وفي القاموس: والثنية: الناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثني، والفرس الداخلة في الرابعة، والشاة في الثالثة كالبقرة. اهـ منه.
وقد علمت مما مر: أن حديث مسلم الثابت فيه دل على أن الأضحية لا تكون إلَّا بمسنة، وأنها إن تعسرت فجذعة من الضأن، فمن ضحى لمسنة، أو بجذعة من الضأن عند تعسرها: فضحيته مجزئة إجماعًا.
واختلف أهل العلم فيما سوى ذلك، وهذه مذاهبهم وأدلتها.
فذهب مالك رحمه الله وأصحابه إلى أن المجزئ في الضحية جذع الضأن، وثني المعز، والبقر، والإِبل. وجذع الضأن عندهم هو ما أكمل سنة على المشهور، وثني المعز عندهم هو ما أكمل سنة، ودخل في الثانية دخولًا بيّنًا، فالدخول في السنة الثانية، دخولًا بيِّنًا هو الفرق عندهم بين جذع الضأن، وثني المعز.
ودليل مالك وأصحابه على ما ذكرنا عنهم في سن الأضحية: أن جذع الضأن عندهم لا فرق بينه وبين جذعة الضأن المنصوص على إجزائها في صحيح مسلم، وأن الثني ثبت إجزاؤه مطلقًا، وتحديدهم له في المعز بما دخل في الثانية دخولًا بيِّنًا من تحقيق المناط، والثني عندهم من البقر ابن ثلاث سنين، والأنثى والذكر سواء عندهم. والثني عندهم من الإِبل: ابن خمس سنين، والذكر والأنثى سواء.
ومعلوم أن الذكورة، والأنوثة في الضحايا والهدايا، وصفان طرديان، لا أثر لواحد منهما في الحكم فهما سواء.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 681)
وقال بعض المالكية: إن الثني من البقر: ابن أربع سنين. والظاهر: أنه غير مخالف للقول الأول، وأن المراد به ابن ثلاث ودخل في الرابعة.
وقال ابن حبيب من المالكية: والثني من الإِبل ابن ست سنين. والظاهر أيضًا أنه غير مخالف للقول الأول؛ لأن المراد به ابن خمس، ودخل في السادسة.
فإن قيل: ظاهر(1). . . سلمنا أن جذعة الضأن المنصوص عليها في حديث جابر عند مسلم لا فرق بينها وبين الجذع الذكر؛ لأن الذكورة والأنوثة في الهدايا والضحايا وصفان طرديان، لا أثر لهما في الحكم، ولكن ظاهر الحديث يدل على أن جذعة الضأن الأنثى المذكورة في الحديث لا يذبحها إلَّا من تعسرت عليه المسنة، التي هي الثنية؛ لأن لفظ الحديث المتقدم "لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".
فالجواب: أن ظاهر الحديث أن الجذعة من الضأن لا تجزئ إلَّا عند تعسر المسنة وظاهره أن الجذع الذكر من الضأن لا يجزئ سواء عسر وجود المسنة، أو لم يعسر. وجمهور أهل العلم خالفوا ظاهر هذا الحديث من الجهتين المذكورتين إلَّا ما روي عن ابن عمر، والزهري من أن الجذع الذكر من الضأن لا يجزئ مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث.
قال النووي في شرحه لحديث مسلم هذا ما نصه: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإِبل والبقر والغنم، فما فوقها.--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 682)
وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال. وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض. ونقل العبدري، وغيره من أصحابنا أنه قال: يجوز الجذع من الإِبل والبقر والمعز والضأن. وحكي هذا عن عطاء. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا، ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أو لا، وحكوا عن ابن عمر، والزهري أنهما قالا: لا يجزئ. وقد يحتج لهما بظاهر الحديث. قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب، والأفضل، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلَّا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن. وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال. وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر، والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب. والله أعلم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث ظاهر في أن جذعة الضأن لا تجزئ إلَّا إذا تعسر وجود المسنة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: "لا تذبحوا إلَّا مسنة" نهي صريح عن ذبح غير المسنة التي هي الثنية. والنهي يقتضي التحريم، كما تقرر في الأصول إلَّا إذا وجد صارف عنه، وهو دليل ظاهر على أن جذعة الضأن لا تجزئ إلَّا عند تعسر المسنة كما ترى. وسيأتي إن شاء الله إيضاح بقية هذا البحث بعد ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، ومناقشة أدلتهم.
وأما مذهب الشافعي رحمه الله في هذه المسألة فهو أن الجذع لا يجزئ إلَّا من الضأن خاصة، والجذع من الضأن والجذعة عنده
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 683)
سواء. وأما غير الضأن فلا يجزئ عنده منه إلَّا الثنية، أو الثني. وقد قدمنا كلام أهل العلم، واللغة في سن الجذع، والثني، والجذعة والثنية. والوجه الذي حكاه الرافعي أن جذع المعز يجزئ عند الشافعية غلط كما صرح به النووي.
وأما مذهب أبي حنيفة فهو كمذهب الشافعي، وهو جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة، وبالثني من غير الضأن، وهو المعز والإِبل والبقر.
وقال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه: والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر عند الفقهاء. وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر. والثني من الضأن والمعز ابن سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإِبل ابن خمس سنين. وفي القرب: الجذع من البهائم قبل الثني إلَّا أنه من الإِبل قبل السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة الثانية، ومن الخيل في الرابعة. وعن الزهري الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية أشهر. اهـ منه.
والأصح: هو ما قدمنا في سن الجذع والثني عن الفقهاء، وأهل اللغة.
ومذهب الإِمام أحمد كمذهب أبي حنيفة والشافعي، فلا يجوز عنده الجذع إلَّا من الضأن خاصة، ولا يجوز من غير الضأن إلَّا الثني. والجذع من الضأن عندهم ما له ستة أشهر، ودخل في السابع، وثني المعز عندهم إذا تمت له سنة، ودخل في الثانية، وثني البقر عندهم إذا تمت له سنتان، ودخل في الثالثة، وثني الإِبل عندهم إذا تمت له خمس سنين، ودخل في السادسة. قاله ابن قدامة في المغني.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 684)
وقال أيضًا: قال الأصمعي، وأبو زياد الكلابي، وأبو زيد الأنصاري: إذ مضت السنة الخامسة على البعير، ودخل في السادسة، وألقى ثنيته فهو حينئذٍ ثني، ونرى أنه إنما سمى ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيتيه. وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذبحوا إلَّا مسنة" ومسنة البقر التي لها سنتان. وقال وكيع: الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أشهر. انتهى كلام المغني.
وقد عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في السن التي تجزئ ضحية من بهيمة الأنعام، وأنهم متفقون على إجزاء جذع الضأن، والثني من غيره مع بعض الاختلاف الذي رأيت في سن الجذع والثني.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي. هو ما عليه جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ أنه لا يجزئ في الأضحية الجذع إلَّا من الضأن خاصة، ومن غير الضأن وهو المعز، والإِبل والبقر لا يجزئ إلَّا الثني، فما فوقه. والذكر والأنثى سواء في الهدايا والأضاحي، كما تقدم.
والتأويل الذي قدمنا عن النووي في حديث جابر في قوله صلى الله عليه وسلم "لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" أنه متعين بحمله على الاستحباب، والأفضل يظهر لي أنه متعين، كما قاله النووي. والقرينة الصارفة عن ظاهر حديث جابر المذكور عند مسلم هي أحاديث أخر جاءت من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجذع من الضأن يجزئ. وظاهرها ولو كان المضحي قادرًا على المسنة، وسنذكرها هنا بواسطة نقل المجد في المنتقى؛ لأنه ذكرها في محل واحد.
فمنها: ما رواه الإِمام أحمد والترمذي، عن أبي هريرة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 685)
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم أو نعمت الأضحية: الجذع من الضأن".
ومنها: ما رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، عن أم بلال بنت هلال، عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يجوز الجذع من الضأن ضحية".
ومنها: ما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن مجاشع بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية".
ومنها: ما رواه النسائي، عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: "ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن". اهـ. بواسطة نقل المجد في المنتقى.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، فتصلح بمجموعها للاحتجاج، وتعتضد بأن عامة أهل العلم على العمل بها إلَّا ما نقل عن ابن عمر، والزهري.
وقد دل حديث جابر المذكور عند مسلم على أن الجذع من غير الضأن لا يجزئ، وهو كذلك، وحديث البراء بن عازب الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة "ضح بجذعة من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك" دليل على أن جذع المعز لا يجزئ في الأضحية.
قال البخاري في صحيحه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: "ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك".
حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا مطرف، عن عامر، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: ضحى خال لي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 686)
يقال له: أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "شاتك شاة لحم، فقال: يا رسول الله إن عندي داجنًا جذعة من المعز. قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك". اهـ منه. وفي لفظ للبخاري من حديث البراء "ولن تجزئ عن أحد بعدك" وكذلك هي في بعض ألفاظ مسلم في حديث البراء المذكور "ولن تجزئ عن أحد بعدك" وفي لفظ عند مسلم من حديث البراء "ضح بها ولا تصلح لغيرك" وفي لفظ له عنه "ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك".
والروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأبي بردة في التضحية بعناق جذعة من المعز. وصرح بأنها لا تجزئ عن أحد بعده معروفة في الصحيحين وغيرهما وهي دليل على أن جذع المعز لا يجزئ. فمن قال من أهل العلم بأنه يجزئ رد قوله بهذا الحديث الصحيح، المصرح بأن جذعة المعز لا تجزئ عن أحد بعد أبي بردة.
فإن قيل: جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود فذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به أنت" وهذا لفظ البخاري في صحيحه، وفي لفظ لمسلم عن عقبة بن عامر الجهنى المذكور رضي الله عنه قال: "قسم النبي صلى الله عليه وسلم فينا ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله أصابني جذع فقال: ضح به". اهـ منه.
وروايات هذا الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يضحي بجذع المعز؛ لأن العتود لا تطلق إلَّا على ولد المعز، والروايات مصرحة بأن المذكور جذع. وقال ابن الأثير في النهاية: والعتود من ولد المعز إذا قوي ورعى، وأتى عليه حول. وهذا حديث متفق عليه، فيه الدلالة الصريحة على جواز التضحية
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 687)
بجذع المعز. وذكر ابن حجر في الفتح: أن البيهقي ذكر زيادة في حديث عقبة بن عامر المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعقبة: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك" وقال ابن حجر: إن الطريق التي روى بها البيهقي الزيادة المذكورة صحيحة وإن حاول بعضهم تضعيفها.
فالجواب: أن الجمع بين ما وقع لأبي بردة، وعقبة بن عامر أشكل على كثير من أهل العلم، ويزيده إشكالًا أن الترخيص في الأضحية بجذع المعز ورد عنه صلى الله عليه وسلم لجماعة آخرين.
قال ابن حجر في الفتح: فقد أخرج أبو داود، وأحمد، وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عتودًا جذعًا فقال: ضح به. فقلت: إنه جذع أفأضحي؟ قال: نعم ضح به فضحيت به" لفظ أحمد. . . إلى أن قال: وفي الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به" وأخرجه الحاكم من حديث عائشة. وفي سنده ضعف. ولأبي يعلى، والحاكم من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جذع من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما أفأضحي به؟ قال: "ضح به فإن للَّه الخير". انتهى بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري.
وإذا عرفت أن في الأحاديث المذكورة إشكالًا، فاعلم: أن الحافظ في الفتح تصدى لإِزالة ذلك الإِشكال، فقال في موضع بعد سوقه الأحاديث التي ذكرنا: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة، وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 688)
الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك. وإنما قلت ذلك، لأن بعض الناس زعم أن هؤلاء شاركوا أبا بردة وعقبة في ذلك، والمشاركة إنما وقعت في مطلق الإِجزاء، لا في خصوص منع الغير. انتهى محل الغرض منه بلفظه. ومقصوده: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد ممن رخص لهم في التضحية بجذع المعز "ولن تجزئ عن أحد بعدك" إلَّا لأبي بردة، وعقبة بن عامر على ما رواه البيهقي، والذين لم يقل لهم: ولن تجزئ عن أحد بعدك. لا إشكال في مسألتهم، لاحتمال أنها قبل تقرر الشرع بعدم إجزاء جذع المعز، فبقي الإِشكال بين حديث أبي بردة، وحديث عقبة. وقد تصدى لحله ابن حجر في الفتح أيضًا فقال في موضع: وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا. اهـ محل الغرض منه. وقال في موضع آخر: وإن تعذر الجمع الذي قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجًا. اهـ منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الجمع الذي ذكره ابن حجر، فالظاهر عندي: أنه لا يصح. وقوله: لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع غلط منه رحمه الله، بل وقع في السياق التصريح باستمرار المنع؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم : "ولن تجزئ عن أحد بعدك" صريح في استمرار منع الإِجزاء عن غيره، لأن لفظة "لن" تدل على نفي الفعل في المستقبل من الزمن، فهي دليل صريح على استمرار عدم الإِجزاء عن غيره في المستقبل من الزمن. ويؤيد ذلك أن قوله: "عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 689)
أحد بعدك" نكرة في سياق النفي، فهي تعم كل أحد في كل وقت، كما ترى.
والصواب: الترجيح بين الحديثين، وحديث أبي بردة لا شك أن لفظة "ولن تجزئ عن أحد بعدك" فيه أصح سندًا من زيادة نحو ذلك في حديث عقبة، فيجب تقديم حديث أبي بردة على حديث عقبة، كما ذكره ابن حجر في كلامه الأخير. واللَّه تعالى أعلم.
فإن قيل: ذكر جماعة من علماء العربية أن لفظة. "لن"، لا تدل على تأبيد النفي.
قال ابن هشام في المغني في الكلام على "لن" ولا تفيد توكيد النفي، خلافًا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافًا له في أنموذجه، وكلاهما دعوى بلا دليل. قيل: ولو كانت للتأبيد، لم يقيد منفيها باليوم في {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)}، ولكان ذكر الأبد في {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} تكرارًا والأصل عدمه. اهـ محل الغرض منه.
فالجواب: أن قول الزمخشري بإفادة "لن" التأبيد يجب رده؛ لأنه يقصد به استحالة رؤية الله تعالى يوم القيامة زاعمًا أن قوله لموسى: {لَنْ تَرَانِي} تفيد فيه لفظة "لن" تأبيد النفي، فلا يرى الله عنده أبدًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص الصحيحة في القرآن، والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها. وقد بينا مرارًا أن رؤية الله تعالى بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ولو كانت ممنوعة عقلًا في الدنيا لما قال نبي الله موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى، وأنها ممنوعة شرعًا في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة، وإفادة "لن" التأبيد التي زعمها الزمخشري في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 690)
الآية تردها النصوص الصحيحة الصريحة في الرؤية في الآخرة، ولا ينافي ذلك أن تفيد "لن" التأبيد في موضع لم يعارضها فيه نص.
وبالجملة فقد اختلف أهل العربية في إفادة "لن" تأبيد النفي حيث لم يصرف عنه صارف، وعدم إفادتها لذلك، فعلى القول بأنها تفيد التأبيد فقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: "ولن تجزئ عن أحد بعدك" يدل على تأبيد نفي الإجزاء، كما ذكرنا، وعلى عدم اقتضائها التأبيد، فلا تقل عن الظهور فيه، حتى يصرف عنه صارف. وبذلك كله تعلم أن الجمع بين حديث أبي بردة، وحديث عقبة بن عامر كالمتعذر، فيجب الترجيح. وحديث أبي بردة أرجح. والعلم عند الله تعالى.
وهذا الذي ذكرنا في هذا الفرع هو حاصل كلام أهل العلم في السن التي تجزئ في الضحايا.
الفرع الرابع: اعلم: أنه لا يجوز في الأضحية إلَّا بهيمة الأنعام، وهي الإِبل، والبقر، والضأن، والمعز بأنواعها، لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فلا تشرع التضحية بالظباء، ولا ببقرة الوحش، وحمار الوحش مثلًا.
وقال النووي في شرح المهذب: ولا تجزئ بالمتولد من الظباء والغنم؛ لأنه ليس من بهيمة الأنعام. اهـ.
والظاهر أنه كذلك كما عليه جماهير أهل العلم، فما روي عن الحسن بن صالح من أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد، خلاف التحقيق. وعن أصحاب الرأي: أن ولد البقرة الإِنسية يجزئ وإن كان أبوه وحشيًا. وعن أبي ثور: يجزئ إن كان منسوبًا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 691)
إلى بهيمة الأنعام. والأظهر: أن المتولد من بين ما يجزئ وما لا يجزئ، لا يجزئ بناء على قاعدة تقديم الحاظر على المبيح. ومعلوم أنها خالف فيها بعض أهل الأصول. وعلى كل حال فالأحوط أن لا يضحي إلَّا ببهيمة الأنعام، لظاهر الآية الكريمة.
الفرع الخامس: اعلم: أن أكثر أهل العلم على أن أفضل أنواع الأضحية: البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة. والضأن أفضل من المعز. وسيأتي الكلام على حكم الاشتراك في الأضحية ببدنة، أو بقرة إن شاء الله وكون الأفضل البدنة، ثم البقرة، ثم شاة الضأن، ثم شاة المعز.
قال النووي في شرح المهذب: هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود. وقال مالك: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإِبل. قال: والضأن أفضل من المعز، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإِبل، والبقر. وقال بعض أصحاب مالك: الإِبل أفضل من البقر.
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في أفضل ما يضحى به من بهيمة الأنعام فاعلم أن الجمهور الذين قالوا: البدنة أفضل، ثم البقرة، ثم الشاة احتجوا بأدلة:
منها: أن البدنة أعظم من البقرة، والبقرة أعظم من الشاة. واللَّه تعالى يقول: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} الآية.
ومنها: ما قدمنا ثابتًا في الصحيح: أن البقرة والبدنة كلتاهما تجزئ عن سبعة في الهدي، فكل واحدة منهما تعدل سبع شياه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 692)
وكونها تعدل سبع شياه دليل واضح على أنها أفضل من شاة واحدة.
ومنها: ما رواه الشيخان، والإِمام أحمد، وأصحاب السنن، غير ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر". اهـ. قالوا: ففي هذا الحديث الصحيح الدلالة الواضحة على أن البدنة أفضل، ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، ووجهه ظاهر.
واحتج مالك وأصحابه على أن التضحية بالغنم أفضل بأنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالغنم لا بالإِبل ولا بالبقر. وقد قدمنا الأحاديث بتضحيته بكبشين أقرنين أملحين، وتضحيته بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد. وكلها ثابتة في الصحيح كما قدمنا أسانيدها ومتونها. قالوا: وهو صلى الله عليه وسلم لا يضحى مكررًا ذلك عامًا بعد عام إلَّا بما هو الأفضل في الأضحية. فلو كانت التضحية بالإِبل، والبقر أفضل لفعل صلى الله عليه وسلم ذلك الأفضل.
قالوا: فإن قيل: أهدى في حجته الإِبل، ولم يهد الغنم.
فالجواب: أنه أهدى الغنم أيضًا فبعث بها إلى البيت، ولو سلمنا أن الإِبل أفضل في الهدي، فلا نسلم أنها أفضل في الأضحية. والمالكية لا ينكرون أفضلية الإِبل في الهدي، وإنما يقولون: إن الغنم أفضل في الأضحية، ولكل من الغنم والإِبل فضل من جهة، فالإِبل أفضل من حيث كثرة لحمها، والغنم أفضل من حيث إن لحمها
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 693)
أطيب، وألذ. وعند المالكية فلا مانع من أن يراعى كل واحد من الوصفين في نوع من أنواع النسك.
ودليل الجمهور ظاهر، لكن دليل المالكية أخص في محل النزاع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يضح إلَّا بالغنم، والخير كله في اتباعه في أقواله، وأفعاله. وما جاء عنه من تفضيل البدنة، ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، لم يأت في خصوص الأضحية، ولكن فعله صلى الله عليه وسلم في خصوص الأضحية، واللَّه تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
والحاصل: أن لكل من القولين وجهًا من النظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
واعلم: أن الجمهور أجابوا عن دليل مالك بأن تضحيته صلى الله عليه وسلم بالغنم لبيان الجواز، أو لأنه لم يتيسر له في ذلك الوقت بدنة ولا بقرة، وإنما تيسرت له الغنم. هكذا قالوا. وظاهر الأحاديث تكرر تضحيته صلى الله عليه وسلم بالغنم. وقد يدل ذلك على قصده الغنم دون غيرها؛ لأنه لو لم يتيسر له إلَّا الغنم سنة فقد يتيسر له غيرها في سنة أخرى. واللَّه تعالى أعلم.
فإن قيل: روى البيهقي عن ابن عمر كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجزور.
فالجواب: أن الزرقاني في شرح الموطأ قال ما نصه: وحديث البيهقي عن ابن عمر كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجزور. ضعيف. في سنده عبد الله بن نافع، وفيه مقال. اهـ منه. وقد روى البيهقي في السنن الكبرى، عن أبي أمامة، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 694)
قال: "خير الضحايا الكبش الأقرن". اهـ منه. وقد ذكر النووي أن فيه ضعفًا. ولا شك أنه تقويه الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بالمداومة على التضحية بالكبشين الأقرنين، أو الكبش الأقرن، كما تقدم إيضاحه.
الفرع السادس: اعلم: أن جمهور أهل العلم: أجازوا اشتراك سبعة مضحين في بدنة، أو بقرة، بأن يشتروها مشتركة بينهم، ثم يهدوا بها، أو يضحوا بها عن كل واحد سبعها.
وقد قدمنا النصوص الصريحة بذلك في الهدي. والظاهر: عدم الفرق في ذلك بين الهدي، والأضحية.
وخالف مالك وأصحابه الجمهور، فقالوا: لا يجوز ذبح بدنة مشتركة، ولا بقرة، وإنما يملكها واحد، فيشرك غيره معه في الأجر. أما اشتراكهم في ملكها فلا يجزئ عند مالك لا في الأضحية ولا في الهدي الواجب، وكذلك هدي التطوع خلافًا لأشهب من أصحابه.
واعلم: أن مالكًا رحمه الله حمل أحاديث اشتراك السبعة في البدنة والبقرة على الاشتراك في الأجر، بأن يكون المالك واحدًا، ويشرك غيره معه في الأجر، لا في ملك الرقبة. وظاهر الأحاديث فيه الدلالة الواضحة على الاشتراك في الملك. وأجاز مالك للرجل أن يضحي بالشاة الواحدة، ويشرك معه أهله في الأجر.
وقد قدمنا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح كبشًا وقال: "اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد".
والحاصل: أن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز اشتراك
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 695)
مالكين في شاة الأضحية. أما كون المالك واحدًا فيضحي عن نفسه بالشاة، وينوي اشتراك أهل بيته معه في الأجر، وأن ذلك يتأدى به الشعار الإِسلامي عنهم جميعًا، فلا ينبغي أن يختلف فيه؛ لدلالة النصوص الصحيحة عليه، كالحديث المذكور آنفًا وغيره، كحديث أبي أيوب الأنصاري كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى. قال في المنتقى: رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه. وقال شارحه في النيل: وأخرجه مالك في الموطأ. إلى غير ذلك من الأحاديث. والاشتراك المذكور في الأجر في الشاة الواحدة يصح ولو كانوا أكثر من سبعة، كما هو ظاهر النص، وكما صرح به المالكية وغيرهم. واشترط المالكية لذلك شروطًا ثلاثة: وهي سكناهم مع المضحي، وقرابتهم منه، وإنفاقه عليهم، وإن تبرعا. ولا أعلم لهذه الشروط مستندًا من الوحي إلَّا أن يكون يراد بها تحقيق المناط في مسمى الأهل، وأن أهل الرجل هم ما اجتمع فيهم الأوصاف الثلاثة. ولا تساعد على الشروط المذكورة في جميع النسك الأحاديث المتقدمة باشتراك كل سبعة من الصحابة في بدنة أو بقرة في عمرة الحديبية، وفي الحج؛ لأن ذلك الاشتراك عند مالك في الأجر لا في الرقبة. وظاهر الأحاديث أنهم لم تجتمع فيهم الشروط المذكورة. والعلم عند الله تعالى.
وما ذكرنا من التضحية بالشاة الواحدة عن المضحي وأهله. قال ابن قدامة في المغني: نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والليث والأوزاعي، وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، ثم قال: وكره ذلك الثوري، وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزئ عن أكثر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 696)
من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان لم تجزئ عنهما كالأخبيين. اهـ منه. والحديث المتفق عليه المذكور حجة على من خالفه.
الفرع السابع: اعلم أنا قدمنا وقت الأضحية والهدي وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. وقد قدمنا حديث أم سلمة، عند مسلم المقتضي أن من أراد أن يضحي لا ينبغي له أن يحلق شيئًا من شعره، ولا أن يقلم شيئًا من أظفاره في عشر ذي الحجة، حتى يضحي. وظاهر الحديث تحريم ذلك؛ لأن في لفظ الحديث عند مسلم، عن أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم "فلا يأخذن شعرًا، ولا يقلمن ظفرًا" وفي لفظ له عنها عنه صلى الله عليه وسلم : "فلا يمس من شعره وبشره شيئًا" وفي الألفاظ المذكورة في الحديث الصحيح النهي عن حلق الشعر، وتقليم الأظفار في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، والنهي يقتضي التحريم إلَّا لصارف عنه يجب الرجوع إليه، كما تقرر في الأصول. وقال الشافعية والمالكية، ومن وافقهم: إن الحلق وتقليم الأظفار مكروه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأن المضحي ليس بمحرم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحريم أظهر لظاهر الحديث، ولأنه صلى الله عليه وسلم يقول: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" والتحريم المذكور لظاهر النص وجه للشافعية. قال النووي: حكاه أبو الحسن العبادي في كتابه الرقم، وحكاه الرافعي عنه لظاهر الحديث، وحكى الشيخ المواق في شرحه لخليل، عن أحمد، وإسحاق: تحريم الحلق، وتقليم الأظافر في عشر ذي الحجة لمريد التضحية. وقال ابن قدامة في المغني: قال بعض أصحابنا بالتحريم، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وقال القاضي، وجماعة من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 697)
أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك، والشافعي لقول عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده" ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه، وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر، وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وأظهر شيء في محل النزاع وأصرحه وأخصه فيه: حديث أم سلمة، وظاهره التحريم.
وقال النووي في شرح المهذب: مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية: مكروه كراهة تنزيه، حتى يضحي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يكره، وقال سعيد بن المسيب، وأحمد، وربيعة، وإسحاق، وداود: يحرم، وعن مالك أنه يكره، وحكى عنه الدارمي يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب، ثم ذكر الدليلين المذكورين للقولين.
وقد ذكرنا آنفًا أن أخصهما في محل النزاع ظاهره التحريم، وهو حديث أم سلمة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن: أجمع العلماء على إجزاء الذكر والأنثى. واختلفوا أيهما أفضل، وظاهر النصوص الصحيحة: أن ذكور الضأن خير من إناثها، لتضحيته بالكبش، دون النعجة، وبعضهم قال بأفضلية الذكور مطلقًا، وبعضهم قال بأفضلية الإِناث مطلقًا. ولم يقم دليل صحيح في غير ذكر الضأن فلا ينبغي أن يختلف في ذكر الضأن أنه أفضل من أنثاه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 698)
الفرع التاسع: اعلم أن منع ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. منسوخ. فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه صلى الله عليه وسلم منع ادخار لحم الأضاحي بعد ثلاث، ومنع المضحي أن يأكل من أضحيته بعد ثلاث، ثم نسخ ذلك، وصار الأكل والادخار منها مباحًا مطلقًا. وسنذكر هنا إن شاء الله طرفًا من الأحاديث الصحيحة الدالة على المنع المذكور أولًا، وعلى نسخه وإباحة ذلك مطلقًا.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها" وحديث سلمة بن الأكوع هذا. أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه قريبًا من لفظ البخاري.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث" وفي لفظ مسلم عن علي أنه قال: "إنه صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا".
وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام" وفي لفظ له عنه "أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث" ثم قال: قال
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 699)
سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وفي لفظ: بعد ثلاث.
وفي لفظ لمسلم عن عبد الله بن واقد قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية صفرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادخروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها الودك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا".
وفي لفظ لمسلم عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا".
وفي لفظ لمسلم عن عطاء، عن جابر أيضًا أنه قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث في منى فأرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كلوا وتزودوا" قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم.
وفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتزود منها ونأكل. يعني: فوق ثلاث. وفي لفظ له عنه: كنا نتزودها إلى المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 700)