي، وكعب بن مالك في صحيح مسلم، كما قدمنا، وكلا الحديثين صريح في أن كونها أيام أكل وشرب. من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نص صحيح صريح في عدم صومها، فظاهره الإِطلاق في المتمتع الذي لم يجد هديًا وفي غيره.
ولم يثبت نص صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا من القرآن يدل على جواز صومها للمتمتع الذي لم يجد هديًا.
وما ذكره ابن حجر عن الطحاوي من أن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم أخذا جواز صومها من ظاهر عموم قوله تعالى:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 606)
{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} ليس بظاهر. والظاهر سقوطه - واللَّه أعلم - لإِجماع جميع المسلمين أن الحاج إذا طاف طواف الإِفاضة بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أنه يحل له كل شيء حرم عليه بالحج من النساء، والصيد، والطيب، وكل شيء، فقد زال عنه الإِحرام بالحج بالكلية، وصار حلالًا حلًا تامًا كل التمام، وذلك ينافي كونه يطلق عليه أنه في الحج، فإن صام أيام التشريق فقد صامها في غير الحج؛ لأنه تحلل من حجه، وقضى مناسكه.
ومن أصرح الأدلة في ذلك أن الله صرح بأنه لا رفث في الحج، وأيام التشريق يجوز فيها الرفث بالجماع، فما دونه، فدل على أن ذلك الرافث فيها ليس في الحج، وأما الرمي في أيام التشريق فهو من السنن الواقعة بعد تمام الحج تابعة له، وكذلك النحر فيها إن لم ينحر يوم النحر.
أما كونه في أيام التشريق يصدق عليه أنه في الحج بعد إحلاله منه، وفراغه منه، حتى يتناوله عموم الآية، فليس بظاهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.
وأما بالنظر إلى صناعة علم الحديث فالذي يترجح هو جواز صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا، لأن المشهور الذي عليه جمهور المحدثين أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو رخص لنا في كذا، أو أحل لنا كذا له كله حكم الرفع، فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا.
قال ابن الصلاح في علوم الحديث الثاني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المرفوع، والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 607)
أبو بكر الإِسماعيلي. والأول هو الصحيح، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى محل الغرض منه.
وقد قال بعد هذا: ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعده.
وقال النووي في تقريبه: الثاني قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنَّة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان، وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور. وقيل: ليس بمرفوع، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعده. انتهى منه. وعلى هذا درج العراقي في ألفيته في قوله:
قول الصحابي من السنَّة أو … نحو أمرنا حكمه الرفع ولو
بعد النبي قاله بأعصر … على الصحيح وهو قول الأكثر
وفي علوم الحديث مناقشات في هذه المسألة معروفة. والصحيح عندهم الذي عليه الأكثر: أن ذلك له حكم الرفع. وبه تعلم أن حديث ابن عمر، وعائشة عند البخاري: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن" الحديث له حكم الرفع.
وإذا قلنا: إنه حديث صحيح مرفوع عن صحابيين، فلا إشكال في أنه يخصص به عموم حديث نبيشة، وكعب بن مالك، ولو كان ظاهر الآية يدل على صومها، كما ذكره ابن حجر عن الطحاوي، فلا مانع من تخصيص عمومها بالحديث المرفوع.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن التحقيق جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد كما هو معلوم؛ لأن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 608)
التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس. ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وهو متواتر بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وهو خبر آحاد. وقد أكثرنا من أمثلته في هذا الكتاب المبارك. وكذلك أجاز الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم: "في أربعين شاة شاة" وهو منطوق بمفهوم المخالفة في حديث "في الغنم السائمة زكاة" عند من يقول بذلك.
والحاصل: أن المبين باسم الفاعل يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول في السند، وفي الدلالة. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
وبين القاصر من حيث السند … أو الدلالة على ما يعتمد
وقد أوضحنا هذا، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.
وقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين:
الأول: أن عدم صومها مرفوع رفعًا صريحًا، وصومها موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا على المشهور، والمرفوع صريحًا أولى بالتقديم من المرفوع حكمًا.
والثاني: أن الجواز والنهي إذا تعارضا قدم النهي؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب منهي عنه. وقد يحتج المخالف بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع، ودليل النهي عام، والخاص يقضي على العام. والعلم عند الله تعالى.
فإن أخر صوم الأيام الثلاثة عن يوم عرفة فقد فات وقتها على
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 609)
القول بأن أيام التشريق لا يصومها المتمتع، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام التشريق، وهل عليه قضاؤها بعد ذلك؟ لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب الله ولا من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والعلماء مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: يقضيها فيصوم عشرة، ومن قال بهذا القول من أهل العلم اختلفوا، هل يفرقها، فيفصل بين الثلاثة والعشرة، بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء لو لم تفت في وقتها بناء على أن تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت، فلم يسقط كترتيب أفعال الصلاة، أو ليس عليه تفريقها، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية بناء على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين، وقد فات، فسقط كالتفريق بين الصلوات التي فاتت أوقاتها، فإنها تقضى متوالية، لا متفرقة على أوقاتها حسب الأداء لو لم تفت؟ والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب الشافعي، وعدمه مذهب أحمد، وعلى قول من قالوا بلزوم قضاء الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها.
فبعضهم يقول: لا دم على المتمتع؛ لأنه قضى ما فات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: عليه دم مع القضاء، لأجل التأخير. وجزم الخرقي، وهو مروي عن أحمد. وقال القاضي: إن أخره لعذر فليس عليه إلا القضاء ولا دم. وعن أحمد لا دم مع القضاء بحال.
وقيل: لا تقضى الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها، ويلزم الدم لسقوط قضائها بفوات وقتها، ولا يجوز صوم السبعة بعد ذلك؛ لأنها تابعة للثلاثة التي سقطت، ويتعين الدم. وهذا مذهب أبي حنيفة، وآخر وقت الثلاثة عنده يوم عرفة.
واعلم: أن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إن صوم الثلاثة للعاجز
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 610)
عن الهدي يجوز قبل التلبس بإحرام الحج، فمذهب أبي حنيفة: أن أول وقت صومها في أشهر الحج بين الإِحرامين، والأفضل عنده: أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم السابع، ويوم التروية، ويوم عرفة. وبعض الحنفية يروى هذا عن علي رضي الله عنه. وعند أحمد. يجوز صومها عند الإِحرام بالعمرة، وعنه: إذا حل من العمرة. وهذه الأقوال مبنية على أن قوله: في الحج يراد به: أشهره. وقد بينا عدم ظهوره، وعند مالك والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبس بإحرام الحج، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وهما يقولان: ينبغي تقديمها قبل يوم النحر. والشافعي: يستحب إنهاءها قبل يوم عرفة، فإن لم يصم إلى يوم النحر، أفطر يوم النحر، وصام عند مالك أيام التشريق، فإن لم يصمها حتى رجع إلى بلده وله به مال لزمه أن يبعث بالهدي إلى الحرم، ولا يجزئه الصوم عنده. وليس له أن يؤخر الصيام، ليهدي من بلده. وفي صوم أيام التشريق للمتمتع عند الشافعية: قولان. وعن أحمد: روايتان فيهما. وقد علمت أن أبا حنيفة لا يجيز صومها، وأن مالكًا يجيزه ويكفي عنده في صوم السبعة الرجوع من منى.
وقد قدمنا أن التحقيق أن صومها بعد الرجوع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر الثابت في الصحيح. فما يروى عن مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم مما يخالف ذلك من الروايات لا ينبغي التعويل عليه، لمخالفته الحديث الصحيح. ولفظه: "فمن لم يجد هديًا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، ولفظ البخاري "فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" فلفظة: "إذا رجع إلى أهله"
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 611)
في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو تفسير منه لقوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر: تفسير الرجوع في الآية برجوعه إلى أهله، فلا وجه للعدول عنه.
وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس بلفظ "وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" وكل ذلك يدل على أن صوم السبعة بعد رجوعه إلى أهله، لا في رجوعه إلى مكة، ولا في طريقه، كما هو ظاهر النصوص التي ذكرنا، بل صريحها، والعدول عن النص بلا دليل يجب الرجوع إليه لا يجوز. والعلم عند الله تعالى.
والأظهر عندي: أنه إن صام السبعة قبل يوم النحر لا يجزئه ذلك، فما قال اللخمي من المالكية من أنه يرى إجزاءها لا وجه له. واللَّه أعلم.
بل لو قال قائل بمقتضى النصوص، وقال: لا تجزئ قبل رجوعه إلى أهله لكان له وجه من النظر واضح، لأن من قدمها قبل الرجوع إلى أهله، فقد خالف لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، وهو لفظ منه صلى الله عليه وسلم في معرض تفسير آية {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} والعدول عن لفظ الصريح المبين لمعنى القرآن لو قيل بأنه لا يجزئ فاعله، لكان له وجه. والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيًّا في بلده، هذا هو الظاهر، وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة، ثم وجد الهدي بعد أن صام يومًا منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الهدي، لأنه دخل في الصوم بوجه جائز، وأنه ينبغي له أن ينتقل إلى الهدي. واستحباب الانتقال إلى الهدي هو
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 612)
مذهب مالك، ومن وافقه. وممن وافقه الحسن، وقتادة، والشافعي وأحمد. وعن ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد الهدي قبل أن يكمل صوم الثلاثة، فعليه الهدي. وقيل: متى قدر على الهدي قبل النحر انتقل إليه، صام، أو لم يصم. والأظهر ما قدمنا. واللَّه أعلم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي: أنه إن فاته صوم الثلاثة في وقتها إلى ما بعد أيام التشريق أنه يجري على القاعدة الأصولية التي هي: هل يستلزم الأمر المؤقت القضاء إذا فات وقته، أو لا يستلزمه؟ وقد قدمنا الكلام على تلك المسألة مستوفى في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} الآية.
فعلى القول بأن الأمر يستلزم القضاء فلا إشكال في قضاء الثلاثة بعد وقتها، وعلى القول: بأنه لا يستلزم القضاء يحتمل أن يقال بوجوب القضاء؛ لعموم حديث: "فدين الله أحق أن يقضى" ويحتمل أن يقال بعدمه بناء على أن صوم الثلاثة في الحج ليكون ذلك مسوغًا لقضاء التفث؛ لأن الدم مسوغ لقضاء التفث ممن عنده هدي، فلا يبعد أن يكون بعض الصوم قدم لينوب عن الدم في تسويغ قضاء التفث. وعلى هذا الاحتمال لا يظهر القضاء، ولا يبعد لزوم الدم للإِخلال بالصوم في وقته. والعلم عند الله تعالى.
أما لزوم صوم السبعة بعد الرجوع إلى أهله، فالذي يظهر لي لزومه لمن لم يجد الهدي مطلقًا، وأنه لا يسقط بحال؛ لأن وجوبه ثابت بالقرآن، فلا يمكن إسقاطه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه. فجعل الدم بدلًا منه إن فات صوم الثلاثة في وقتها
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 613)
ليس عليه دليل يوجب ترك العمل بصريح القرآن في قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}.
تنبيه
إذا أخر الحاج طواف الإِفاضة عن أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة مثلًا، فهل يجزئه حينئذ صوم الأيام الثلاثة؛ لأنه لم يزل في الحج، لبقاء ركن منه، ولأنه لا يجوز له الرفث إلى النساء؛ لأنه لم يزل في الحج، أو لا يجوز له صومها نظرًا إلى أن وقت الطواف" الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" قد فات؟ وهذا التأخير مخالف للسنة، فلا عبرة به. وهذا أظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم. وبنحوه جزم النووي في شرح المهذب قائلًا: إن تأخير الطواف بعيد، فلا يحمل عليه قوله تعالى: {فِي الْحَجِّ} وذكر عن بعض الشافعية وجهًا آخر غير هذا. وإن مات المتمتع العاجز عن الصوم قبل أن يصوم فقال بعض أهل العلم: يتصدق عما أمكنه صومه، عن كل يوم بمد من حنطة. وهو مروي عن الشافعي. وقيل: يهدي عنه. وقيل: لا هدي عنه، ولا إطعام. واللَّه تعالى أعلم.
واختلف أهل العلم إن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي، هل ينتقل إلى الهدي؛ لأن الصوم إنما لزم للعجز عن الهدي، وقد زال بوجوده. وهذا إن وقع قبل يوم النحر لا ينبغي أن يختلف فيه. أما إن وجد الهدي بعد فوات وقت الأيام الثلاثة، فهو محل القولين، وهما روايتان عن أحمد. وقد قدمنا كلام أهل العلم في ذلك، ولا نص فيه.
والأظهر: أن صوم السبعة الذي لم يعين له وقت لا ينبغي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 614)
العدول عنه إلى غيره، كما تقدم خلافًا لمن قال بغير ذلك. والعلم عند الله تعالى.
هذا هو حاصل ما يتعلق بالدماء الواجبة بغير النذر مع كونها منصوصًا عليها في القرآن.
أما الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على المذكورة في القرآن، فمنها: دم الفوات. فقد روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه أمر أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. انتهى محل الغرض منه.
فقد قاس عمر بن الخطاب رضي الله عنه دم الفوات على دم التمتع حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وقول عمر ثلاثة في الحج لا يظهر في الفوات؛ لأن الفوات لا يتحقق إلا بانتهاء ليلة النحر، اللهم إلا إن كان عاقه عائق - وهو بعيد - بحيث لو سار ثلاثة أيام لم يدرك عرفة ليلة النحر، فحينئذٍ قد يصومها وكأنه في الحج؛ لأنه لم يحصل له الفوات فعلًا، وإن كان الفوات محققًا وقوعه في المستقبل. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع حتى صار بدله من الصوم كبدله. ذكره ابن قدامة في المغني قائلًا: إن هدي التمتع إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين. انتهى محل الغرض منه. ولا يظهر عندي كل الظهور.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 615)
ثم قال في المغني: فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإِحصار فإنه أشبه به، إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه.
قلنا: الهدي فيهما سواء. وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما ثبت قياسًا، فقياس هذا على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإِحصار، وهو عشرة أيام أيضًا، إلا أن صيام الإِحصار يجب أن يكون قبل حله، وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده. وهو أيضًا مفارق لصوم المتعة، لأن الثلاثة في المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون بعد فوات عرفة. والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم عن جزاء الصيد، عن كل مد يومًا. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا. ويقاس عليه أيضًا كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
وأما من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة.
وقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًا، ويصوم عن كل مد يومًا، فتكون ملحقة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 616)
بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد. ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل محظور يترفه به كتقليم الأظافر، واللبس، والطيب، وكل استمتاع من النساء: كالوطء في العمرة، أو في الحج بعد رمي جمرة العقبة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرنا، فيقاس عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر: عليك فدية من صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك. انتهى بطوله من المغني.
وهذه الأمور المذكورة لا نص فيها من كتاب ولا سنة.
وقد قدمنا في سورة البقرة أقوال أهل العلم في المحصر إن عجز عن الهدي هل يلزمه بدله، أو لا يلزمه شيء بدلًا عنه؟ وأقوال من قالوا: يلزمه البدل في البدل؛ هل هو الصوم؛ أو الإِطعام؟ بما أغني عن إعادته هنا.
وقد علمت من كلام صاحب المغني أن المشهور في مذهب أحمد هو قياس دم الفوات على دم التمتع، كما فعل عمر رضي الله عنه، وأن الخرقى من الحنابلة قاسه على دم جزاء الصيد، فجعل الصوم عن دم الفوات، كالصوم عن جزاء الصيد، وأن مذهب أحمد أيضًا، قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام، وذلك كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. وكذلك قياس صوم من عجز عن البدنة في حال إفساد حجة بالجماع، فهو عند أحمد عشرة أيام قياسًا على التمتع. وقد قدمنا نقل صاحب المغني لذلك عن بعض الصحابة، وعدم مخالفة غيرهم لهم.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 617)
وعن بعض الحنابلة: تقويم بدنة المجامع العاجز بالدراهم، فيشتري بها طعامًا إلى آخر ما تقدم. وأن مذهب أحمد: قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية الأذى.
وقد قدمنا أن قياس تلك الأشياء على فدية الأذى مجمع عليه من الأئمة الأربعة إلا أن أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره فيما فعل من ذلك لا لعذر، كما تقدم إيضاحه.
وأما مذهب الشافعي في دم الفوات، ففيه طريقان أصحهما: قياسه على دم التمتع في الترتيب، والتقدير، وسائر الأحكام.
والطريق الثاني: على قولين أحدهما: أنه كدم التمتع أيضًا. والثاني: أنه كدم الجماع في الأحكام إلا أن هذا شاة، والجماع بدنة لاشتراك الصورتين في وجوب القضاء. وقد قدمنا حكم المجامع العاجز عن البدنة في مذهب الشافعي ماذا يلزمه. ومذهب الشافعي في الدم الواجب بسبب ترك بعض المأمورات كالإِحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي منى، وطواف الوداع هو أن في ذلك أربعة أوجه أصحها: أنه كدم التمتع أيضًا في الترتيب، والتقدير، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
الوجه الثاني: أنه إن عجز عن الهدي قوّم شاة الهدي دراهم، واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. والوجهان الآخران عند الشافعية تركناهما لضعفهما وشذوذهما، كما قاله علماء الشافعية. ومذهب الشافعي في الدم اللازم بسبب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 618)
الاستمتاع: كالطيب واللباس، ومقدمات الجماع أن فيه عندهم أربعة أوجه، وقد قدمناها.
وقدمنا أن أصحها أنه كفدية الأذى المنصوصة في آية الفدية. ودم الجماع فيه عند الشافعية طرق واختلاف منتشر، والمذهب المشهور عندهم: أنه بدنة، فإن عجز عنها فبقرة، فإن عجز سبع شياه، فإن عجز قوّم البدنة بدراهم، والدراهم بطعام، ثم تصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. وقيل: إن عجز عن الغنم قوم البدنة وصام، فإن عجز أطعم، فيقدم الصيام على الإِطعام ككفارة الظهار ونحوها. وقيل: لا مدخل للإِطعام والصيام، بل إذا عجز عن الغنم ثبت الفداء في ذمته. وقيل: إنه يتخير بين البدنة، والبقرة، والغنم، فإن عجز عنها، فالإِطعام ثم الصوم. وقيل: يتخير بين البدنة، والبقرة والشياه، والإِطعام والصيام. وكل هذه الأقوال لا دليل على شيء منها من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي.
وقول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه المذكورات من صيام، ودم لا يجب؛ لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو = له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
وقد قدمنا أن مذهب مالك هو قياس الطيب واللبس ونحو ذلك على فدية الأذى كغيره من الأئمة.
وأما دم الفوات، والفساد، وترك الرمي، وتعدي الميقات، وترك المبيت بمزدلفة، فكل ذلك يقيس بدله على بدل التمتع، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، وإنما يصوم الثلاثة في الحج عندهم المتمتع، والقارن، ومتعدي الميقات، ومفسد الحج، ومن فاته الحج.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 619)
وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بمزدلفة، فيصوم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فيصوم في غير حج. اهـ. من المواق.
وقد قدمنا في مسائل الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج بعض المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها في مواضع متفرقة، مع عدم النص في ذلك من كتاب أو سنة.
والأظهر عندي: أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عند من يقول: حجه صحيح، وعليه دم، وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى، أنه تتعدد عليه الدماء، بتعدد أسبابها مع اختلافها. أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد، كأن ترك رمي يوم، ثم ترك رمي يوم آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى ثم كرر ذلك، فللتعدد وجه، وللاتحاد وجه. وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك في محله. والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحل من عمرته، وهو يريد التمتع، ثم كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي تمتع واحد، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. والعلم عند الله تعالى.
وقد قدمنا أن أقل الهدي - واجبًا كان للمتمتع والقران ونحوهما، أو غير واجب - شاة تجزئ ضحية، أو شرك في دم، كسبع بدنة، أو بقرة على التحقيق، كما تقدم إيضاحه، ولا عبرة بخلاف من خالف في الاشتراك فيه؛ لثبوته بالنص الصحيح.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 620)