وإذا كان كذلك فكون الحصول الذي هو مسبوق بحصول آخر إذا كان ذلك لازماً له كان من الصفات اللازمة، وإذا افترق الشيئان في الصفات اللازمة لم يجب أن تكون حقيقة أحدهما مثل حقيقة الآخر.
فإن المتماثلين هما المشتركان فيما يجب ويجوز ويمتنع، فإذا وجب لأحدهما ما لا يجب للآخر لم يكن مثله.
وللأرموي أن يقول: قد تبين بطلان المقدمتين، سواء كان بطريقة المنطقيين، أو بطريقة سائر أهل النظر الذين أنكروا على المنطقيين ما ذكروه، كما أنكر سائر طوائف أهل النظر من المسلمين وغيرهم عليهم كثيراً مما ذكروه في الحدود وغيرها، كما هو معروف في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية وطوائف الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وليس المقصود هنا بسط ما يتعلق بهذا.
قال الرازي: (وإنما قلنا السكون لا يمتنع زواله، لأن الخصم يسلم جواز حركة كل جسم، ولأن المتحيز يجوز خروجه من حيزه، لأنه إن كان بسيطاً كانت طبائع جوانبه متساوية، فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر، وإن كان مركباً كان هذا لازماً لبسائطه، وخروجه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 376)
عن حيزه هو الحركة.
ولقائل أن يقول: هذا يقتضي إمكان كون نوع الجسم يقبل الحركة، فإذا قدر أن السكون وجودي وله موجب مستلزم له، كان امتناع الحركة لمعنى آخر يختص به الجسم المعين لم يوجد لغيره من الأجسام، فلا يلزم إذا قدر أنه موجود أزلي أنه يمكن زاواله، بل هذا جمع بين المتناقضين، فما قدر موجوداً أزلياً لا يمكن زواله بحال، ولا يمكن أن يجمع بين تقديرين متناقضين، وقبول كل جسم للحركة لا يحتاج إلى هذا.
فإذا قيل: (إن السكون عدم الحركة) أمكن مع كون السكون أزلياً من إثبات الحركة ما لا يمكن مع تقدير كونه وجودياً، وذلك أنه حينئذ لا تتوقف الحركة إلا على وجود مقتضيها وانتفاء مانعها، وليس هناك معنى وجودي أزلي يحتاج إلى زواله.
وقد أورد بعضهم على استدلاله على أن السكون أمر وجودي اعتراضاً بالغاً، فقال: هذا فيه نظر من جهة أن مقدمة الدليل مناقضة للمطلوب، لأن المطلوب كونهما وجوديين، ومقدمة الدليل أن أحدهما وجودي، ولا يمكن تقريره إلا بما سبق، وهو يقتضي أن يكون أحدهما عدمياً، فادعاء كونهما وجوديين بعد ذلك مناقض له.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 377)
قلت: وهذا كلام جيد، فإن الأمرين اللذين تبدل أحدهما بالأخر ورفعه: إن لزم أن يكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً لزم أن تكون الحركة والسكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، وهو نقيض المطلوب، وإن جاز أن يكونا جميعاً وجوديين أو عدميين بطل الدليل - وهو قوله: لأن تبدل أحدهما بالآخر يقتضي أن يكون أحدهما وجودياً، لان المرفوع إن كان وجودياً وإلا فالرافع وجودي، لأن رفع العدم ثبوت - فإنه على هذا التقدير يمكن رفع العدم بالعدم، والوجود بالوجود.
وإن قيل: بل يجب أن يكونا وجوديين، أو يكون أحدهما وجودياً، ولا يجوز أن يكونا عدميين، لأن العدم لا يرتفع بالعدم كما يرتفع الوجود بالوجود والعدم بالوجود، أو بالعكس.
قيل: بل العدمان قد يتضادان كما قد يتلازمان، فكما أن عدم الشرط مستلزم لعدم المشروط، فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها، فإذا كان الجنس لا يوجد إلا بوجود نوع له فصل امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الأنواع والفصول، فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها.
وهذا كما يقال في التقسيم، وهو الشرطي المنفصل: قد يكون مانعاً من الجمع والخلو، كقول القائل: العدد إما شفع وإما وتر، وقد يكون مانعاً من الجمع فقط، كقول القائل: الجسم إما أسود وإما أبيض، وقد يكون مانعاً من الخلو فقط، فما كان مانعاً من الخلو فقط
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 378)
أو من الجمع: امتنع اجتماع العدمين فيه، فكما أن الشفعية تنافي الوترية في العدد فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية، لا ثبوتها، فلا يحصل العدمان معاً، بل إذا ثبت أحد العدمين لم يثبت العدم الآخر، فيكون الدعم رافعاً للعدم.
وأيضاً فمطلوب المستدل: أن تكون الحركة والسكون وجوديين، فإذا قال: (تبدل الحركة بالسكون يقتضي كون أحدهما وجودياً، لأن رفع العدم ثبوت) كان إثبات كونهما وجوديين موقوفاً على تقدير كون أحدهما عدمياً، لأنه قال (لأن رفع العدم ثبوت) فإن لم يكن أحدهما عدمياً لم يصح هذا، وإذا كان المرفوع عدمياً امتنع أن يكونا وجوديين، والمطلوب كونهما وجوديين، فصار المطلوب مناقضاً لمقدمة الدليل، كما ذكره المعترض.
لكنه قال: فالأولى أن يقال في تقريره: إن الحركة وجودية إجماعاً، ولأنه مبصر، فوجب أن يكون السكون أيضاً وجودياً بالتقرير الذي سبق.
ثم ذكر اعتراض الأرموي فقال: وأورد بينهما إما تقابل التضاد أو العدم والملكة، والبديهة حاكمة باختلاف ماهية المتضادين والمتقابلين.
قال: وأجيب بان التضاد بين الشيئين إذا كان عارضاً لهما كما بين الأسود والأبيض لم يلزم ذلك، وما نحن فيه كذلك، فإن التضاد عارض لهما بسبب المسبوقية بالغير، وهي عدمية، فلم يجز أن تكون
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 379)
جزءاً ولأنه ليس جعل السكون عبارة عن دعم الحركة أولى من العكس، فإما أن يكونا عدميين وهو باطل وفاقاً، وفتعين أن يكونا وجوديين.
ولقائل أن يقول: التضاد بين الحركة والسكون من جنس التضاد بين الحياة والموت، والعلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض، والعمى والبصر، والحلاوة والحموضة، ونحو ذلك من الصفات الثبوتية، أو التي بعضها ثبوتي وبعضها عدمي، ليس هو من جنس تضاد القائمين بأنفسهما، كالأسود والأبيض، فإن التضاد إنما يكون في المعتقبين اللذين يعتقبان على محل واحد، كما قال متكلمة أهل الإثبات: الضدان كل معنيين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة، فما لم يكن المعنيان قائمين بمحل واحد فلا تضاد، والحركة والسكون يعتقبان على المحل الواحد إما تعاقب اللونين والطعمين وإما تعاقب العلم والبصر والسمع وعدم ذلك، فكيف يكون أحدها مثل الآخر لا يفارقه إلا بصفة عرضية؟ وفي الجملة: فالحركة والسكون هما إن كانا وجوديين فهما عرضان، وإن كان أحدهما وجودياً فأحدهما عرض والآخر عدم العرض، وعلى التقديرين: فليسا قائمين بأنفسهما، فلا يجوز تشبيهما بالأجسام، كالأسود والأبيض، والطويل والقصير، والعالم والجاهل، بل يجب تشبيههما بالاعراض وعدم كالسواد والبياض والعلم وعدم العلم ونحو ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 380)
فقول الأرموي: (إن الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين، أو تقابل العدم والملكة.
وعلى التقديرين: يجب اختلاف ماهيتها لا تماثلهما) كلام صحيح، وقول المعارض له: إن الاختلاف إذا كان لعارض كما بين الأسود والأبيض: لم يجب اختلاف الماهيتين، فإن ماهية الأسود من جنس ماهية الأبيض: كلام باطل، لأن الأسود والأبيض من باب الأجسام القائمة بأنفسهما، لا من باب الصفات والأعراض.
وأيضاً، فالأسود والأبيض لا يتقابلان تقابل الضدين، ولا تقابل العدم والملكة فليس من هذا الباب، اللهم إلا إذا مريد بذلك: أن الحيز الذي فيه الأسود لا يكون فيه الأبيض، وحينئذ فيكون تضاد الأبيض والأسود كتضاد الأسودين والأبيضين.
وأيضاً، فيقال: اختلاف الأسود والأبيض يراد به اختلاف عينهما، مع قطع النظر عن السواد والبياض، أوبشرط السواد والبياض، فإن أريد الأول فلا اختلاف بين ذاتيهما مع قطع النظر عن اللونين، فإن الجسم الذي هو الأسود قد يكون نفس الجسم الذي هو الأبيض وإن أريد بالاختلاف اختلافهما بشرط اللون المختلف، فحينئذ يكون اختلافهما كاختلاف السواد والبياض، فإن الشيء المشروط بالسواد مخالف للشيء المشروط بالبياض.
ولا يجوز أن يقال: إن الذاتين متماثلين إلا مع التجريد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 381)
عن الاختلاف، وإلا فإذا أخذت الذاتين مشروطتين بالاختلاف لم يكونا متماثلتين التماثل الذي لا يشترط فيه الاختلاف، كيف والتماثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر؟ والشيء في حال سواده لا يجوز أن يكون أبيض، وهو في حال بياضه لا يكون أسود؟ فلا يكون الأسود حال كونه مشروطاً بالسواد يجوز عليه ما يجوز على الأبيض حال كونه مشروطاً بالبياض.
وقول القائل: (إن الإختلاف بين الحركة والسكون عارض بسبب المسبوقية بالغير) ليس بمسلم له، فإنه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال، كما يعقل التضاد بين العلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض.
وقول القائل: (ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة بأولى من العكس) دعوى مجردة، فلا نسلم انتفاء هذه الأولوية، بل هذه الدعوى بمنزلة قول القائل: ليس جعل العمى عدم البصر بأولى من العكس، وليس جعل الصمم عدم السمع بأولى من العكس، وليس جعل الجهل البسيط عدم العلم بأولى من العكس، وليس جعل المتقابلين عدماً والآخر وجوداً بأولى من العكس.
ومعلوم أن كل هذه دعاى مجردة بل باطلة، فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودي، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر أمر وجودي، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 382)
عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظياً، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزماً لأمر وجودي، مثل الحياة مثلاً، فإن عدم حياة البدن مثلاً مستلزماً لأعراض وجودية.
والناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ ومن قال: (إنه وجودي) احتج بقوله تعالى: {خلق الموت والحياة} (الملك: 2) فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارىء يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي.
وكذلك تنازعوا في الظلمة: هل هي وجودية أو عدمية.
وهي عدم النور عما من شأنه قبوله، ومن قال: (إنها وجودية) يحتج بقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام: 1) والآخر يقول: كل ما يتجدد ويحدث من الأمور الوجودية والعدمية، فالله سبحانه جاعله، أو يقول: عدم النور مستلزم لأمور وجودية، هي الظلمة المجعولة، وكون السكون وجودياً أبعد من كون الموت والظلمة ونحو ذلك وجودياً، والسكون قد يراد به قوة في الجسم تمنع حركته، كالطبيعة التي في الحجر التي توجب استقراره في الأرض، وهذا أمر وجودي، لكن من قال (إن السكون عدمي) لم يجعل تلك الطبيعة هي السكون، بل قد يسمون ذلك اعتماداً، ويفرقون بين السكون والاعتماد، لكن قد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 383)
يقال له: فالجسم إذا كان ساكناً، فإما أن يكون السكون وجودياً أو مستلزماً لأمر وجودي، وحينئذ فالمقتضى لذلك الأمر الوجودي: إما موجب بنفسه، ويساق الدليل إلى آخره، لكن من قال: (إن الجسم الأول كان ساكناً في الأزل ثم تحرك) يقول في هذا ما يقوله القائلون بحدوث الأجسام، فإنهم إذا قالوا: (حدثت هي وحركتها من غير سبب يقتضي حدوثها) قال لهم هذا المنازع: بل كان ما قدر قديماً من الأجسام ساكناً، ثم حدثت حركته من غير سبب يقتضي حركتها، وهذا يقوله من يقول: إن الأول جسم، وإنه يتجدد له الفعل بعد أن لم يكن له فاعلاً، ويقول: الكلام في حدوث الفعل القائم به كالكلام في حدوث المفعول المنفصل عنه.
وذلك أن أهل الكلام والنظر من أهل القبلة وغيرهم تنازعوا في ثبوت جسم قديم:
فطائفة قالت: بامتناع جسم قديم، وحدوث كل جسم، وتنازعوا في المحدث للجسم، هل أحدث بعد أن لم يكن محدثاً بدون سبب حادث أصلاً، أم لا بد من سبب حادث؟ وهل تقوم به أمور حادثة كإرادة حادثة، وتصور حادث، بل وفعل حادث؟ على قولين لهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 384)
وطائفة قالت بثبوت جسم قديم: ثم هؤلاء منهم من قال: لم يزل فاعلاً متحركاً، ومنهم من قال: بل تجدد له الفعل والحركة، فإذا احتج الأولون على هؤلاء بأن الجسم لو كان أزلياً لم يخل من الحركة والسكون، والحركة لا تكون أزلية، لامتناع دوام الحوادث وتسلسلها، والسكون لايكون أزلياً لأنه وجودي، فلو كان أزلياً لامتنع زواله، لأن الوجودي الأزلي يمتنع زواله، لأن المقتضي له إما موجب بنفسه أو لازم للموجب بنفسه، ثم نقول: والسكون يجوز زواله فلا يكون أزلياً.
أجابوهم عن جواز الحوادث بأجبوتهم المعروفة كما تقدم التنبيه على ذلك، وأجابوهم على السكون الأزلي بأن قالوا: ما ذكرتموه يناقض ما ذكرتموه في حدوث الأجسام.
وذلك أنكم إذا قلتم بحدوثها فلا يخلو: إما أن تقولون بجواز تسلسل الحوادث، وإما أن لا تقولوا بجواز ذلك.
فإن قلتم بجواز تسلسل الحوادث وأن الأجسام حدثت بشرط حوادث متعاقبة، كما قال ذلك من قاله من القائلين بحدوث الأجسام، كالأرموي والأبهري وغيرهما.
قالوا لهم: فإذا جوزتم تسلسل الحوادث بطل دليلكم على امتناع التسلسل في الآثار، وأمكن حينئذ أن يكون الجسم القديم لم يزل متحركاً، فبطل دليلكم على حدوث الجسم.
وإن قلتم لا يجوز تسلسل الحوادث والآثار، وقلتم بحدوث
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 385)
الأجسام من غير سبب حادث - لزم أن لا يكون حدوث الحادثات متوقفاً على سبب حادث، بل كان الفاعل المختار يحدث ما يحدث من غير سبب حادث أصلاً، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن وافقهم.
وحيئنذ فيقول لهم منازعوهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: فيجوز حينئذ أن يكون الجسم القديم الازلي تحرك بعد أن كان ساكناً من غير سبب أوجب ذلك، بل بمحض المشيئة والقدرة، لأن القادر المختار يمكنه ترجيح احد طرفي الممكن بلا مرجح: يرجح السكون تارة والحركة أخرى.
فإن قالوا هم: نحن نقول: (يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً، فإذا قلتم السكون أمر وجودي جعلتموه فاعلاً في الأزل لأمر وجودي.
والفعل في الأزل محال) .
قالوا لهم: نحن ليس لنا غرض في أن نجعل السكون أمراً وجودياً، ولا أن نجعله فاعلاً في الأزل لأمر وجودي، بل اتفقنا نحن وأنتم على أنه يفعل ما لم يكن فاعلاً له من غير سبب حادث، لكن نزاعنا في الفعل: هل يقوم به؟ وفي الفاعل: هل هو جسم؟ فإذا طالبتمونا بسبب فعله للحركة بعد السكون، قلنا لكم: هذا بمنزلة فعله لكل محدث بعد أن لم يكن فاعلاً، والفرق إنما يعود إلى محل الفعل لا إلا سببه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 386)
ومقتضيه.
وتلك مسألة أخرى قد تكلم عليها في غير هذا الموضع وإلا فمن جهة المطالبة بسبب الفعل الحادث لا فرق بيننا وبينكم، بل قولنا أقرب إلى المعقول من قولكم، فإن أحداث الأمور المنفصلة بدون حدوث فعل يقوم بالفاعل أمر غير معقول، بخلاف العكس.
فإذا قالوا لهم: السكون أمر وجودي، فإذا كان أزلياً كان له موجب قديم، فيمتنع زواله.
قالوا لهم: حدوث ما يحدث إما أن يقف على سبب حادث، وإما أن لا يقف، فإن وقف على أمر حادث بطل قولكم بحدوث الأجسام، وإن لم يقف فقد يقال: فرق بين حدوث حادث يزيل أمراً وجودياً وحدوث حادث يزيل أمراً عدمياً، فإن لم يقف بطل قولكم بحدوث الاجسام، وإن وقف فلا فرق بين حدوث حادث يزيل أمراً وجودياً، أو حدوث حادث لايزيل أمراً وجودياً.
وذلك أنه إن جوز على الفاعل أن يحدث ما يحدث من غير تجدد أمر فقد تغير الأمر الذي لم يزل بلا سبب اقتضى التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته، وحيئنذ فيجوز أن يتغير السكون الذي لم يزل بدون سبب يقتضي التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته.
وإذا كان الفاعل القادر المختار قادر على أن يحدث ما يحدث ويجعل المعدوم موجوداً بدون سبب حادث أصلاً لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، كان قادراً على أن يجعل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 387)
الساكن متحركاً بدون سبب حادث أصلاً، لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا إحداث الاجسام التي تكون ساكنة ومتحركة أعظم من إحداث نفس حركاتها، فإذا أمكنه إحداثها بدون سبب حادث فإحداث حركاتها أمكن وأمكن.
ويقال لهم: لو خلق الباري تعالى جسماً ساكناً ثم أراد تحريكه بدون سبب حادث: أكان ذلك ممكناً أو ممتنعاً؟
فإن قلتم: (يمتنع ذلك) بطل مذهبكم ودليلكم.
وإن قلتم: (يمكن ذلك) قيل لكم: فالقول في زوال ذلك السكون كالقول في زوال غيره.
فإنه يقال: السكون أمر وجودي، وذلك السكون الوجودي لا بد له من سبب.
وحيئنذ فتجيء مسألة زوال الضد: هل هو بإحداث ضد آخر، أو بإحداث عدمه، أو بخلق فناء، أو نفس الاعراض لا تبقى؟ فيقال في هذا ما يقال في ذلك.
ومن قال: (السكون الوجودي لا يبقى زمانين بل ينقضي شيئاً فشيئاً) .
قيل له: فكذلك إذا قدر السكون قديماً فإنه لا يبقى زمانين، بل يحدث شيئاً فشيئاً، وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديماً بنفسه، كما قلتم في كل جزء من أجزاء الحركة: ليس هو قديماً بنفسه.
فإذا كان القائلون بأن السكون أمر وجودي يقولون: إنه يتجدد شيئاً فشيئاً كما يقولون مثل ذلك في الحركة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 388)
قيل لهم: فيكون دليلكم على امتناع كون الازلي ساكناً من جنس دليلكم على امتناع كونه متحركاً، وهو تناهي الحوادث، وقد تقدم الكلام فيه.
فإذا قالوا: (السكون أمر وجودي فإذا كان قديماً امتنع زواله، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه، لأن القديم إما أن يكون واجباً بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه) .
قيل لهم: هذا مثل أن يقال: عدم الفعل هو تركه، وترك الفعل أمر وجودي، فإذا كان قديماً امتنع عدمه، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه.
فإذا قالوا: (عدم الفعل ليس هو تركاً وجودياً) أمكن أن يقال: عدم الحركة ليس هو سكوناً وجودياً.
وقد ضعف الآمدي وغيره هذه الحجة: حجة الحركة والسكون، وهي فاسدة على أصول من يقول بان الأعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة، وهي في الأصل من حجج المعتزلة الذين يقولون بجواز بقاء الأعراض، لكن من ينازعهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: ممن يقول بإثبات جسم قديم، وأنه قام به من الفعل ما لم يكن قائماً - سواء سموا ذلك حركة، كما يقر بعضهم بذلك، أو لم يسموه حركة كما يمتنع بعضهم من ذلك - فإن المقصود المعاني العقلية لا الإطلاقات اللفظية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 389)
فإذا قال من قال من معتزلة البصرة: (إن إفناء الاجسام بإحداث فناء لا في محل، كما إن إحداثها بحدوث إرادة لا في محل) والتزموا حدوث عرض لا محل له، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، وأن من الحوادث ما يحدث بدون إرادة، وقالوا: لا يزوال الضد إلا بحدوث ضده.
قال لهم هؤلاء: فكذلك إذا قدرنا جسماً قديماً متحرك بعد أن كان ساكناً، كان زوال ذلك السكون بحدوث ضده من الحركة وحدوث ذلك بما به يحدث المنفصل، ومن قال: (العرض يعدم بإحداث إعدام) كما هو أحد القولين لمتكلمة أهل الإثبات من الأشعرية والكرامية وغيرهم، قالوا: ذلك السكون يعدم بإحداث إعدام والقول في سبب حدوث الإعدام كالقول في حدوث سبب الإحداث.
وإن قالوا: (إن السكون ينقضي شيئاً فشيئاً كما تنقضي الحركة شيئاً فشيئاً) كما قالوا مثل ذلك في سائر الأعراض - كما هو أحد قولي أهل الإثبات من الأشعرية وغيرهم - قالوا لهم: فالسكون إذن كالحركة، فكما أن الحركة متعاقبة الأجزاء فكذلك السكون.
ولا ريب أن هذه الأمور تلزم المستدلين بدليل الحركة والسكون لزوماً لا محيد عنه، وإنما التبس مثل هذا لأن الواحد من هؤلاء يبنى على المقدمة الصحيحة في موضع، ويلتزم ما يناقضها في موضع آخر، فيظهر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 390)
من تناقض أقوالهم ما يبين فسادها، لكن قد يكون ما أثبتوه في أحد الموضعين صحيحاً متفقاً عليه، فلا ينازعوهم الناس فيه ولا في مقدماته، وقد تكون المقدمات فيها ضعف، لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم مقدماتها.
وإنما يقع تحرير المقدمات والنزاع فيها إذا كانت النتيجة مورد نزاع.
والمسلمون متفقون على أن الله سبحانه وتعالى وصفاته اللازمة لذاته لايجوز عليها العدم، وقد اشتهر في اصطلاح المتكلمين تسميته بالقديم، بل غالب المعتزلة ومن سلك سبيلهم غالب ما يسمونه بالقديم، وإن كان من المعتزة وغيرهم من لايسميه بالقديم، وإن سماه بالأزلي، وأكثرهم يجعلون القدم أخص وصفه، كما أن الفلاسفة المتأخرين الإلهيين غالب ما يسمونه به (واجب الوجود) ، والمتقدمون منهم غالب ما يسمونه به (العلة الأولى) و (المبدأ الأول) .
فإذا قرر المقرر أن ما وجب قدمه امتنع عدمه كان من المعلوم أن الرب القديم الواجب الوجود يمتنع عدمه تعالى، وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره، حتى يقال: إنه يمتنع عدمه، والمتفلسفة القائلون بقدم الأفلاك يقولون: إنه يمتنع عدمها، فهذه المقدمة وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يصلح أن يستدل بها من قال بما يناقضها أو بما يستلزم ما يناقضها، فإن نفس ما يستدل به عليها إذا ناقض قوله أمكن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 391)
معارضه أن يبطل حجته بالاعتراض المركب، لاسيما إذا اقتضى فساد قوله على التقديرين.
فمن كان من أصل قوله إن الفاعل المختار له أن يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح أصلاً، بمجرد كونه قادراً، أو بمجرد إرادته القديمة، وقدر مع ذلك جسم قديم قادر مختار يقبل الحركة والسكون، كان تحركه بعد سكونه الدائم بمنزلة تحريكه لغيره، فإن أمكن تحركيه لغيره بمجرد كونه قادراً أو بمجرد إرادته أمكن ذلك في هذا الموضع، ولا يمتنع من ذلك إلا أن يقوم دليل على أن الجسم يمتنع قدمه، أو أن القديم يمتنع كونه يتحرك، لكن هؤلاء إذا لم يثبتوا حدوث الجسم أو امتناع تحريك القديم إلا بهذا الدليل لم يمكنهم أن يجعلوا من مقدمات الدليل حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم، بل إذا كان حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم موقوفاً على هذا الدليل كانوا قد صادروا على المطلوب، وجعلوا المطلوب حجة في إثبات نفسه، لكن غيروا العبارات، وداروا الدورات، وهم من موضعهم لم يتغيروا، فلهذا كان من وافقهم وفهم كلامهم حائراً لم يفده علماً، ومن لم يفهمه ووافقهم كان جاهلاً مقلداً لأقوام جهال ضلال يظهرون أنهم من أعلم الناس بأصول الدين والكلام والعقليات.
ثم إن الرازي ذكر من جهة المنازعين بأن هذه الوجوه الستة في امتناع كون الجسم أزلياً متحركاً - التي تقدمت، وتقدم اعتراض
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 392)
الأرموي عليها - معارضة: (بأن امتناع الحركة في الأزل إن كان لذاتها وجب أن لا توجد أصلاً، وإن كان لغيرها فذلك المانع إن كان واجباً لذاته فكذلك، وإن كان واجباً لغيره عاد الكلام فيه وتسلسل، أو ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، ولزم امتناع زوال المانع.
فإن قلت: المانع هو مسمى الأزل، لأنه ينافي المسبوقية بالغير التي تقتضيها الحركة، وإنه زائل فيما لايزال.
قلت: الترديد المذكور عائد في مسمى الأزل أنه: هل هو واجب لذاته أو لغيره؟) .
وأجاب الرازي عن هذه المعارضة فقال: (قوله: صحة الحركة أزلية، قلنا: إنه لايلزم من أزلية الصحة صحة الأزلية) .
قلت: ولقائل أن يقول: ما تعني بقولك: صحة الحركة أزلية، أتعني به: أنه يصح وجود الحركة في الأزل؟ أم تعني به أنه في الأزل يصح الحكم عليها بالصحة فيما لا يزال؟ أما الأول:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 393)
فهو تسليم للمطلوب، وأما الثاني: فهو حكم علمي لا كلام فيه.
كالأحكام العقلية الذهنية فينا، فإنه يصح في الأزل الحكم بالامتناع على الممتنعات كما يصح الحكم بالجواز على الجائزات، ثم يقال: الحركة في الأزل إما ممتنعة الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب وإما ممكنة، فإن كانت ممتنعة فهو باطل كما تقدم، وإن كانت ممكنة كان الدليل على امتناعها باطلاً، فبطلت الوجوه الدالة على امتناع الحركة في الأزل.
ولم يرض أبو الحسن الآمدي هذا الجواب الذي ذكره الرازي، بل ذكر جواباً آخر، فقال: (وجوابه أن يقال: لا يلزم من امتناع الوجود الأزلي على الحركة لذاتها امتناع الوجود الذي ليس بأزلي، فإذاً ما هو ممتنع غير زائل، وهو الوجود الأزلي، وما هو الجائز لم يكن ممتنعاً) .
قلت: ولقائل أن يقول: هذا يستلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب يوجب هذا الانقلاب بما لا ينضبط لا في الوجود ولا في العقل، فإن الإمكان الذاتي ثابت بالضرورة والاتفاق، وما من وقت يقدر فيه الإمكان إلا والإمكان ثابت قبله، لا إلى غاية، فليس للإمكان ابتداء محدود.
يبين ذلك: أنه قد يقال: صحة الحركة إو إمكان الحركة أو جواز
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 394)
الحركة، وصحة الفعل أو جواز أو إمكان الفعل إما أن يكون به ابتداء وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له ابتداء لزم أنها لم تزل جائزة ممكنة، فلا تكون ممتنعة، فتكون جائزة في الأزل.
وإن كان لجوازها ابتداء فمعلوم أنه ما من وقت يقدره الذهن إلا والجواز ثابت قبله، فكل ما يقدر فيه الجواز فالجواز ثابت قبله لا إلى غاية، فعلم أنه ليس للجواز بداية، فيكون جواز ثبوت الحركات دائماً لا ابتداء له، ويلزم من ثبوت الجواز عدم الامتناع.
وإذا قال القائل: إن مسمى الحركة ممتنع في الأزل، قيل: معنى هذا الكلام أن مسمى الحركة يمتنع أن يكون قبله حركة أخرى لا إلى أول، وزوال الأزل ليس موقوفاً على تجدد أمر من الأمور، فإن المتجدد هو من الحوادث، فتكون الحركة ممتنعة، ثم صارت ممكنة من غير تجدد أمر من الأمور.
فإن قيل: المتجدد هو عدم الأزل أو انقضاء الأزل أو نحو ذلك.
قيل: عدم الأزل ليس شيئاً كان موجوداً فعدم ولا معدوماً فوجد، إذ معنى الأزل في الماضي كمعنى الأبد في المستقبل، فما ليس بأزلي فهو متجدد حادث، فإذا قيل (يشترط في جواز المتجدد الحادث تجدد المتجدد الحادث) كان المعنى أنه يشترط في إمكان الشيء ثبوته، ومن المعلوم أن ثبوته كاف في إمكانه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 395)