فسر، فإن فسر بالهيئة الاجتماعية فهي متوقفة على الأفراد الممكنة، والمتوقف على الممكن أولى أن يكون ممكناً، مع أن الهيئة الاجتماعية نسبة وإضافة متوقفة على غيرها، فهي ادخل في الإمكان والافتقار من غيرها وهي من أضعف الأعراض المفتقرة إلى الأعيان إن قدر لها ثبوتاً وجودياً وإلا فلا وجود لها وإن فسر المجموع بكل واحد واحد، أو فسر بالأمرين بكل واحد بالاجتماع، أو بغير ذلك بأي شيء فسر، لم يكن إلا ممكناً مفتقراً إلى غيره، وكلما كثرت الإمكانات كثر الافتقار والحاجة
فإذا قيل: المؤثر في ذلك واحد منها وهو ممكن لزم أن يكون الممكن الذي لم يوجد بعد فاعلاً لجميع الممكنات، ونفسه من الممكنات، فإن نفسه لا بد له من فاعل أيضاً
وهذا المعترض اخذ المجموع المركب من الواجب والممكن فعارض به المجموع من الممكنات. ولفظ المجموع فيه إجمال يراد به الاجتماع، ويراد به جميع الأفراد، ويراد به الأمران، فكانت معارضته في غاية الفساد 0 فإن ذلك المجموع فيه واجب بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وما سواه من الأفراد والهيئة الإجتماعية مفعول له، فهذا معقول
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 258)
فالله تعالى هو الموجود الواجب بنفسه، خالق لكل ما سواه وأما الهيئة الاجتماعية إن قدر لها وجود في الخارج فهي حاصلة به أيضاً سبحانه وتعالى. وأما المجموع الذي كل منه مفتقر إلى من يبدعه، وليس فيه موجود بنفسه، فيمتنع أن يكون فاعلهم واحداً منهم لأنه لا بد له من فاعل، فلو كان فاعلهم ما كان فاعل نفسه وغيره من الممكنات، ولزم أن يكون بعض أجزاء الممكنات كافياً في مجموع الممكنات، وإذا كان مجموع الممكنات يمتنع أن يكون فاعلها، فلأن يمتنع أن يكون بعضها فاعلاً لها بطريق الأولى، فإن ما يتعذر على المجموع يتعذر على بعضه بطريق الأولى، وما يفتقر إليه المجموع يفتقر إليه بعضه بطريق الأولى. وهذا المعترض أخذ ما يفتقر إليه المجموع لفظاً مجملاً، فالافتقار قد يكون افتقار المشروط إلى شرطه، وقد يكون افتقار المفعول إلى فاعله0 ثم أخذ يورد على هذا وعلى هذا، ونحن نجيب على كل تقدير.
الوجه الرابع
أن يقال أتعني بجملة ما يفتقر إليه المجموع ما إذا وجد وجد المجموع، وما لا يوجد المجموع إلا بوجوده كله مع قطع النظر عن كونه شرطاً أو فاعلاً، فإن جملة ما يفتقر إليه الشيء هو الجملة التي تشتمل على كل ما يفتقر إليه الشيء.
فكل ما كان الشيء مفتقراً إليه فهو
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 259)
داخل في هذه الجملة، وإذا حصل كل ما يحتاج إليه الشيء لم يبق الشيء محتجاً إلى شيء أصلاً، فيلزم وجوده حينئذ، فإنه ما دام مفتقراً إلى شيء لم يوجد، وإذا حصل كل ما يتوقف وجوده عليه ولم يبق وجوده موقوفاً على شيء أصلاً لزم وجوده، فينبغي بجملة ما يتوقف وجود الشيء عليه الأمور التي إذا وجدت وجد المجموع، وإن لم توجد جميعها لم يوجد المجموع.
ومعلوم أنه إذا عنى به ذلك لم يمكن أن يكون ذلك بعضها، لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعض الأجزاء كافياً في المجموع، فإنه قد فسر الجملة بما إذا حصل وجب حصول المجموع، وإن لم يحصل لم يجز حصوله، فلو كان بعض الأجزاء هو تلك الجملة لوجب أن يكون ذلك البعض كافياً في حصول المجموع، سواء قدر فاعلاً لنفسه ولباقي الجملة، أو قدر أن حصوله هو حصول المجموع، أو قدر غير ذلك من التقديرات الممتنعة، فأي تقدير قدر كان ممتنعاً، فإن جملة ما يفتقر إليه المجموع لا يكون بعض المجموع بأي تفسير فسر، وهو المطلوب.
ولكن لفظ المجموع فيه إجمال، فإنه قد يعني به مجرد الهيئة الاجتماعية، وقد يعنى به كل من الأفراد، أو كل من الأفراد مع الهيئة الاجتماعية، فإن عني به الأول فلا ريب أن هذا قد يكون بعض الأفراد موجباً له، كما في المجموع المركب من الواجب والممكن، فإن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 260)
الواجب هو الموجب للممكنات، وهو الموجب أيضاً للهيئة الاجتماعية، والهيئة الاجتماعية أمر ممكن خارج عن الواجب، ليس هو بعض الهيئة الاجتماعية، لكنه بعض الأفراد، والهيئة نسبة وإضافة، وليس هو بعض النسبة والإضافة ولكن هو بعض الأفراد المنسوب بعضها إلى بعض، والنسبة وسائر الأفراد غير له، وهو الموجب لكل ما هو غير له.
وأما المجموع الذي هو الأفراد فلا يكون بعضه هو الموجب لكل من الأفراد، فإن هذا يقتضي أن يكون ذلك البعض موجباً لنفسه فاعلاً لذاته، وهذا ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء بل هو من أبلغ الأمور امتناعاً، والعلم بذلك من أوضح المعارف وأجلاها، ولهذا لم يقل هذا أحد من العقلاء.
وإذا المجموع كلا من الأفراد مع الهيئة فهو أبعد عن أن يكون واحد من الأفراد موجباً لنفسه ولسائر الأفراد ومع الهيئة الاجتماعية، وهذا بين ولله الحمد والمنة.
واعلم أن مثل هذه الاعتراضات مع صحة الفطرة وحسن النظر يعلم فسادها، ومثل هذه الخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 261)
لا نهاية لها، ولا يمكن استقصاء ما يرد علي النفوس من وساوس الشيطان، ولولا أن هذين الرجلين اللذين كان يقال إنهما من أفضل أهل زمانهما في المباحث العقلية: كلاميها وفلسفيها، أورد كل منها ما ذكرت، وصار ذلك عنده مانعاً من صحة الطريق المذكور في إثبات واجب الوجود لما ذكرت ذلك لظهور فساده عند من له تصور صحيح لما ذكروه فضلاً عمن نور الله قلبه.
ثم إن هؤلاء الفلاسفة يقولون كما زعم الآمدي إن كمال النفس الإنسانية هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب، فأي شيء عرفوه؟
جهل المبتدعته وحيرتهم
وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب كشف الأسرار في المنطق وهو عند كثير منهم غاية ف يهذا الفن أنه قال عند الموت أموت وما علمت شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمي أموت وما علمت شيئاً
وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئاً إلا ما عليه العوام أو كلاماً هذا معناه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 262)
وذلك أن هذا الآمدي لم يقرر في كتبه لا التوحيد ولا حدوث العالم، ولا إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقاً زيفها وذكر طريقة زعم انه ابتكرها، وهي أضعف من غيرها.
وكان ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول: إن الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة، أو ما هو نحو هذا، حتى أفضى الأمر ببعض أعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى أن قال التوحيد لا يقوم عليه دليل عقلي وإنما يعلم بالسمع، فقام عليه أهل بلده وسعوا في عقوبته، وجرت له قصة.
وكذلك الأصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوماً فقال له بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته.
وكذلك حدثني من قرا على ابن واصل الحموي أنه قال أبيت باليليل واستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي وأبيت
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 263)
أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس وأصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة.
وقد بسطنا في التوحيد وأدلته في غير هذا الموضع، وذكرنا أن الناس قبلنا قد ذكروا له من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله ولكن الإنسان يريد ان يرعف ما قاله الناس وما سبقوا إليه، وبيناً أن القرآن ذكر من ذلك ما هو خلاصة ما ذكروه الناس، وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد إليه كثير من النظار ولا العباد، بل هو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
الطرق المختلفة لإثبات الخالق تعالى
وهؤلاء كما ذكرت انقسموا إلى أصحاب نظر وفكر وبحث واستدلال وأصحاب إرادة وعبادة وتأله وزهد فكان منتهى أولئك الشك، ومنتهى هؤلاء الشطح.
فأولئك يشكون في ثبوت واجب الوجود، او يعجزون عن إقامة الدلالة عليه.
وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء فتكون الموجودات كلها معدومات فيفضى بهم سوء النظر إلى جعل الموجودات معدومات أو تجويز كونها معدومات وجعل الموجود الواجب ممكناً وجعل الواجب ممكناً غاية التعطيل.
والآخرون يجعلون كل موجود واجب الوجود، ويجعلون وجود كل موجود هو نفس وجود واجب الوجود، فلا يكون في الوجود وجود هو
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 264)
عندهم مخلوق ولا مصنوع ولا مفتقر إلى غيره، ولا محتاج إلى سواه ن فلا يكون في الوجود ما وجد بعد عدمه ولا ما عدم بعد وجوده وهذا فيه من جعل المعدوم موجوداً ومن جعل الممكن واجباً، وجعل العبد رباً وجعل المحدث قديماً ما هو غاية الكفر والشرك والضلال.
الطريقة الصحيحة الموافقة للفطرة في إثبات وجود الله تعالى
هذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق هو من أظهر المعارف وأبين العلوم.
أما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير، فيما نشاهده من كون بعض الموجودات يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجوده، من الحيوانات والنباتات والمعدن، وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك، وما نشاهده من حركات الكواكب.
وحدوث الليل بعد النهار، والنهار بعد الليل، فهذا كله فيه من حدوث موجود بعد عدمه، ومعدوم بعد وجوده وما هو مشهود لبني أدم يرونه بأبصارهم.
ثم إذا شهدوا ذلك فنقول: معلوم أن المحدثات لا بد لها من محدث.
والعلم بذلك ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 265)
محدثاً وكل محدث ممكن والممكنات لا بد لها من واجب، وكل محدث وممكن فقير مربوب مصنوع والمفتقرات لا بد لها من غني والمربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات لا بد لها من خالق.
وأيضاً فإنه يقال: هذا الموجود إما أن يكون واجباً بنفسه وإما أن لا يكون واجباً بنفسه بل ممكناً بنفسه فهو واجباً بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين.
وأيضاً فالموجود: إما أن يكون محدثاً وإما أن يكون قديماً والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين.
وأيضاً فالموجود إما أن يكون محدثاً وإما أن يكون والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود على التقديرين.
وأيضاً فإما إن يكون خالقاً وإما أن لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق كالموجودات التي علم حدوثها أنها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ثبوت الخالق على التقديرين.
وأيضاً فالموجود إما غني عن كل ما سواه وغما مفتقر إلى غيره والفقير إلى غيره لا بد له من غنى بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 266)
فهذه البراهين وأمثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب سبحانه وتعالى الغني القديم الواجب بنفسه.
طريقة ابن سينا وأتباعه في إثبات وجود الله تعالى
وابن سينا وأتباعه كالرازي والآمدي والسهروردي المقتول وأتباعهم سلكوا في إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم انها أشرف الطرق وأنه لا طريق إلا وهو يفتقر إليها حتى ظنوا أن طريقة الحدوث مفتقرة إليها.
وكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون موجوداً تارة ومعدوماً أخرى.
فأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره وإلى محدث مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا وأتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل الفاسد لاإثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه.
وهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 267)
وطريقة الحدوث أكمل وأبين فغن الممكن الذي يعلم انه ممن هو ما علم أنه وجد بعد عدمه أو عدم بعد وجوده.
هذا الذي اتفق العقلاء على أنه ممكن، وهو الذي يستحق أن يسمى ممكناً بلا ريب وهذا محدث فإذا كل ممكن محدث.
وأما تقدير ممكن لم يزل واجباً بغيره، فأكثر العقلاء دفعوا ذلك، حتى القائلون بقدم العالم كأرسطو وأتباعه المتقدمين، وحتى هؤلاء الذين قالوا ذلك ابن سينا وأتباعه لا يجعلون هذا من الممكن بل الممكن عندهم ما أمكن وجوده وعدمه فكان موجوداً تارة ومعدوماً أخرى.
وإنما جعل هذا من الممكن ابن سينا وأتباعه مع تناقضه وتصريحه بخلاف ذلك لما سلكوا في إثبات واجب الوجود الاستدلال بالموجود على الواجب فقالوا كل ما سواه يكون ممكناً بنفسه واجباً بغيره، وجعلوا العلم قديماً أزلياً مع كونه ممكناً بنفسه.
وهذا خلاف قول سلفهم، وقول أئمة الطوائف سواهم وخلاف ما صرحوا أيضاً به وهذا مما أنكره ابن رشد وغيره على ابن سينا وبسط الكلام فيه له موضع آخر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 268)
والمقصود هنا أن هؤلاء الذين يدعونان كمال النفس هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات هذا اظطرابهم في أشرف المعلومات الموجودات، بل فيما لا تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته، ولكن لما سلموا للفلاسفة أصولهم الفاسدة تورطوا معهم في محاراتهم وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس صنفاً صنفاً.
والفلسفة هي باطن الباطنية، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد فقل أن يسلم من دخل مع هؤلاء ف ينوع من الإلحاد، في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه.
بطلان قول الفلاسفة حول كمال النفس
ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو أن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة قد بسطنا الكلام عليها في الكلام على معجزات الأنبياء لم تكلمنا عن قولهم انها قوى نفسانية وذكرنا قطعة من كلامهم على ذلك وبينا أن قولهم إن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات خطأ وضلال ومن هنا جعلوا الشرائع مقصودها إما إصلاح الدنيا وإما تهذيب النفس لتستعد للعلم أو لتكون الشريعة أمثالاً لتفهيم المعاد في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 269)
العقليات كما يقوله الملاحدة الباطنية مثل أبي يعقوب السجستاني وأمثاله ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم، ويقولون إنه لم يجب على الأنبياء ذلك وإنما كانوا يفعلونه لأنه من تمام تبليغهم الأمم ليقتدوا بهم في ذلك لا لأنه واجب على الأنبياء وكذلك لا يجب عندهم على الواصلين البالغين من الأمة والعلماء.
ودخل في ذلك طائفة من ضلال المتصوفة ظنوا أن غاية العبادات هو حصول المعرفة فإذا حصلت سقطت العبادات وقد يحتج بعضهم بقوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} الحجر 99 ويزعمون أن اليقين هو المعرفة وهذا خطأ بإجماع المسلمين أهل التفسير وغيرهم فإن المسلمين متفقون على أن وجوب العبادات كالصلوات الخمس ونحوها وتحريم المرحمات كالفواحش والمظالم لا يزال واجباً على كل أحد ما دام عقله حاضراً، ولو بلغ، وأن الصلوات لا تسقط عن أحد قط إلا عن الحائض والنفساء أو من زال عقله.
مع أن من زال عقله بالنوم فانه يقضيها بالسنة المستفيضة المتلقاه واتفاق العلماء وأما من زال عقله بالإغماء ونحوه مما يعذر فيه ففيه نزاع مشهور: منهم من يوجب قضاءها مطلقاً كأحمد ومنهم من لا يوجبه كالشافعي ومنهم من يوجب قضاء ما
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 270)
قل، وهو ما دون اليوم والليلة أو صلوات اليوم والليلية، كما مذهب أبي حنيفة ومالك والمجنون لا يقضي عند عامتهم، وفيه نزاع شاذ.
فالمقصود من هذا أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل، سواء كان كبيراً أو صالحاً أو عالماً.
وما يظنه طوائف من جهال العباد وأتباعهم، وجهال النظار وأتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية وإن كانوا كلهم جهالاً من سقوطها عن العارفين أو الواصلين او أهل الحضرة أو عمن خرقت لهم العادات، أو عن الأئمة الإسماعيلية أو بعض أتباعهم أو عمن عرف العلوم العقلية أو عن المتكلم الماهر في النظر أو الفيلسوف الكامل في الفلسفة فكل ذلك باطل باتفاق المسلمين وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
واتفق علماء المسلمين على أن الواحد من هؤلاء يستتاب، فإن تاب وأقر بوجوبها وإلا قتل، فإنه لا نزاع بينهم في قتل الجاحد لوجوبها، وإنما تنازعوا في قتل من أقر بوجوبها وامتنع من فعلها مع أن أكثرهم يوجب قتله.
ثم الواحد من هؤلاء إذا عاد واعتراف بالوجوب فهل عليه قضاء ما تركه فهذا على ثلاثة أنواع أحدها أن يكون قد صار مرتداً ممتنعاً
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 271)
عن الإقرار بما فرضه الرسول، فهذا حكمه حكم المرتدين، وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: إحدهما: أنه لا يقضي ما تركه في الردة ولا قبلها لا من صلاة ولا صيام ولا زكاة بناءً على أن الردة أحبطت عمله، وأنه إذا عاد عاد بإسلام جديد فيستأنف العمل، كما هو معروف في مذهب أبي حنيفة ومالك، وقول في مذهب أحمد، والثاني: أنه يقضي ما تركه في الردة وقبلها، وهذا قول الشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد.
والثالث: أنه لا يقضي ما تركه في الردة، ويقضي ما تركه قبلها، كالرواية المشهورة عن أحمد.
وإن كان الواحد من هؤلاء جاهلاً وهو مصدق للرسول، لكن ظن أن من دينه سقوط هذه الواجبات عن بعض البالغين، كما يضن ذلك طوائف ممن صحب الشيوخ الجهال، وكما يظنه طائفة من الشيوخ الجهال، ولهم مع ذلك أحوال نفسانية وشيطانية.
فهؤلاء مبني أمرهم على أن من ترك الصلاة قبل العلم بوجوبها فهل يقضي؟ وفيه ثلاثة أقوال: منها وجهان في مذهب أحمد: أحدهما: أنه لا قضاء عليه بحال بناء على أن حكم الخطاب لا يثبت
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 272)
في حق العبد إلا من بعد بلوغ الخطاب إليه.
والثاني: عليه القضاء بكل حال كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وغيره.
والثالث: يفرق بين من أسلم في دار الحرب ومن أسلم في غيرها، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، والأول أظهر الأقوال.
وأيضاً فقد تنازع الناس فيمن فوت الصلاة عمداً بغير عذر والصوم، هل يصح منه القضاء أم قد استقر عليه الذنب فلا يقبل منه القضاء؟ على قولين معروفين، وليس هذا موضع هذا.
وإنما المقصود هنا أنه ليس في علماء المسلمين من يقول بسقوط الصلاة عمن هو عاقل على أي حال كان.
فمن تأول قوله تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} الحجر: 99، على سقوط العبادة بحصول المعرفة فإنه يستتاب ن فإن تاب وإلا قتل.
والمراد بالآية: اعبد ربك حتى تموت، كما قال الحسن البصري: لم يجعل الله لعبادة المؤمن أجلا دون الموت، وقرأ الآية.
واليقين هو ما يعانيه الميت فيوقن به، كما قال الله تعالى عن أهل النار {وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} المدثر: 46 47 وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مظعون.
قال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه.
والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة، ومن شركهم في نوع من إلحادهم لما ظنوا أن كمال النفس في مجرد العلم، وظنوا أن ذلك إذا حصل فلا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 273)
حاجة إلى العمل ن وظنوا أن ذلك حصل لهم، ظنوا سقوط الواجبات العامة عنهم وحل المحرمات العامة لهم.
بطلان هذا القول من وجوه والرد عليهم في ذلك
وضلالهم من وجوه.
منها: ظنهم أن الكمال في مجرد العلم.
والثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم.
والثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس.
الوجه الأول
وكل من هذه المقدمات كاذبة، فليس كمال النفس في مجرد العلم، ولا في أن تصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود، بل لا بد لها من العمل، وهو حب الله وعبادته، فإن النفس لها قوتان: علمية وعملية، فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين ن وهو أن تعرف الله وتعبده.
والجهمية هم خير من هؤلاء بكثير، ومع هذا فلما قال جهم ومن واقفه: إن الإيمان مجرد المعرفة، أنكر ذلك أئمة الإسلام ن حتى كفر من قال بهذا القول وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 274)
وهذا القول: وإن كان قد تابعه عليه الصالحي والأشعري في كثير من واكثر أصحابه فهو من أفسد الاقوال وابعدها عن الصحة كما قد بيناه في غير هذا الموضع، لما بينا الكلام في مسمى الأيمان وقبوله للزيادة والنقصان، وما للناس في ذلك من النزاع.
الوجه الثاني
وأما المقدمة الثانية: فلو كان كمال النفس في مجرد العلم، فليس هو أي علم كان بأي معلوم كان بل هو الذي لا بد منه: العلم بالله وهؤلاء ظنوا أنه العلم بالوجود بما هوموجود، وظنوا أن العالم أبدي ازلي.
فإذا حصل له العلم بالوجود الازلي الأبدي كملت نفسه.
وعلى هذا بنى أبو يعقوب السجستاني وغيره من شيوخ الفلسفة والباطنية أقوالهم، وكذلك أمثالهم من الفلاسفة كالفارابي وغيره.
وابن سينا وإن كان أقرب إلى الإسلام منهم ففيه من الإلحاد بحسبه.
وأبو حامد، وإن سلك أحياناً مسلكهم، لكنه لا يجعل العلم بمجرد الوجود موجباً للسعادة، بل يجعل ذلك في العلم بالله، وقد يقول في بعض كتبه: إنه العلم بالأمور الباقية، وهذا كلامهم.
فمن قال: إن العالم أزلي أبدي قال بقولهم، ومن قال: إن كل ما سوى الله كان معدوماً ثم وجد لم يلزمه ذلك.
وابن عربي وابن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 275)
سبعين ونحوهما جمعوا بين المسلكين، فصاروا يجعلون كمال النفس هو العلم بالوجود المطلق، إن الله هو الوجود المطلق، فأخذوا من طريقة الصوفية: أنه العلم بالله، واخذوا من كلام هؤلاء: أنه العلم بالوجود المطلق، وجمعوا بينهما فقالوا: إن الله هو الوجود المطلق
الوجه الثالث
وأما المقدمة الثالثة: فزعمهم أنهم حصل لهم العلم بالوجود.
وهذا باطل، فغن كلامهم في الإلهيات مع قلته فالضلال أغلب عليه من الهدى ن والجهل أكثر فيه من العلم، وهي العلوم التي تبقى معلوماتها وتكمل النفوس بها عندهم.
وهذه الأمور مبسوطة في غيرهذا الموضع، ولكن نبهنا عليه هنا، لأن مثل هذا الآمدي وأمثاله الذين عضموا طريقهم وصدروا كتبهم التي صنفوها في أصول دين الإسلام بزعمهم بما هو أصل هؤلاء الجهال: من أن كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات، وسلكوا طرقهم وقعوا في الجهل والحيرة والشك بما لا تحصل النجاة إلا به، ولا تنال السعادة إلا بمعرفته، فضلاً عن نيل الكمال الذي هو فوق ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير» فالكاملون من الرجال
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 276)
كثير، ولكن الذين سلكوا طريق هؤلاء من أبعد الناس عن الكمال.
تقرير الآمدي لطريقة المتأخرين في إثبات واجب الوجود
والمقصود هنا الكلام على مسلكه هؤلاء المتأخرين في تقرير واجب الوجود.
والآمدي قد قررها في أبكار الأفكار وأورد سؤالاً على بعض مقدماتها في رموز الكنوز قد ذكرنا سؤاله وجوابه.
وأما تقريره لها فقال في تقرير هذه الحجة: النظر إلى الجملة غير إلى كل واحد واحد من آحادها، فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد، وعند ذلك فالجملة موجودة، فإما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة كما تقدم وإن كانت ممكنه فلا بد لها من مرجح، والمرجح إما داخل فيها وإما خارج عنها.
فإن كان داخلاً فيها فالمرجح للجملة مرجح لآحادها،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 277)