وما من حين يقدر موجوداً إلا وليس هو الأزل، ففي كل حين بعضهما موجود وبعضها معدوم، فوجود البعض مقارن لقدم البعض دائماً وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه اشتراكهما في أن كل واحد ليس له أول، وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في كل حين واحد منها موجوداً، وعدمه زائلاً، ولا تناقض بين اشتراكها في عدم الابتداء، ووجود أشخاصها دائم، إلا إذا قيل: يمتنع جنس الحوادث الدائمة.
وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي والأرموي في الوجه الأول.
قال: فإن قلت: الأزلي الحركة الكلية، بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بالآخر، لا إلى أول، لا أفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير.
ثم قال: قلت: فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارح، لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج، وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي.
ولقائل أن يقول: هذا غلط نشأ من الإجمال الذي لفظ الكلي.
وذلك أنه إنما يمتنع وجود الكلي في الخارج مطلقاً، إذا كان مجرداً عن أفراده، كوجود إنسان مطلق، وحيوان مطلق، وحركة مطلقة، لا تختص بمتحرك.
ولا بجهة ولون مطلق، لا يكون أبيض ولا أسود، ولا غير ذلك من الألوان المعينة.
فإذا قدر حركة مطلقة لا تختص بمتحرك معين كا ن وجودها في الخارج ممتنعاً.
وأما الحركات المتعاقبة، فوجود الكلي فيها هو وجود تلك الأفراد، كما إذا وجد عدة أناسى فوجود
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 38)
الإنسان الكلي هو وجود أشخاصه، ولا يحتاج أن يثبت للكلي في الخارج وجوداً غير وجود أشخاصه، بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده.
ومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقلاء، وإن كانوا قد يتنازعون في أن الكلي المطلق لا بشرط، وهو الطبيعي: هل هو موجود في الخارج، أم لا؟ وحيئنذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئاً بعد شيء، فكل فرد مسبوق بالغير، وليس هذا الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضهم شيئاً فشيئاً بمسبوق بالغير.
وإن شئت قلت: لا نسلم أن الكلي لا يوجد في الخارج، ولكن نسلم أنه لا يوجد في الخارج كلياً، وهذا هو الكلي الطبيعي، وهو المطلق لا بشرط، كمسمى الإنسان لا بشرط، فإنه يوجد في الخارج، لكن معيناً مشخصاً، وتوجد أفراده إما مجتمعة وإما متعاقبة، كتعاقب الحوادث المستقبلة، فوجود الحركات المعينة كوجود سائر الأشياء المعينة، ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية، والمحكوم عليه بالأزلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئاً فشيئاً، لا يوجد مجتمعاً.
فإن قال القائل (مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع، كما يوجد من أفراد الإنسان) فقد صدق، وإن قال (إنه لا يوجد شيئاً فشيئاً) فهذا ممنوع.
وم قال ذلك لزمه أن لا يوجد في الخارج حركة أصلاً، لا متناهية ولا غير متناهية، وهذا مخالف للحس والعقل.
وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع، وتكلم في وجود الحركة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 39)
بكلام له، وقد نقله عنه الرازي وغيره، وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما سيأتي إن شاء الله.
قال الآمدي: (وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه في امتناع حوادث غير متناهية في إثبات واجب الوجود، وقد ذكرت فلا حاجة إلى إعادتها) .
وهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع ما لا يتناهى أربعة طرق، فزيفها واختار طريقاً خامساً، الأول: التطبيق، وهو أن يقدر جملة (فلو كا ما قبلها لا نهاية له، فلو فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة، ولتكن الزيادة عشرة مثلا، فالجملة الأولى: إما أن تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها، أو أزيد، أو أنقص.
والقول المساواة والزيادة محال، فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره، ولا أزيد.
وإن كانت الجملة الأولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية، فمن المعلوم أن التفاوت بينهما إنما هو بأمر متناه، وعند ذلك
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 40)
فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي على المتناهي.
ومحال أن يحصل بين ما ليس بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين.
وأيضاً فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه، فليطبق بين الطرفين الآخرين، بأن تأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عدواً مفروضاً، ومن الأخرى مثله، وهلم جراً، فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فيلزم منه مساواة الانقص للأزيد في كلا طرفيه: وهو محال.
وإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لانهاية له فقد تناهت، والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه، وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه فهو متناه) .
قال: (وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة، وعلى قواعد المتكلمين) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 41)
أما الفلاسفة فإنهم قضوا بأن كل ما له ترتيب وضعي كالأبعاد والامتدادات، أو الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً كالعلل والمعلولات، فالقول بعدم النهاية فيه مستحيل، وما سوى وذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل، وسواء كانت آحاده موجودة معاً كالنفوس بعد مفارقة الأبدان أو هي على التعاقب والتجدد كالأزمنة والحركات الدورية، فإن ما ذكروه - وإن استمر لهم فيما قضوا فيه بالنهاية - فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية.
وعند ذلك فلا بد من بطلان أحد الأمرين: إما الدليل إن كان اعتقادهم عدم النهاية حقاً، وإما اعتقاد عدم النهاية إن كان الدليل حقاً، لاستحالة الجمع) .
قال: (وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلولات والأزمنة والحركات قدح في الجمع، وهو قوله: إن ما لا ترتيب له وضعاً، ولا آحاده موجودة معاً - وإن كان ترتيبه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 42)
طبيعياً - فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق، وفرض الزيادة والنقصان فيه، بخلاف مقابله، لأن المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأضلاع، وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً، ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليس بمتناهيين، وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض، وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات والنفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها، وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها، وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الإلزام، مع اتحاد صورة القياسية من غير فرق.
وأيضاً، فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود الحساب مثلاً لا نهاية لأعدادها، وإن كانت الأوائل أكثر من الثواني بأمر متناه وهذه الأمور - وإن كانت تقديرية ذهنية - فلا خفاء أن وضع القياس المذكور فيها على نحو وضعه في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 43)
الأمور الموجودة بالفعل، فلا تتوهمن الفرق واقعاً من مجرد هذا الاختلاف.
والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الأخرى لابد وأن تكون له نسبة إلى الثاني غير مسلم، ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي إليه قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه) .
حول إبطال القول بعدم النهاية
قال: (وأما المتكلم فله في إبطال القول بعدم النهاية طرق، الأول: ما أسلفناه من الطريقة المذكورة، ويلزم عليه ما ذكرناه، ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف من ضرورة اعتقاد عدم النهاية، فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم لذلك، غير أن المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته، مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها) .
قال: (وما يقال: من أن المعني بكون المعلومات
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 44)
والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح أن يعلم، وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد، وما يصح أن يعلم ويوجد غير متناه، لكنه من قبيل التقديرات الوهمية، والتجويزات الإمكانية، وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه، بخلاف الأمور الوجودية، والحقائق العينية.
فلا أثر له في القدح أيضاً، فإن هذه الأمور - وإن لم تكن من موجودات الأعيان، غير أنها متحققة في الأذهان، ولا يخفى أن نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود عيني) .
تعليق ابن تيمية
قلت: التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره، والآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثراً.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 45)
والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوحه في القدرة، فإن تعلقها بالمعدوم من باب التجويز، بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز، فإن المعدوم هنا معلوم للعالم، ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح أن يعلم بها المعدوم إذا وجد، بل هو معلوم قبل وجوده، بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم معناه أنها صفة صلاحة لتعلق المعدوم إذا وجد.
قلت: وأيضاً فإن قول القائل: المعني بكون المعلومات والمقدروات غير متناهية هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق، وهو وإن سلم في القدرة، فلا يسلم في العلم، فإن الكلام ليس هو في إمكان العلم بها، بل في العلم الذي يقال إنه علم موجود أزلي متعلق بما لا نهاية له، وهذا أمر موجود.
وعن هذه الشبهة صار طائفة من النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع العرض، كما قاله أبو المعالي، وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري وداود الجواربي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 46)
قال أبو المعالي: (الأجسام جنس واحد، والأعراض أجناسها محصورة، وأفراد الجنس غير محصورة) قال: (فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى، لأنه يجب حينئذ وجود ما لا يتناهى في العلم، والدليل دال على نفي النهاية في هذا وهذا) .
قال: (وأما آحاد الأعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالاً، وأما الجواب بصلاحية التعلق فهو جواب الشهرستاني ونحوه) .
الثاني
قال: (الطريق الثاني - يعني في بيان امتناع ما لا نهاية له - قوله: لو وجد أعداد لا نهاية لها لم تخل: إما أن تكون شفعاً أو وتراً، أو شفعاً ووتراً معاً.
أو لا شفعاً ولا وتراً، فإن كانت شفعاً فهي تصير وتراً بزيادة واحد، وإن كانت وتراً فهي تصير شفعاً بزيادة واحد، وإعواز الواحد لما لا يتناهى محال، وإن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 47)
كانت شفعاً ووتراً فهو محال، لأن الشفع ما يقبل الانقسام بمتساويين، والوتر غير قابل لذلك، والعدد الواحد لا يكون قابلاً وغير قابل له معاً، وإن لم يكن شفعاً ولاوتراً، فيلزم منه وجود واسطة بين النفي والإثبات، وهو محال، وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدد لا نهاية له، فالقول به محال) .
قال: (وهو محال من النمط الأول في الفساد، لوجهين: الأول: قد نسلم استحالة الشفعية أو الوترية فيما لا نهاية له، والقول بأن ما لا يتناهى لا يعوزه الواحد الذي به يصير شفعاً إن كان وتراً أو وتراً إن كان شفعاً، فدعوى مجردة، ومحض استبعاد لا دليل عليه.
الوجه الثاني: أنه يلزم عليه عقود الحساب، ومعلومات الله تعالى ومقدوراته، فإنها غير متناهية إمكاناً، مع إمكان إجراء الدليل المذكور فيها) .
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول فضعيف، فإن كون ما لا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 48)
يتناهى معوزاً للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة، بل يمكن أن يقال: ما لا يتناهى لا يمكن أن يكون لا شفعاً ولاوتراً، لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور الذي له طرفان: مبدأ، ومنتهى.
فأما إذا قدر ما لا مبدأ ولا منتهى له فليس عدداً محصوراً، فلا يكون شفعاً ولا وتراً، كما يقولوه المسلمون وغيرهم من أهل الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة: إنه لا شفع ولا وتر.
وهذا أيضاً قول الفلاسفة الطبيعية والإلهية: إن ما لا نهاية له لا يكون شفعاً ولا وتراً، وذلك أن ما لا نهاية له ليس طرفان.
والشفع: ما يقبل الانقسام بقسمين متساويين، وهذا إنما يعقل فيما له طرفان منتهيان، وإذا لم يمكن أن يكون شفعاً لم يمكن أن يكون وتراً.
وأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه، وما لا يتناهى لا تقدره الأذهان، بل كل مايضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه، والمراتب في نفسها متناهية، ولكن إحدى المرتبتين لو وجدت أفرادها في الخارج لكانت أكثر من الأولى، وليس ذلك تفاوتاً في أمور موجودة، ولا في الأذهان ولا في الأعيان.
الثالث
قال أبو الحسن الآمدي: (الطريق الثالث: أنه لو وجد أعداد لا نهاية لها.
فكل واحد منها محصور بالوجود، فالجملة محصورة بالوجود، وما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 49)
قال: (وهو أيضاً فاسد لثلاثة أوجه:
الأول: لا نسلم أن الوجود زائد على الموجود، حتى يقال: يكون الوجود حاصراً له، بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي.
الثاني: وإن كان زائداً على كل واحد من آحاد الجملة، فلا نسلم كونه حاصراً بل عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لايكون حاصراً له.
الثالث: سلمنا أن الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة، ولكن لا نسلم أن الحكم على الآحاد يكون حكماً على الجملة، ولهذا يصدق أن يقال لكل واحد من آحاد الجملة: إنه جزء الجملة، ولا يصدق على الجملة أنها جزء الجملة) .
تعليق ابن تيمية
ولقائل أن يقول: في إفساد هذا الوجه أيضاً: قول القائل (إنه محصور في الوجود) أيريد به أن هناك سوراً موجوداً حصر ما يتناهى أو ما لا يتناهى بين طرفيه، أم يريد به أنه موصوف بكونه موجوداً؟ فإن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 50)
أراد الأول فهو باطل، فإنه ليس للموجودات شيء خارج عن الموجودات يحصرها.
سواء قيل: إنها متناهية أو غير متناهية، وإن قيل: إن كل واحد مما لا يتناهى من الموجودات فهو موجود، فهذا حق.
فإذا سمى المسمى هذا حصراً كان هذا إطلاقاً لفظياً، وكان قوله حينئذ (ما لا يتناهى لا يكون محصوراً) بمنزلة قوله (لا يكون موجوداً) وهذا محل النزاع، فقد غير العبارة، وصادر على المطلوب.
ثم ما لا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق أهل الملل وعامة الفلاسفة، ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ونحوهما ممن هو مسبوق بإجماع المسلمين، محجوج بالكتاب والسنة، مخصوم بالأدلة العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وهو مع هذا محصور بالوجود، كما أن ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود، لكنهم يفرقون بأن الماضي دخل في الوجود، بخلاف المستقبل، ومنازعوهم يقولون: الماضي دخل، ثم خرج، فصارا جميعاً معدومين، والمستقبل لم يدخل في الوجود، وهة تفريق صوري، حقيقته أن الماضي كان وحصل، والمستقبل لم يحصل بعد.
فيقال لهم: ولم قلتم: إن كل ما حصل وكان يمتنع أن يكون دائماً لم يزل؟ وهو وإن كان متناهياً من الجانب الذي يلينا فالمستقبل أيضاً متناه في هذا الواجب، وإنما الكلام في الطرفين الآخرين.
وأيضاً فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 51)
ولا هذا موجود الآن، وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي، وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضياً ومستقبلاً أمر إضافي بالنسبة إلى ما يقدر متأخراً عن الماضي ومتقدماً على المستقبل، وإلا فكل ماض قد كان مستقبلاً، وكل مستقبل سيكون ماضياً، كما أن كل حاضر قد كان مستقبلاً، وسيصير ماضياً.
الرابع
قال الآمدي: (الطريق الرابع: أنه لو وجد ما لا يتناهى، فما من وقت يقدر إلا وهو متناه في ذلك الوقت، وانتهاء ما لا يتناهى محال) .
قال: (وهو أيضاً غير سديد، فإن الانتهاء من أحد الطرفين - وهو الأخير - وإن سلمه الخصم، فلا يوجب النهاية في الطرف الآخر.
ثم يلزم عليه عقود الحساب، ونعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، فإنه وإن كان متناهياً من طرف الابتداء فغير متناه إمكاناً في طرف الاستقبال) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي، وهو أنه: (لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية كان
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 52)
وجود اليوم موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال) .
وقد اعترض عليه الأرموي بما اعترض به هو وغيره، بأن انقضاء ما لا نهاية له محال.
وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه النزاع، وهو من جنس جواب الآمدي، فإن الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الآخر، والآخر هو الابتداء.
وقد تقدم ذلك.
كلام آخر للآمدي
ثم قال الآمدي: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكناً على ما وقع به الفرض.
فهي: إما متعاقبة، وإما معاً، فإن كانت متعاقبة فقد قيل: إن ذلك محال، لوجوه ثلاثة.
الأول: أن كل واحد منها يكون مسبوقاً بالعدم، والجملة مجموع الآحاد، فالجملة مسبوقة بالعدم، وكل جملة مسبوقة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 53)
بالعدم، فلوجودها أول تنتهي إليه، وكل ما لوجوده أول ينتهي إليه فالقول غير متناه محال.
الثاني: أن كل واحد منها يكون مشروطاً في وجوده علته قبله، ولا يوجد حتى توجد علته، وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها، وهلم جراً.
فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود، فلا وجود لواحد منها.
وهذا كما إذا قيل: لا أعطيك درهماً إلا وقبله درهم، فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطاً بإعطاء درهم قبله، وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية، كان الإعطاء محالاً.
الثالث: هو أن القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد عدمها في معلولها، وتأثير المعدوم في الموجود محال) .
قال: (وهذه الحجج مما لا مثبت لها.
أما الأولى فلأنه لا يلزم من سبق على كل واحد من الآحاد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 54)
سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم أن يكون حكماً على الجملة كما سبق تحقيقه.
وأما الثاني فإنما يلزم أن لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في الوجود غير موجود، كما في المثال المذكور.
وأما إن كان موجوداً فلا يلزم امتناع وجود المشروط.
والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع، فلا تقبل الدعوى به من غير دليل.
وأما الثالثة فإنما تلزم أيضاً أن لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد عدم علته، وليس كذلك، بل معناه: وجود المعلول متراخياً عن وجود علته مع بقاء علته موجودة إلى حال وجوده، وبقائه موجوداً بعد عدم علته، وكذلك في كل علة مع معلولها، وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، ولا أن تكون العلل والمعلولات موجودة معاً، وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار) .
قال: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 55)
متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة.
وعند ذلك فلا يخلو: إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل، فإن كان الأول ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم.
والحادث مسبوق بالعدم، فلو كان شيء منها في الأزل لكن مسبوقاً بالعدم ضرروة كونه حادثاً، وغير حادث ضرورة كونه أزلياً، وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل، ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على سبق غيره عليه، وهو المطلوب) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي، حيث قال: (إما أن يقال: حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، أو لم يحصل، فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه الحركات وجب أن يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول، وهو المطلوب.
وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، فتلك الحركة الحاصلة في الأزل إن لم تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات، وهو المطلوب، وإن كانت مسبوقة بغيرها لزم أن يكون الأول مسبوقاً بغيره، وهو محال) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 56)
وقد اعترض أبو الثناء الأرموي على هذا بأنه (ليس من الحركات الجزئية أزلياً، بل كل واحدة منها حادثة، وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلا يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .
وبيان هذا الاعتراض - فيما ذكره الآمدي - أن يقال: قوله: (إما ان يقال بوجود شيء منها في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 57)