Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بالزنى، ولم يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف أن الحد يسقط عن قاذفه؛ لأنه تحقق بزناه أنَّه غير محصن، ولو كان ذلك لم يظهر إلَّا بعد لزوم الحد للقاذف؛ لأنه قد ظهر أنَّه غير عفيف قبل إقامة الحد على من قذفه، فلا يحد لغير عفيف اعتبارًا بالحالة التي يراد أن يقام فيها الحد، فإنه في ذلك الوقت ثبت عليه أنَّه غير عفيف.
وهذا الذي استظهرنا عزاه ابن قدامة لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي.
والقول بأنه يحد هو مذهب الإِمام أحمد.
قال صاحب المغني: وبه قال الثوري، وأَبو ثور، والمزني، وداود. واحتجوا بأن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب.
والأظهر عندنا هو ما قدمنا؛ لأنه تحقق أنَّه غير عفيف قبل إقامة الحد على قاذفه، فلا يحد لمن تحقق أنَّه غير عفيف.
وإنَّما وجب الحد قبل هذا؛ لأن عدم عفته كان مستورًا، ثم ظهر قبل إقامة الحد. والعلم عند الله تعالى.
المسألة التاسعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: يا من وطئ بين الفخذين، أنَّه ليس بقذف، ولا يحد قائله؛ لأنه رماه بفعل لا يعد زنا إجماعًا خلافًا لابن القاسم من أصحاب مالك القائل بوجوب الحد زاعمًا أنَّه تعريض به. والعلم عند الله تعالى.
المسألة العاشرة: اعلم أن حد القذف لا يقام إلَّا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه؛ لأنه حق له، ولم يكن للقاذف بينة على

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 112)

ما ادعى من زنا المقذوف؛ لأن الله يقول: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ومفهوم الآية: أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه المقبول شرعًا أنَّه لا حد عليه، وإنَّما يثبت بذلك حد الزنا على المقذوف، لشهادة البينة، ويشترط لذلك أيضًا عدم إقرار المقذوف، فإن أقر بالزنا، فلا حد على القاذف. وإن كان القاذف زوجًا اعتبر في حده حد القذف امتناعه من اللعان. قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافًا في هذا كله. ثم قال: وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط، وبهذا قال الشافعي، وأَبو ثور. وقال الحسن وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه؛ لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود.
ولنا أنَّه حد لا يستوفى إلَّا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص، وفارق سائر الحدود، فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق، لا باستيفاء الحد، ولأنهم قالوا: تصح دعواه، ويستحلف فيه، ويحكم الحاكم فيه بعلمه، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف. فدل على أنَّه حق لآدمي. اهـ من المغني، وكونه حقًا لآدمي هو أحد أقوال فيه.
قال أَبو عبد الله القرطبي: واختلف العلماء في حد القذف، هل هو من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين، أو فيه شائبة منهما؟
الأول: قول أبي حنيفة.
والثاني: قول مالك والشافعي.
والثالث: قاله بعض المتأخرين.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 113)

وفائدة الخلاف أنَّه إن كان حقًا للَّه تعالى وبلغ الإِمام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا، وإن كان حقًا للآدمي، فلا يقيمه الإِمام إلَّا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذف التوبة حتَّى يحلله المقذوف. اهـ كلام القرطبي.
ومذهب مالك وأصحابه كأنه مبني على القول الثالث، وهو أن الحد يسقط بعفو المقذوف قبل بلوغ الإِمام، فإن بلغ الإِمام، فلا يسقطه عفوه إلَّا إذا ادعى أنَّه يريد بالعفو الستر على نفسه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن القذف حق للآدمي وكل حق للآدمي فيه حق للَّه.
وإيضاحه: أن حد القذف حق للآدمي من حيث كونه شرع للزجر عن عرضه، ولدفع معرة القذف عنه. فإذا تجرأ عليه القاذف انتهك حرمة عرض المسلم، فكان للمسلم عليه حق بانتهاك حرمة عرضه، وانتهك أيضًا حرمة نهي الله عن وقوعه في عرض مسلم، فكان للَّه حق على القاذف بانتهاكه حرمة نهيه، وعدم امتثاله، فهو عاص للَّه مستحق لعقوبته، فحق الله يسقط بالتوبة النصوح، وحق المسلم يسقط لإقامة الحد، أو بالتحلل منه.
والذي يظهر على هذا التفصيل أن المقذوف إذا عفا وسقط الحد بعفوه أن للإِمام تعزير القاذف لحق الله. واللَّه جلَّ وعلا أعلم.
المسألة الحادية عشرة: قال القرطبي: إن تمت الشهادة على الزاني بالزنا ولكن الشهود لم يعدلوا، فكان الحسن البصري، والشعبي يريان ألا حد على الشهود، ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، والنعمان، ومحمد بن الحسن.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 114)

وقال مالك: وإذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطًا عليه، أو عبدًا يجلدون جميعًا. وقال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون.
فإن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه في الزنى، فقالت طائفة: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين، وكذلك قال قتادة، وحماد، وعكرمة، وأَبو هاشم، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إن قال: عمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وأخذوا ربع الدية، وعليه الحد. وقال الحسن البصري: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: إذا قال: أخطأت، وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال: تعمدت، قُتِلَ، وبه قال ابن شبرمة. اهـ كلام القرطبي. وقد قدمنا بعضه.
وأظهر الأقوال عندي: أنهم إن لم يُعدَّلوا حُدُّوا كلهم؛ لأن من أتى بمجهول غير معروف العدالة كمن لم يأت بشيء، وأنه إن أقر بأنه تعمد الشهادة عليه لأجل أن يقتل يقتص منه. وإن ادعى شبهة في رجوعه يغرم قسطه من الدية. والقول بأنه يغرم الدية كاملة له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية عشرة: قال القرطبي: قال مالك، والشافعي: من قذف من يحسبه عبدًا فإذا هو حر فعليه الحد، وقاله الحسن البصري، واختاره ابن المنذر. ومن قذف أم الولد حُدَّ. وروي عن ابن عمر. وهو قياس قول الشافعي، وقال الحسن البصري: لا حد عليه. انتهى منه.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 115)

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما حده في قذف أم الولد، فالظاهر أنَّه لا يكون إلَّا بعد موت سيدها، وعتقها من رأس مال مستولدها، أما قبل ذلك فلم تتحقق حريتها بالفعل، ولا سيما على قول من يجيز بيعها من العلماء، والقاذف لا يحد بقذف من لم يكن حرًا حرية كاملة فيما يظهر، وكذلك لو قيل: إن من قذف من يظنه عبدًا، فإذا هو حر لا يجب عليه الحد؛ لأنه لم ينو قذف حر، وإنَّما نوى قذف عبد لكان له وجه من النظر؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ولأن المعرة تزول عن المقذوف بقول القاذف: ما قصدت قذفك ولا أقول: إنك زان، وإنَّما قصدت بذلك من كنت أعتقده عبدًا فأنت عفيف في نظري، ولا أقول فيك إلَّا خيرًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة، أو بكلمات متعددة، أو قذف واحدًا مرات متعددة. وقد قدمنا خلاف أهل العلم فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة في الكلام على آيات الحج.
قال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة، فَحَدٌّ واحد إذا طالبوا، أو واحد منهم، ما نصه: وبهذا قال طاووس، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقَتَادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأَبو حنيفة وصاحباه، وابن أبي ليلى، وإسحاق. وقال الحسن، وأَبو ثور، وابن المنذر: لكل واحد حد كامل، وعن أحمد مثل ذلك، وللشافعي قولان كالروايتين. ووجه هذا أنَّه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حد كامل، كما لو قذفهم بكلمات.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 116)

ولنا قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدهم عمر إلَّا حدًا واحدًا، ولأنه قذفٌ واحد فلم يجب إلَّا حد واحد، كما لو قذف واحدًا، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف، وتزول المعرة، فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفًا منفردًا، فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر. فإذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوه جملة حدَّ لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد؛ لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل، فأيهم طالب به استوفى، وسقط فلم يكن لغيره الطلب به، كحق المرأة على أوليائها في تزويجها، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به، واستيفاؤه؛ لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه، وليس للعافي الطلب به؛ لأنه قد أسقط حقه.
وروى عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحدَّ واحد، وكذلك إن طلبوه واحدًا بعد واحد إلَّا أنَّه لم يقم حتَّى طلبه الكل فحد واحد، وإن طلبه واحد فأقيم له، ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم. وهذا قول عروة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه، وقع استيفاؤه لجميعهم. وإذا طلبه واحد منفردًا كان استيفاؤه له وحده، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم، ولا إسقاطهم. وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد، وبهذا قال عطاء، والشعبي، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأَبو حنيفة، والشافعي. وقال حمَّاد ومالك: لا يجب إلَّا حد واحد؛ لأنها جناية توجب حدًا، فإذا

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 117)

تكررت كفى حد واحد، كما لو سرق من جماعة، أو زنى بنساء، أو شرب أنوعًا من السكر.
ولنا أنَّها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص، وفارق ما قاسوا عليه، فإنه حق للَّه تعالى. . . إلى أن قال: وإن قذف رجلًا مرات فلم يحد فحدٌّ واحد، رواية واحدة، سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت، فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن القاسم: أنَّه أوجب حدًا ثانيًا، وهذا يخالف إجماع الصحابة، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدًا ثانيًا، فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنَّه زان، فبلغ ذلك عمر فكبُر عليه وقال: شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فقال: ما عندك؟ فلم يثبت، فأمر بجلدهم فجلدوا، وقال: شهود زور. فقال أَبو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمتَه؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده، فقال أَبو بكرة: وأنا أشهد أنَّه زان، فأراد أن يعيد عليه الحد فقال علي: يا أمير المؤمنين: إنك إن أعدت عليه الحد، أوجبت عليه الرجم. وفي حديث آخر: فلا يعاد في فرية جلد مرتين. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قول علي: إن جلدته فارجم صاحبك؟ قال: كأنه جعل شهادته شهادة رجلين. قال أَبو عبد الله: وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال: يقول: إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدًا آخر.
فأما إن حد له وقذفه بزنا ثان نظرت، فإن قذفه بعد طول الفصل فحدّ ثانٍ؛ لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 118)

أبدًا بحيث يمكن من قذفه بكل حال، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان.
إحداهما: يحد أيضًا؛ لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد، فيلزم فيه حد، كما لو طال الفصل، ولأن سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب.
والثانية: لا يحد؛ لأنه قد حُدَّ له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفه بالزنا الأول. انتهى من المغني. وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة، أو بكلمات أو قذف واحدًا مرات.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسائل لم نعلم فيها نصًا من كتاب ولا سنَّة.
والذي يظهر لنا فيها واللَّه تعالى أعلم: أن من قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد، لأنه يظهر به كذبه على الجميع، وتزول به المعرة عن الجميع، ويحصل شفاء الغيظ بحده للجميع.
والأظهر عندنا فيمن رمى جماعة بكلمات: أنَّه يتعدد عليه الحد بعدد الكلمات التي قذف بها، لأنه قذف كل واحد قذفًا مستقلًا لم يشاركه فيه غيره، وحده لبعضهم لا يظهر به كذبه على الثاني الذي قذفه بلفظ آخر، ولا تزول به عنه المعرة. وهذا إن كان قذف كل واحد منهم قذفًا مفردًا لم يجمع معه غيره لا ينبغي أن يختلف فيه، والأظهر أنَّه إن قذفهم بعبارات مختلفة تكرر عليه الحد بعددهم، كما اختاره صاحب المغني.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 119)

والأظهر عندنا: أنَّه إن كرر القذف لرجل واحد قبل إقامة الحد عليه يكفي فيه حد واحد، وأنه إن رماه بالزنا بعد حده للقذف الأول بعد طولٍ حُدَّ أيضًا، وإن رماه قرب زمن حده بعين الزنا الذي حد له لا يعاد عليه الحد، كما حكاه صاحب المغني في قصة أبي بكرة والمغيرة بن شعبة، وإن كان القذف الثاني غير الأول، كأن قال في الأول: زنيت بامرأة بيضاء، وفي الثاني قال: بامرأة سوداء، فالظاهر تكرره. والعلم عند الله تعالى.
وعن مالك رحمه الله في المدونة. إن قذف رجلًا فلما ضرب أسواطًا قذفه ثانيًا، أو آخر، ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه ولا يعتد بما مضى من السياط.
المسألة الرابعة عشرة: الظاهر أن من قال لجماعة: أحدكم زان، أو ابن زانية لا حد عليه؛ لأنه لم يعين واحدًا فلم تلحق المعرة واحدًا منهم، فإن طلبوا إقامة الحد عليه جميعًا لا يحد؛ لأنه لم يرم واحدًا منهم بعينه، ولم يعرف من أراد بكلامه. نقله المواق عن الباجي عن محمد بن المواز، ووجهه ظاهر كما ترى. واقتصر عليه خليل في مختصره في قوله عاطفًا على ما لا حد فيه: أو قال لجماعة: أحدكم زان.
وقال ابن قدامة في المغني: وإذا قال: من رماني فهو ابن الزانية، فرماه رجل، فلا حد عليه، في قول أحد من أهل العلم. وكذلك إن اختلف رجلان في شيء، فقال أحدهما: الكاذب هو ابن الزانية، فلا حد عليه، نص عليه أحمد؛ لأنه لم يعين أحدًا بالقذف، وكذلك ما أشبه هذا. ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم، مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنى كلهم، لم يكن عليه

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 120)

حد؛ لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه. انتهى منه.
المسألة الخامسة عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: أنت أزنى من فلان، فهو قاذف لهما، وعليه حدان؛ لأن قوله: أزنى صيغة تفضيل، وهي تدل على اشتراك المفضل، والمفضل عليه في أصل الفعل إلَّا أن المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة في صيغة التفضيل: أنت وفلان زانيان، ولكنك تفوقه في الزنى. وكون هذا قذفًا لهما واضح كما ترى. وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أنَّه يحد للمخاطب فقط، دون فلان المذكور لا ينبغي أن يعول عليه، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي، وأصحاب الرأي من أنَّه ليس بقذف للأول، ولا للثاني إلَّا أن يريد به القذف، كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه؛ لأن صيغة أنت أزنى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة، لا إشكال فيها.
وقال ابن قدامة في المغني محتجًا للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة أنَّه لا حد على الثاني ما نصه: والثاني يكون قذفًا للمخاطب خاصة؛ لأن لفظة أفعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول الله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} وقال تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} وقال لوط: {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي: من أدبار الرجال، ولا طهارة فيها = لا ينبغي التعويل عليه، كما أنَّه هو ساقه، ولم يعول عليه.
وحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التفضيل قد ترد مرادًا بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين، ومثل له هو بكلمة: أحق أن يتبع، وكلمة: أحق بالأمن، وكلمة: أطهر لكم؛ لأن

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 121)

صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف، كما هو معلوم، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل إلَّا بدليل خارج يقتضي ذلك، والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل؛ لأن الأصنام لا نصيب لي من أحقية الاتباع أصلًا في قوله: {أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة.
ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضًا قوله تعالى: {وَهُوَ أَهَوَنُ عَلَيْهِ} أي: هين سهل عليه، وقول الشنفرى:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن … بأعجلهم إذْ أجشع القوم أعجل
أي: لم أكن بالعجل منهم، وقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطول
أي: عزيزة طويلة، وقول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوْجَل … على أيِّنا تعدو المنيَّة أول
أي: لوجل، وقول الأحوص بن محمد الأنصاري:
أني لأمنحك الصدد وإنني … قسمًا إليك مع الصدود لأمْيَلُ
أي: لمائل، وقول الآخر:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي: بواحد، وقال الآخر:
لعمرك إن الزبرقان لباذل … لمعروفه عند السنين وأفضل

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 122)

أي: وفاضل. إلى غير ذلك من الشواهد، ولكن قدمنا أنَّها لا تحمل على مطلق الوصف إلَّا لدليل خارج، أو قرينة واضحة تدل على ذلك.
وقوله له: أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة، ولا دليل صارف لصيغة التفضيل عن أصلها، فوجب إبقاؤها على أصلها، وحد القاذف، لكل واحد منهما. والإِتيان بلفظة مِنْ في قوله: أنت أزنى من فلان يوضح صراحة الصيغة في التفضيل. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السادسة عشرة: اعلم أنَّه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى، ولا رمي ولدها بأنه ابن زنى، ومن رمى أحدهما فعليه الحد. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه لم يثبت عليها زنى، ولا على ولدها أنَّه ابن زنى، وإنَّما انتفى نسبه عن الزوج بلعانه.
وفي سنن أبي داود: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد بن يرون، ثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشيًا، فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينه وسمع بأذنه. . . الحديث وفيه: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها فعليه الحد. . . إلى آخر الحديث. وفي هذا الحديث: التصريح بأن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.
واعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ملاعنة: لستَ لأبيك الذي لاعن أمك، فعليه الحد، خلاف التحقيق، لأن الزوج الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان، فنفيه عنه حق مطابق للواقع، ولذا لا يتوارثان. ومن قال كلامًا حقًا

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 123)

فإنه لا يستوجب الحد بذلك، كما لو قال له: يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة، أو يابن من لوعنت. وإنَّما يجب الحد على قاذفه فيما لو قال له: أنت ابن زنى، ونحوها من صريح القذف. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة عشرة: في حكم ما لو قال لرجل. يا زانية بتاء الفرق، أو قال لامرأة: يا زاني بلا تاء. قال ابن قدامة في المغني: هو قذف صريح لكل منهما. قال: واختار هذا أَبو بكر، وهو مذهب الشافعي. واختار ابن حامد أنَّه ليس بقذف إلَّا أن يفسره به، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: يا زانية، أي: يا علامة في الزنا. كما يقال للعالم: علامة، ولكثير الرواية: راوية، ولكثير الحفظ: حُفَظة. ولنا أن ما كان قذفًا لأحد الجنسين كان قذفًا للآخر، كقوله: زنيت بفتح التاء، وكسرها لهما جميعًا، ولأن هذا اللفظ خطاب لهما، وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها، ولذلك لو قال للمرأة: يا شخصًا زانيًا، وللرجل: يا نسمة زانية، كان قاذفًا. وقولهم: إنه يريد بذلك أنَّه علامة في الزنا لا يصح، فإنما كان اسمًا للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حُفَظة للمبالغ في الحفظ، وراوية للمبالغ في الرواية، وكذلك همزة لُمزة وصُرَعة؛ ولأن كثيرًا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادًا بما يراد باللفظ الصحيح. انتهى كلام صاحب المغني.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنَّه يلزمه الحد.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 124)

وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عاميًا، لا يعرف العربية، أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عاميًا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين. ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالمًا باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصًا.
وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي الله عنه:
منع النوم بالعشاء الهموم … وخيال إذا تغار النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه … سقم فهو داخل مكتوم
ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده:
لم تفتها شمس النهار بشيء … غير أن الشباب ليس يدوم
وقول كثير:
لئن كان برد الماء هيمان صاديا … إلي حبيبًا إنها لحبيب
ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي:
ولكن ليلى أهلكتني بقولها … نعم ثم ليلي الماطل المتبلح
يعني: ليلى الشخص الماطل المتبلح.
وقول عروة بن حزام العذري:
وعفراء أرجى الناس عندي مودة … وعفراء عني المعرض المتواني
أي: الشخص المعرض.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 125)

وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف، كقوله:
أَبوك خليفة ولدته أخرى … وأنت خليفة ذاك الكمال
المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن من رمى رجلًا قد ثبت عليه الزنى سابقًا، أو امرأة قد ثبت عليها الزنى سابقًا ببينة، أو إقرار، فلا حد عليه، لأنه صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى. ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الآية. فهو يدل بمفهومه أن من رمى غير محصنة لا حد عليه، وهو كذلك، ولكنه يلزم تعزيره؛ لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقًا مباحًا لكل من شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى.
المسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الإِنسان إذا كان مشركًا وزنى في شركه، أو كان مجوسيًا، ونكح أمه، أو ابنته مثلًا في حال كونه مجوسيًا، ثم أسلم بعد ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يقول له: يا من زنى في أيام شركه، أو يا من نكح أمه مثلًا في أيامه مجوسيًا. وهذه الصورة لا حدّ فيها؛ لأن صاحبها أخبر بحق، والإِسلام يجبّ ما قبله.
الثانية: أن يقول له: يا من زنى بعد إسلامه، أو نكح أمه بعد إسلامه، فعليه الحد كما لا يخفى.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 126)

الثالثة: أن يقول له: يا زاني، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه، أو بعده، فإن فسره بأنه أراد أنَّه زنى بعد إسلامه، فعليه الحد، وإن قال: أردت بذلك زناه في زمن شركه، فهل يقبل منه هذا التفسير، ويسقط عنه الحد، أو لا يقبل ذلك منه، ويقام عليه الحد؟. اختلف العلماء في ذلك، وممن قال بأنه يحد ولا يلتفت إلى تفسيره ذلك: مالك وأصحابه، وصرح به الخرقي من الحنابلة.
وقال ابن قدامة في المغني: لا حد عليه، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول الخرقي: ومن قذف من كان مشركًا وقال: أردت أنَّه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طالب المقذوف، وكذلك من كان عبدًا. انتهى.
المسألة العشرون: اعلم أن من قذف بنتًا غير بالغة بالزنى، أو قذف به ذكرًا غير بالغ، فقد اختلف أهل العلم، هل يجب على القاذف الحد، أو لا يجب عليه؟
وقال أَبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفًا عند مالك. وقال أَبو حنيفة والشافعي وأَبو ثور: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها، ويعزر.
قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى؛ لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد.
قال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع، يحد

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 127)

قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرًا ضرب قاذفه. قال إسحاق: إذا قذف غلامًا يطأ مثله؛ فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعًا مثل ذلك. قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب، ويعزر على الأذى. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
وإذا عرفت مما ذكرنا أقوال أهل العلم في المسألة، فاعلم أن أظهرها عندنا قول ابن المنذر: إنه لا يحد ولكن يعزر. ووجه ذلك أن من لم يبلغ من الذكور والإِناث مرفوع عنه القلم، ولا معرة تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ، ولو جاء قاذف الصبي بأربعة يشهدون على الصبي بالزنى فلا حد عليه إجماعًا، ولو كان قذفه قذفًا على الحقيقة للزمه الحد بإقامة القاذف البينة على زناه، وإن خالف في هذا جمع من أجلاء العلماء، ولكنه يعزر التعزير البالغ الرادع له ولغيره عن قذف من لم يبلغ. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الحادية والعشرون: اعلم أن الظاهر فيما لو قال رجل لآخر: زنأت - بالهمزة - أن القاذف إن كان عاميًا لا يفرق بين المعتل والمهموز أنَّه يحد لظهور قصده لقذفه بالزنى. وإن كان عالمًا بالعربية، وقال: إنما أردت بقولي: زنأت - بالهمزة - معناه اللغوي، ومعنى زنأت - بالهمزة - لجأت إلى شيء، أو صعدت في جبل. ومنه قول قيس بن عاصم المنقري يرقص ابنه حكيمًا وهو صغير:
أشبه أبا أمك أو أشبه حمل .... ولا تكونن كهلوف وكل
يصبح في مضجعه قد انجدل … وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل
ومحل الشاهد منه قوله: زنأ في الجبل، أي: صعودًا فيه. والهلوف الثقيل الجافي العظيم اللحية. والوكل الذي يكل أمره إلى

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 128)

غيره. وزعم الجوهري أن هذا الرجز لأم الصبي المذكور ترقصه به وهي منفوسة ابنة زيد الفوارس، ورد ذلك على الجوهري أَبو محمد بن بري. ورواه هو وغيره على ما ذكرنا. قال: وقالت أمه ترد على أبيه:
أشبه أخي أو أشبهن أباكا … أما أبي فلن تنال ذاكا

• تقصر أن تناله يداكا *
قاله في اللسان.
المسألة الثانية والعشرون: فيمن نفى رجلًا عن جده، أو عن أمه أو نسبه إلى شعب غير شعبه، أو قبيلة غير قبيلته. فذهب مالك: أنَّه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه، لأنه لم يدع عليها الزنا، ولم ينف نسبه عن أبيه، وإن نفاه عن جده لزمه الحد، ولا حد عنده في نسبة جنس لغيره، ولو أبيض لأسود.
قال في المدونة: إن قال لفارسي: يا رومي أو يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد. وقال ابن القاسم: اختلف عن مالك في هذا، وإني أرى ألا حد عليه إلَّا أن يقول: يا ابن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي كأن قال: يا ابن الحبشي وهو بربري فالحبشي والرومي في هذا سواء إذا كان بربريًا. وقال ابن يونس: وسواء قال: يا حبشي أو يا ابن الحبشي، أو يا رومي أو يا ابن الرومي، فإنه لا يحد، وكذلك عنه في كتاب محمد. قال الشيخ المواق: هذا ما ينبغي أن تكون به الفتوى على طريقة ابن يونس فانظره أنت. اهـ.
وهذا الذي ذكرنا من عدم حد من نسب جنسًا إلى غيره هو

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 129)

مشهور مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة. ومحل هذا عنده إن لم يكن من العرب.
قال مالك في المدونة: من قال لعربي: يا حبشي، أو يا فارسي، أو يا رومي، فعليه الحد، لأن العرب تنسب إلى آبائها، وهذا نفي لها عن آبائي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الفرق بين العربي وغيره المذكور عن مالك لا يتجه كل الاتجاه، ووجه كون من قال لرومي: يا حبشي مثلًا لا يحد أن الظاهر أن مراده أنَّه يشبه الحبشي في بعض أخلاقه أو أفعاله، وهو استعمال معروف في العربية. ومذهب أبي حنيفة أنه إن نفاه عن جده لا حد عليه، بأن قال له: لست ابن جدك أنَّه لا حد عليه؛ لأنه صادق إذ هو ابن أبيه لا جده، وكذلك لو نسب جنسًا إلى غيره كقوله لعربي: يا نبطي، فلا حد عليه عنده على المشهور، وكذلك عنده إذا نسبه لقبيلة أخرى غير قبيلته، أو نفاه عن قبيلته؛ لأنه يراد به التشبيه بتلك القبيلة التي نسبه لها في الأخلاق أو الأفعال، أو عدم الفصاحة، ونحو ذلك، فلا يتعين قصد القذف.
وقال صاحب تبيين الحقائق: وروي عن ابن عباس أنَّه سئل عن رجل قال لرجل من قريش: يا نبطي، فقال لا حد عليه. اهـ. وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال لرجل: يا ابن ماء السماء، أو نسبه إلى عمه أو خاله، خلافًا للمالكية، ومن وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه ونحوه، أو زوج أمه الذي هو ربيبه؛ لأن العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة والشفقة. وقوله: ابن ماء السماء، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء. قالوا: وكان عامر بن حارثة يلقب بماء السماء

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 130)

لكرمه، وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر. قالوا: وسميت أم المنذر بن امرئ القيس بماء السماء لحسنها وجمالها. وقيل لأولادها: بنو ماء السماء وهم ملوك العراق. اهـ. وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من غير نكير. اهـ. ومذهب الإِمام أحمد: أنَّه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه. واختلف عنه فيمن نفى رجلًا عن قبيلته أو نسب جنسًا لغيره.
قال ابن قدامة في المغني: وإذا نفى رجلًا عن أبيه، فعليه الحد، نص عليه أحمد، وكذلك إذا نفاه عن قبيلته. وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أَبو حنيفة، والثوري، وحماد. اهـ.
وقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة. والمشهور عنه ما ذكرناه قريبًا. ثم قال ابن قدامة في المغني: والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته، ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال لأعجمي: إنك عربي، ولو قال للعربي. أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه، وعليه التعزير، نص عليه أحمد، لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكي عن أحمد رواية أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه. والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي، لأنه يحتمل غير القذف احتمالًا كثيرًا، فلا يتعين صرفه إليه، ومتى فسر شيئًا من ذلك بالقذف فهو قاذف. اهـ من المغني.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من الوحي. والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يحد صاحبه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، واحتمال الكلام غير

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 131)