الوجه الرابع: أن عمر رضي الله عنه كان مجتهداً في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر)(1)، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.
وأما قوله: إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: (أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا، قال تعالى: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}(2)، وقال تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين}(3)، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيا من حيي عن بينة.
فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما
تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية
وابن حجر -رحمهما الله-.(4) وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولاً، ثم تركه له بعد--------------------------------------------
(1) رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص في: (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد) فتح الباري 13/ 318، ح 7352، ومسلم: (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد) 3/ 1342، ح 1716.
(2) سورة الشورى آية 48.
(3) سورة النحل آية 82.
(4) انظر: منهاج السنة 6/ 315 - 316، وفتح الباري 1/ 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
ذلك: ما ذكره النووي حيث قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول» .(1)
وبهذا يظهر بطلان طعن الرافضي على الصحابة في هذه الحادثة، وينكشف زيف ما ادعاه في حقهم. وبيان توجيه مواقفهم التوجيه الصحيح اللائق بمقاماتهم العظيمة في الدين من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.
فلله الحمد والمنة.--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم 11/90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
طعن المؤلف على الصحابة بدعوى تركهم إنفاذ جيش أسامة والرد عليه
قال الرافضي ص100 تحت عنوان: (الصحابة في سرية أسامة) ، «مجمل هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم جهز جيشاً لغزو الروم قبل وفاته بيومين، وأمّر على هذه السرية: أسامة بن زيد بن حارثة، وعمره ثمانية عشر عاماً، وقد عبأ صلى الله عليه وسلم في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر، وأبي عبيده، وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين، فطعن قوم منهم في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد، حتى غضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً مما سمع من طعنهم وانتقادهم، فخرج معصّب الرأس محموماً، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، بأبي هو وأمّي، من شدة ما به من لغوب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله، وأيم الله إنه كان خليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها» .
ثم أخذ يطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زاعماً معارضتهم له
معارضة صريحة، حيث تباطأوا عن جيش أسامة، ولم ينفذوه حتى
مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
إلى أن قال ص 103: «وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية، فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها، إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبد له بغيره. فقال أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
والجواب على هذا:
أن ما ادعاه من معارضة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم في تأمير أسامة معارضة صريحة: فمن أظهر الكذب، الذي ترده الأخبار الصحيحة.
والثابت في هذه الحادثة أن الرسول صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه أمر أصحابه بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، والإغارة على أهل مؤته، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحه الذين كانوا أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم على غزوة مؤته المعروفة، فلما تجهز الصحابة لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد أميراً عليهم، وقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل وأغر صباحاً على أُبْنى(1) وحرّق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخبر،
فإن ظفرك الله بهم، فأقل اللبث فيهم، فتكلم في تأمير أسامة قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم(2) فخطب وقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإن كان من أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).(3)
فظاهر أن من تكلم في إمارة أسامة كانوا أفراداً من الصحابة وليس كل--------------------------------------------
(1) أُبْنَى: بوزن حُبْلى موضع بالشام من جهة البلقاء، معجم البلدان لياقوت الحموي 1/ 79.
(2) انظر: تاريخ الطبري 3/ 184، وفتح الباري لابن حجر 8/ 152.
(3) من قوله: إن تطعنوا رواه البخاري في (كتاب المغاري، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة) فتح الباري 2/ 152، ح 4469، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد) 4/ 1884، ح 2426.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
الصحابة، وكانوا بذلك مجتهدين في ما قالوا لأنهم خشوا أن يضعف عن الإمارة لصغر سنه، ومع هذا فقد أنكر عليهم عمر وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم إنه جدير بالإمارة فما يعرف أن أحداً منهم تكلم فيه بعد ذلك.
فأي لوم على الصحابة رضي الله عنهم بقول أفراد منهم أنكره عليهم بعضهم، ثم نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهوا.
وأما ادعاء هذا الرافضي. أنهم تباطؤوا في الخروج مع أسامة حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحصل شيء من ذلك بل إن الصحابة
بادروا بالاستعداد للقتال، وأعدوا العدة لذلك، فقد نقل ابن هشام والطبري بسنده عن ابن إسحاق قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهزالناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون» .(1)
وفي الطبقات لابن سعد: «وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة» .(2)
فكان الصحابة قد تهيؤوا للخروج مع أسامة، وخرج بهم وعسكر بالجرف استعداداً للانطلاق، لكن الذي حصل بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتدعليه المرض فجاءه أسامة وقال: (يارسول الله قد أصبحت ضعيفاً وأرجوا أن يكون الله قد عافاك فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت علىهذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة وأكره أن أسأل عنك الناس، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم) .(3)
فكان أسامة هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم التأخر في الخروج حتى يطمئن على رسول صلى الله عليه وسلم فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم ولو أراد أسامة الخروج ما تأخر عنه أحد ممن كان تحت إمرته.--------------------------------------------
(1) سيرة ابن هشام 4/1499، تاريخ الطبري 3/184.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190.
(3) نقلة شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/488.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا امتنع أحد من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج لما خاف أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المقام، ولو عزم على أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه وقد ذهب جميعهم معه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنه» .(1)
ثم إن أسامة بقي معسكراً في الجرف ينتظر شفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان يوم الإثنين أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقاً فدخل عليه أسامة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أغد على بركة الله، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذ رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت فتوفي عليه الصلاة والسلام .(2)
فهذا هو حقيقة ما حصل، ولم يكن تأخر خروج أسامة إلا بطلب منه أذن له فيه النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه لم يكن بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه بالتهيؤ للغزو، ووفاته إلا ستة عشر يوماً، فقد كان ندبه أصحابه لذلك يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، وعين أسامة أميراً على الجيش في اليوم الثاني.
فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض فما زال مريضاً حتى توفاه الله يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول(3) ، ومعلوم أن هذه المدة ليست طويلة في تجهيز جيش في مثل ذلك الوقت على أن الصحابة كانوا قد استعدوا وتهيؤوا للخروج قبل هذه المدة بكثير لولا استئذان أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأخير الخروج، فقد ثبت أن أسامة قد--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 6/318-319.
(2) الطقبات الكبرى لابن سعد 2/191.
(3) انظر: المصدر السابق 2/189-191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
خرج بالجيش وعسكر في الجرف يوم الخميس أي بعد ثلاثة أيام من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ للقتال.(1)
وبهذا تبطل دعوى الرافضي في تثاقل الصحابة عن الخروج بل إن هذا يدل على سرعة امتثالهم رضي الله عنهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بتجهيزهم جيشاً كهذا قيل: إن قوامه ثلاثة آلاف مقاتل(2) بكل ما يحتاج إليه من مؤونة وعتاد في خلال ثلاثة أيام على ماهم فيه من فاقة
وفقر وحاجة فرضي الله عنهم جميعاً، وجزاهم على جهادهم، وحسن بلائهم في الإسلام، خير ما جازى به المحسنين.
وأما زعمه: أنه كان في جيش أسامه أبو بكر وعمر، بتعيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما ثم تثاقلا عن الخروج معه.
فجوابه: أنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر وعمر أن يلتحقا بجيش أسامة، بل ولا أمر غيرهما بذلك، إذ لم يكن من عادته إذا أراد أن يجهز سرية أو غزوة أن يعين من يخرج فيها باسمائهم، وإنما كان يندب أصحابه لذلك ندباً عاماً، ثم إذا اجتمع عنده من يقوم بهم الغرض عين لهم أميراً منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن من عادته في سراياه، بل ولا في مغازيه، أن يعين كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم ولكن يندب الناس ندباً عاماً مطلقاً، فتارة يعلمون منه أنه لم يأمر كل أحد بالخروج معه ولكن ندبهم إلى ذلك، كما في غزوة الغابة، وتارة يأمر الناس بصفة كما أمر في غزوة بدر أن يخرج من حضر ظهره فلم يخرج معه كثير من المسلمين، وكما أمر في غزوة السويق بعد (أحد) أن لا يخرج معه إلا من شهد أحداً، وتارة يستنفرهم نفيراً عاماً، ولايأذن لأحد في التخلف كما في غزوة تبوك--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق.
(2) انظر: كتاب المغازي للواقدي 3/ 1122، وفتح الباري لابن حجر 8/ 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
ولما أمّر أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه، فأرسله إلى ناحية العدو الذين قتلوا أباه لما رآه في ذلك من المصلحة، ندب الناس معه فانتدب
معه من رغب في الغزو، وروي أن عمر كان ممن انتدب معه لا أن النبي صلى الله عليه وسلم عين عمر ولا غير عمر».(1)
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً باسمه، للالتحاق بجيش أسامة، وإنما دعا أصحابه إلى ذلك فالتحق بالجيش كبار المهاجرين والأنصار.(2)
وكان من بين هؤلاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما نص على ذلك المؤرخون،(3) وثبت أنه فيمن خرج في معسكر أسامة بالجرف، ثم عاد للمدينة مع أسامة، لما بلغه احتضار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم بذلك النقل عن ابن سعد.(4)
ثم إن عمر رضي الله عنه بقي مكتتباً في جيش أسامة فلما استخلف أبو بكر وأمر بمسير الجيش استأذن أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر بالبقاء معه لحاجته إليه.
قال الواقدي: «ومشى أبو بكر رضي الله عنه إلى أسامة في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل أسامة وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟
فقال أسامة: نعم».(5)
ويذكر الطبري أن أبابكر قال لأسامة لما شيعه في خروجه بالجيش: (إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له).(6)
كما نص على هذا غير واحد من المؤرخين والمحققين.(7)--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 4/ 277 - 279.
(2) تقدم نقل الروايات في ذلك ص 299.
(3) انظر: المغازي للواقدي 3/ 1118، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 190، وتاريخ الطبري 3/ 226، والبداية والنهاية 6/ 308، وسير أعلام النبلاء للذهبي 2/ 497.
(4) انظر: ص 300 من هذا الكتاب.
(5) المغازي للواقدي 3/ 1121 - 1122.
(6) تاريخ الطبري 3/ 226.
(7) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 191، والبداية والنهاية لابن كثير 6/ 309، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 5/ 448، 6/ 319.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
فثبت بهذا أن التحاق عمر بجيش أسامة كان برغبته واختياره، وأن خروجه منه كان بطلب الخليفة، وإذن الأمير فأي لوم على عمر رضي الله عنه في ذلك.
وأما أبو بكر فالذي عليه أكثر المؤرخين: أنه لم يكن في جيش أسامة أصلاً، فإنهم سموا من التحق بجيش أسامة من كبار الصحابة، ولم يذكروا فيهم أبا بكر.
قال الواقدي ضمن حديثه عن غزوة أسامة: «فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص،
وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل».(1)
وقال الطبري: «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيد».(2)
وقال الذهبي ضمن ترجمة أسامة: «استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار».(3)
فلم يذكر هؤلاء المؤرخون أبا بكر في جيش أسامة، وذكروا بعض كبار الصحابة كعمر، وأبي عبيدة، وسعد وغيرهم، ولو كان أبو بكر في الجيش لكان ذكره أولى وأشهر.
وإنما عدّ أبا بكر في جيش أسامة: ابن سعد قال: «فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة».(4)
وإلى هذا ذهب ابن حجر في الفتح.(5)--------------------------------------------
(1) المغازي 3/ 1118.
(2) تاريخ الطبري 3/ 226.
(3) سير اعلام النبلاء 2/ 497.
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 190.
(5) انظر: فتح الباري 8/ 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
وقال ابن كثير في سياق الموضوع: «وكان بينهم:
عمر بن الخطاب، ويقال: أبوبكر فاستثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة» .(1)
وقد جزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة ونقل اتفاق أهل العلم عليه.
قال: «وأبوبكر رضي الله عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روي أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجاً مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له» .(2)
وقال في موضع آخر في الرد على الرافضي: «وأما قوله إنه أمّر أسامة على الجيش الذي فيهم: أبو بكر، وعمر، فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث، فإن أبا بكر لم يكن في ذلك الجيش، بل كان صلى الله عليه وسلم يستخلفه في الصلاة من حين مرضه إلى أن مات. وأسامة قد روى أنه عقد له الراية قبل مرضه، ثم لما مرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فصلى بهم إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم، فلو قُدر أنه أُمر بالخروج مع أسامة قبل المرض، لكان أمره بالصلاة تلك المدة، مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه، موجباً لنسخ إمرة أسامة عنه، فكيف إذا لم يُؤمر عليه أسامة بحال» .(3)
وبهذا يظهر أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة. وهو قول عامة المؤرخين إلا من شذ منهم، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتفاق أهل العلم والحديث على هذا، لاشتغال أبي بكر رضي الله عنه بالصلاة بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم.
على أن من قال بالقول الآخر، لم يقل: إن أبا بكر بقي في جيش أسامة بعد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم له بالصلاة، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، لما هو معلوم عندهم بالتواتر من اشتغال أبي بكر بإمامة الناس في--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير 6/308.
(2) منهاج السنة 6/319.
(3) المصدر نفسه 4/276-277.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
مرض النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، في حين أن الجيش كان معسكراً بالجرف، استعداداً للخروج. ولهذا ذكر ابن كثير أن من قال بدخول أبي بكر في جيش أسامة، ذكر أنه مستثني بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالصلاة.
فثبت بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي: من كون الشيخين في جيش أسامة وأنهما تثاقلا عن الخروج معه.
وأما قوله: إن عمر كان من أبرز عناصر المعارضة، وهو الذي جاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره.
فجوابه: أنه لم تكن هناك معارضة أصلاً حتى يكون لها عناصر بارزة أو غير بارزة، وإنما هذا من أوهام الرافضة، وأكاذيبهم التي يحاولون عن طريقها التلبيس على ضعاف العقول بقصد الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنيل منهم. والعبرة في هذا بصحة النقل فأين النقل
الصحيح على صحة ما ادعى!!
على أنه قد تقدم بيان مواقف الصحابة المشرفة في سرية أسامة بالنقل الصحيح وبراءتهم من كل ما يرميهم به هذا الرافضي الحاقد، مما يغني عن إعادته هنا.
وأما قوله: إن عمر طلب من أبي بكر عزل أسامة فليس هذا رأي عمر وحده، بل رأى بعض الصحابة، وسبب هذا أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت كثير من قبائل العرب، ونجم النفاق، وتربص الأعداء بالمسلمين من كل ناحية، وقد كان في جيش أسامة جل الصحابة وخيارهم، فخشى كبار الصحابة على المدينة بعد خروج الجيش منها أن يحيط بها الأعداء، وفيها خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين، والنساء، والذراري، فأشاروا على أبي بكر أن يؤجل بعث أسامة حتى يستقر الحال، ويفرغ من قتال المرتدين، فلما أبى عليهم ذلك أشار عليه بعضهم أن يولي الجيش من هو أسن من أسامة، وأعرف بالحرب منه حرصاً منهم على سلامة الجيش في ذلك الوقت العصيب الذي يمرون به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
وبهذا جاءت الروايات:
فقد روى الطبري من حديث عروة عن أبيه قال: (لما بويع أبو بكر رضي الله عنه وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة، وقد ارتدت العرب، إما عامة، وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم
النفاق وأشر أبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقدهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب -على ماترى- قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذنه).(1)
وفي روايه للواقدي: «فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن الإسلام، قال أبو بكر رضي الله عنه لأسامة -رحمة الله عليه- أنفذ على وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريده باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، فقالوا ياخليفة رسول الله إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، اجعلهم عُدة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم؟ وأخرى
لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه وتعود الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا؟ فلما استوعب أبو بكر رضي الله عنه منهم كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟ قالوا: لا قد سمعت مقالتنا، فقال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث،--------------------------------------------
(1) تاريخ الطبري 3/ 225، وأورد هذه الرواية ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية 6/ 308.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
ولا بدأت بأولى منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة) .(1)
وفي رواية للطبري: أن هذا هو رأي أسامة نفسه، وهو الذي بعث عمر إلى أبي بكر بهذا وعلى هذا الرأى الأنصار أيضاً، وأنهم قالوا لعمر فإن أبى ذلك فليول الجيش أقدم سناً من أسامة، وهاهوذا نص الرواية من رواية الحسن البصري قال: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله، وثقل رسول الله،
وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون، وقالت الأنصار: فإن أبي إلا أن نمضي فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتنى الكلاب والذئاب، لم أرد قضاءً قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة، فوثب أبو بكر-وكان جالساً- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب؟ استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه؟ فخرج عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلتكم أمهاتكم؟ مالقيت في سببكم من خليفة رسول الله؟) .(2)
فظاهر من هذا أن الذي حمل الصحابة على ما قالوا إنما هو النصح لدين الله، وشفقتهم على المسلمين، وأن القول بتأجيل خروج جيش أسامة، هو قول عامة الصحابة، بما فيهم أسامة، وذلك لشدة الظروف التي كانوا يمرون بها، نظراً لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تبع ذلك من كثرة الارتداد،--------------------------------------------
(1) المغازي للواقدي 3/1121.
(2) تاريخ الطبري 3/226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
وشيوع النفاق، وتربص الأعداء، وطمعهم في المسلمين، في حين أن الجيش سيقطع مسافات بعيدة يخترق من خلالها كثيراً من أحياء العرب الذين لا يؤمن جانبهم، ويخشى من
غدرهم وردتهم، مما حمل الأنصار أن يطلبوا من عمر -كما في رواية الطبري- أن يطلب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما عزم على مسيرة الجيش أن يولي إمرته من هو أسن من أسامة، فإنه كان شاباً عمره ثماني عشرة سنة(1) ، وهذا لا مطعن فيه على أسامة، وإنما للسن أثره في الحكمة وسياسة الأمور، خصوصاً في تلك المرحلة الحرجة.
ومع هذا فقد صمم الصديق رضي الله عنه على تسيير الجيش بقيادة أسامة امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثقة بنصر الله، فسار الجيش إلى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغار على أهل تلك البلاد فقتل أسامة قاتل أبيه وغنموا منهم ورجع الجيش سالماً إلى المدينة.(2)
والصحابة على كل حال مجتهدون في شأن جيش أسامة سواء من رأى منهم تسيير الجيش، أو لم ير ذلك، أو رأى عزل أسامة، أو لم ير ذلك، فما أرادوا من ذلك إلا الخير، والنصح لدين الله والمسلمين، وهم أبعد ما يكونون على كل ما يرميهم به الرافضة من التهم الباطلة الجائرة.--------------------------------------------
(1) انظر: سير اعلام النبلاء للذهبي 2/500.
(2) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 2/191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
تقسيم الرافضي الصحابة إلى ثلاثة أقسام وزعمه أن منهم من نزل القرآن بتوبيخهم والتحذير منهم والرد عليه في ذلك
قال المؤلف ص 111 تحت عنوان (رأي القرآن في الصحابة).
«قبل كل شيء لابد لي أن أذكر أنه سبحانه وتعالى قد مدح في كتابه العزيز في العديد من المواقع صحابة رسول الله، الذين أحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوه، وهذا القسم من الصحابة الذين عرف المسلمون قدرهم من خلال مواقفهم وأفعالهم معه، أحبوهم، وأجلوهم، وعظموا قدرهم، وترضوا عنهم كلما ذكروهم.
وبحثي لا يتعلق بهذا القسم من الصحابة، الذين هم محط الإحترام والتقدير من السنة والشيعة، كما لا يتعلق بالقسم الذي اشتهر بالنفاق، والذين هم معرضون للعن المسلمين جميعاً من السنة والشيعة، ولكن بحثي يتعلق بهذاالقسم من الصحابة، الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من المناسبات أو حذر منهم».
قلت: لا يخفى ما في كلامه هذا من الكذب والتلبيس، وذلك أن أهل السنة يعتقدون عدالة الصحابة كلهم، وأما المنافقون فليسوا من الصحابة بحال، فالصحابي في الإصطلاح: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً
به ومات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
على ذلك(1) فخرج الكفار والمنافقون من حد الصحبة، لأنهم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعاملون بما يظهرون من الإسلام.
وتقسيمه الذي ذكره لا يمثل سوى عقيدة الرافضة، دون أهل السنة. فالرافضة هم الذين يقسمون الصحابة إلى قسمين: عدول ومرتدين، وعندهم أن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام إلا القليل منهم، لا يتجاوزون أربعة أو سبعة، كما جاء ذلك مصرحاً به في بعض رواياتهم المشهورة، التي تقدم نقلها عند الحديث عن معتقدهم في الصحابة.(2)
فالصحابة الذين قال: إن الفريقين يعتقدون عدالتهم: هم أولئك الأفراد الذين يستثنيهم الرافضة من حكم الردة، والقسم الذي ذكر أنه اختلف فيه هم عامة الصحابة الذين يعتقد الرافضة ردتهم وكفرهم، وأما أهل السنة فلا يقرون هذا التقسيم ولا يعتقدونه فالصحابة عندهم كلهم عدول.
ومع فساد هذا التقسيم الذي ذكره، فكان الأولى به لو كان صادقاً فيما ادعاه من الإنصاف أن يقول بعد هذا: إني سأبحث في
سيرة هذا القسم من الصحابة وأثبت الحق في ذلك، لكنه ذكر هذا
القسم ثم حكم عليه مباشرة وطعن فيه فقال: «ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من المناسبات أو حذر منهم» .
فظهر أن الرجل إنما يقرر عقيدة الرافضة في الصحابة في أصل تقسيمه لهم وحكمه عليهم، خلافاً لما يدعيه من العدل والإنصاف والتجرد في الحكم، ولهذا سبق حُكْمُه بحثه في سيرتهم وأحوالهم، وذكره النصوص التي زعم أنها مستنده فيما يقرر.--------------------------------------------
(1) الإصابة لابن حجر 1/7.
(2) انظر ص 75 ومابعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
ثم شرع المؤلف في ذكر الآيات التي زعم أنها كشفت حال الصحابة ونزلت بتوبيخهم وتهديدهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} ، والرد عليه.
قال الرافضي ص112: «المثال الأول على ذلك هو آية
محمد رسول الله يقول تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} .(1)
قال بعد ذلك: «.. فكلمة (منهم) التي ذكرها الله تعالى دلت على التبعيض وأوحت أن البعض من هؤلاء لاتشملهم مغفرة الله ورضوانه، ودلت أيضاً على أن البعض من الصحابة انتفت منهم صفة الإيمان والعمل الصالح، فهذه الآيات المادحة والقادحة في آن واحد فهي بينما تمدح نخبة من الصحابة تقدح في آخرين» .
قلت: تضمنت هذه الآية الكريمة أبلغ الثناء والمدح من الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه لهم بتلك الصفات العظيمة، الدالة على
علو قدرهم في الدين، ورسوخ قدمهم في الإيمان والعمل الصالح، وأما
ما ادعاه--------------------------------------------
(1) سورة الفتح آية 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
هذا الرافضي أن (منهم) في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم}(1) للتبعيض وأنها تدل على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعضهم، فهذا من فرط جهله، وجرأته على الله، وكذبه عليه بما لا تحتمله الآية ولا يستند لقول أحد من أهل العلم في تفسيرها.
والذي عليه المفسرون وأهل العلم أن (من) في الآيه لبيان الجنس فيكون المعنى: (وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس) وهم
الصحابة.
قال القرطبي: «وليست من في قوله: (منهم) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة مثل قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}(2) لايقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فأدخل (من) يفيد بها الجنس وكذا (منهم) أي: من هذا الجنس، يعني: جنس
الصحابة، ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم أي: اجعل نفقتك
هذا الجنس».(3)
وكذا قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «من هذه لبيان الجنس».(4)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: «فإن قيل لم قال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم}(5) ولم يقل: وعدهم كلهم؟
قيل: كما قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات}(6) ولم يقل: وعدكم و (من) تكون لبيان الجنس، فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس، كما في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}(7) فإنه لا يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس.--------------------------------------------
(1) سورة الفتح آية 29.
(2) سورة الحج آية 30.
(3) الجامع لأحكام القرآن 16/ 282.
(4) تفسير ابن كثير 4/ 205.
(5) سورة الفتح آية 29.
(6) سورة النور آية 55.
(7) سورة الحج آية 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
وإذا قلت: ثوب من حرير فهو كقولك: ثوب حرير، وكذلك قولك: باب من حديد كقولك: باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره
كلياً فإن الجنس الكلي هو: مالا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركاً فيه في الوجود، فإذا كانت (من) لبيان الجنس كان التقدير: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} من هذا الجنس وإن كان الجنس كلهم مؤمنين مصلحين»(1) .
فتبين بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي من أن (من) في الآية تبعيضية واستدلاله بها على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعض الصحابة، لمخالفة ذلك لما ذكره العلماء هنا، بل مخالفته لعموم نصوص الكتاب والسنة، القاطعة بعدالة الصحابة وتزكيتهم، والشهادة لهم بالإيمان والتقوى، والسبق في ذلك، وما أخبر الله عنهم من رضاه عنهم، ورضاهم عنه، ووعده لهم بأعلى الدرجات في الجنة، ومخالفته كذلك لما هو معلوم بالاضطرار للمسلمين، وما انعقد عليه إجماعهم من حسن الثناء عليهم، والاعتراف لهم بالفضل والسبق في الدين، وأن الأمة بعدهم لا يبلغوا مراتبهم، ولا يدانوهم في الفضل، مما يجعل الطعن فيهم طعن في الأمة، والقدح فيهم قدح في الكتاب والسنة.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 2/38-39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)