الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل) جوابه: أنه ليس شيء بعينه موجوداً في الأزل، ولكن الجنس لم يزل متعاقباً، وحيئنذ يندفع ما ذكره على التقديرين: أما الأول فإنه قال: لو كان شيء منها موجوداً في الأزل لكان مسبوقاً بالعدم غير مسبوق بالعدم، وهذا إنما يلزم إذا قيل في واحد من الحوادث المتعاقبة: إنه قديم أزلي، وهذا لا يقوله عاقل.
وأما التقدير الثاني: فقوله: (وإن كان الثاني، فقول القائل: العلل والمعلولات المتعاقبة أو غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم) إنما يلزم إذا قيل: إن جنسها ليس بقديم ولا أزلي، وهذا محل النزاع.
وحقيقة الأمر أن قول القائل: (إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أولا وجود لشيء منها في الأزل) معناه: إما أن شيئاً منها قديم أزلي، أو ليس شيء منها قديماً أزلياً.
وهذا اللفظ محتمل، فإن أراد به أن واحداً من الحوادث المتعاقبة يكون قديماً أزلياً، فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم يزل يحدث شيئاً بعد شيء، وأنه لا أول للجنس، بل الجنس قديم أزلي، فهذا هو الذي يقولون.
وحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس.
وذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئاً له ابتداء محدود حتى يقال: هل حصل شيء منها في ذلك المبدأ المحدود؟ بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه: ما لا ابتداء لوجوده، ولا يقدر الذهن غايةً إلا كان قبل تلك الغاية، فإذا قال القائل: (هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل) كان معناه: هل منها قديم لا أول لوجوده لم يزل موجوداً؟
والمثبت لذلك إنما يقول: لم يزل الجنس موجوداً شيئاً بعد شيء، كما يقوله المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد، فيقولون: إنه لا يزال جنس الحوادث يحدث شيئاً بعد شيء، فلو قال القائل: (الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولاتكون فيما لا يزال، لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد، أو لا وجود لشيء منها في الأبد، فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأبدي لا يكون منقضياً، بل لا يزال موجوداً وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم، وما كان ملحوقاً بالعدم لم يكن أبدياً، لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم، كما أن الأزلي ما لا يسبقه العدم) كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال: الأبدي
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 58)
هو جنس الحوادث المنقضية، لا واحد واحد منها.
والجنس لا يلحقه العدم وإن لحق آحاده، كما قال تعالى {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} (ص: 54) وقال تعالى: {أكلها دائم} (الرعد: 35) فالدائم: هو الجنس، وكذلك الذي لا نفاد له هو الجنس.
لا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات.
قول آخر عن الآمدي
وقد أورد الآمدي على نفسه سؤالاً وأجاب عنه، فقال: (قولكم: إن لم يوجد شيء منها في الأزل فلها أول وبداية، فنقول: لا يلزم من كون كل واحد من العلل والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية، فإنه لا يلزم من الحكم على الآحاد أن يكون حكماً على الجملة، بل جاز أن يكون كل واحد من أحاد الجملة غير أزلي، والجملة أزلية، بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية) .
وقال في الجواب عن هذا: (قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في الأزل، وهو بعض الجملة، فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجوداً في الأزل، وإذا لم يكن شيء من الأبعاض موجوداً في الأزل، فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 59)
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: قوله: (لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) أيعني به وجود أبعاضها معها؟ أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة؟
أما الأول فلا يصح، لأن ما فرض متعاقباً لايمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه، وليس له وجود مجتمع في زمن واحد، حتى يمكن اجتماع أبعاضه معه، بل وجود أبعاضه - وهو متعاقب مع جملته - جمع بين النقيضين.
وإن عنى به وجود ابعضاها كيفما كان، فيقال له: هذا صحيح، والمنتفي إنما هو وجود شيء من أبعاضها في الأزل، ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها قديماً أزلياً أن لا يكون موجوداً، فإذا كان وجود الجملة موقوفاً على وجود أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن، وإن قال: (إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديماً أزلياً أو أبدياً) فهذا محل النزاع.
فتبين أن الجواب فيه مغلطة، وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما يحكم به على أفرادها، وقد بين هو وغيره فساد هذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 60)
الجواب، فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزلياً كان ذلك سلباً للأزلية عن أفراد الجنس، ونفي الأزلية هو لحدوث، فيصير معنى الكلام: إذا كان كل واحد من الأفراد أو الأبعاض المتعاقبة حادثاً وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثاً، وقد عرف فساد هذا الكلام.
وأبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة - أعني منع العلل المتعاقبة - في إثبات واجب الوجود، ولا حاجة بهم إليها، وهي مبنية على مقدمتين، إحداهما: أن العلة قد تتقدم المعلول، وقد ذكر هو في كتابه المسمى بـ (دقائق الحقائق) نقيض ما ذكره هنا في كتابه المسمى (أبكار الأفكار) وذكر في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه، وقال فيها: إن كانت العلل والمعلولات غير متناهية، فإما أن تكون متعاقبة أو معاً، لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم) .
والذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة لمعلوله، ولا كون المعلول معلولاً، إلى سبق العدم، فإن ما كان من
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 61)
المعلولات الوجودية مسبوقاً بالعدم: إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في حال وجوده، أو في حال عدمه، لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه، لامتناع اجتماع الوجود والعدم، فلم يبق إلا أن يكون موجوداً له في حال وجوده، لا بمعنى أنه أوجد بعد وجوده، بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة، بل يستند إليها، ولولاها لما كان، وإذا ذاك الفرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق بالعدم.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذه الحجة هي حجة ابن سينا وأمثاله، على أن المعلول يكون مع العلة في الزمان، وهي حجة فسادة، وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام، فإن الناس لهم في مقارنة المعولل لعلته والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال:
الأقوال في مقارنة المعلول لعلته الثانية
قيل: يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه، وهذا قول هؤلاء الدهرية، القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم، وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة، وأعظمها تناقضاً، فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء، فإن العلة التامة إذا كانت تسلتزم مقارنة معلولها لها في الزمان، وكان الرب علة تامة في الأزل - لزم أن يقارنه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 62)
كل معلول، وكل ما سواه معلول له: إما بواسطة، وإما بغير واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء.
وأيضاً، فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له، فيلزم تسلسل علل.
أو تمام علل ومعلولات في آن واحد.
وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
وإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم.
وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام، ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثراً تاماً، بعد أن لم يكن مؤثراً تاماً، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام.
وهذا قول كثير من أهل الكلام، منهم من يقول: القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح.
ومنهم من يقول: بل يرجح بالإرادة القديمة الأزلية.
ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول: بل يرجح مع كون الرجحان أولى لا مع وجوبه، وهو قول محمود الخوارزمي من الأولين، وهو قول محمد بن الهيثم الكرامي وغيره من الآخرين، فإن الكرامية مع الأشعرية والكلابية يقولون: المرجح هو الإرادة القديمة الأزلية، ويقولون: إن الإرادة لا توجب المراد.
لكن منهم من يقول: من شأن الإرادة أن ترجح بلا مزية للترجيح، بل مع تساوي الأمرين، كما
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 63)
تقوله الأشعرية: ومنهم من يقول: ترجيح أولوية الترجيح، وهذا قول الكرامية.
والقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخياً عنه، كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات.
وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر.
ومن الناس من فرق بين التأثير القادر المختار، وتأثير العلة الموجبة فزعم أن الأول لا يكون إلا مع تراخي الأثر، والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الأثر للمؤثر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 64)
وهذا أيضاً غلط، فإن الأدلة الدالة توجب التسوية لو قدر أنه يمكن أن يكون المؤثر غير قادر مختار، فكيف إذا كان ذلك ممتنعاً؟.
وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولاً معلولاً إلا بعد عدمه هو من القضايا الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين، وكل هؤلاء يقولون: ما كان معلولاً يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثاً مسبوقاً بالعدم.
وممن قال ذلك أرسطو وأتباعه، حتى ابن سينا وأمثاله صرحوا بذلك.
لكن ابن سينا تناقض مع ذلك، فزعم أن الفلك هو قديم أزلي، مع كونه ممكناً يقبل الوجود والعدم.
وهذا مخالف لما صرح به هو، وصرح به أئمته وسائر العقلاء، وهو مما أنكره عليه ابن رشد الحفيد، وبين أن هذا مخالف لما صرح به أرسطو وسائر الفلاسفة وأن هذا لم يقله أحد قبله.
وأرسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن، ولا يقول: إن الأول موجب بذاته للعالم، بل هذا قول ابن سينا وأمثاله، وهو - وإن كان أقرب إلى الحق مع فساده وتناقضه - فليس هو قول سلفه، بل قول أرسطو وأتباعه: إن الأول إنما افتقر إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به، لا لكون الأول علة فاعلة له.
وحقيقة قول أرسطو وأتباعه: أن ما كان واجب الوجود فإنه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 65)
يكون مفتقراً إلى غيره، فيكون جسماً مركباً حاملاً للأعراض، فإن الفلك عندهم واجب بذاته، وهو كذلك، كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع، وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم، وأن أتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم، فمنهم من يجعل الأول محدثاً للحركة بالأمر، وليس هذا قولهم، فإن الأول عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة، وإنما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به، فهو يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به، أو المعشوق لعاشقه، لا تحريك الآمر لمأموره، كما يزعمه ابن رشد وغيره.
ومنهم من يقول: بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك، كما يقوله ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضاً قولهم.
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضاً قولهم.
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا كأبي حامد الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم، ويذكرون ما ذكره ابن سينا من حججه، كما ذكره الآمدي في هذا الموضع، حيث قال: (إن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم، لأن تأثير العلة في المعلول إنما هو في حال وجود المعلول) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 66)
فيقال لهم: ليس في هذا ما يدل على أن المعلول يجوز أن يكون قديماً أزلياً غير مسبوق بالعدم، بل قولكم: (وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة.
فتبين أن ما ذكره الآمدي وغيره من امتناع الافتراق بين العلة والمعلول في الزمن، ووجوب مقارنتهما في الزمن، من أضعف الحجج، بل ما ذكره لا يدل على جواز الإقتران، فضلاً عن أن يدل على وجوب الاقتران، بل غاية ما ذكره أن سبق العدم ليس بشرط في إيجاد العلة، ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران، بل قد يقال بجواز الاقتران، وجواز التأخير.
وحينئذ فلقائل أن يقول: هذا الذي ذكرته، وإن كان باطلاً، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز أن يقارن المعلول العلة في الزمان، فيقترن الأثر
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 67)
بالمؤثر في الزمان، كما يقوله ابن سينا ومتابعوه.
وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر وتأثيره، كما يقوله أكثر المتكلمين.
وقيل: بل الأثر يتعقب التأثير، ولا يكون معه في الزمان، ولا يكون متراخياً عنه، وهذا هو الصواب، كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) لهذا يقال: طلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق، لا يقترن به ولا يتأخر عنه.
وبين أن من قال باقتران الأثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل، ويستلزم أن لا يحدث شيء في العالم، ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم أن المؤثر التام لا يستلزم الأثر، بل يحدث الحادث بلا سبب حادث، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا، وهو مع فساده غايته أن المعلول يجوز أن يقارن وجوده وجود
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 68)
العلة، لا يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم مع وجود العلة، وليس في هذا بيان أنه يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة.
والأقسام الممكنة ثلاثة: إما أن يقال بوجوب المقارنة، أو بوجوب التأخر، أو بجواز الأمرين، وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك، ولو دل فإنما يدل على جواز الاقتران، لا على وجوبه، وأنت فيما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول، فلا منافاة بين الأمرين.
وذلك أن غاية ما ذكرته أن المؤثر - أي: المعلول الذي هو المصنوع المفعول - إما أن تكون تأثيراته قديمة كواجب الوجود، وذلك لا ينفي أن يكون التأثير به هو الأحداث، فإن فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة، فليس كون التأثير فيها في حال وجودها مما ينفي أنه لا بد أن تكون محدثة.
وقولك: (إذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بينه أن يكون وجودها مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة، لاستواء الحالين.
والعقلاء يعلمون - بضرورة عقلهم - أن المبدع الفاعل لا يعقل أن يبدع القديم الأزلي الذي لم يزل موجوداً، وإنما يعقل إبداع ما لم
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 69)
يكن ثم كان، بل العقلاء متفقون على أن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثاً بعد عدمه، ولا يكون قديماً أزلياً.
وهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء، وقد صرح به أرسطو وجميع أتباعه، حتى ابن سينا وأتباعه، ولكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا، فادعوا في موضع آخر أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديماً أزلياً، ومن قبله من الفلاسفة - حتى الفارابي - لم يدعو ذلك، ولا تناقضوا.
وقد حكينا أقوالهم في غير هذا الموضع.
وأما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة، فهي مبينة على امتناع حوادث لا أول لها، والمتفلسف لا يقول بذلك، فلم يمكنهم أن يجعلوها مقدمة في إثبات واجب الوجود.
والتحقيق أنه لا يحتاج إليها، بل ولا يحتاج في إثبات واجب الوجود إلى هذه الطريقة، كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وهؤلاء تجدهم - مع كثرة كلامهم في النظريات والعقليات، وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها - لا يحققون ما هو المقصود منه، بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق، وإن أثبتوه طولوا فيه الطريق مع إمكان تقصيرها، بل قد يورثون الناس شكاً فيما هو معلوم لهم بالفطرة الضرورية.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 70)
والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها.
قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: 30 - 32) .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها} قالوا: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 71)
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
فالإقرار بالخالق سبحانه وتعالى، والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم أزلي، كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب، فبراهينه وأدلته متعددة جداً، ليس هذا موضعها، وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق: إما أن يكون فيه خلل، وإما أن يكون طويلاً كثير التعب، والغالب عليهم الأول.
إثبات الرازي للصانع
فالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك، وهي كلها مبنية علىمقدمة واحدة.
(الأول)
الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض كالحركة والسكون، وامتناع ما لا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 72)
نهاية له وهذا طريق المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي - بناء على أن أجسام العالم محدثه، وكل محدث فله محدث.
تعليق ابن تيمية
أما المقدمة الأولي فقد تبين كلامهم فيها، ومناقضة بعضهم بعضاً، وأنهم التزموا لأجلها: إما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل والفلاسفة جميعاً.
وأما الثاني فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلي بيان، فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة تبعد على العقول معرفة الله تعالى والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود، فكانوا كما قيل لبعض الناس: أين أذنك؟ فرفع يده وأدارها على رأسه، ومدها وتمطى، وقال: هذه أذني، وكان يمكنه أن يشير إليها بالطريق المستقيم القريب، ويقول: هذه أذني.
وهو كما قيل:
أقام يعمل أياماً رويته … وشبه الماء بعد الجهد بالماء
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 73)
وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن إسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من قوله: هذا من باب فقد عدم الوجود، وفقد عدم الوجود هو الوجود، فكيف وقد ذكروا في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه، كما قد بيناه في غير هذا الموضع: ما هو نقيض المقصود: من التعليم، والبيان: وتحرير الأدلة والبراهين.
وقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع.
الثاني
قال الرازي: (المسلك الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع سبحانه وتعالى، وهو عمدة الفلاسفة.
قالوا: الأجسام ممكنة، وكل ممكن فل بد له من مؤثر.
أما بيان كونها ممكنة، فبالطريق المذكورة في مسألة الحدوث، وأما بيان أن الممكن لا بد له من مؤثر فبالطريق المذكورة هنا) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وهذه الطريقة هي طريقةابن سينا وأمثاله من المتفلسفة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 74)
وليست طريقة أرسطو والقدماء من الفلاسفة.
وابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ويقول: إنه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود، من غير احتياج إلى الاستدلال بالحركة، كما فعل أسلافه الفلاسفة.
ولا ريب أن طريقته تثبت وجوداً واجباً، لكن لم تثبت أنه مغاير للأفلاك إلا ببيان إمكان الأجسام، كما ذكره الرازي عنهم.
وإمكان الأجسام هو مبني على توحيدهم المبني على نفي صفات الله تعالى، كما تقدم التنبيه عليه.
وهو من أفسد الكلام، كما قد بين ذلك في غير موضع.
ومن طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الإلحاد القائلين بالحلول والإتحاد، كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حقيقة قولهم: تعطيل الصانع بالكلية، والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الإلهية.
الثالث
قال: (المسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع، سواء كانت الأجسام واجبة وقديمة، أو ممكنة وحادثة) .
قال: (وتقريره أن يقال: اختصاص كل جسم بما له من
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 75)
الصفات: إما أن يكون لجسميته، أو لما يكون حالاً في الجسمية، أو لما يكون محلاً لها، أو لما لا يكون حالاً فيها ولا محلاً لها.
وهذا القسم الأخير: إما أن يكون جسماً أو جسمانياً، أولا جسماً ولا جسمانياً وتبطل كل هذه الأقسام سوى القسم الأخير بما مر تقريره في إثبات المسلك الأول في مسألة حدوث العالم) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا هو القول بتماثل الأجسام وأن تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص، والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد، والرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في غير موضع.
وهذا الذي أحال عليه ليس فيه إلا أن الجسم لا يكون اختصاصه بالحيز واجباً، بل جائزاً وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات.
وما ذكره من الدليل لا يصح، وذلك أنه قال: (اختصاصه بذلك إن كان واجباً) : فإما أن يكون الوجوب لنفس
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 76)
الجسمية، أولأمر للجسمية، أو لأمر الجسمية عرضت له، أو لأمر غير عارض لها، ولا معروض لها.
والأول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة، وإن كان لعارض: فإما أن يكون ممتنع الزوال، وهو اللازم، أو ممكن الزوال، وهو العارض، فإن العرض في اصطلاحهم أعم من العرض، فإن كان ممتنع الزوال: فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الإشكال الأول، وإن كان لغيرها أفضى للتسلسل، وإن كان لمعروض الجسمية لم يصح، لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات، فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب أن يكون ذاهباً في الجهات، فيكون محل الجسمية جسماً، لأنه إن لم يكن ذاهباً في الجهات لم
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 77)