Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يأخذ من جميع جوانب الرأس. وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية والشافعية، لأن الله تعالى يقول {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} ولم يقل: بعض رؤوسكم {وَمُقَصِّرِينَ} أي: رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه. وظاهره حلق الجميع، أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب، ولا سنَّة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس. وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} الآية. وقوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
وقد قدمنا أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب. ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول.
تنبيه آخر
اعلم: أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة. أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 641)

والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها، ويكفيها قدر الأنملة، لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من جمالها، وحلقه مثلة، وتقصيره جدًّا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن التقصير.
قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير".
حدثنا أبو يعقوب البغدادي - ثقة - ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" انتهى منه.
وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس: هذا رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.
وقال صاحب نصب الراية في حديث ابن عباس المذكور: قال ابن القطان في كتابه: هذا ضعيف، ومنقطع.
أما الأول: فانقطاعه من جهة ابن جريج، وقال: بلغني عن صفية، فلم يعلم من حدَّثه به.
وأما الثاني: فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 642)

أبا يعقوب، وهذا غير كاف. وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه. وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها. انتهى محل الغرض من نصب الراية للزيلعي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حديث ابن عباس المذكور في أن على النساء التقصير، لا الحلق أقل درجاته الحسن. فقول النووي: إنه حديث رواه أبو داود بإسنادٍ حسن أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان في كتابه، وسكت عليه من أن الحديث المذكور ضعيف ومنقطع. فقول ابن القطان: وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها فيه قصور ظاهر جدًّا؛ لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط كما ترى.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم عثمان بنت سفيان القرشية الشيبية العبدرية، أم بني شيبة الأكابر، كانت من المبايعات روت عنها صفية بنت شيبة، وروى عبد الله بن مسافع، عن أمه عنها. انتهى منه.
وقال ابن حجر في الإِصابة: أم عثمان بنت سفيان، والدة بني شيبة الأكابر، وكانت من المبايعات. قاله أبو عمر إلى آخر كلامه. وقد أورد فيه حديثًا روته عن النبي صلى الله عليه وسلم في السعي بين الصفا والمروة، وقد قدمناه.
وذكر ابن حجر في الإِصابة عن أبي نعيم حديثًا أخرجه، وفيه:

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 643)

أن أم عثمان بنت سفيان هي أم بني شيبة الأكابر. وقد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم . اهـ.
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب. أم عثمان بنت سفيان. ويقال: بنت أبي سفيان؛ هي أم ولد شيبة بن عثمان. روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس. وروت عنها صفية بنت شيبة. اهـ.
ومعلوم أن الصحابة كلهم عدول بتزكية الكتاب والسنَّة لهم، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، فتبين أن قول ابن القطان: "إن الحديث ضعيف؛ لأنها لم يعلم حالها" قصور منه رحمه الله كما ترى. وأما قوله: "إن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كافٍ، وأن أبا يعقوب المذكور، إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه".
فجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن إبراهيم، واسم إبراهيم أبو إسرائيل، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال. وقال فيه الذهبي في الميزان: حافظ شهير. قال: ووثقه يحيى بن معين، والدارقطني. وقال صالح جزرة: صدوق إلَّا أنه كان يقف في القرآن، ولا يقول: غير مخلوق، بل يقول: كلام الله. وقال فيه أيضًا: قال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا لم يكن مثله أحد في الحفظ والورع واتهم بالوقف.
وقال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلَّا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 644)

إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين عليه، وتفضيله على بعض الثقات المعروفين. ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلَّا أنه كان قليل العقل. وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ، والعدالة كثير مشهور، وإنما نقموا عليه أنه كان يقول: القرآن كلام الله، ويسكت عندها، ولا يقول: غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة. صدوق في الحديث إلَّا أنه يقول: القرآن كلام الله ويقف.
وقال الساجي: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إبي إسرائيل واقفي مشؤوم، إلَّا أنه كان صاحب حديث كيسًا.
وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق ألا قالوا كلام الله وسكتوا. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم أتهم وليس بمتهم. وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.
والحاصل: أنهم متفقون على ثقته، وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلَّا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف، وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة، وقول من ناظره أنه قال له: لم أقل على الشك، ولكني سكت كما سكت القوم قبلي. ومعنى كلامه: أنه لا يشك في أن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 645)

القرآن غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك. ولما حكى الذهبي في الميزان قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده ما نصه: قلت: قل من ترك الأخذ عنه. اهـ، وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبوله، فحديثه لا يقل عن درجة الحسن. وروايته عند أبي داود الذي وثقه تعتضد بالرواية المذكورة قبلها. وقول ابن جريج فيها: بلغني عن صفية بنت شيبة تفسره الرواية الثانية التي بين فيها ابن جريج: أن من بلغه عن صفية المذكورة: هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف.
فإن قيل: ابن جريج روى عنه بالعنعنة، وهو مدلس، والرواية بالعنعنة لا تقبل من المدلس، بل لا بدَّ من تصريحه بما يدل على السماع.
والجواب: أنا قدمنا أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد هو الاحتجاج بالمرسل، ومن يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما نبه عليه غير واحد من الأصوليين.
وقد قدمناه موضحًا مرارًا في هذا الكتاب المبارك مع اعتضاد هذه الرواية بالأخرى، واعتضادها بغيرها.
قال الزيلعي في نصب الراية - بعد ذكره كلام ابن القطان في تضعيف حديث ابن عباس المذكور في تقصير النساء، وعدم حلقهن الذي ناقشنا تضعيفه له كما رأيت ما نصه - : وأخرجه الدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه، عن أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدارقطني أيضًا، والبزار في مسنده، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن صفية به. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 646)

ابن عباس إلَّا من هذا الوجه. انتهى. وأخرجه الدارقطني في سننه، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال في المحرمة: تأخذ من شعرها قدر السبابة. انتهى. وليث هذا الظاهر أنه ابن أبي سليم، وهو ضعيف. انتهى من نصب الراية.
فتبين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير، لا الحلق أنه لا يقل عن درجة الحسن، كما جزم النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له بواسطة نقل الزيلعي، عند الطبراني، والدارقطني: والبزار.
ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا.
الأول: الإِجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج.
الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق.
الثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام.
الخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز.
أما الإِجماع، فقد قال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمعوا على ألا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير. ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة.
واختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ابن عمر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، وقال

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 647)

قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجوز من بعض القرون. انتهى محل الغرض منه، وتراه نقل عن ابن المنذر الإِجماع على أن النساء: لا حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في الحج؛ لأن الحلق نسك على التحقيق، كما تقدم إيضاحه.
وأما الأحاديث الواردة في ذلك فسأنقلها بواسطة نقل الزيلعي في نصب الراية؛ لأنه جمعها فيه في محل واحد. قال: فنهى النساء عن الحلق فيه أحاديث.
منها: ما رواه الترمذي في الحج، والنسائي في الزينة، قالا: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. ثم رواه الترمذي، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي به، عن خلاس عن النبي مرسلًا، وقال: هذا حديث فيه اضطراب. وقد روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا انتهى. وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام، عن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي. وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة، عن النبي مرسلًا.
حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها"

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 648)

انتهى. قال البزار: ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي روى عن عبد الحميد أحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث. انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل، وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث. انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
حديث آخر رواه البزار في مسنده أيضًا: حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم روى عنه إلَّا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي. انتهى كلام الزيلعي في نصب الراية.
وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها، عن علي، وعثمان، وعائشة يعضد بعضها بعضًا كما تعضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله.
وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يخالف فيه إلَّا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى.
وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال، فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 649)

الخاصة بهم دون الإِناث عادةً. وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
وأما كون حلق رأس المرأة مثلة، فواضح؛ لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم. وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها، لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام. وسنذكر هنا منه أمثلة قليلة تنبيهًا بها على غيرها قال امرؤ القيس في معلقته:
وفرع يزين المتن أسود فاحم … أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلى … تضل المداري في مثنى ومرسل
فتراه جعل كثرة شعر رأسها وسواده وطوله من محاسنها، وهو كذلك.
وقال الأعشى ميمون بن قيس:
غراء فرعاء مصقول عوارضها … تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
فقوله: فرعاء. يعني أن فرعها، أي: شعر رأسها تام في الطول والسواد والحسن.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
تقول يا أمتا كفى جوانبه … ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر
مثل الأساود قد أعيى مواشطه … تضل فيه مداريها وتنكسر

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 650)

فلولم تكن كثرة الشعر وسواده من الجمال عندهم لما تعبوا في خدمته هذا التعب الذي ذكره هذا الشاعر. ونظيره قول الآخر:
وفرع يصير الجيد وحف كأنه … على الليث قنوان الكروم الدوالح
قال لأن قوله: يصير الجيد، أي: يميل العنق لكثرته، وقد بالغ من قال:
بيضاء تسحب من قيام فرعها … وتغيب فيه وهو وجف أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع … وكأنه ليل عليها مظلم
وأمثال هذا أكثر من أن تنحصر، وقصدنا مطلق التمثيل، وهو يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها، وتشويه لها، فهو مثلة. وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإِسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت، وغير ذلك.
فإن قيل: جاء عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على حلق المرأة رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق، فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه في النوع الحادي عشر من القسم الخامس، من حديث وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالًا، وبنى بها، وماتت بسرف فدفنها في الظلة التي بني بها فيها، فنزلها قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس، فألقاه وكانت قد حلقت

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 651)

رأسها في الحج، فكان رأسها محجمًا". انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها، ولو كان حرامًا ما فعلته.
وأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قال: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. اهـ من صحيح مسلم.
فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض، لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها. وقد قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}.
وأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر، فلا إشكال؛ لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود.
قال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع، وأكثر من اللمة. واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر. قاله الأصمعي. انتهى محل الغرض من النووي.
وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز الأذنين. قال في القاموس: والوفرة: الشعر المجتمع على

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 652)

الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة. اهـ منه.
وقال الجوهري في صحاحه: والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة: وهي التي ألمت بالمنكبين. وقال ابن منظور في اللسان: والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر. والجمع وفار. قال كثير عزة:
كأن وفار القوم تحت رحالها … إذا حسرت عنها العمائم عنصل
وقيل: الوفرة أعظم من الجمة. قال ابن سيده: وهذا غلط، إنما هي وفرة، ثم جمة، ثم لمة، والوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين، واللمة: ما ألم بالمنكبين.
التهذيب: والوفرة: الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين، وقيل: الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة، إلى أن قال: والوفرة شعر الرأس إذا وصل شحمة الأذن. انتهى من اللسان.
فالجواب: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن. أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلهن حكم خاص بهن، لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه صلى الله عليه وسلم إلى الموت. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإِخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 653)

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: قال عياض رحمه الله تعالى: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون، والذوائب، ولعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته صلى الله عليه وسلم . وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى كلام النووي.
وقوله: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. فيه عندي نظر؛ لما قدمنا من أن أزواج النبي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليهن غيرهن؛ لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وقد يباح لهن من الإِخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيرهن(1)، حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطاب، وربما تزوجت؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة. وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل:
أبى القلب إلَّا أم عمرو وحبها … عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كثوب اليماني قد تقادم عهده … ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال الآخر:
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا … لكان هوى ليلى جديدًا أوائله
والعلم عند الله تعالى.--------------------------------------------
(1) كان في الأصل: "وهو قد يباح له من الإِخلال. . . لغيره"، ولعل الصواب ما أثبتناه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 654)

•‌‌ قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)}.
الضمير في قوله: منها. راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها، وإطعام البائس الفقير منها أمر بنحوه في خصوص البدن أيضًا في قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} إلى قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} الآية، ففي الآية الأولى الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن، وبغيرها. وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة. وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل، وإطعام البائس الفقير، وفي الآية الخاصة بالبدن أمر بالأكل، وإطعام القانع والمعتر.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان:
الأول: حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر، أو الندب والاستحباب؟
المبحث الثاني: فيما يجوز الأكل منه لصاحبه، وما لا يجوز له الأكل منه، ومذاهب أهل العلم في ذلك.
أما المبحث الأول: فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب، والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 655)

عن الوجوب في صيغة الأمر: هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم، فرخص للمسلمين في ذلك.
وعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم، ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون.
وقال ابن كثير في تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب. قال: وهو اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال القرطبي في تفسيره: فكلوا منها. أمر معناه: الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل. وشذت طائفة، فأوجبت الأكل، والإِطعام بظاهر الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "فكلوا وادخروا وتصدقوا".
قال إلكيا: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. انتهى كلام القرطبي.
ومعلوم: أن بيع جميعه لا وجه لحليته، بل ولا بيع بعضه، كما هو معلوم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى القولين دليلًا: وجوب الأكل والإِطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا} في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل تدل على الوجوب إلَّا لدليل صارف عن الوجوب. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، كقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 656)

وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج.
ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإِبل، فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها" وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة من تلك الإِبل الكثيرة إلَّا وقد أكل منها أو شرب من مرقها. وهذا يدل على أن الأمر في قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإِطعام، فالأظهر فيه الوجوب.
والحاصل أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة افعل تدل على الوجوب إلَّا لصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب، وكذلك الإِطعام. هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية. وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإِطعام، وقيل باستحبابهما. وقيل باستحباب الأكل، ووجوب الإِطعام. والأظهر أنه لا تحديد للقدر الذي يأكله، والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء، ويتصدق بما شاء. وقد قال بعض أهل العلم يتصدق بالنصف، ويأكل النصف. واستدل لذلك بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)} قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصف للفقراء. وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث. واستدل بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له،

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 657)

وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول. والعلم عند الله تعالى.
والبائس: هو الذي أصابه البؤس، وهو الشدة.
قال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل يبأس بؤسًا وبئسًا: اشتدت حاجته، فهو بائس. وأنشد أبو عمرو:
لبيضاء من أهل المدينة لم تذق … بئيسًا ولم تتبع حمولة مجحد
وهو اسم وضع موضع المصدر. اهـ منه يعني: أن البئيس في البيت لفظه لفظ الوصف، ومعناه المصدر.
والفقير معروف، والقاعدة عند علماء التفسير: أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وعلى قولهم: فالفقير هنا يشمل المسكين؛ لأنه غير مذكور معه هنا، وذلك هو مرادهم بأنهما إذا افترقا اجتمعا. ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في آية الصدقة أيهما أشد فقرًا، وقد ذكرنا حجج الفريقين، وناقشناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة البلد. ومما استدل به القائل: إن الفقير أحوج من المسكين، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم بكفايته قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} الآية، قالوا: فسماهم مساكين، مع أن عندهم سفينة عاملة للإِيجار.
ومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير: أن الله قال في المسكين: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} قالوا: ذا متربة، أي: لا شيء عنده، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلَّا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 658)

له. وقال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس، ولا غيره. انتهى من القرطبي. وعضدوا هذا بأن العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه، ومنه قول راعي نمير:
أما الفقير الذي كانت حلوبته … وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيرًا مع أن له حلوبة قدر عياله.
وقد ناقشنا أدلة الفريقين مناقشة تبين الصواب في الكتاب المذكور، فأغنانا ذلك عن إعادته هنا. والعلم عند الله تعالى.
وأما المبحث الثاني: وهو ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز فقد اختلف فيه أهل العلم. وهذه مذاهبهم وما يظهر رجحانه بالدليل منها:
فذهب مالك رحمه الله، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلَّا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين. وقال اللخمي: كل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة من فساد، أو متعة، أو قران، أو تعدي ميقات، أو ترك النزول بعرفة نهارًا، أو ترك النزول بمزدلفة، أو ترك رمي الجمار، أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده. أما جزاء الصيد، وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغهما محلهما، ولا يؤكل منهما بعده.
وأما النذر المضمون إذا لم يسمه للمساكين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله، وإن كان منذورًا معينًا، ولم يسمعه للمساكين، أو قلده، وأشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله، ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر للمساكين، أو نوى ذلك حين التقليد والإِشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 659)

والحاصل: أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقًا عند مالك، وأن النذر المضمون للمساكين، حكمه عند المالكية حكم جزاء الصيد، وفدية الأذى، فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله، ويجوز قبله، لأنه باقي في الذمة حتى يبلغ محله.
وأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين، كقوله: علي للَّه نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي، فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله، وبعده. وقد قدمنا أن هدي التطوع إن عطب في الطريق لا يجوز له الأكل منه عند المالكية، وأوضحنا دليل ذلك. هذا هو حاصل مذهب مالك في الأكل من الهدايا. ولا خلاف في جواز الأكل من الضحايا. وقد قدمنا قول اللخمي من المالكية أن كل هدي جاز أن يأكل منه جاز أن يطعم منه من شاء من غني وفقير، وكل هدي لم يجز له أن يأكل منه، فإنه يطعمه فقيرًا، لا تلزمه نفقته كالكفارة. وكره ابن القاسم من أصحاب مالك إطعام الذمي من الهدايا كما تقدم.
ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يأكل من هدي التمتع والقران، وهدي التطوع إذا بلغ محله، أما إذا عطب هدي التطوع قبل بلوغ محله، فليس لصاحبه الأكل منه عند أبي حنيفة كما تقدم إيضاحه. ولا يأكل من غير ذلك، هو ولا غيره من الأغنياء، بل يأكله الفقراء. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
وأما مذهب الشافعي رحمه الله: فهو أن الهدي إن كان تطوعًا، فالأكل منه مستحب. واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} قالوا: فجعلها لنا، وما هو للإِنسان فهو مخير بين تركه، وأكله. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 660)