Arabic source text

📘 আল আযফু আলা আনওয়ারিয যিকর (মাহমুদ তাওফীক মুহাম্মাদ সাদ - মৃত্যু 1446 হিজরী)

📘 العزف على أنوار الذكر (محمود توفيق محمد سعد - ت 1446 هـ)

📘 আল আযফু আলা আনওয়ারিয যিকর (মাহমুদ তাওফীক মুহাম্মাদ সাদ - মৃত্যু 1446 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فهذه الثلاث مقررة أنَّ الكون يكون كلَّه لله عز وجل وحده، وأن ما فى الأنفس يحاسب عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، فكأنَّ فى هذه تعقيبا على القسمين معا العقدي والتشريعي وفى الوقت نفسه توطئة لذكر الذين قاموا بحق هذين القسمين، فكان هذا ردَّ عجز السورة على صدرها الذى يبين صفات المتقين، فتلاقى حديثه عن المؤمنين فى مقطعها مع حديثه عن المتقين فى مطلعها.
تبين لنا مما مضى بناء السورة من معاقد وفصول متلاحمة هيمن عليها جميعاً مقصد رئيس سَرَى فى جميع متعاقد السورة وآياتها.
إنَّ تقسيم السورة إلى حلقات تجمع فى محيطها مجموع المعانى الجزئية التي تشكِّل معنى كلياً هو أساسٌ لاستبصارالعلاقات بين معاني السورة على نحو محكم ذلك أنَّ استبصار علاقة المعنى الجزئي بغيره فى محيط حلقة من حلقات المعنى القرآنيّ للسورة أقرب إدراكاً وأيسر تحصيلاً من استبصار علاقته بمعنى جزئيّ فى محيط حلقة أخرى من حلقات السورة، لأن تلك العلاقة ذات خفاء،وهو خفاء لا علاقة له بوثاقه الاعتلاق أو وَهَنَِهِ، فقد يكون وجه الاعتلاق خفياً الا أنه جد وثيق. (1)
واستبصار السورة آية آية دون تقسيمها إلى فصول ومعاقد كلية يضعف قدرة المستبصرعلى إدراك معالم المقصود والغرض الأعظم المهيمن على السورة، فان إنشغاله بتلاحم الآية بالآية التى بعدها لا يعنيه على مد بصره إلى أفق أبعد، لكن استبصار التلاحم بين آيات المعقد الواحد أقرب وأمكن ثم من بعده استبصار علائق المعاقد بعضها ببعض وخضوعها لسلطان غرض رئيس ومقصود أعظم.--------------------------------------------
(1) - ذهب إلى فريضة استبدال تقسيم آيات السورالقرآنية إلى حلقات خاضعة للمعنى، وليس إلى المقادير الكمية لعدد الآيات والكلمات كما هو قائم في المصاحف اليوم، فهو قائم على غير أساس معنوي فإنك ترى القصة الواحدة، وقد لاتكون ممتدة قد جعل بعضها في حزب وبعضها في آخر، بل ترى المعطوف في أول (جزء) والمعطوف عليه في آخر كما في {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} (النساء: من الآية24)
وانظر ما كان منهم في سورة (محمد) - صلى الله عليه وسلم مثلا تراهم قد جعلوا أوَّل نصف الحزب الآية العاشرة {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} (محمد:10) وآخره الآية (32) {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} (محمد:32) وكان بملكهم أن يجعلوا أول هذا الحزب أول السورة وآخره آخرها، بل انظر صنيعهم في سورة (العاديات) فإنّك يجعلون نهاية نصف الحزب الآيةالثامنة: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (العاديات:8) وكان بملكهم أن يجعلوا نهايته نهاية السورة.
إنّ مثل هذا ليس من ورائه نفع في فقه المعنى القرآني، ولاسيما أنه ليس توقيفيا، ولم يرد عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعيار القويم التقسيم إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وأثمان إنما هو المعاقد الكلية للسورة، وليس عدد الأسطر والكلمات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

‌‌الفصل الرابع: التَّحْليلُ البَيَانيّ لكلمات وجمل وآيات السورة
***
بين يدي السَّفَر:
الذى يحسن إدراكه أنَّ البناء الكليّ سورة ينبثق من معايشته ومخادنته مزيجٌ من التصورات الفكرية والانفعالات القلبيّة والاشراقات الروحيَّة، وينتهى الاستغراق فى الترتيل المصحوب باليقين بقدسية البيان المفجّرِ تلك التّصورات والانفعالات والإشراقات إلى اكتساب توازنٍ نفسيّ وقلبيّ وروحىّ مشرق.
هذا التوازن ضرورة لإنجاز الرؤية النظرية لمعالم التحليل للسورة، فانَّ تلك الرؤية غير كافية للاقدام العَزْمِيّ على تحقيق ذلك التحليل واستثماره، ذلك أنَّ هذا التحقيق والإنجاز حمل ثقيل لا يصبرُ عليه الا مستغرِقٌ فِي لذة المخادنة ونوارنية الاشراق الروحيّ.
وهذا التوازن يعصم صاحبه من الذاتية الخالصة، لأنَّه توازنٌ موضوعيٌّ؛ لانبثاقِهِ من الاستغراق فى الترتيل الواعي المستبصر.
***
التحليل البيانى للسورة هو القادر على إضاءة السورة داخلياً فتشرق مضامين الهدى منها فى نفوسنا على نحو يحقق إكتساب أمرين:
الأول: المضمون التشريعي ببعديه: العقدي والسلوكي، والمضمون التثقيفى متوازيين أو متمازجين.
الأخر: القناعة والرضا القلبيّ المثمر زهدًا في كلّ ما يشغل عن التلذّذ بالعبودية لرب العالمين، فإنَّ لها لذة هي الثواب الحقيقيّ للإخلاص في كلّ طاعة مما يجعل ذائقها في الفردوس على الرغم من أنَّه قد يكون حنيئذٍ أشعث أغبر ذا طمرين مدفوعًا بالأبواب لايؤبه له.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

وكلُّ أنحاء التدبر للسورة المفتقرة إلى منهج التحليل البيانى للسورة عاجزة عن تحقيق هذين الأمرين معاً مما يحقق لتلك الأنحاء عجزاً أو تقصيراً فى النصيحة لكتاب الله عز وجل،فإنّ رسالة المتدبر ليست مقصورة على إستكشاف المضمون التشريعيّ التثقيفى بل ذلك فريضة استنبات القناعة والرضا القلبي بذلك المضمون ثم استثماره فى توليد الطاقة الإنجازية لذلك المضمون، فلا قيمة لاستكشاف معالم التشريع والتثقيف بل هى له مجموعاً إليه استيلادُ دوافع الإنجاز والإتقان.
وإذا ما عجز التحليل البيانى للسورة عن استيلاد دوافع الانجاز والإتقان فى نفس المتلقي، فانَّ مردَّ ذلك إلى نقص فى تناول عناصر السورة بالتحليل أو إلى خلل فى تصور معالم ذلك التحليل أو فى توظيف ذلك التصور توظيفاً متلائماً مع شخصية السورة التى هى مناط التحليل، فإنَّ منهاج التوظيف لتلك المعالم تختلف من سورة إلى أخرى، ولا مسوغ البتة إلى إسقاط ما يصلح لسورة ما على سائر السور الأخرى، لما بينها من تغاير مضموني وبنائي يرمى فى سياق كليّ إلى غاية واحدة.
ليس التحليل البيانى للسورة إلَاّ قراءة إنتاجية فاحصة كلَّ عناصرها فحصاً كاشفاً عن قيمة كلِّ عنصر وعلاقته فى تشكيل الوجود الدلاليّ للسورة مثلما كان له قيمة فى تشكيل وجودها اللغوى المقروء أو المسموع.
هذه القراءة يجتاز بها صاحبها مرحلة تحويل المسطور على وجه صحيفة إلى مسموع مَنْغُوم فى أذن سامع، فذلك معنى عام للقراءة يشارك فيه الدهماء أهل العلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

وإنّما هى قراءة قائمة بإخضاع جميع عناصر المقروءة فى وجود الكليّ للاستبصار: فهى موقف استبصاري إنتاجي من السورة، وهذا يقتضِى من صاحب هذه القراءة التحليلية للسورة أن يتسلل بوعيه فى الوجود اللغوي للسورة يجوس خلاله ويخادنه، فيمتزج وعيه بالسورة مثلما تمتزج السورة بوعيه، وهذا ما يجعل المعنى القرآنيّ للسورة فى صورته الإدراكية لا القصدية يختلف باختلاف وعى المتلقى، فانَّ ثَمَّ علاقةً جدلية بين السورة والمتلقي قائمة على التَّبادل، فهو يأخذُ من السورة مقومات وجودها اللغوى، ويضيف إلى وجودها الدلاليّ من ذاته القائمة بالإيمان والتعلم العميق الفسيح والخبرة وملكة التذوق والاستبصاروالالتزام السلوكيّ وغير ذلك.
وإنى أزعم أنَّ التحليل البيانيّ للسورة القرآنية سبيلٌ من سبل حسن القيام بالاستجابة لأوّل أمر إلهيّ فى دعوة الإسلام
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)
فما أظن أنَّ الوحى كان يطلب من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حينذاك أن يقرأ قراءة تُحِيلُ المسطور مسموعاً، فإنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان إلَاّ أميًّا لا يملك تلك الطاقة المُحِيلة ما هو مسطورٌ إلى مسموع، فضلاً عن أنّه لو كان ذلك هو مراد الأمر بالقراءة فى أول آية نزلت لما كان سيدنا " جبريل " عليه السلام بحاجة إلى أن يأخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم فيغطه حتى يبلغ من النبى صلى الله عليه وسلم الجهد ثلاث مرات، فانَّ مثل هذا لا يليق أن يُفعل حينذاك إلَاّ إذا كان المأمور به شيئاً غير ذلك، تفسّره لنا تَهْيِئَةُ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه له بالاعتكاف والتعبد والتحنّث فى الغار والاعتصام مما يشغله، ويهوش عليه من حركة الحياة المائجة الماجنة تهيئة بتوفيق من ربه عز وجل الذى خلق واصطفى، ودونما قصد منه صلى الله عليه وسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

ما أُمر به هو قراءة استيعاب للكون محسوسه ومعقوله استيعاباً يُفعم النفس،ويسيطر على منهج السلوك المعرفيّ والحركة المشكّل وجوداً جديدا للإنسان به يحقق رسالة الاستخلاف العظمَى ورسالة الشهادة على الأمم الأخرى، فتنال به الأمة المحمديّة مقام الخيريّة.
أزعم أنَّ القراءة التحليلية للسورة القرآنية سبيل إلى تحقيق تلك القراءة المأمور بها فى سورة العلق.
***
- منزلة الذاتية فى التحليل البياني
البيان القرآنيّ وحى من الله سبحانه وتعالى لم يجعله خاضعاً لسلطان ما يُعرف ويشْهرُ من معايير وقواعد بيان الانسان؛ لأنَّ ما كان من الله عز وجل لا يخضع لما كان من الانسان على الرغم من أنه اتخذ لغة الانسان مظهراً للقرآن الكريم حتى يبين لهم الذى يختلفون فيه، ومن ثم لا يصلح كل ما استنبطه العلماء من قواعد من بيان الإنسان أن يتخذ معياراً أو نموذجاً يلتزم به فى التحليل البيانى للسورة، فانَّ قواعد البيان الإنسانيّ لا تَعْدُو الاسترشاد بها والاهتداء بضوئها مما يمنح أو يفرض على القائم بالتحليل البياني للسورة أن يكون منهجه التحليلي وحركته الإنجازية لذلك المنهج متناسقين مع الواقع البياني لكلّ سورة من سور القرآن الكريم وفقاً لمعالم شخصيتها البيانية التى هى الصورة الحسية لشخصية مضمونها التشريعيّ والتثقيفى، وإنجاز ذلك حمل جد ثقيل.
وكل ما يذكره أهل العلم من معالم التحليل البيانى فى مثل هذا إنَّما هو مفاتيح أبواب طرائق مديدة فسيحة إلى عالم التحليل البيانى للسورة فلا يكاد يحاط بأقطاره المترامية.
ولهذا كان للذاتية الرشيدة الثَّقِيفة أثرٌعظيمٌ فى استيلاد طرائق تحليلية متناسقة مع واقع كل سورة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

وإذا ما كان نقدة الأدب يذهبون إلى أنَّ أولى قواعد المنهج العلمى هى أن تخضع نفوسنا لموضوع دراستنا لكى تنظم وسائل المعرفة وفقاً لطبيعة الشىء الذى نريد معرفته وأنَّنا نكون أكثر تمشياً مع الروح العلمية بإقرارنا بوجود التأثيرية فى دراستنا شريطة أن تخضع هذه التأثيرية للضبط والمراجعة - إذا كان هذا فإن الأمرَ مهمٌّ فى التحليل البيانيّ للسورة لأن إخضاع نفوسنا لها سوف يفجر فينا طاقة معرفية ذوقية تدرك ما لا تمكن العبارة عنه، لكنَّه يؤثر تأثيراً نافذاً فى شتى المجالات التى تمكن العبارة عنها، فالذَّوق الذى هو دعامة أساسية من دعائم التحليل البياني هو الذوق المتحدر من عدة روافد موضوعية يمكن اكتسابها بالمدارسة والدُّربَة، ومن ذاتية شخصيته تكتسب من سلوك إيمانى ناصح والتزام حركى خالص.
وإذا ما كان من جوهر الأخذ بالذوق الذاتي الرشيد بالثقافة والسلوك الحركيّ أن يكون معللاً فانّه مما لا يخفى أنَّه ليس بلازم أن يكون ذلك التعليل موضوعياً جلياً فى كل أمر.
المهم أن يقوم المنهاج على ثلاثة:
التحليل
والتأويل
والتعليل
وهذه المرتكزات ليست مما استحدثه التفكير البياني والنقدي بل ذلك أمرٌ قد حثَّ عليه وأكّده الأسلاف في أسفارهم:
تراه جليًا عند "عبد القاهر الجرجانيّ" في فواتح (دلائل الإعجاز) :
<< لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا وأن تصفها وصفا مجملا وتقول فيها قولا مرسلا،بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصّل القول،وتحصّل،وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدَّها واحدة واحدة وتسميها شيئا شيئا وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الأبريسم الذي في الديباج وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع >> (1)--------------------------------------------
(1) - دلائل الإعجاز- تح: شاكر ص 37

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

فهذا دالٌ دَِلالةً بيّنَةً على أن الاستقصاء والتحليل دعامتان رئيسيتان في منهج التفكير البيانيّ، فالإجمال، والاكتفاء بظاهر البيان مما يتحرز منه التفكير البياني، ولذا يُذَكِّرُ به <<عبد القاهر>> في مواضع عديدة من كتابه؛ ليكون المتدبر والمتذوق عغلى ذكر من أهميته.
يقول:<< واعلم أنك لا تشفي الغلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملا إلى العلم به مفصلا،وحتَّى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه، وحتَّى تكونَ كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر الذي هو منه >> (1)
تأمل قوله:<< لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه....>> يتبيّن لك عظيم أهمية الاستقصاء في التحليل البياني ليقف المرء على ما هو مكنون في البيان من خصال البلاغة والبراعة والبيان.
ولهذا تجد الإمام يهديك في مفاتح " الدلائل" إلى نهج في التتبع والتقصي، وهو يبين لك أن فضائل الكلم من علائقها ومواقعها:
<< وهل تشكُّ إذا فكرت في قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44)
فتجلى لك منها الإعجاز وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وهكذا إلى أن تستقربها إلى آخرها وأن الفضل تناتج ما بينها وحصل من مجموعها.--------------------------------------------
(1) - السابق:260

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

إن شككت فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدَّت من الفصاحة ما تؤدِّيه، وهي في مكانها من الآية قل <<ابلعي>> واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها وكذلك فاعتبر سائر ما يليها.
وكيف بالشك في ذلك ومعلوم أنَّ مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ثم أمرت ثم في أن كان النداء بـ " يا " دون " أي " نحو يا أيتها الأرض، ثم إضافة "الماء" إلى " الكاف" دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن أتبع نداء الأرض، وأمرها بما هو من شأنها، ونداء السماء، وأمرها كذلك بما يخصها، ثُمَّ أن قيل:" وغيض الماء "، فجاء الفعل على صيغة " فُعِلَ " الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثُمَّ تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى:" قضي الأمر"، ثُمَّ ذكرماهو فائدة هذه الأموروهو " استوت على الجودي "، ثم إضمار السفينة قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثُم مقابلة قيل في الخاتمة بـ" قيل " في الفاتحة
أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق، أم كلّ ذلك لمَّا بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب >> (1)
هو في صنيعه هذا كمن يعلمك كيف تصطاد، فلا تفتقر إلى غير جهدك من العباد.
وتراه يبينه لك في غير البيان القرآني حتّى لا تظنّ أن ذلك فريضة في تدبر القرآن الكريم،وليس فريضة في تذوق الشعر، يقول:--------------------------------------------
(1) - السابق:45-46

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

<< اعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثُمَّ جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصا دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله فإذا رأيتك قد ارتحت، واهتززت، واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مِمَّ كانت، وعند ماذا ظهرت، فإنَّك ترى عيانا أن الذي قلتُ لك كما قلتُ.
اعمد إلى قول البحتري:
بَلَوْنا ضَرائبَ مَن قَد نَرَى * فما إن رأينا لفتحٍ ضَريبَا
هُوَ المَرْء أبدت له الحادثات * عزْمًا وَشِيكًا ورأيًا صَلِيبا
تنَقَّل فِي خُلُقَي سُؤدَدٍ * سَماحًا مُرَجَّى وبَأسًا مَهِيبَا
فكالسّيفِ إنْ جِئتَه صارِخًا * وكالبَحْرِ إنْ جِئتَه مُسْتَثيبَا

فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعُد، فانظر في السبب، واستقص في النظر،فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرّف ونكَّر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرَّر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كلِّه، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة.
أفلا ترى أنَّ أول شيء يروقك منها قوله:<< هو المرء أبدت له الحادثات >>، ثم قوله:<< تنقل في خلقي سؤدد >> بتنكير <<السؤدد>>، وإضافة <<الخلقين >> إليه، ثم قوله: «فكالسيف» وعطفه بـ" الفاء" مع حذفه المبتدأ؛ لأنَّ المعنى لا محالة: فهو كالسيف، ثم تكريره "الكاف " في قوله: «وكالبحر» ، ثُمَّ أنْ قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه، ثم أنْ أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله: «صارخا» هناك و «مستثيبا» هاهنا؟
لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت أو ما هو في حكم ما عددت فأعرف ذلك.
وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظر إلى قول " إبراهيم بن العباس ":

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

فَلوْ إذْ نَبَا دهْرٌ وأنْكر صاحبٌ * وسلط أعداءٌ وغابَ نَصيرُ … تكونُ عن الأهوازِ داري بنجوة * ولكنْ مقاديرٌ جرَتْ وأمورُ … وإنّي لأرْجو بعد هذا محمدا * لأفْضَلَ ما يُرجَى أخٌ ووزيرُ
فإنّك ترى ما ترى من الرونق والطَّلاوة ومن الحسن والحلاوة، ثم تَتَفَقَّدُ السبب في ذلك، فتجده إنّما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو: «إذ نبا» على عامله الذي هو: «تكون» وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنحوة إذ نبا دهر، ثم أن قال:" تكون" ولم يقل: "كان"، ثُمَّ أن نكر "الدهر" ولم يقل:"فلو إذ نبا الدهر"، ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال:"وأنكر صاحب"، ولم يقل:" وأنكرت صاحبا"
لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك تجعله حسنا في النظم وكله من معاني النحو كما ترى.
وهكذا السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم وفضل وشرف أحيل فيهما عليه» (1)
يهمنا – هنا- قوله:" واستقص في النظر" وقوله:" تَتَفَقَّدُ السبب" يدلك هذا دلالة بينة على وجوب الاستقصاء في التحليل والتذوق (2)--------------------------------------------
(1) - دلائل الإعجاز: 85-86
(2) - لا ريب في أنَّ من شاء الاستدراك على " عبد القاهر " في استقصائه هنا كان له إلى ذلك سبيل، فإنه كما ترى لم يستوف ولم يستقص، بل ثَمّ أمور مهمة في الصورتين الشعريتين نفتقِرُ إلى تذوقها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

المهم أن هذا الاستقصاء في التحليل والتّدبر والتّذَوّق لابدَّ معه من تعليلٍ وتأويلٍ وإبانةٍ عن ذلك بلسان مبين، فإنَّ الاستقصاء في تحليل وتدبر البيان لا يعدو مرحلة التذوق الانطباعي الذي قد لا يستفاد منه. يقول الإمام: «لا بُدَّ لكلِّ كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة ومعان شريفة» (1)
فالعلم بجهة الحسن والاستجادة وعلة ذلك وسببه، ثُمَّ الاقتدار على الإبانة عن ذلك الذي أدركته بفراستك البيانية؛ليكون تدبّرك وتذوقك موضوعيًا علميًا متطهرًا من الذاتية المجردة التي لا يستفاد منها غالبًا في باب العلم والتعلم، ولا تهدى إلى الآخر ما به يسطيع السيرعلى الطريق الذي سلكت، فإنَّ البلاغيّ والناقد من رسالتهما فتح السبل إلى الولوج في النص، وإغراء القارئ بمخادنة النّص بالإشارة إلى بعض من جليل مكنونه.
***
وتبقَى الإشارة التذكيرية بأمرين رئيسيين في منهاج التحليل البياني للقرآن الكريم في سياق السورة:
? الأول: العناية بتحليل مشتبه النظم (التصريف البياني للمعنى القرآنيّ)
? الآخر: العناية بالتوجيه البياني للقراءات القرآنية.
هذان أمران لا تستقيم دراسة تحليلية لبيان القرآن الكريم غفلت عن أحدهما أو تساهلت في العناية بالوفاء ببعض حقهما.--------------------------------------------
(1) - السابق: 41

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

ينتبه بعض الباحثين إلى الأمر الأول «التصريف البياني للمعنى القرآني» فيقرنون النظر فيما تشابه نظما وتركيبا … مع ما هم بصدد تحليله تحليلا بيانيا، وقد كان لسلفنا مزيد عناية بذلك، فأفردت أسفار جليلة في هذا كما تراه في كتاب " درة التنزيل وغرة التأويل " المنسوب إلى " أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي " (ت: 420هـ) ، وكتاب:" ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من أي التنزيل " لأبي جعفر احمد بن الزبير الغرناطي" (ت: 708هـ) وهما من أهم ما أفرد السلف من الأسفار في هذا الباب، وقد فاتهما أشياء غير قليلة (1)
والأمر الآخر يغفل عنه غير قليل من الدارسين على الرغم من الزعم بأنّ مناط درسهم بلاغة القرآن الكريم، والقرآن الكريم ليس بالمقصور على ما جاء في قراءة حفص عن عاصم، وإن كان ترتيل جمهور أهل القرآن الكريم بها، علينا أن نقوم ببعض حق تدبر وتأويل بلاغة القرآن الكريم في وجوه الترتيل الأخرى، وهي متواترة تواترًا لايقل البتة عن تواتر قراءة حفصٍ عن عاصم، فليس من العدل أن نقصر عنايتنا بوجه من القراءات المتواترة دون غيرها مما تواتر مثلها.--------------------------------------------
(1) - لكثير من المفسرين عناية بتوجيه بعض مشتبه النظم في مواضع من تفاسيرهم، وقد برزت عناية " البقاعي" (ت: 885هـ) بهذا في تفسيره، ولو جمع كلامه في هذا لكان سفرًا، ولو حلل صنيعه لرأيت له منهاجًا في التأويل غير الذي تراه عند " ابن الزبير" في " ملاك التأويل".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

التوجيه البياني للقراءات القرآنية فريضة في كل بحث يعمد إلى تدبر البيان القرآني الكريم: تحليلا وتأويلا وتعليلا، سواء ما كان مجال القراءة فيه متعلقا بالكلمة مادة وصيغة وموقعا، وما كان متعلقا بالنظم والتركيب والتصوير والتوقيع والتغني. (1)
***
التحليل البيانى بين التفكيك والتركيب:
التحليل البيانى يعنى بفحص كل عنصر وسبره وهذا يقتضى أن يتناول كل عنصر أولاً على حدة ثم فى سياقه الجزئى وينتهى إلى النظر فيه فى سياقه الكلى.--------------------------------------------
(1) - في كلية اللغة العربية بالقاهرة دراسة للعالمية موضوعها (التوجيه البلاغي في القراءات القرآنية) أعدها الدكتور: عبد الله عليوه – رحمه الله سنة 1986، ونشر الدكتور:عبد المنعم الأشقر بحثًا بعنوان (البلاغة في القراءات الشاذة عند ابن جني) سنة 1990، ونشرالدكتور: محمد إبراهيم شادي دراسة بعنوان (مدخل القراءات القرآنية في الإعجاز البلاغي) سنة 1987، ومن أوسع تلك الدراسات دراسة الدكتور:أحمد سعد محمد، وعنوانها (التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية) نشره سنة 1418- مكتبة الآداب بالقاهرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

فهو لا يمزق النَّص ويجعله أشلاء، ثم يلقى بها، بل هو يحلل النَّصَّ إلى عناصره؛ ليفحص خصائص هذه العناصر وسماتها، وليفحص ما ببينهما من علائق ووشائج تحقق لها التعاون والتكافل فى إقامة النَّصَّ وإكتماله، فالتحليل البيانيّ لا يتوقف عند تجزئة النص وتفكيكه بل ينتهى إلى إعادة جميع العناصر بعد فحصها إلى مواقعها ليقوم النَّصُّ مشرقاً من بعد أن استكشف التحليل خصائصه فى عناصره وفى بنيته الكليَّة، ولهذا لا يحسن فى التحليل البيانى أن يقوم على النظر فى مسائل أسلوب ما مجموعة من واقعها فى النص معزولة عن سياقها، بل الأجدى أن يعتمد التحليل على النظر فى آيات كل معقد مجتمعة ليحلِّل كلَّ عنصر وتركيب وأسلوب فى سياق ذلك المعقد ثم فى خاتمة كل فصل تصنف الأساليب والخصائص التي إشتمل عليها ذلك المعقد دون أن نجعل تصنيف البلاغيين أساليب البيان فى علومه الثلاثة: معانى وبيان وبديع هى أساس التحليل والتصنيف ذلك أن صنيع علمائنا البلاغيين كان معنياً بالجانب التربوى فى ذلك التصنيف تقريباً لذلك العلم إلى طلابه، ولم يكن تصنيفاً يفصل بين الأساليب وفقاً لخصائص بيانية لذلك تراهم يحرصون على التصريح بأن علم المعانى كالجزء من علم البيان، فإنَّ كلَّ مسألة من مسائل علم البيان هى قائمة على مسائل علم المعانى، كما أن كل مسألة من مسائل علم المعاني تقوم بالتصوير، وكذلك تستطيع أن ترجع مسائل علم البديع إلى علم المعانى وعلم البيان، ذلك أنَّها قائمة على النظم أيضا الذى هو المحيط بعلم المعانى وهو فى الوقت نفسه عمود علم البلاغة كلّها، وعلم البلاغة كلُّه هو علم التصوير بالكلمة.
ولذلك ترى حرص عبد القاهر على التصريح بعلاقة الاستعارة وهى رأس التصوير البيانى أو سنامه بالنظم وأنها لم يتحقق لها الحسن معزولة عن النظم. وكذلك حرصه على التصريح بعلاقة الجناس والسجع والطباق وهى سنام البديع بالنظم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

وهذا يقتضى منا ألا يكون التحليل البيانى منتهجا الى تصنيف مسائل التقديم … والتشبيه … والتجنبس … الخ كل فى باب بل يحلل كل أسلوب فى سياقه ثم تجمل خصائص كل معقد المعنوية والأسلوبية حتى تستكشف الأساليب التى قامت ببناء معاني ذلك المعقد وتصويرها وتحبيرها حتى إذا فرغ التحليل من معاقد وفصول السورة كلّها استطاع أن يصنف الأساليب فى وحدات بل استطاع أن يستكشف الأساليب الرئيسية في السورة كلّها والأساليب المساعدة وأن يفسّر ذلك فى ضوء المقصود الأعظم والأغراض الكلية التى تندرج فى ذلك المقصود. (1)
***
- مجال التحليل البيانيّ للسورة.

السورة القرآنيّة فى وجودها اللغوى مكونة من عدة عناصر متنوعة، ولكلِّ عنصر صورة صوتية أفرادية أو تركيبية ودلالية ذهنية أو تركيبية أو سياقية وأنماط تكوينية وصور وظلال وعلاقات ووشائج.
وإذا ما كان أىّ بيان يتحقق وجوده الكلّيّ من خلال تمازج عناصره اللفظية والمعنوية أو التركيبية تمازجاً لا يتأتى معه أن يقوم عنصرما بعملِه منعزلاً عن بقية العناصر، أوأن يُستبدل به عنصرٌ أخر، فإنَّ دراسة هذا البيان لا تتأتى إلا باستقصاء التحليل الذى يقتضى دراسة كلّ عنصر فى ذاته وفى وجوده السياقي الجمعيّ.
ولهذا التحليل البياني لصورة المعنى القرآنيّ المتعبّد بترتيلها في السياق السوريّ مجالات عديدة، وهي مجالات متصاعدة في تحقيق الوجود النّصي المكتمل لبناء السورة.--------------------------------------------
(1) - التحليل البيانى أكثر مناهج البحث اقتضاء للفهارس المفصلة الشاملة لأن اعتماده على النظر فى المعاقد، وتجنبه فصل الأساليب عن سياقاتها يجعلنا فى حاجة ماسة إلى فهارس تفصيلية تبين لنا موضع كل شئ فى أثناء ذلك التحليل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

كلّ مجال منها يُقريك تدبُّرُه زادًا إلى تدبّرِ ما بعده من المجالات المتصاعدة، بل إنك لتجد نفسك - وقد حسبت أنك قد فرغت - تملك من الزَّاد ما يُغريك بأن تكونَ الحالّ المرتحل في تدبُّرك وتذوقك، فإذا بك وقد أردت أن تحط الرحال، تسرج الجياد إلى ما بدأت به، فتستأنف التدبر والتذوق فإذا سُبُحات العطاء تتوافد وتترادف على قلبك.
وتلك َمَا يُلَقَّاهَا إلَاّ الَّذِينَ صَبَرُواعلى المجاهدة في التحليل والتَّدبُّر والتَّذوِّق وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الطَّبْعِ والعِلْمِ والتقْوى.
ومجالات التحليل البيانيّ للسورة القرآنية إذا ما شئنا حركة من الأدنَى إلى الأعلى، والجزئي إلى الكلّى تبدأ بتحليل المفردات في سياقها التركيبي، ثُمَّ تحليل الهيئة التركيبية للبيان، ثُمَّ الصورة البيانية، ثُمَّ فنون التوقيع والتغنّي التي بإتقانها يتحقق لصاحب القرآن الكريم شيءٌ من فضيلة تحسينه القرآن الكريم بترتيله في قلوب المتلقين، وذلك وجه من وجوه النَّصيحة للقرآن الكريم ولعامة المسلمين وخاصتهم.
***

- أولاً: التحليل البيانيّ للمفردات
وكنت قد حدثتك عن المعجم اللغوي للسورة،وأثره في تحقيق وتحرير مقصود السورة التي أنت بصدد تدبُّرها، فإنَّ «أوّل ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيلُ معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه،كنحصيل اللبِنِ في كونه أوّل المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه … " (1)--------------------------------------------
(1) - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني - تح:محمد سيد كيلاني - ص 6 - ط: مصطفى الحلبي -1381- القاهرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

ومن العَليّ هنا أن ترصد المفردات في كلّ سورة رصدًا كاملاً يشمل أدوات المعاني والأسماء والأفعال، وذلك من قبل أن يتم إعداد معجم كلمات لكلّ معقد من معاقد السورة على حدة؛ ليتبين للمتفقه معانيها ما بين معاقد كل سورة من المجموع الكليّ لكلّ صنف من كلمات السورة، فإذا ما جئنا إلى سورة البقرة مثلا رصدنا أوَّلاً جميع كلماتها، وهذا ليس بالعسير اليوم، وقد كثرت وسائل ذلك ويُسِّرت، ثُمَّ فصّلنا ما فيها من أدوات معاني كل أداة على حدة، ثُمّ كل مادة، ونبين ما كان اسما وما كان فعلا وما كان من الأفعال ماضيا وما كان غير ذلك، وما هو مجرد وما هو مزيد، ومن الأسماء ما هو جامد وما هو مشتق، وكل مشتق يصنف وفق نوع اشتقاقه.
وإعداد هذا المعجم مع كلِّ معقد ونجم ثم محاولة المقارنة بين معاجم كل إنَّما يعين على إدراك ما لكل معقد من تميز وما فى كلٍّ من العرى الوثقى التى يتواشج بها لغوياً وتركيباً ودلاليا مع المعاقد الأخرى فى السورة، فانَّ حضور مادة لغوية ما فى المعاقد كلها أو أكثرها قد يكون آية من آيات الإعتلاق والتناسج بين فصول السورة ومعاقدها، لهذا فإنِّي أوثر إعداد معجم لكلِّ معقدٍ بعد المعجم الكليّ للسورة، ثم مقارنته ببعضه واستبصار ما بينه من تحالف وتخالف كميٍّ ونوعيٍّ ودلاليٍّ.
ومن البين السافر أنَّ التحليل البيانيّ لمفردات السورة يعمد فيه صاحبه إلى محاولة استبدال عناصر لغوية مقاربة بعناصر لغوية تشكلت منها السورة، ثم موازنة ما استبدال بما استبدل به ليتأتى له استبصار بعض معالم خصائص تلك العناصر اللغوية التى تنفرد بها،ولا سيَّما اذا ما كانت تلك الكلمات المستبدلة بغيرها مما له وجود فى سياق سورة أخرى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

وقد رأيت " عبد القاهر " يهديك إلى شيْءٍ من هذا، وهو يلفت بصرك إلى تدبر قول الله سبحانه وتعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ....} (هود: من الآية44) وكان يوقفك لتنظر في مادة الكلمة وصيغتها وموقعها وعلائقها بأخواتها....
وغير خفى إنَّه إذا ما كانت الكلمات القرآنية هى كلمات العربيّة من قبل تنزل القرآن الكريم، فلم يبدع كلمات لم تعرفها العرب، فانَّ بلاغة القرآن الكريم ليست فى إنَّه جاء بما لا تعرف العرب من كلمات بل بلاغته فى أنه نسج بيانه من كلمات تقاذفتها ألسنة العرب من قبل، وبرغم من هذا كان البيان القرآنيّ بما اصطفاه من مفردات المعجم العربيّ ونسجه لها معجزاً حتّى إنك لو شئت أن تقيم كلمة غير قرآنية مقام كلمة قرآنية بينهما تآخ في المعنى والأداء لتبين لك فرق ما بينهما وفضل ما جاء في البيان القرآنِيّ على ما اجتهدت في اصطفائه من المعجم العربي على اتساعه.
يقول " أبو محمد ابن عطية الأندلسي " (ت: 546هـ) : …
" كتابُ اللهِ لو نزعت منه لفظةٌ، ثُمَّ أُديرَ لسان العربِ فِي أن يوجد أحسن منها لم يوجد " (1)
وكان من قبله قد أعلمك " عبد القاهر " أنَّ العرب في عصر المبعث المحمّديّ قد فتشوا القرآن الكريم تفتيشًا مدققًا فما وجدوا فيه كلمةً غيرُها يعدلها فضلا عن أن يفضلها:--------------------------------------------
(1) - ابن عطية:المحرر الوجيز: ج1ص 39 – ط: المجلس العلمي بفاس – تونس: 1395

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

«أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه وبدائع راعتهم من مبادىء آيه ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كلِّ مثلٍ ومساق كلِّ خبرٍ وصورة كلِّ عِظةٍ وتنبيه وإعلام وتذكيرٍ وترغيبٍ وترهيبٍ، ومع كلِّ حجة وبرهان وصفة وتبيان، وبهرهم أنَّهم تأمَّلوه سورة سورة، وعُشْرا عشرا،وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور،ونظاما،والتئاما، وإتقانا، وإحكاما لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حك بيافوخه السماء موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول وخلدت القروم فلم تملك أن تصول» (1)
ومن قبل ذلك بقرن من الزمان قال "أبو سليمان الخطابيّ" إن حسن اختيار الكلمات من عمود بلاغة الخطاب عامة، فكيف بذلك في بلاغة القرآن الكريم: «.. اعلم أنَّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إمَّا تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمَّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة " (2)
تأمل قوله: " إذا أبدل منها....إلخ " تدرك أثر اختيار المفردات من حيث هي مادة أو صيغة في المعنى، فقد يفسد المعنى العقلي، وقد يفسد المعنى البياني الذي عبر عنه بذهاب الرونق.--------------------------------------------
(1) - دلائل الإعجاز:39
(2) - الخطابي:بيان إعجاز القرآن: ص 29 – ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن – تح: محمد خلف الله وزغلول سلام – دار المعرف بمصر:1387

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

ولعلَّ هذا مما استمدّ منه "عبد القاهر" تبينه الطريق إلى تحقيق مقومات تمام بلاغة الخطاب في قوله: … «ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات [البلاغة والقصاحة..] وسائر ما يجري مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيماله كانت دلالة ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب وأولى بأن تطلق لسان الحامد وتطيل رغم الحاسد
ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية» (1)
تأمل قوله:" ويختارله اللفظ … " كيف أنّه أوجب في اللفظ المختار خمس صفات:
أن يكون أخصّ بالمعنى.
وأكشف عنه.
وأتم له.
وأحرى بأن يكسبه نبلا.
ويظهر فيه مزية.
فعبد القاهر كما ترى يهديك إلى أن المفردات التي منها يقوم بناء الخطاب البليغ المتسم بحسن الدلالة وتمامها وتبرجها في صورة بهية معجبة مفردات ليس لها بدائل تقوم مقامها، فليس ما يعرف بالترادف الذي تقوم فيه كلمة مقام أخرى في الخطاب البليغ ثُم لا يكون ثَمَّ أثر في بلاغته، وهذا ما يجعل المثابرة في التحليل البياني لمفردات الخطاب أساسًا يبنى عليه غيره.
إصطفاء القرآن الكريم كلماته من مفردات معجم العربية إنَّما كان ناظراً فيه إلى كثير من مكونات الكلمة المصطفاه من صوت وصيغة ومدلول ودلالة اكتسبها من روافد عدة، فمنحتها قدرة على أن تتناسج مع مفردات أخرى فى سياقات عديدة على أنحاء متنوعة.--------------------------------------------
(1) - دلائل الإعجاز: 43

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)