فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف الحس والمشاهدة.
وإن قالوا بالثاني، لزم أن يكون كل معلول له مسبوقاً بغيره زمانياً، فلا يكون شيء من العالم قديماً أزلياً معه، وهو المطلوب.
وإذ كان أقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعاً على تقدير دعوى استلزامه له، فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الاستلزام أولى.
فتبين أن يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير.
وهذا بين لم تصوره تصوراً تاماً.
ولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من أهل الكلام، لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء - من كون المؤثر التام يتأخر عنه أثره، والحوادث تحدث بسبب حادث - فر هؤلاء إلى أن جعلوا المؤثر يقترن به أثره، ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث، ولم يحققوا واحداً من الأمرين، بل كان قولهم اشد فساداً وتناقضاً من قول أولئك المتكلمين.
فإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان:
أحدهما: أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقرناً للمؤثر ولتأثيره في الزمن، بحيث لا يتأخر عنه تأخراً زمانياً بوجه من الوجوه، وهذا مما يعرف جمهور العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء، فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون زمنه زمن أثره، ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير، بل إنما يعقل التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر، وإن كان متصلاً به، كأجزاء الزمان والحركة الحادثة شيئاً بعد شيء، وإن كان ذلك متصلاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
أما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارناً للجزء الأول في الزمن، فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل.
وهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية والإرادية، وما صار مؤثراً بالشرع وغير الشرع.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، ولعبده، أنت حر، فالطلاق والعتاق لا يقع مع التكلم بالتطليق والإعتاق، وإنما يقع عقب ذلك.
وإذا قال: إذا طلقت فلانة ففلانة طالق، لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى، لا مع تطليق الأولى في الزمان، وهذا الذي عليه عامة العلماء قديماً وحديثاً، ولكن شرذمة من المتأخرين، الذين استزل هؤلاء عقولهم، ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان، وهذا غلط عند عامة العلماء.
وكذلك إذا قال: إذا مت فأنت حر، فالمدبر يعتق عقب موت سيده، لا مع موت سيده.
وهكذا في الأمور الحسية، إذا قال: (كسرت الإناء فانكسر) ، و (قطعت الحبل فانقطع) ، فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع، ولهذا إذا لم يكن المحل قابلا قيل: (قطعته فلم ينقطع، وكسرته فلم نكسر) كما يقال: علمته فلم يتعلم.
ولفظ (التعليم، والقطع، والكسر) ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي يستلزم أثره، فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص، ويراد به المقتضي الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط، فهذا قد يتخلف عنه موجبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
ومن هذا الباب قوله تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] ، وقوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] ، فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول الاهتداء، وهو المطلوب في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} .
وكذلك الإنذار التام المستلزم خشية المنذر وحذره مما أنذر به من العذاب، وهذا بخلاف قوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت: 17) ، فالمراد به البيان والإرشاد المقتضى للاهتداء، وإن كان موقوفاً على شروط وله موانع.
وهكذا إذا قيل: هو موجب بذاته، أو علة بذاتة، ونحو ذلك،: إن أريد بذلك أنه موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته، في الوقت الذي شاء كونه فيه، فهذا حق، لا منافاة بين كونه موجباً وفاعلاً بالاختيار على هذا التفسير.
وإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات، أو موجب تام لمعلول مقارن له - وهذا قول هؤلاء - وكل من الأمرين باطل.
فقد قامت الدلائل القينية على اتصافه بصفات الإثبات، وقامت الدلائل اليقينية على امتناع كون الأثر مقارناً للمؤثر وتأثيره في الزمان، ولو كان فاعلاً بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية، فكيف في الفاعل بمشيئته وقدرته؟ فإن هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديماً أزلياً لم يزل ولا يزال.
فمن تصور هذه الأمور تصوراً تاماً، علم بالاضطرار أنه يمتنع أن يكون في العالم شيئ قديم، وهو المطلوب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
فإن قال قائل: المنازعون لنا الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء، أو لم يزل فاعلاً إذا شاء، أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئاً بعد شيء، ونحو ذلك، وهم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئاً بعد شيء، فنحن نقول بحدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئاً بعد شيء: إما حدوث تصورات وإرادات في النفس الفلكية، وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة، فلم كان قولنا ممتنعاً وقولهم ممكناً؟.
قيل لهم: أنتم قلتم: إنه مؤثر تام، أو علة تامة في الأزل، فلزمكم أن لا يتأخروا عنه شيء من آثاره، سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط.
فإذا قلتم: صدر عنه عقل - مثلا - والعقل أوجب نفساً فلكية وفلكاً، أو ما قلتم.
قيل لكم: المعلول الأول إن كان تاماً من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء - فهو أزلي - كان معلوله العقل معه أزلياً، فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في الأزل، فيلزم أن يكون معلوله معه أزلياً، وهكذا معلول المعلول، هلم جراً.
وإذا قلتم: الحركة لا تقبل البقاء.
قيل لكم: فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل، بل يكون الموجب لها غير تام في الأزل، بل صار موجباً، وحدوثه كونه موجباً يمتنع أن يتوقف على أثر غيره، إذ ليس هناك موجب غيره.
ويمتنع أن يحدث تمام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
إيجابه منه، لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل، فذلك التمام: إن كان قديماً لزم كون معلول المعلول قديماً، وهلم جراً، وإن كان حادثاً حدث عن العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث، وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا سبب.
فأنتم بين أمرين، أيهما قلتموه بطل قولكم: إن قلتم (أنه علة تامة في الأزل) ، لزم أن لا يتأخر عنه معلوله.
وإن قلتم (ليس بعلة تامة) لزم أن يحدث تمام كونه علة بدون سبب حادث، فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب.
وأيهما كان بطل قولكم، فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم، وإن جاز حدوث الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم، وجاز حدوث كل ما سواه.
وإذا قلتم: هو علة تامة للفلك دون حركاته.
قيل لكم: هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئاً بعد شيء، فهل كان علة تامة لهذه الحركات في الأزل، أم حدث تمام كونه علة لها شيئاً بعد شيء؟.
فإن قلتم: هو علة تامة في الأزل، لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل، وإما تخلف المعلول عن علته التامة، وكلاهما يبطل قولكم.
وإن قلتم: حدث تمام كونه علة لحركة حركةً منها.
قيل لكم: فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث، وذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب، وهذا أمر بين لمن تصوره تصوراً تاماً، ليس لهم حيلة في دفعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
وأما الذين يقولون: (إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، أو فاعلاً بمشيئته، وإنه يقوم به إرادة أو كلمات متعاقبة شيئاً بعد شيء) فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة تامة، ولا موجباً تاماً، ولا يقولون: إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل.
بل عندهم كون الشيء مفعولاً ومصنوعاً مع كونه أزلياً جمع بين النقيضين، وإذا امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزلياً، امتنع كون تأثيره وتكوينه المستلزم له قديماً أزلياً، فأمتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء.
ولكن ذاته تستلزم بما يقوم بها من الأفعال شيئاً بعد شيء، وكلما تم فاعلية مفعول وجد ذلك المفعول وجد ذلك المفعول، كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) ، فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه، وهكذا الأمر دائماً، فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وتمام تكوينه وتخليقه لم يكن موجوداً في الأزل، بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ، وعند تمام التكوين والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين والتخليق، لا مع ذلك في الزمان، فأين هذا القول من قولكم؟ !.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
درء تعارض العقل والنقل (ابن تيمية)القسم: العقيدة
الكتاب: درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت 728هـ)
تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الثانية، 1411 هـ - 1991 م
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
دلالة السمع على أفعال الله تعالى
ونحن ننبه عى دلالة السمع على أفعال اله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة الدهرية، ويتبين به مطابقة العقل للشرع.
ولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع، لكن الذين يخالفون دلالته يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، والدلالة العقلية القاطعة خالفتها، فأصل الدلالة متفق عليه، فنقول:
معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك.
بل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالإفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعدياً إلى مفعول أو لم يكن.
والفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه أم متعدياً إلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 3)
غيره.
والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.
وهذا معلوم سمعاً وعقلاً.
أما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات، متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول، فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضاً فعل وفاعل وزيادة مفعول به.
ولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل، كما في الجملة الأولى، بل الفعل الذي هو (أكل) و (شرب) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولاً - لكان كلامه معلوم الفساد، بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولاً، كتعلق (قام وقعد) ، ثم تعدى إلى المفعول، ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي، وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 4)
فقوله تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} (الحديد: 4) تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: {ثم استوى} - فعلاً متعلقاً بالفاعل، فقوله (خلق) كذلك بلا نزاع بين أهل العربية.
ولو قال قائل: (خلق) لم يتعلق بالفاعل، بل نصب المفعول به ابتداء، لكان جاهلاً، بل في (خلق) ضمير يعود إلى الفاعل كما في (استوى) .
وأما من جهة العقل: فمن جوز ان يقوم بذات الله تعالى فعل لازم به، كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء.
كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر، ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر، بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال اللازمة.
كالمجيء والإتيان.
وأما العكس فما علمت به قائلاً.
وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعاً لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفاً بأنه يتكلم بما يشاء.
فعال لما يشاء.
وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث.
ونقلوه عن السلف والأئمة، وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 5)
وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق السماوات والأرض إنما يتم بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم على أصل نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل قد دل على نفيها، ويقدمون هذا الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء به الكتاب والسنة، والعقل عند التحقيق يبطل هذا القول ويوافق الشرع، فإنه إذا تبين أن القول بنفيها يمتنع معه القول بحدوث شيء من الحوادث: لا العالم ولا غيره، والحوادث مشهودة، كان العقل قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك، والله سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق به، وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص، كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع، وهو المطلوب.
وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها.
ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشهري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 6)
وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين، ورجح قول ابن كلاب، وذكر ذلك في قول الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105] وأمثال ذلك، وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كـ حرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كـ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ين منصور.
وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 7)
وطائفة أخرى من السلفية كـ نعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة، وغيرهم كـ أبي عمر بن عبد البر وأمثاله: يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمون ذلك فعلاً ونحوه، ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور.
وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء، كـ أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما، ومنهم من يوافق الأولين، كـ أبي عبد الله بن حامد وأمثاله، ومنهم طائفة ثالثة - كالتميميين وابن الزاغوني غيرهم - يوافقون النفاة من أصحاب ابن كلاب وأمثالهم.
ولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كـ البخاري
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 8)
وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته: من أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة.
وكان له أصحاب كـ أبي علي الثقفي وغيره تلقوا طريقة ابن كلاب، فقام بعض المعتزلة وألقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء، وهو أن الله لا يوصف بأنه يقدر على الكلام إذا شاء، ولا يتعلق ذلك بمشيئته، فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم في ذلك نزاع، حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه، وأمر ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له، وصار الناس حزبين، فالجمهور من أهل السنة وأهل الحديث معه، ومن وافق طريقة ابن كلاب معه، حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين، فـ الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 9)
السلمي وأبو عثمان النيسابوري وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهم معه، وأما أبو ذر الهروي وأبو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب.
وكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين وأهل الكلام والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة (حلول الحوادث) وكانت المعتزلة تقول: إن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود، ومقصودهم نفي الصفات ونفي الأفعال، ونفي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 10)
مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبادات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب، فإنهم إذا قالوا (إن الله منزه عن الأعراض) لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام، ولا ريب أن الله منزه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضاً.
وكذلك إذا قالوا: (إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات) أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنىصحيح، ومقصودهم: أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية.
وإذا قالوا: (إنه ليس بجسم) أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه، ولا يقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 11)
وإذا قالوا: (لا تحله الحوادث) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك.
وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في إثبات الصفات، وكان ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات، وكان ابن كلاب وأتباعه يقولون: إن العلو على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل، وأما استواؤه على العرش فهو من الصفات السمعية الخبرية التي لا تعلم إلا بالخبر، وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة، وثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش، بخلاف أتباع صاحب الإرشاد فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة فلم يثبتوا الصفات إلا بالعقل، وكان الأشعري وأئمة أصحابه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 12)
يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له معاون.
فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من أهل الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف، وإنما يعتمد في ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يثبته إما أن ينفوه وإما أن يقفوا فيه.
ومن هنا طمع فيهم المعتزلة، وطمعت الفلاسفة في الطائفتين، بإعراض قلوبهم عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته، وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة، ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ماء جاء به الشرع مطلقاً، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: (إنه لا يرجح إلى السمع في الصفات) ولا يقولون: (الأدلة السمعية لا تفيد اليقين) بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم، وذلك لأن الأشعري صرح بأن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موقوفاً على دليل الأعراض، وأن الاستدلال به على حدوث العالم من البدع المحرمة في دين الرسل، وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي الأفعال القائمة به قد يقول: إن هذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 13)
الدليل دليل الأعراض صحيح، لكن الاستدلال به بدعة، ولا حاجة إليه، فهؤلاء لا يقولون: إن دلالة السمع موقوفة عليه، لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات، بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة، وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه؟
وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الإرشاد وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، تارة يصرحون بأنا وإن علمنا مراد الرسول فليس قوله مما يجوز أن يحتج به في مسائل الصفات، لأن قوله إنما يدل بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات، وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية، وتارة يطعنون في الأخبار.
فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة: أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حتى يقولون: إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها، وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد، ولهم من جنس هذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 14)
الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع، مما ليس هذا موضع بسطه، وإنما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم، وغايتهم أنهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة: المعقول والكلام، وكلامهم فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به أهل الإلحاد، فهم من جنس الرافضة: لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئاً من الكتاب والسنة، حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 15)