الوجه الثالث: أن يقال: إن قول القائل: (إن الأمة اجتمعت على تنزه الله تعالى عن النقص، وقوله: أجتمعت على تنزيه الله تعالى عن العيب والآفة ونحو ذلك) .
وهذا القدر ليس بمنقول اللفظ عن كل واحد من الأمة، لكن نحن نعلم أن كل مسلم فهو ينزه الله تعالى عن النقص والعيب، بل العقلاء كلهم متفقون على ذلك، فإنه ما من احد ممن يعظم الصانع سبحانه وتعالى وصف الله بصفة وهو يعتقد أنها آفة وعيب ونقص في حقه، وإن كان بعض الملحدين يصفه بما يعتقده هو نقصاً وعيباً، فهذا من جنس نفاة الصانع تعالى، ولهذا كان نفاة الصفات إنما نفوها وهم يعتقدون أن إثباته يقتضي النقص كالحدوث والإمكان ومشابهة الأحياء، مثبتوها إنما اثبتوها لاعتقادهم أن إثباتها يوجب الكمال.
وعدمها يستلزم النقص والعدم ومشابهة الجمادات، وكذلك مثبتة القدر ونفاته، بل بعض نفاة النبوة زعموا أنهم نفوها تعظمياً لله أن يكون رسوله من البشر، وأهل الشرك أشركوا تعظيماً لله أن يعبد بلا وساطة تكون بينه وبين خلقه.
فإذا كان كذلك فمن المعلوم:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 336)
أن الإنسان لو احتج بإجماع المسملين على نفي النقص والعيب عن الله تعالى على من يثبت الصفات، مدعياً أن إثباتها نقص وعيب أو بالعكس، لقال له المثبتة: نحن لم نوافقك على نفي هذا المعنى الذي سميته أنت نقصاً وعيباً، فلا تحتج علينا بالموافقة على لفظ لم نوافقك على معناه، وأمكنهم حينئذ أن يقولون: نحن ننازعك في هذا المعنى وإن سميته أنت نقصاً وعيباً، فلا يكون حجة ثابتة، إلا أن يقوم دليل على انتفاء ذلك غير الإجماع المشروط بموافقتهم.
الوجه الرابع: أن يقال له: قولك: (إجماع الأمة على أن صفاته كلها صفات كمال) إن عنيت بذلك صفاته كلها اللازمة له لم يكن في هذا حجة لك، وإن عنيت ما يحدث بقدرته ومشيئته لم يكن هذا إجماعاً، فإنك أنت وغيرك من أهل الكلام تقولون: إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص، والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفاً، فكونه خالقاً ومبدعاً وعادلاً ومحسناً ونحو ذلك عندك أمور حادثة متجددة، وليست صفة مدح ولا كمال، وإن قلت (المفعولات ليست قائمة به، بخلاف ما يقوم به) .
قيل لك: هب أن الأمر كذلك، لكن ما يحدث بقدرته ومشيئته إما أن يقال: هو متصف به أولا يقال: هو متصف به، فإن قيل (ليس
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 337)
متصفاً لا بهذا ولا بهذا، وإن قيل (هو متصف به) كان متصفاً بهذا وهذا.
ومعلوم أن المشهور عند أهل الكلام من عامة الطوائف أنهم يقسمون الصفات إلى صفات فعلية وغير فعلية، مع قول من يقول منهم: إن الأفعال لا تقوم به، فيجعلونه موصوفاً بالأفعال، كما يقولون: إنه موصوف بأنه خالق ورازق، وعندهم هذه أمور كائنة بعد أن لم تكن، ولما قال لهم من يقول بتسلسل الحوادث من الفلاسفة وغيرهم: (الفعل إن كان صفة كمال لزم اتصافه به في الأزل، وإن كان صفة نقص امتنع اتصافه به في الأبد) أجابوا عن ذلك بأن الفعل ليس صفة كمال ولا نقص.
الوجه الخامس: احتجاجه بقوله: (إن الأمة مجمعة على أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 338)
صفاته لا تكون إلا صفة كمال) أضعف من احتجاجه بإجماعهم على تنزيه عن صفة النقص، فإن كونه منزهاً عن صفات النقص مشهور في كلام الناس، وأما كون صفاته لا تكون إلا صفات كمال، فليس هذا اللفظ مشهوراً معروفاً عن الأئمة، ومن اطلق ذلك منهم فإنما يطلقه على سبيل الإجمال، لما استقر بالقلوب من ان الله موصوف بالكمال دون النقص.
وهذه الإطلاقات لا تدل على دق المسائل، ولوقيل لمطلق هذا: (كونه يفعل أفعالاً بنفسه يقدر عليها ويشاؤها هو صفة نقص أو كمال) ؟ لكان إلى أن يدخل ذلك في صفات الكمال أو يقف عن الجواب أقرب منه إلى أن يجعل ذلك من صفات النقص.
الوجه السادس: أن هذا الإجماع حجة عليهم، فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاماً وفعلاً يقوم به والآخر لا يمكنه ذلك بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور له ولا مراد، أو يكون بائناً عنه - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل موجودين وكذلك إذا عرضنا على العقول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 339)
موجودين من المخلوقين، أو موجودين مطلقاً، أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه، والآخر لا يمكنه ذلك - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني، كما أنا إذا عرضنا على العقل موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقاً، أحدهما حي عليم قدير، والآخر لا حياة له ولا علم ولا قدرة، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والعلم والقدرة صفة كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به.
التي بها يفعل المفعولات المباينة، صفة كمال.
والعقلاء متفقون على أن الأعيان المتحركة، أو التي تقبل الحركة.
أكمل من الأعيان التي لا تقبل الحركة، كما أنهم متفقون على أن الأعيان الموصوفة بالعلم والقدرة والسمع والبصر، أو التي تقبل الاتصاف بذلك أكمل من الأعيان التي لا تتصف بذلك ولا تقبل الاتصاف به.
وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهاً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، فقد عبد رباً ناقصاً معيباً مؤوفاً، ويثبتون أن هذه صفات كمال، فالخالي عنه ناقص.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 340)
ومن المعلوم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه يثبت للمخلوق، فالخالق أحق له، وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق سبحانه أحق بتنزيه عنه.
ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون نقصاً إذا كان المحل قابلاً لها، وإنما يكون عدم البصر عمى، وعدم الكلام خرساً، وعدم السمع صمماً: إذا كان المحل قابلاً لذلك كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا - أجيبوا عن هذا بأن ما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصاً مما يقبلهما ويتصف بأحدهما، وإن اتصف بالنقص، فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر الكلام أعظم نقصاً من الحيوان الذي يقبل ذلك، وإن كان أعمى أصم أبكم.
فمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم الأبكم، ومن قال: إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم، وهذا بعينه موجود في الأفعال، فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة لها، بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر، والحركة الطبيعية التي تطلب بها العين العود إلى مركزها لخروجها عن المركز، فإن تلك حركة بالعرض.
والعقلاء متفقون على ما كان من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 341)
الأعيان قابلاً للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها، وما كان قابلاً للحركة بالذات فهو أعلى مما لا يقبلها بالعرض، وما كان متحركاً بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه بغيره.
وقد بسط في غير هذا الموضع.
فصل
ونحن نتكلم على هذه الحجة - حجة الكمال والنقصان - كلاماً مطلقاً لا يختص بنظم الرازي، إذ يقول القائل: أنا أصوغها على غير الوجه الذي صاغها عليه الرازي فنقول:
أعلم أن الطوائف المسلمين لهم في هذا الأصل الذي تنبني عليه مسألة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى أربعة أقوال تتفرع إلى ستة.
وذلك أنهم متنازعون: هل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغير الأفعال؟ على قولين مشهورين، ومتنازعون في أن الأمور المتجددة الحادثة: هل يمكن تسلسلها ودوامها في الماضي والمستقبل، أو في المستقبل دون الماضي، أو يجب تناهيها وانقطاعها في الماضي والمستقبل؟ على ثلاثة أقوال معروفة.
فصارت الأقوال أربعة:
طائفة تقول: يقوم به ما يتعلق بمشئيته وقدرته، ثم هل يقال
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 342)
ما زال كذلك، أو يقال: حدث هذا الجنس بعد أن لم يكن؟ على قولين.
وطائفة تقول: لا يقوم به شيء من ذلك، ثم هل يمكن دوام ذلك وتسلسله خارجاً عنه؟ على قولين.
وكل من الطائفتين تنازعوا: هل يمكن وجود هذه المعاني بدون محل تقوم به؟ على قولين.
فالقائلون من أهل القبلة بجواز تسلسل الحوادث: منهم من قال: تقوم به، ومنهم من قال: تحدث لا في محل، ومنهم من قال: تحدث في محل غيره.
والمانعون لذلك من أهل القبلة: منهم من قال: تقوم له ولها ابتداء، ومنهم من قال: بل تحدث قائمة في غيره ولها ابتداء، ومنم من قال: بل تحدث لا في محل ولا ابتداء.
وقد ذكرنا حجة المانعين من قيام المقدرورات والمرادات به، وكلام من ناقضها.
ونحن نذكر حجة المانعين من التسلسل في الآثار، وكلام بعض من عارضهم من أهل القبلة.
وهذا موجود في عامة الطوائف، حتى في الطائفة الواحدة، فإن أبا الثناء الأرموي قد ذكر في لباب الأربعين لأبي عبد الله الرازي من الاعتراضات على ذلك ما يناسب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 343)
هذا الوضع، وتابع في ذلك طوائف من النظار، كأبي الحسن الآمدي وغيره، بل نفس الرازي قد ذكر في مواضع من كتبه نقض ما ذكره في الأربعين ولم يجب عن ذلك، كما قد حكينا كلامه في موضع آخر، وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي في إفساد هذه الحجج التي ذكرها في تناهي الحوادث بأمور لم يذكر عنها جواباً.
حجج الرازي على حدوث العالم ومعارضة الأموري له
وذلك أن أبا عبد الله الرازي ذكر في الأربعين في مسألة حدوث العالم من الحجج على حدوث الأجسام أو العالم ما لم يذكره في عامة كتبه.
البرهان الأول
فذكر خمس حجج: الأولى: أنه لو كانت الأجسام قديمة لكانت إما متحركة أو ساكنة، والأول يستلزم حوادث لا أول لها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 344)
امتناع حوادث لا أول لها من وجوه
واحتج على انتفاء ذلك بستة أوجه:
(الأول والتعليق عليه)
أن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنفيها، فامتنعت أزلية الحركة.
فعارضه أبو الثناء الأرموي بأنه: لقائل أن يقول: كون ماهية الحركة مركبة من جزء سابق وجزء لاحق لا ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول، وهو المعني بكونها أزلية.
قلت: ونكتة هذا الاعتراض أن يقال: إن المستدل قال: ماهية الحركة تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير، فهل المراد بالغير: أن تكون الحركة مسبوقة بما ليس بحركة، أو أن يكون بعض أجزائها سابقاً لبعض؟ أما الأول فباطل، وهو الذي يشعر به قوله: (ماهية الحركة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 345)
تقتضي المسبوقية بالغير) ، فإن ذلك قد يفهم منه أم ماهيتها تقضي أن تكوم مسبوقة بغير الحركة، ولو كان الأمر كذلك لا متنع كون المسبوق بغيره أزلياً، لكن لا يصلح أن يريد إلا الثاني، وهو أن ماهيتها تقتضي تقديم بعض أجزاها على بعض، وحينئذ فقد منعوه المقدمة الثانية وهي قولهم: (إن ماهية الأزل تنفي ذلك) ، وقالوا: لا نسلم أن ما كان كذلك لا يكون أزلياً، بل هذا رأس المسألة، ولا سيما وهو - وجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل - يسلمون أن ما كان كذلك فإنه يصلح أن يكون أبدياً.
ومعلوم أن ماهية الحركة تقتضي أن يكون بعضها متأخراً عن بعض، ولا يمتنع مع ذلك وجود ما لا انقضاء له من الحركات.
قالوا: فكذلك لا يمتنع وجود ما لا ابتداء له منها، كما لم يمنتع وجود ما لا أول لوجوده وهو القديم الواجب الوجود، مع إمكان تقدير حركات وأزمنة لا ابتداء لها مقارنة لوجوده، والكلام في انتهاء المحقق كالكلام في انتهاء المقدر.
الثاني والتعليق عليه
قال الرازي: الوجه الثاني: (لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا إلى أول كان قبل كل حركة عدم لا إلى أول، وتكل العدمات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 346)
مجتمعة في الأزل، وليس معها شيء من الوجودات، وإلا لكان السابق مقارنا للمسبوق، فلمجموع الوجودات أول) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه لوجود الحركة التي هي عدمها، ضرورة تعاقب تلك الحركات لا إلى أول، وإن عنيت به أنه لا ترتيب في بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات، فلا يلزم من اجتماع بعض الوجودات معها المحذور) .
قلت: مضمون هذا: أن عدم كل حركة ينتهي بوجودها، فليست الأعدام متساوية في النهايات، فلا تكون مجتمعة في شيء من الأوقات، لأنه في كل وقت يثبت بعضها دون بعض لوجود حادث يزول به عدمه، ولكن لا بداية لكل عدم منها، فإن ما حدث لم يزل معدوما قبل حدوثه، بخلاف الحركات، فإن لكل بداية، وحينئذ فلا يمتنع أن يقارن الوجود بعضها دون بعض، كما يقارن الوجود الباقي الأزلي عدم كل ما سواه، فالمستدل يقول: عدم كل حادث ثابت في الأزل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 347)
وليس الجنس حادثا، حتى يكون مسبوقا بعدم الجنس، وإنما الحادث أفراده، كما في دوامه في الأبد.
فليس لعدم المجموع تحقق في الأزل، والعدم السابق لأفراد الحركات بمنزلة العدم اللاحق لها.
ولا يقال: إن تلك الإعدام مجتمعة في الأبد.
والفرق بين عدم المجموع وعدم كل فرد فرد: فرق ظاهر، والمستدل يقول: عدم كل واحد أزلي، فمجموع الأعدام أزلي.
وهذا بمنزلة أن يقول: كل واحد من الأفراد حادث، فالمجموع حادث، أو كل حادث فله بداية فالمجموع له بداية، وبمنزلة أن يقول: كل حادث فله انقضاء، فمجموع الحوادث له انقضاء، أو كل واحد مسبوق بغيره، فالمجموع مسبوق بغيره.
فإذا قال المتكلم عن المستدل: قول المعترض: (إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه) ليس بمستقيم، فإنها مجتمعة في الأزل.
قال المتكلم عن المعترض: ليس الأزل ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، كما أن الأبد ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، ولكن معنى كون الشيء أزليا: أنه ما زال موجودا، أو ليس لوجوده ابتداء، ومعنى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 348)
كونه أبديا، أنه لا يزال موجودا، أو ليس لوجوده انتهاء.
ومعنى كون عدم الشيء أزليا: أنه ما زال معدوما حتى وجد، وإن كان عدمه مقارنا لوجود غيره.
وقائل ذلك يقول: لا يتصور اجتماع هذه العدمات في وقت من الأوقات أصلا، بل ما من حال إلا فيه عدم بعضها ووجود غيره، فقول القائل: (إن العدمات مجتمعة في الأزل) فرع إمكان اجتماع هذه الأعدام، واجتماع هذه الأعدام ممتنع.
وسيأتي تمام الكلام على ذلك بعد هذا.
الثالث والتعليق عليه
قال الرازي: (الثالث) : إنه إن لم يحصل شيء من الحركات في الأزل، أو حصل ولم يكن مسبوقاً بغيرها - فلكلها أول، وإن كان مسبوقاً بغيرها كان الأزل مسبوقاً بالغير) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ليس شيء من الحركات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 349)
الجزئية أزلياً، بل كل واحدة منها حادثة.
وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلم يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .
قلت: قول المستدل: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيرها فلها أول) يريد به: ليس مسبوقاً بحركة أخرى، فإن الحركة المعينة التي لم تسبقها حركة أخرى تكون لها إبتداء، فلا تكون أزلية، إذ الأزلي لا يكون إلا الجنس.
أما الحركة المعينة إذا قدرت غير مسبوقة بحركة كانت حادثة، كما أنها إذا كانت مسبوقة كانت حادثة، ولم يرد بقوله: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيره فلها أول) أي لم يكن مسبوقاً بغير الحركات، فإن ما كان في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيره لا يكون له أول، فلو أراد بالغير غير الحركات لكان الكلام متهافتاً، فإن ما كان أزلياً لا يكون مسبوقاً بغيره، فالجنس عند المنازع أزلي، وليس مسبوقاً بغيره، والواحد من الجنس ليس بأزلي، وهو مسبوق بغيره.
وما قدر أزلياً لم يكن مسبوقاً بغيره.
سواء كان جنساً أو شخصاً، لكن إذا قدر أزلياً - وليس مسبوقاً بغيره - فكيف يكون له أول؟ ولكن إذا قدر مسبوقاً بالغير كان له أول، فالمسبوق بغير هو الذي له أول، وأما ما ليس مسبوقاً بغيره فكيف يكون له أول؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)
ومع هذا فيقال له: تقدير كون الحركة المعينة في الأزل ومسبوقة بأخرى جمع بين النقيضين، فهو ممتنع لذاته، والممتنع لذاته يلزمه حكم ممتنع، فلا يضر ما لزم على هذا التقدير.
وأما على التقدير الآخر - وهو حصول شيء منها في الأزل مع كونه مسبوقاً - فقد أجابوا الأرموي: بأن وجود الحركة المعينة في الأزل محال أيضاً، وإذا كان ذلك ممتنعاً جاز أن يلزمه حكم ممتنع، وهو كون الأزلي مسبوقاً بالغير، وإنما الأزلي هو الجنس، وليس مسبوقاً بالغير.
وقد اعترض بعضهم على هذا الاعتراض بأن قال: فحيئنذ ليس شيء من الحركات حاصلاً في الأزل، إذ لو حصل في الأزل لا متنع زواله، وما هذا شأنه يمتنع كوناً أزلياً.
وجواب هذا الاعتراض أن يقال: ليس شيء من الحركات المعينة في الأزل، إذ ليس شيء منها لا أول له، بل كل واحد منها له أول، لكن جنسها: هل له أول؟ وهذا غير ذلك، والمنازع يسلم أن ليس شيء من الحركات المعينة أزلياً، وإنما نزاعه في غير ذلك، كما أنه يسلم أنه ليس شيء من الحركات المعينة أبدياً، مع أنه يقول: جنسها أبدي.
الرابع والتعليق عليه
قال الرازي: الوجه الرابع: (كلما تحرك زحل دورة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)
تحركت الشمس ثلاثين فعدد دورات زحل أقل من عدد دورات الشمس، والاقل من غير متناه، والزائد على المتناهي بالمتناهي متناه، فعددهما متناه) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: تضعيف الواحد إلى غير النهاية أقل من تضعيف الاثنين كذلك مع كونهما غير متناهيين)
قلت: هذا الذي ذكره الأرموي معارضة ليس فيه منع شيء من مقدمات الدليل، ولا حل له، ثم قد يقول المستدل: الفرق بين مراتب الأعداد وأعداد الدورات من وجهين.
أحدهما: أن مراتب الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، وإنما يقدرها الذهن تقديراً، كما يقدر الأشكال المجردة يقدر شكلاً مستديراً وشكلاً أكبر منه وشكلاً أكبر من الآخر وهلم جراً، وتلك الأشكال التي يقدرها الذهن لا وجود لها في الخارج، وكذلك الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، فالكم المتصل أو المنفصل إذا أخذ مجرداً عن الموصوف به لم يكن إلا في الذهن، وكذلك الجسم التعليمي - وهو أن يقدر طول وعرض وعمق مجرد عن الموصوف به - وإذا كان كذلك لم يلزم من إمكان تقدير ذلك في الذهن إمكان وجوده في الخارج، فإن الذهن تقر فيه الممتنعات، كاجتماع النقيضين والضدين، فيقدر فيه كون الشيء موجوداً معدوماً، وكون الشيء متحركاً ساكناً، ويقدر فيه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)
أن كون الشيء لا موجوداً ولا معدوماً، ولا واجباً ولا ممكناً ولا ممتنعاً، إلا غير ذلك من التقديرات الذهنية التي لا تسلتزم إمكان ذلك في الخارج، ولهذا يمكن تقدير خط لا يتناهى وسطح لا يتناهى، وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية وأبعاد لا نهاية لها، ولا يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له في الذهن إمكان ذلك في الخارج، والمنازعون يسلمون امتناع أجسام لا يتناهى قدرها وأبعاد لا تتناهى وعلل ومعلولات لا تتناهى، مع إمكان تقدير ذلك في الذهن.
فإذا قيل لهم: كذلك تقدير أعداد لا تتناهى، أو تقدير مراتب أعداد لا تتناهى بعضها أفضل من بعض، إذا قدر في الذهن لم يدل ذلك على إمكان وجوده في الخارج - بطلت معارضتهم، وكان من عارض تقدير الأعداد التي لا تتناهى بتقدير الأشكال التي لا تتناهى وتقدير التفاضل في هذا كالتفاضل في هذا: أولى ممن عارض تفاضل الدورات بتفاضل مراتب الأعداد، فإنه إذا قيل: تضعيف الواحد إلى غير نهاية أقل من تضعيف الاثنين.
قيل: وإذا فرض خط عرضه بقدر الكف لا يتناهى طولاً وخط عرضه بقدر الذراع لا يتناهى، فالذي بقدر الكف أقل، وإذا فرض أجسام مستديرة كل منها بقدر رأس الإنسان لا تتناهى، وأخرى كل منها بقدر الفلك لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)
تتناهى، كانت مقادير تلك أصغر، مع أن الجميع لا يتناهى، كان معلوماً أن هذه المعارضة أعدل وأولى بالقبول من تلك المعارضة.
الوجه الثاني: إن كان تضعيف الأعداد ومراتبها وسائر المقادير إلى غير نهاية كان هذا التضعيف إنما هو في الذهن، فكل ما يتصوره الذهن من ذلك ويقدره فهو يتناهى، والذهن لا يزال يضعف حتى يعجز، وهكذا أذا نطق بأسماء الأعداد أو بألفاظ فلا يزال ينطق حتى يعجز، وإن قدر أنه لا يعجز بل لا يزال الذهن يقدر اللسان ينطق فإن جميع ذلك داخل في الوجود الذهني واللفظي والجناني واللساني، وكل ما يدخل من ذلك في الوجود فهو متناه وله مبدأ محدود، فله أول ابتدء منه، وهو من ذهن الإنسان ولفظه، وكل ما يوجد منه متعاقباً فإنه منتهاه، لكن هذا يدل على جواز ما لا نهاية له في المستقبل، وأن الشيء قد يكون له بداية ولا يكون له نهاية، فإن ما يخطر بالأذهان وينطق به اللسان له بداية، ويمكن وجود ما لا يتناهى منه، ومن هذا الباب أنفاس أهل الجنة وألفاظهم وحركاتهم، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ومن هذا الباب تسبيح الملائكة دائماً.
فهذا المذكور من تضعيف الأعداد ذهناً ولفظا يدل على وجود ما لا يتناهى في المستقبل إذا كان له بداية محدودة، وأما التفاضل فيه - سواء أريد به تضعيف الذهن، أو اللسان، أو جميعهما - فمعلوم أنه إذا قيل: ضعف الواحد وضعف ضعفه وضعف ضعف ضعفه وهلم جراً،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)
وقيل: ضعف الاثنين وضعف ضعفهما وضعف ضعف الضعف وهلم جرا، فإن أريد بكون تضعيف الواحد أقل من تضعيف الاثنين، أن ما وجد من نطق اللسان بالتضعيف أو ما يخطر بالقلب من التضعيف أقل، فهذا ممنوع إذا قدر التساوي في المبدأ والحركة، وإن قدر التفاضل فأكثرهما أسبقهما مبدأ وأقواهما حركة، وحينئذ فقد يكون تضعيف الواحد هو الأكثر.
وإن أريد بذلك أن مسمى أحد اللفظين أكثر مما في كل مرتبة من مراتب التضعيف، فإذا ضعف الواحد خمس مرات كان اثنين وثلاثين، وإذا ضعف الاثنان خمس مرات كان أربعاً وستين مرة، فهذه الأربع والستون ليست معدوداً موجوداً في الخارج ولا في الذهن حتى يقال: وجد التفاضل فيما لا يتناهى، وإنما نطق بلفظ أعداد متناهية، والمعدودات ليست موجودة لا في الذهن ولا في الخارج، فلو قدر وجود ألفاظ الأعداد من هذه المرتبة ومن هذه المرتبة في الذهن واللسان لم يلزم إذا قدر أنهما غير متناهيين أن يكونا متفاضلين مع استوائهما في المبدأ والحركة.
وإن أراد أن مسمى هذا لو وجد لكان أكبر من مسمى هذا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)