Arabic source text

📘 আল ইনতিসার লিস সাহবি ওয়াল আল মিন ইফতীরাআতিল সামাভী আদ দাল (ইবরাহীম বিন আমির আর-রুহায়লী)

📘 الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال (إبراهيم بن عامر الرحيلي)

📘 আল ইনতিসার লিস সাহবি ওয়াল আল মিন ইফতীরাআতিল সামাভী আদ দাল (ইবরাহীম বিন আমির আর-রুহায়লী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} والرد عليه.

قال المؤلف ص 114: «قال الله تعالى في كتابه العزيز: {وما محمدٌ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين}.(1)
ثم قال بعدها: «فهذه الآية صريحة وجلية في أن الصحابة سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولا يثبت منهم إلا القليل، كما دلت على ذلك الآية في تعبير الله عنهم -أي: عن الثابتين الذين لاينقلبون- بالشاكرين، فالشاكرون لايكونون إلا قلة، كما دل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وقليل من عبادي الشكور}».(2)
إلى أن قال ص 115: «والمهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة، الذين يعيشون معه في المدينة المنورة، وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاته بدون فصل».
قلت: قاتل الله الجهل ما أضره بأهله!! ولو اطلع هذا المتشدق بما لا يعلم في كتاب مختصر من كتب التفسير، على سبب نزول هذه الآية،--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران آية 144.
(2) سورة سبأ آية 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)

التي زعم أنها في الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ورمى الصحابة بذلك، لم يقل ما قال، ولكان في ستر من هذه الفضيحة، التي تشهد بجهله وتقوله على الله بلا علم ولا بصيرة، وذلك أن هذه الآية نزلت يوم أحد، عندما أصاب المسلمين ما أصابهم، وشج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشاع في الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل، فقال بعض المنافقين: إن محمداً قد قتل فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية.
روى الطبري في تفسيره بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}(1) ، «ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته، قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فذلك قوله: {أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} » .(2)
وروى أيضاً عن ابن جريج قال: «قال أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد، فالحقوا بدينكم
الأول فنزلت هذه الآية» .(3)
فالمقصود بالانقلاب على الأعقاب في الآية هو: ما قاله المنافقون لما أُشيع في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، وهو قولهم: ارجعوا إلى دينكم الأول. ولم تكن هذه الآية فيمن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هي حجة عليهم، مع أنها لو كانت فيمن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لكانت أظهر في الدلالة على براءة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه على أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلى الدين، وهلك من هلك على ردته، وظهر فضل الصديق والصحابة بمقاتلتهم لهم.
ولهذا ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول في قوله تعالى: {وسيجزي--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية 144.
(2) تفسير الطبري 3/458.
(3) تفسير الطبري 3/458.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)

الله الشاكرين}(1) ، (الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه) .(2)
وكان يقول: (كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحباءِ الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله) .(3)
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجهادون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}(4) ، أنها كانت في أبي بكر وأصحابه، لما كان في علم الله أنهم سيقاتلون أهل الردة.
روى الطبري بسنده عن علي رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ، (بأبي بكر وأصحابه) .
وعن الحسن البصري قال: (هذا والله أبو بكر وأصحابه) .
وعن الضحاك قال: (هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه، حتى ردهم إلى الإسلام) .
وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير.(5)
فتأمل أيها القارئ كيف أن هذا الرافضي الحاقد يرمي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، في حين أنهم هم الذين قاتلوا المرتدين، وأثنى الله عليهم بذلك، واشتهر في الأمة فضلهم بما قاموا به من نصرة دين الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وجهادهم أولئك المرتدين على
كثرتهم، مما لا يجهله أحد من عوام المسلمين اليوم، فضلاً عن علمائهم، ثم يأتي هذا الرافضي فيتهم هؤلاء الصحابة بالردة مصادماً بذلك النصوص والواقع،--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية 144.
(2) تفسير الطبري 3/455.
(3) المصدر نفسه.
(4) سورة المائدة آية 54.
(5) تفسير الطبري 4/623-624.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)

بل وحتى العقل. فلو كان لهذا الرجل عقل، لما قال ما قال، فيصبح أضحوكة بين الناس، بهذا الهذيان الذي يدل على سخافة في العقل وبلادة في الفهم.
ولقد أحسن الشعبي رحمه الله في قوله: (ما رأيت قوماً أحمق من الشيعة، لو كانت الشيعة من الطير لكانت رخماً، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمراً) .(1)
ولقد صدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وصفهم بقوله: «القوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة: إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} » .(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه الخلال في السنة 1/497، واللالكائي في شرح السنة 7/1267.
(2) منهاج السنة 1/8. والآية من سورة الملك آية 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)

‌‌طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} والرد عليه.

قال المؤلف ص 115 قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل - إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شئ قدير}.(1)
ثم قال: «هذه الآية صريحة في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد، واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا، رغم علمهم بأنها متاع قليل، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه، وتهديده إياهم بالعذاب الأليم واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين بهم.
وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات، مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة، فقد جاء في قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا
أمثالكم}. .. ».(2)--------------------------------------------
(1) سورة التوبة آيتا 38 - 39.
(2) سورة محمد آية 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)

إلى أن قال: «ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي [صلى الله عليه وسلم] ، واختلفوا، وأوقدوا نار الفتنة، حتى وصل بهم الأمر إلى القتال والحروب الدامية، التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم، وأطمعت فيهم أعداءهم» .
وجوابه: أنه ليس في هاتين الآيتين مطعن على أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فيهما حث الله تعالى الصحابة على الجهاد، وذلك عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غزوة تبوك بغزو الروم، وكان ذلك في زمن عسرة وفاقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع شدة الحر وبعد السفر، فشق ذلك على بعضهم، فنزلت الآيات في الترغيب في الجهاد في سبيل الله، والتحذير من التثاقل عنه فاستجاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربهم.
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض}(1) : «وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو
الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك» .(2)
ولاشك أن هاتين الآيتين تضمنت نوع عتاب من الله عز وجل لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعاً لا يرد على عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وهم غالب الصحابة وأكثرهم.
قال ابن كثير في تفسير الآية: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك» .(3)
قلت: ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك--------------------------------------------
(1) سورة التوية آية 38.
(2) تفسير الطبري 6/372.
(3) تفسير ابن كثير 2/357.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

حديث كعب بن مالك المشهور في الصحيحين(1) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ومع هذا فقد ثبت بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن الله تاب على الجميع، وأنزل في توبته على سائر الصحابة وحياً يتلى في كتابه وذلك في قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين
والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم - وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}.(2)
فتضمنت هذه الآيات إخبار الله تعالى عن توبته على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والتي تسمى غزوة العسرة فلم يتخلفوا عنه مع ما أصابهم فيها من الجهد والشدة والفقر، حتى جاء في بعض الروايات أن النفر منهم كانوا يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها حتى تأتي على آخرهم.(3)
كما تضمنت توبة الله على الثلاثة المخلفين(4) الذين تأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بعد هجر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وندمهم ندماً
عظيماً حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح البخاري: (كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك) فتح الباري 8/ 113 - 116، ح 4118، وصحيح مسلم: (كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب وصاحبيه) 4/ 2120 - 2128، ح 2769.
(2) سورة التوبة آيتا 117، 118.
(3) انظر: تفسير الطبري 6/ 502، وتفسير البغوي 2/ 333.
(4) وصفوا بالمخلفين لأنهم خلفوا عن التوبة عندما جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم واعترفوا بذنوبهم فقال لهم قوموا حتى يقتضي الله فيكم، ثم أنزل الله توبتهم في الآيات المذكورة أعلاه، انظر تفسير الطبري 6/ 505.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

فلم يبق بعد ذلك عذر لأحد في النيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو غمزهم بشيء مما قد يقع منهم، بعد مغفرة الله لهم وتوبته عليهم، وثنائه عليهم الثناء العظيم في كتابه، وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في سنته رضي الله عنهم أجمعين.
والرافضة يدركون هذا وإنما يحملهم حقدهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبغضهم لهم على تنقصهم وسبهم بغير حق، وغمط مناقبهم، وفضائلهم الثابتة في الكتاب والسنة، التي لا يجهلها أحد من الأمة.
ولهذا ذكر هذا الرافضي الآيات السابقة في حث الله عز وجل الصحابة على الجهاد في سبيل الله، مستدلاً بها على ذمهم وتنقصهم، وأغفل ما جاء في سياق هذه الآيات وبعدها مباشرة، وهو قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}(1) وذلك حجباً منه لما تضمنته الآية من إثبات تلك المنقبة العظيمة لأبي بكر، وهي صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وكذلك تجاهله الآيات الأخرى في السورة نفسها، المشتملة على ثناء الله تعالى على الصحابة كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات
تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}(2) وكالآيات المتقدمة في توبة الله تعالى عليهم، ومغفرته لهم، يحمله على ذلك ضغنه الكمين وحقده الدفين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعليه من الله ما يستحق.
وأما قوله: «إن الصحابة اختلفوا واقتتلوا ونتج عن ذلك حروب دامية تسببت في انتكاس المسلمين» .
فجوابه: أن اقتتال الصحابة إنما نشأ في عهد علي رضي الله عنه وقد كان--------------------------------------------
(1) سورة التوبة آيه 40.
(2) سورة التوبة آيه 100.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

علي طرفاً من أطرافه، فإذا كان لايرد في ذلك ذم على علي رضي الله عنه وهو إمام المسلمين والمسؤل عن سلامة الرعية فمن باب أولى أن لا يذم بذلك غيره من الصحابة.
وقد تقدم الحديث عن أسباب الاختلاف بين الصحابة في الفتنة، وبيان وجهة كل فريق، وبراءتهم من كل ما يلصق بهم في ذلك، وأن عامة ما صدر منهم إنما كانوا مجتهدين فيه، ليس لأحد أن يذمهم بشيء منه، وإنما الامساك عما شجر بينهم والترحم عليهم هو السبيل الأمثل، والمنهج الأقوم في حقهم، فرضي الله عنهم أجمعين.(1)--------------------------------------------
(1) انظر تقرير ذلك ص 240 من هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: {ألم يأن للذين
آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} والرد عليه.

قال المؤلف ص 117: «قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}.(1)
وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا، بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا فنزلت: {ألم يأن للذين آمنوا}. وفي رواية أخرى أن الله سبحانه وتعالى استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل الله: {ألم يأن للذين آمنوا}.
وإذا كان هؤلاء الصحابة وهم خيرة الناس على ما يقوله أهل السنة والجماعة، لم تخشع قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق طيلة سبعه عشر عاماً، حتى استبطأهم الله وعاتبهم، وحذرهم من قسوة القلوب، التي تجرهم إلى الفسوق، فلا لوم على المتأخرين من سراة
قريش الذين أسلموا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة. فهذه بعض الأمثلة التي استعرضها--------------------------------------------
(1) سورة الحديد آيه 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

من كتاب الله العزيز كافية للدلالة على
أن الصحابة ليسوا كلهم عدولاً، كما يقول أهل السنة والجماعة».
وجوابه: أن هذه الآية لا تدل بحال على ما ادعاه: من زعمه أن قلوب الصحابة لم تخشع لذكر الله طيلة سبعة عشر عاماً، بل هذا من أقبح الكذب والافتراء على الله الذي لا تحتمله الآية، ويعرف هذا بمعرفة أقوال المفسرين في سبب نزولها وتفسيرها، فهذه الآية قد اختلف المفسرون في سبب نزولها.
فقيل: إنها نزلت في المنافقين، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت: {نحن نقص عليك أحسن القصص}(1)، فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصاً من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً}(2)، فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية، فعلى هذا تأويل قوله: {ألم يأن
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}(3) يعني في العلانية وباللسان.
وقال آخرون: نزلت في المؤمنين، قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلا أربع سنين.(4)
وقيل: هي خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لانه قال عقيب هذا: {والذين آمنوا بالله ورسله}(5)، أي ألم يأن للذين آمنوا--------------------------------------------
(1) سورة يوسف آية 3.
(2) سورة الزمر آية 23.
(3) سورة الحديد آية 16.
(4) انظر: تفسير البغوي 4/ 297، وتفسير القرطبي 17/ 240.
(5) سورة الحديد من الآية 19.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

بالتوراة والإنجيل، أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم.(1)
فهذه أقوال المفسرين في سبب نزول الآية، وعلى قول من قال: إنها نزلت في المنافقين أو في أهل الكتاب، فلا وجه لتنزيلها على الصحابة بحال.
وأما على القول بنزولها فيهم: فإنها لا مطعن فيها على الصحابة،
لأن غاية ما في الآية هو حثهم على أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل عليهم من القرآن، وأن أوان ذلك قد حان، دون أن تتعرض الآية لذمهم أو تنقصهم.
قال الطبري في معنى الآية: «ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله فتخضع قلوبهم له، ولما نَزَل من الحق، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم» .(2)
وقال ابن كثير: «يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه» .(3)
وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب، وهو الخشوع الواجب -كما ادعى هذا الرافضي الحاقد- بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله: {ألم يأن للذين آمنوا} دليل على أن أصل الخشوع موجود، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب، قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين:
مقتصد،--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير القرطبي 17/240.
(2) تفسير الطبري 11/681.
(3) تفسير ابن كثير 2/310.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة».(1)
وعلى هذا فالخطاب في الآية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع، دون من بلغها من الصحابة، يؤيد هذا ما
نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال: (نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء).(2)
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من رواية عائشة رضي الله عنها في قصة جوار ابن الدّغنّة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها: (ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف(3) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من
المشركين).(4)
وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعاً، فإن الآية في سورة الحديد، وسورة الحديد مدنية.
وأما زعمه أن نزول الآية في الحث على الخشوع كان بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فهذا إن جاء في بعض الروايات فهو معارض بما جاء في غيرها.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 7/ 29.
(2) فتح القدير للشوكاني 5/ 172.
(3) أي يزدحمون، النهاية لابن الأثير 4/ 73.
(4) أخرجه البخاري في: (كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم)
فتح الباري 4/ 475 - 476، ح: 2297، وأخرجه أيضاً في: (كتاب الصلاة، باب المسجد يكون في الطريق) فتح الباري 1/ 563، 564، ح 476.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن).(1)
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآيه {ألم يأن للذين آمنوا .. } إلا أربع سنين).(2)
ورواية ابن مسعود أصح من غيرها فإنها في صحيح مسلم، وهي دليل على أن عتاب الله لهم بالآية كان في بداية إسلامهم، خلافاً لما زعمه الرافضي أنه بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن.
وأما طعن الرافضي في الصحابة بزعمه أنه لم تخشع قلوب السابقين منهم فكيف بمن أتى بعدهم!
فهذه دعوى باطلة وفرية ظاهرة، يردها ما ثبت في سيرة
الصحابة رضي الله عنهم من أخبار تدل على تحقيقهم أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله وكثرة بكائهم من خشيته مما لاينكره إلا مكابر أو جاهل.
فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين).(3) وفي رواية مسلم (خنين)
والحنين هو: الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والخنين:
من الأنف(4)، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أخرى لمسلم: (فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم).(5)--------------------------------------------
(1) ذكره البغوي في تفسيره 4/ 297، وابن كثير في تفسيره 4/ 310.
(2) أخرجه مسلم (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا}) 4/ 2319، ح 3027.
(3) صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فتح الباري 8/ 280، ح 4621، وصحيح مسلم (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم .. ) 4/ 1832، ح 2359.
(4) فتح الباري لابن حجر 8/ 281.
(5) أخرجها مسلم من حديث أنس (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم .. ) 4/ 1832.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفاً به
مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس: (فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لايملك دمعه).
وفي روايه: (إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء).(1)
وفي الحلية لأبي نعيم عن عبد الله بن عيسى قال: (كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء).(2)
وعن هشام بن الحسن قال: (كان عمر يمر بالآيه في ورده
فتخنقه فيبكي حتى يسقط).(3)
وعن عثمان رضي الله عنه أنه جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة رضي الله عنها أنهم لم يطعموا طعاماً منذ أربعة أيام، قالت عائشة رضي الله عنها: (فبكى عثمان ثم قال: مقتاً للدنيا، ثم أحضر لهم
طعاماً كثيراً وصرة دراهم).(4)
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه أتي بصحفة فيها خبز ولحم فلما وضعت بكى فقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها.(5)
وكان ابن عمر لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا بكى.(6)--------------------------------------------
(1) أخرج الحديث الشيخان واللفظ الأول لمسلم والثاني للبخاري، صحيح البخاري (كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالامامة) فتح الباري 2/ 164، ح 679، صحيح مسلم (كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر .. ) 1/ 313.
(2) حلية الأولياء 1/ 51.
(3) حلية الأولياء 1/ 51.
(4) أورده ابن قدامة المقدسي في الرقة والبكاء ص 188.
(5) أورده أبو نعيم في الحلية 1/ 100.
(6) رواه الدارمي في سننه 1/ 54 ح 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

وأخبارهم في ذلك تطول، وإنما ذكرت هنا أمثلة، للرد على ما افتراه هذا الرافضي في حق الصحابة، وزعمه عدم خشوعهم وخشيتهم، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثلة الدالة على قوة إيمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى، وحسبهم قبل ذلك وبعد
تزكية الله ورسوله لهم، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة فرضي الله عنهم أجمعين، وأعلى درجاتهم في جنات النعيم.
فثبت بهذا الاستعراض لما ذكره المؤلف من آيات زاعماً أنها دلت
على الطعن في الصحابة، ثم الوقوف على النصوص الأخرى وأقوال أهل العلم المفسرة لهذه الآيات، والموضحة لمقصودها، والمبينة لأسباب نزولها: بطلان ما ادعاه الرافضي في حق الصحابة، وأن هذه الآيات لا تدل بحال على ذم الصحابة أو تنقصهم، وإنما يحمل الرافضة على تأويلها على غير مراد الله منها وتحريفها عن مواضعها، ماامتلأت به قلوبهم من حقد وضغينة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مع ماعليه هؤلاء الرافضة من جهل عظيم بالشرع، ونقص كبير في العقول، وبلادة في الأفهام، مصحوب ذلك بهوى وظلم وكذب وافتراء.
ولذا ذكر شيخ الإسلام في وصفهم: «والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل» .(1)
وفي ختام هذا المبحث المتعلق بالرد على المؤلف في ما يستدل به
من آيات في الطعن على الصحابة اذكر بعض الأوجه العامة في الرد على استدلاله ببعض الآيات بعد ذكر الرد المفصل عليه عند كل آيه.
فأقول مستعيناً بالله:
الوجه الأول: أن كل ما يستدل به المؤلف وغيره من الرافضة
من آيات في الطعن على الصحابة لايخلو من ثلاثة أقسام:--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 1/8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)

إما أن تكون آيات نزلت في الكفار والمنافقين، ينزلونها على الصحابة بجهل وظلم، لاحجة لهم فيها بوجه عند أهل العلم.
وإما أن تكون آيات عامة نزلت في حث الأمة على الخير، وأمرها به، أو تحذيرها من الشر ونهيها عنه، والخطاب فيها للصحابة ولمن بعدهم من الأمة، وهي مصدرة في الغالب: بـ (يا أيها الذين آمنوا) وذلك كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}(1) وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم}(2) وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}(3) وقوله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(4)
وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن}(5) والأمثلة على هذا كثيرة جداً في القرآن، وليس فيها أي طعن على الصحابة.
وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}(6) وقوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}(7) وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاء من العلم إنك إذا لمن الظالمين}(8) وقوله: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}(9) وقوله: {ولاتمنن تستكثر - ولربك فاصبر}(10) وغيرها من الآيات في معناها فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله--------------------------------------------
(1) سورة المائدة آيه 54.
(2) سورة الأنفال آيه 27.
(3) سورة المائدة آيه 87.
(4) سورة الأنفال آيه 24.
(5) سورة الحجرات آيه 12.
(6) سورة المائدة آيه 67.
(7) سورة الزمر آيه 65.
(8) سورة البقرة آيه 145.
(9) سورة الأحقاف آيه 35.
(10) سورة المدثر آيتا 6، 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

لرسوله، ليس فيها أي مطعن عليه، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم.
وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من
الله لبعض الصحابة، كما في قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن
تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}(1) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض}(2) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}(3) فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة، وإنما عاتب الله بها أفراداً منهم، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم، كما في الآية الأخيرة، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه(4) ومن الخطأ تعميم ذلك على الصحابة كلهم، كما هو صنيع الرافضة، وأيضاً فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم، ولهذا أُطلق على هذه الآيات وأمثالها على أنها عتاب من الله للمؤمنين، كمافي أثر ابن مسعود المتقدم: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآيه {ألم يأن للذين آمنوا..}(5) إلا أربع سنين) .(6) وكذلك قال ابن عباس: (إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم) .(7)
والعتاب عرفه أهل اللغة بأنه: «مخاطبة الإدْلَال وكلام المُدِلّيِن أَخِلاَّءَهم طالبين حسن مراجعتهم»(8) ولهذا عاتب الله رسوله وخليله صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية كما في قوله تعالى: {عبس وتولى - أن جاءه الأعمى}(9)--------------------------------------------
(1) سورة الحديد آيه 16.
(2) سورة التوبة آيه 38.
(3) سورة الممتحنة آيه 1.
(4) انظر تفسير ابن كثير 4/344.
(5) سورة الحديد من الآيه 16.
(6) تقدم تخريجه ص 336.
(7) تقدم تخريجه ص 336.
(8) لسان العرب لابن منظور 1/577.
(9) سورة عبس آيتا 1-2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه: (مرحباً بمن عاتبني فيه ربي)(1) وقال تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم}(2) وقال تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وانعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه}.(3)
إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب.
والمقصود هنا: هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم، لا يوجب انتقاصهم به، إذا ما ثبت جنس ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه.
فثبت بهذا أنه لاحجة للرافضة فيما استدلوا به من آيات للطعن في الصحابة عند النظر والتدقيق، والبحث والتحقيق.
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا جدلاً أن في تلك الآيات التي ذكر المؤلف ذماً لبعض الصحابة، فمن أين له الحكم على بعضهم أنهم هم المعنيون بها دون البعض الآخر، ممن تعتقد الرافضة عدالتهم من الصحابة، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل، وإلا فلغيره أن يدعى ما يشاء، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي رضي الله عنه أو النواصب على تفسيقه، فلن يجد المؤلف ولا غيره من الرافضة حجة يدفعون بها عن علي رضي الله عنه إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعاً.
الوجه الثالث: أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء، وزكاهم أعظم تزكية، وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، ووصفهم بالإيمان--------------------------------------------
(1) ذكره البغوي في تفسيره 4/ 446، والقرطبي في تفسيره من رواية سفيان الثوري 19/ 203.
(2) سورة التحريم آيه 1.
(3) سورة الأحزاب آيه 37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

والتقوى، ووعدهم بالحسنى، كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري
تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم} .(1)
وقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً} .(2)
وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} .(3)
وقوله: {لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى} .(4)
فقد تضمنت هذه الآيات ثناء الله عز وجل العظيم على الصحابة
ووصفه لهم بتلك الصفات الفاضلة الدالة على علو شأنهم في الدين، وسمو مكانتهم فيه، وإخباره بما أعد لهم في الآخرة من الأجر والثواب والمغفرة والرضوان، والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، مما يدل دلالة واضحة على بطلان ما ادعاه الرافضي من أن بعض الآيات جاءت بذمهم وتنقصهم، وذلك أنه كتاب محكم لا يناقض بعضه بعضاً كما قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} .(5)
ولو افترض وجود بعض الآيات تدل بظاهرها على ما ادعى الرافضي، فالواجب حملها على هذه الآيات الصريحة القاطعة بعدالة الصحابة جميعاً،--------------------------------------------
(1) التوبة آيه 100.
(2) سورة الفتح آيه 18.
(3) سورة الفتح آيه 29.
(4) سورة الحديد آيه 10.
(5) سورة النساء آيه 82.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)