في الصحيح من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما: "أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حدًّا فأقمه عليّ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلَّى عليها فقال له عمر: تصلِّي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو نص صحيح في أنه صلى الله عليه وسلم أمر برجمها بإقرارها مرة واحدة؛ لأنها قالت: إني أصبت حدًا مرة واحدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجمها من غير تعدد الإِقرار؛ لأن الحديث لم يذكر فيه إلَّا إقرارها مرة واحدة.
ومن أدلتهم على ذلك أيضًا: ما ثبت في الصحيح من قصة الغامدية التي جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، فقال: "أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال: "مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له" ثم أمر بها فصلَّى عليها
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 32)
ودفنت. هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه. وهو من أصرح الأدلة على الاكتفاء بإقرار الزاني بالزنا مرة واحدة، لأن الغامدية المذكورة لما قالت له صلى الله عليه وسلم : لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا. لم ينكر ذلك عليها، ولو كان الإِقرار أربع مرات شرطًا في لزوم الحد لقال لها: إنما رددته، لكونه لم يقر أربعًا.
وقد قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لهذه الواقعة: وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الإِقرار ليس بشرط، للتصريح فيها بأنها متأخرة عن قضية ماعز، وقد اكتفى فيها بدون أربع كما سيأتي. اهـ منه.
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ما نصه: قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك! قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: آنت؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها". اهـ منه.
وهذه الرواية كالتي قبلها في الدلالة على الاكتفاء بالإِقرار مرة واحدة. إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عدم اشتراط تكرر الإِقرار بالزنا أربعًا.
وأما حجة من قالوا: يشترط في ثبوت الإِقرار بالزنا أن يقر به أربع مرات، وأنه لا يجب عليه الحد إلَّا بالإِقرار أربعًا، فهي ما ثبت
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 33)
في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه قال: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أحصنت؟ قال: نعم، قال: اذهبوا فارجموه" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم: فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه". اهـ.
قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه، أي: أربع إقرارات، بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط؛ لأن (لمَّا) مضمنة معنى الشرط. وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه دليل على اشتراط الأربع المذكورة. والرجل المذكور في هذا الحديث هو ماعز بن مالك. وقصته مشهورة صحيحة. وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه حتى شهد على نفسه أربع شهادات، كما رأيت في الحديث المذكور آنفًا.
وقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع، والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة؛ لأن الجمع بين الأدلة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 34)
واجب متى ما أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإِقرار مرة على من كان أمره ملتبسًا في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من السكر، ونحو ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإِقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله، وصحوه من السكر، وسلامة إقراره من المبطلات. وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار.
ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز. وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا؟ صاح هو أو سكران؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفًا: أبك جنون، وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله، وسؤاله صلى الله عليه وسلم أشرب خمرًا، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى تصريحًا ينفي كل احتمال، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبًا للحد.
ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لماعز لما قال: إنه زنى: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. قال: أفنكتها، لا يكني، قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه. وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 35)
من حديث ابن عباس. ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه، ويستغفر الله، فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.
الفرع الثاني: اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه، بأن أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة، والإِقرار غير تام عند من يشترط أربعًا. فأظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحد يقام عليه، لكمال البينة خلافًا لمن زعم أنه لا يقام عليه الحد، لأن شرط صحة البينة الإنكار، وهذا غير منكر.
وقال ابن قدامة في المغني: إن سقوط الحد بإقراره مرة قول أبي حنيفة. اهـ.
وكذلك لو تمت عليه شهادة البينة وأقر على نفسه أربع مرات، ثم رجع عن إقراره، فلا ينفعه الرجوع؛ لوجوب الحد عليه بشهادة البينة، فلا حاجة لإِقراره، ولا فائدة في رجوعه عنه. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا أقر بزنى قديم قبل إقراره، ولا يبطل الإِقرار بأنه لم يقر إلَّا بعد زمن طويل؛ لأن الظاهر اعتبار الإِقرار مطلقًا، سواء تقادم عهده، أو لم يتقادم، وكذلك شهادة البينة، فإنها تقبل، ولو لم تشهد إلَّا بعد طول الزمن؛ لأن عموم النصوص يقتضي ذلك؛ لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم: إن الإِقرار يقبل بعد زمن طويل، والشهادة لا تقبل مع التأخير.
وقال ابن قدامة في المغني: وإن شهدوا بزنى قديم، أو أقر به
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 36)
وجب الحد، وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإِقرار به. وهذا قول ابن حامد. وذكره ابن أبي موسى مذهبًا لأحمد. اهـ منه.
أما قبول الإِقرار بالزنا القديم ووجوب الحد به فلا وجه للعدول عنه بحال، لأنه مقر على نفسه، ولا يتهم في نفسه.
وأما شهادة البينة بزنا قديم، فالأظهر قبولها، لعموم النصوص كما ذكرنا آنفًا. وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه في رد شهادة البينة على زنا قديم هو أن تأخير الشهادة يدل على التهمة، فيدرأ ذلك الحد.
وقال في المغني: ومن حجتهم على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدّ لم يشهدوا بحضرته فهم شهود ضغن، ثم قال: رواه الحسن مرسلًا، ومراسيل الحسن ليست بالقوية. اهـ منه.
وقد قدمنا الكلام مستوفى على مراسيل الحسن. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: اعلم أنه إن أقر بأنه زنى بامرأة وسماها فكذبته وقالت: إنه لم يزن بها. فأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه يجب عليه حد الزنى بإقراره، وحد القذف أيضًا، لأنه قذف المرأة بالزنا، ولم يأت بأربعة شهود، فوجب عليه حد القذف.
وقال في المغني: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حدّ عليه؛ لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكومًا بكذبه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 37)
قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي العدول عنه، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين:
الأول: أنه أقر على نفسه بالزنا إقرارًا صحيحًا، وقولهم: إننا صدقناها ليس بصحيح، بل نحن لم نصدقها، ولم نقل: إنها صادقة، ولكن انتفاء الحد عنها إنما وقع؛ لأنها لم تقر، ولم تقم عليها بينة، فعدم حدها لانتفاء مقتضيه؛ لا لأنها صادقة كما ترى.
الأمر الثاني: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن رجلًا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها. اهـ منه. وعبد السلام المذكور في هذا الإِسناد وثقه ابن معين، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي: إنه غير معروف؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
والحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد، وهو واضح؛ لأن من أقر على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه. وأما كونه يحد مع ذلك حد القذف فظاهر أيضًا، ويدل عليه عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} الآية، والأخذ بعموم النصوص واجب إلَّا بدليل مخصص يجب الرجوع إليه. وكون حديث سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفًا عند أبي داود ليس فيه أن النبي حد الرجل المذكور حد القذف، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم النصوص.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 38)
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحدُّه للزنا والقذف معًا هو الظاهر، لوجهين:
الأول: أن غاية ما في حديث سهل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على المسقوط، لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة، أو لوجود مسقط. إلى أن قال:
الوجه الثاني: أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلَّا ما خرج بدليل، وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قاذف. اهـ منه. وهو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ماعز بن مالك أنه عين الجارية التي زنا بها، ولم يحده النبي صلى الله عليه وسلم لقذفها، بل حده للزنا فقط، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريبًا.
وعلى كل حال فمن قال: زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا، وقاذف لها هي به، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه، وحده أيضًا حد القذف، لأنه قاذف بلا شك كما ترى.
ومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا موسى بن هارون البردي، ثنا هشام بن يوسف، عن القاسم بن فياض الأبناوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن رجلًا من بني بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مائة، وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب واللَّه يا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فجلده حد الفرية ثمانين. اهـ منه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 39)
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي الصنعاني. قال فيه ابن حجر في التقريب: مجهول. وقال فيه الذهبي في الميزان: ضعفه غير واحد، منهم عباس عن ابن معين، فالجواب من وجهين:
الأول: أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود: ثقة، كما نقله عنه الذهبي في الميزان، والتعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل مجملًا كما تقدم.
الثاني: أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف وحد الزنا، إن قال: إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت، معتضد اعتضادًا قويًا بظواهر النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة بالزنى، فأنكرت، ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف.
فالحاصل: أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف، وحد الزنا، وهو مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة، خلافًا لمن قال: يحد حد الزنا فقط، كأحمد، والشافعي، ولمن قال: يحد حد القذف فقط. ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه: من أن الرجل لو قال لامرأة: زنيت، فقالت له: زنيت بك، أنها تحد للقذف، وللزنا معًا، ولا يحد الرجل لهما لأنها صدقته. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أنه لا يصح إقرار المكره، فلو أكره الرجل بالضرب، أو غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرهًا لم يلزمه إقراره به، فلا يحد ولا يثبت عليه الزنا، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا. والعلم عند الله تعالى.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 40)
المسألة الثالثة: اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبينة والإِقرار، ولا خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب.
أما ظهور الحمل بامرأة، لا يعرف لها زوج، ولا سيد، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به. فقال بعض أهل العلم: الحبل في التي لا يعرف لها زوج، ولا سيد يثبت عليها به الزنا، ويجب عليها الحد به، وقد ثبت هذا في حديث عمر رضي الله عنه الذي قدمناه في قوله: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. والحديث المذكور في الصحيحين، وغيرهما كما تقدم. وقد صرح فيه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بأن الحبل الذي هو الحمل يثبت به الزنا، كما يثبت بالبينة والإِقرار. وممن ذهب إلى أن الحبل يثبت به الزنا عمر رضي الله عنه كما رأيت، ومالك، وأصحابه.
وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا، ولا يجب الحد بمجرد الحبل ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد. وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي، وأبي حنيفة، وجماهير أهل العلم.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم.
أما الذين قالوا: إن الزنا يثبت بالحمل إن لم يكن لها زوج ولا سيد، فقد احتجوا بحديث عمر المتفق عليه المتقدم. وفيه التصريح من عمر بأن الحبل يثبت به الزنا كالبينة والإِقرار.
وقال ابن قدامة في المغني: إنما قال من قال بوجوب الحد وثبوت الزنا بالحمل، لقول عمر رضي الله عنه: والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا قامت البينة،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 41)
أو كان الحبل، أو الاعتراف. وروي أن عثمان أُتِيَ بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال عليّ: ليس لك عليها سبيل، قال الله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}. وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها. وعن عمر نحو من هذا. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناآن: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية: أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإِمام أول من يرمي. وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر في عصرهم مخالف، فيكون إجماعًا. انتهى محل الغرض من المغني.
وانظر أسانيد الآثار التي ذكرها عن الصحابة. هذا هو حاصل ما احتج به من قال: إن الزنا يثبت بالحمل.
وأما الذين قالوا: إن الحمل وحده لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، بل لابد من البينة أو الإِقرار، فقد قال في المغني: حجتهم أنه يحتمل أن الحمل من وطء إكراه، أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات. وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها، أو فعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وُجِد ذلك.
وأما قول الصحابة، فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا هاشم: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليس لها زوج، وقد حملت فسألها عمر فقالت: إنني امرأة ثقيلة الرأس وقع عليّ رجل، وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد. وروى البراء بن صبرة عن عمر
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 42)
أنه أُتِيَ بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد، ألَّا يقتل أحد إلَّا بإذنه. وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل. وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت. ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هنا. اهـ بلفظه في المغني.
وانظر أيضًا أسانيد هذه الآثار التي ذكرها عن الصحابة. وهذا الذي ذكر هو حاصل ما احتج به الجمهور الذين قالوا: إن الحبل لا يثبت به الزنا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الزنا لا يثبت بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد؛ لأن الحمل قد يقع بلا شك من غير وطء في الفرج، بل قد يطأ الرجل المرأة في فخذيها، فتتحرك شهوتها فينزل ماؤها وينزل الرجل، فيسيل ماؤه فيدخل في فرجها، فيلتقي ماؤه بمائها فتحمل من غير وطء. وهذا مشاهد لا يمكن إنكاره.
ولأجل ذلك فالأصح أن الزوج إذا كان يطأ امرأته في الفخذين، ولم يجامعها في الفرج فظهر بها حمل أنه لا يجوز له اللعان لنفي ذلك الحمل؛ لأن ماءه قد يسيل إلى فرجها، فتحمل منه. وقول عمر رضي الله عنه: إذا كان الحبل، أو الاعتراف، اجتهاد منه؛ لأنه يظهر له رضي الله عنه أن الحمل يثبت به الزنا كالاعتراف والبينة.
وإنما قلنا: إن الأظهر لنا خلاف قوله رضي الله عنه؛ لأنا نعلم أن وجود الحمل لا يستلزم الوطء في الفرج، بل قد تحبل بدون
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 43)
ذلك، وإذا كان الحبل لا يستلزم الوطء في الفرج فلا وجه لثبوت الزنا. وإقامة الحد بأمر محتمل غير مستلزم لموجب الحد كما ترى.
ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات. هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بوجوب الحد بالحمل قالوا: إن تلك الحامل إن كانت طارئة من بلاد أخرى، وادعت أن حملها من زوج لها تركته في بلدها فلا حد عليها عندهم، ولا يثبت عليها الزنا بذلك الحمل.
الفرع الثاني: اعلم أنه إن ظهر بها حمل فادعت أنها مكرهة لا يقبل دعواها الإِكراه عند من يثبت الزنا بالحمل إلَّا إذا اعتضدت دعواها بما يقويها من القرائن، كإتيانها صارخة مستغيثة ممن فعل بها ذلك، وكأن تأتي متعلقة برجل تزعم أنه هو الذي أكرهها، وكأن تشتكي من الذي فعل بها ذلك قبل ظهور الحمل.
وقال بعض علماء المالكية: إن كانت شكواها من الرجل الذي فعل بها ذلك مشبهة؛ لكون الرجل الذي ادعت عليه غير معروف بالصلاح، فلا حد عليها، وإن كان الذي ادعت عليه معروفًا بالصلاح، والعفاف، والتقوى حدت ولم يقبل قولها عليه.
وقال بعض المالكية: إن لم تسم الرجل الذي ادعت أنه أكرهها تعزر، ولا تحد إن كانت معروفة بالصلاح والعفاف.
الفرع الثالث: قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: "أو مكرهة" ما نصه: قال الطراز في أواخر الجزء
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 44)
الثالث في ترجمة تفسير الطلاق، وما يلزم من ألفاظه: قال ابن عبد الغفور: ويقال: إن عبد الله بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجها فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت لبلل بين فخذي، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء.
فأجاب فيها: أنها لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف، وحسن الحال، ويفسخ النكاح، ولها المهر كاملًا إلَّا أن تكون علمت الحمل، وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطراز. انتهى ما نقله الحطاب. وهو يؤيد أن الحمل قد يقع من غير وطء يوجب الحد كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن من ثبت عليه الزنا وهو محصن. اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: يجلد مائة جلدة أولًا، ثم يرجم بعد ذلك، فيجمع له بين الجلد والرجم، وقال بعضهم: يرجم فقط ولا يجلد، لأن غير القتل يندرج في القتل. وممن قال بالجمع بينهما علي رضي الله عنه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
قال ابن قدامة في المغني: وبه قال ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد العزيز عنهما، واختاره، وبه قال الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بأنه يرجم فقط ولا يجلد مع الرجم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي. واختاره أبو إسحاق الجوزجاني، وأبو بكر الأثرم، ونصراه في سننهما، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود. قال ذلك كله ابن قدامة في المغني. وهذا القول الأخير الذي هو الاقتصار على الرجم عزاه النووي في شرح مسلم لجماهير العلماء.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 45)
وفي المسألة قول ثالث: وهو ما حكاه القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث، وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا، فإن كان شابًا ثيبًا اقتصر على الرجم.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، فقد احتجوا بأدلة.
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحًا ثابتًا عنه ثبوتًا لا مطعن فيه.
قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن الثيب - وهو المحصن - يجلد مائة ويرجم. وهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضًا بإسناد آخر. وفي لفظ في صحيح مسلم: "الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة" وهو تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما. وفي لفظ عند مسلم أيضًا: "والثيب يجلد ويرجم". وهذه الروايات الثابتة في الصحيح فيها تصريحه صلى الله عليه وسلم بالجمع بين الجلد والرجم.
ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن عليًا رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 46)
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ثنا سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: قد رجمتها بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى منه.
وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث ما نصه: في رواية علي بن الجعد أن عليًا أُتيَ بامرأة زنت فضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، إلى آخر ما ذكره من الروايات بأن عليًا ضربها ورجمها وهي شراحة الهمدانية كما تقدم. وفي رواية: أنها مولاة لسعيد بن قيس.
ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن الله تعالى قال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} واللفظ عام في البكر والمحصن، ثم جاءت السنَّة بالرجم في حق المحصن، والتغريب سنة في حق البكر، فوجب الجمع بينهما عملًا بدلالة الكتاب والسنَّة معًا كما قال علي رضي الله عنه. قالوا: وقد شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب: فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر: فهما الجلد والتغريب.
هذا هو حاصل ما احتج به الذين قالوا: إنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم.
وأما الذين قالوا: يرجم فقط، ولا يجلد فاحتجوا بأدلة.
منها: أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا، ولم يجلده مع الرجم، لأن جميع الروايات في رجم ماعز بن مالك ليس في شيء منها أنه جلده مع الرجم، بل ألفاظها كلها مقتصرة على الرجم. قالوا: ولو كان الجلد
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 47)
مع الرجم لم ينسخ لأمر بجلد ماعز مع الرجم، ولو أمر به لنقله بعض رواة القصة، قالوا: وقصة ماعز متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي فيه التصريح بالجمع بينهما.
والدليل على أن حديث عبادة متقدم، وأنه أول نص نزل في حد الزنا أن قوله صلى الله عليه وسلم فيه: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا" الحديث. يشير بجعل الله لهن سبيلًا بالحد إلى قوله تعالى {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} فالزواني كن محبوسات في البيوت إلى أحد أمرين: وهما الموت، أو جعل الله لهن سبيلًا، فلما قال صلى الله عليه وسلم : "قد جعل الله لهن سبيلًا" ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك.
ومن أدلتهم: أنه رجم الغامدية كما تقدم، ولم يقل أحد: إنه جلدها، ولو جلدها مع الرجم لنقل ذلك بعض الرواة.
ومن أدلتهم: أنه قال صلى الله عليه وسلم : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل: فاجلدها مع الرجم، فدل ذلك على سقوط الجلد؛ لأنه لو وقع لنقله بعض الرواة. وهذه الوقائع كلها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت، كما أشرنا إلى ما يقتضي ذلك آنفًا.
ومن أدلتهم على أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم: الروايات الصحيحة التي قدمناها في رجمه صلى الله عليه وسلم للمرأة الجهنية، والغامدية، فإنها كلها مقتصرة على الرجم، ولم يذكر فيها جلد.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 48)
وقال أبو داود: قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد. انتهى منه. وعليه فالجهنية هي الغامدية.
وعلى كل حال فجميع الروايات الواردة في رجم الغامدية، ورجم الجهنية ليس في شيء منها ذكر الجلد، وإنما فيها كلها الاقتصار على الرجم، وكذلك قصة اليهوديين الذين رجمهما صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلَّا الرجم ولم يذكر فيها جلد.
هذا هو حاصل ما احتج به أهل هذا القول.
وأما الذين قالوا: إن الجمع بين الرجم والجلد خاص بالشيخ والشيخة. وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن، ويرجم فقط إن أحصن، فقد احتجوا بلفظ الآية التي نسخت تلاوتها، وهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، إلى آخره. قالوا: فرجم الشيخ والشيخة ثبت بهذه الآية، وإن نسخت تلاوتها فحكمها باق.
وقال ابن حجر في الفتح: وقال عياض: شذت فرقة من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب. ولا أصل له. وقال النووي: "هو مذهب باطل" كذا قاله، ونفى أصله، ووصفه بالبطلان إن أراد به طريقه فليس بجيد؛ لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان، وإن كان المراد دليله ففيه نظر أيضًا؛ لأن الآية وردت بلفظ الشيخ، ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة، فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، فكيف يوصف بالبطلان. انتهى محل الغرض من فتح الباري.
وقد قال صاحب فتح الباري: إن هذا القول حكاه ابن المنذر
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 49)
وابن حزم عن أبي بن كعب. زاد ابن حزم: وأبي ذر. وابن عبد البر: عن مسروق. انتهى.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وحججهم، فاعلم أن كل طائفة منهم ترجح قولها على قول الأخرى.
أما الذين قالوا: يجمع بين الجلد والرجم للمحصن، فقد قالوا: هذا القول هو أرجح الأقوال، ولا ينبغي العدول عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن المحصن يجلد، ويرجم بالحجارة. فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد في قصة ماعز، والجهنية، والغامدية، واليهوديين. لأن ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدل عنه بأمر محتمل، ويجوز أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة؛ لأن عدم ذكره لا يدل دلالة قطعية على عدم وقوعه، لأن الراوي قد يتركه لظهوره، وأنه معروف عند الناس جلد الزاني.
قالوا: والمحصن داخل قطعًا في عموم {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وهذا العموم القرآني لا يجوز العدول عنه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلة الصريحة من القرآن، والسنَّة الصحيحة.
قالوا: وعمل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم ينسخ، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكر عليه ذلك.
ولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل به أهل هذا القول.
وأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 50)
رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد، والعمل بالمتأخر أولى.
والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : "قد جعل الله لهن سبيلًا"، فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنا، كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)}.
قالوا: ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" وهذا قسم منه صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، قالوا: إن قوله: "فإن اعترفت" شرط، وقوله: "فارجمها" جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى.
وهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا هو رجمها فقط، فربط هذا الجزاء بهذا الشرط، أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضاء بكتاب الله، وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا.
وهذا الدليل أيضًا قوي جدًّا؛ لأن فيه إقسامه صلى الله عليه وسلم بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون صلى الله عليه وسلم اقتصر على قوله: فارجمها، أو يكون قال مع ذلك: فاجلدها، وترك الراوي الجلد. فإن كان قد اقتصر على الرجم، فذلك يدل على نسخ الجلد؛ لأنه جعل جزاء الاعتراف
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 51)