تهدئه النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفي على معاوية رضي الله عنه الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الأُلفة والتقارب، ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ. ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف. وقال لهما: (ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعط أحداً أفضل منا) .(1)
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: (مرحباً وأهلاً بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بثلاثمائة ألف) .(2)
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعى الرافضي في حق معاوية، من حمله الناس على سب علي، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة، والاحتفاء والتكريم.
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتتجلى الحقيقة.
فلله الحمد على نعمه وتوفيقه.--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير 8/139.
(2) المصدر نفسه 8/140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
زعم الرافضي أن الصحابة غيروا حتى في الصلاة والرد عليه
قال الرافضي ص 130 تحت عنوان: (الصحابة غيروا حتى في الصلاة).
«قال أنس بن مالك ما عرفت شيئاً مما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل الصلاة، قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها.
وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضيعت.
وحتى لايتوهم أحد أن التابعين هم الذين غيروا ما غيروا بعد تلك الفتن والحروب، أود أن أذكّر بأن أول من غير سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، هو خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وكذلك أم المؤمنين عائشة. فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدراً من خلافته ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً).
كما أخرج مسلم في صحيحه قال الزهري: قلت لعروة: ما بال عائشة تتم الصلاة في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان».
والرد عليه:
أن هذين الأثرين اللذين ذكرهما ثابتان عن أنس رضي الله عنه وقد أخرجهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
البخاري في صحيحه(1) وليس فيهما أي مطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعم الرافضي، وذلك أن أنساً إنما قال ذلك إنكاراً على الحجاج بن يوسف الذي كان والياً على العراق لبني أمية، وكان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها -كما كان على ذلك بعض أمراء بني أمية-(2) فأنكر ذلك أنس رضي الله عنه عندما كان مقيماً بالعراق على ما روى ثابت البناني قال: (كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم)(3) الخ كلامه.
ثم إن أنساً بعد ذلك ذهب إلى دمشق وتكلم بالأثر الثاني الذي رواه عنه الزهري بعد قدومه إلى دمشق.
قال ابن حجر: «كان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكياً من الحجاج للخليفة، وهو إذ ذاك
الوليد بن عبد الملك».(4)
فتبين أن قول أنس رضي الله عنه هو وصف لحال ذلك الزمان الذي
أدركه في آخر حياته، وما رأى فيه من التغيير، وتأخيير الصلوات عن
وقتها، من قبل بعض الأمراء في عهد الدولة الأموية. وأنس رضي الله عنه كان من المعمرين ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا له بطول العمر، فعن أنس قال: قالت أم سليم: خويدمك ألا تدعوا له؟ فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له، فدعا لي بثلاث: فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس وأرجو المغفرة).(5)--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها) فتح الباري 2/ 13.
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 9/ 94.
(3) ذكره ابن حجر في فتح الباري 2/ 13.
(4) فتح الباري 2/ 13.
(5) أخرجه البخاري في الأدب المفرد في (باب من دعا بطول العمر) الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد 2/ 106.
وقد صحح الحديث الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 5/ 284، ح 2241.
وروى الحديث من طريق أخرى البخاري في صحيحة (كتاب الدعوات، باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر) فتح الباري 11/ 144، ورواه مسلم في (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضل أنس) 4/ 1928 وليس في رواية الصحيحين (أطل حياته).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
ووفاة أنس رضي الله عنه كانت سنة ثلاث وتسعين(1)، وكان قدومه
إلى دمشق قبل وفاته بسنة في سنة اثنتين وتسعين.
قال ابن كثير روى عبد الرزاق بن عمر، عن إسماعيل قال: «قدم
أنس على الوليد في سنة اثنتين وتسعين».(2)
ومعلوم أنه في ذلك الوقت لم يكن بقي فيه من الصحابة إلا القليل، بل ذهب بعض العلماء إلى أن أنس بن مالك هو آخر من مات من الصحابة، ثم أبوالطفيل عامربن واثلة الليثي-رضي الله عنهما.(3)
وعلى هذا فأي لوم على الصحابة في تغير الناس من بعدهم، ومن كان حياً منهم فهو منكر لذلك، كما تقدم في الأثرين عن أنس رضي الله عنه.
على أن هذا التغيير الذي ذكره أنس لا يعم أمصار المسلمين كلها، وإنما كان في بعض الأمصار كالعراق والشام، دون بقية البلاد، يشهد لهذا ما رواه البخاري من حديث بشير بن يسار الأنصاري، أن أنس بن مالك قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ماأنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف).(4)
وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرحه للأثرين السابقين لأنس، حيث قال: «إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية لابن كثير 9/ 94، والإصابة لابن حجر 1/ 113.
(2) البداية والنهاية 9/ 94.
(3) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير ص 160.
(4) رواه البخاري (كتاب الأذان، باب إثم من لم يتم الصفوف) فتح الباري 2/ 209، ح 724.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال: (ما أنكرت شيئاً)»(1)، ثم ساق الأثر.
وأما قول الرافضي: إن أول من غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو عثمان وعائشة رضي الله عنهما مشيراً لإتمام عثمان رضي الله عنه الصلاة في منى، وأن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر.
فجوابه: أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين، وقد اختلف العلماء في وجه اجتهادهما اختلافاً كبيراً، وذكروا وجوهاً كثيرة في ذلك.(2) لكن الذي صوبه أكثر المحققين وقطعوا به، أنهما كانا يريان جواز القصر والإتمام، فأخذا بأحد الجائزين.
قال النووي: «اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون: أنهما رأيا القصر جائزاً والإتمام جائزاً، فأخذا بأحد الجائزين،
وهو الإتمام».(3)
وقال القرطبي: «اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأولا: أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد».(4) ثم ذكر بقية الأقوال ورد عليها.
وهذا الذي ذكره القرطبي هنا في سبب تأولهما فيه ترجيح الإتمام على القصر على اعتبار أن القصر رخصة، وأن الإتمام عزيمة ولذا قال: أخذا بالأكمل. بخلاف توجيه النووي فالظاهر منه أنه يستوى فيه الأمران وإنما أخذا بأحد الجائزين.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 2/ 14.
(2) انظر شرح صحيح مسلم للنووي 5/ 195، والمفهم للقرطبي 2/ 327، وفتح الباري لابن حجر 2/ 570 - 571.
(3) شرح صحيح مسلم 5/ 195.
(4) المفهم للقرطبي 2/ 327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وقد فرق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان، وإتمام عائشة رضي الله عنهما.
كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال في شرح عبارة: (إن عائشة تأولت كما تأول عثمان) : «التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة» .(1)
قال بعد ذلك: «والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكة في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة» .(2)
فيكون هذا الذي ذكره ابن حجر قولاً آخر في سبب إتمام عثمان رضي الله عنه.
ولهذا ذكر ابن حجر بعده القول المتقدم عن القرطبي، وعزاه إلى ابن بطال وقال: «وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب» .(3)
وأما وجه اجتهاد عائشة رضي الله عنها فيقول ابن حجر فيه: «وأما عائشة فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحاً، وهو فيما أخرجه
البيهقي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: (أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو--------------------------------------------
(1) فتح الباري لابن حجر 2/571.
(2) فتح الباري 2/571، والحديث رواه أحمد في المسند 4/94.
(3) فتح الباري لابن حجر 2/571.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
صليت ركعتين، فقالت: ابن اختى إنه لا يشق علي) . إسناده صحيح وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل) .(1)
قلت: وهذا موافق لما ذكره القرطبي سابقاً في سبب إتمامها رضي الله عنها.
هذا وقد ذكر بعض العلماء المحققين في: (باب الصحابة) في معرض ردهم على الرافضة أن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام في منى لما بلغه أن بعض الأعراب الذين كانوا شهدوا معه الصلاة في الأعوام الماضية ظنوا أنها ركعتان فأراد أن يعلمهم أنها أربع.
قال أبونعيم في: (كتاب الإمامة) : «وإن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام أنه بلغه أن قوماً من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمنى رجعوا إلى قومهم فقالوا: الصلاة ركعتان، كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى، فلأجل ذلك صلى أربعاً ليعلمهم ما يستنوا به للخلاف والاشتباه» .(2)
وقال ابن العربي في العواصم في معرض رده على الشبه التي
أُثيرت ضد عثمان رضي الله عنه: «وأما ترك القصر: فاجتهاد إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة خوف الذريعة، مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام» .(3)
قلت: ويؤيد هذا أن عثمان رضي الله عنه ما كان يقصر الصلاة في بداية عهده، بل بقي سبع سنين من خلافته وهو يقصر الصلاة بمنى، ثم أتم بعد ذلك، فهو دليل أنه ما فعل ذلك إلا لأمر طرأ.
روى ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين أنه قال: (حججت مع--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه.
(2) الإمامة والرد على الرافضة ص312.
(3) العواصم من القواصم ص90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعاً).(1)
وعلى كل حال فكل من عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين فيما ذهبا إليه أياً كان السبب الحامل لهما على ذلك.
وإذا ما تقرر هذا اندحضت دعوى الرافضي في النيل منهما، وانكشفت شبهته، وبطل افتراؤه وظلمه.
وزيادة على هذا أذكر هنا بعض الأوجه الأخرى المؤكدة لما تقدم من براءة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأم المؤمنين
عائشة رضي الله عنهما مما رماهما به الرافضي.
الوجه الأول: أنهما مجتهدان، والمجتهد معذور، بل مأجور على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).(2)
وهذا أمر مقرر عند أهل السنة لا يختلفون فيه، وإنما يخالف فيه أهل البدع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة».(3)
ويقول أيضاً: «هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي، والثوري، وداود بن على وغيرهم، لايؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفرعية. كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا: هذا--------------------------------------------
(1) المصنف لابن أبي شيبة 2/ 207.
(2) رواه البخاري في: (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ) فتح الباري 13/ 318، ح 7352، ومسلم: (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ) صحيح مسلم 3/ 1342، ح 1716.
(3) مجموع الفتاوى 20/ 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
هو القول المعروف عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين، أنهم لايكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً
من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية».(1)
الوجه الثاني: أن القول بإتمام الصلاة في السفر لم ينفرد به عثمان وعائشة رضي الله عنهما وإنما هو قول طائفة من الصحابة.
قال أبو نعيم: «وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر منهم عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، وعثمان رضي الله عنه وسلمان رضي الله عنه وأربعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».(2)
قلت: وسلمان رضي الله عنه ممن يعتقد الرافضة عدالته كما جاء في الكافي فيما نسبوه إلى محمد الباقر -وهو من ذلك بريء-: (كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي -رحمة الله وبركاته عليهم-).(3)
فإذا كان سلمان رضي الله عنه معذوراً في اجتهاده بإتمام الصلاة فكذلك عثمان، وعائشة رضي الله عنهما معذوران في ذلك حكمهما حكمه. كما أن الطعن في عثمان وعائشة بهذا طعن في سلمان، ويتوجه عليه من الذم والقدح ما يتوجه عليهما على
حد سواء.
الوجه الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم سواء من قال بإتمام الصلاة في السفر، أو من قال بالقصر، ما كان بعضهم يعيب على بعض، كما روى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح
المكي قال: (اصطحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فكان بعضهم يتم، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء).(4)--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 19/ 207.
(2) الإمامة 312.
(3) روضة الكافي 8/ 245.
(4) المصنف لابن أبي شيبه 2/ 208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
قلت: وهذا يدل على أنهم كانوا يرون التوسعة في هذا، وإلا
لأنكر كل فريق منهم على الآخر ما يرى أنه منكر ومخالفة، فهم أقوم الناس بعد رسول الله بدينه، وأشدهم على المخالفين لهديه، فرضي الله عنهم أجمعين.
الوجه الرابع: أنه ثبت أن عامة الصحابة الذين شهدوا الصلاة مع عثمان رضي الله عنه في منى تابعوه على ذلك، بل كان بعضهم إماماً خاصاً لأصحابه فصلى بهم أربعاً متابعة لعثمان رضي الله عنه الإمام العام للحج على ماروى الطبري في تاريخه أن عبد الرحمن بن عوف كلم عثمان في إتمامه للصلاة فاعتذر له فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: (أبا محمد غُير ما يُعلم؟ قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم، فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى
أربعاً، فصليت بأصحابي أربعاً، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعاً فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول -يعني نصلي معه أربعاً-) .(1)
وفي سنن أبي داود قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه (أن عبد الله صلى أربعاً قال: فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعاً قال: الخلاف شر) .(2)
قال الخطابي معلقاً: «قلت لو كان المسافر لا يجوز له الإتمام، كما يجوز له القصر، لما تابعوا عثمان عليه، إذ لا يجوز على الملأ من الصحابة متابعته على الباطل، فدل ذلك على أن من رأيهم جواز الإتمام، وإن كان الاختيار عند كثير منهم القصر» .(3)
الوجه الخامس: أنه ثبت عن علي رضي الله عنه أنه اجتهد في مسائل فأخطأ وخالف بذلك السنة متأولاً فلم يضره ذلك لمّا كان مجتهداً.--------------------------------------------
(1) تاريخ الطبري 4/268.
(2) رواه أبو داود في سننه: (كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى) 2/492.
(3) معالم السنن 2/181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض هذه المسائل فقال: «وكذلك قضى علي رضي الله عنه في المفوضة بأن مهرها يسقط بالموت، مع قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق بأن لها مهر نسائها. وكذلك
طلبه نكاح بنت أبي جهل، حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم فرجع عن ذلك. وقوله لما ندبه وفاطمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة بالليل فاحتج بالقدر، لما
قال: ألا تصليان فقال علي: إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فولّى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه ويقول (وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً) وعلي عرف رجوعه عن بعضها فقط، كرجوعه عن خطبة بنت أبي جهل.
وأما بعضها كفتياه بأن المتوفى عنها تعتد أبعد الأجلين، وأن المفوضة لامهر لها إذا مات الزوج، وقوله إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه ولم يكن ذلك طلاقاً، فهذه لم يعرف إلا بقاؤه عليها حتى مات، وكذلك مسائل كثيرة ذكرها الشافعي في كتاب (اختلاف علي وعبد الله)».(1)
قلت: وأعظم من هذا ما حصل في عهد علي رضي الله عنه من الاقتتال العظيم بين المسلمين الذي كان أحد أطرافه حتى قتل من قتل من المسلمين، فإن كان علي رضي الله عنه معذوراً في هذا وفي تلك المسائل التي خالف فيها، وهي كثيرة كما ذكر شيخ الإسلام، فعثمان أولى بالعذر في مسألة واحدة وافقه عليها من وافقه من الصحابة، وعذره الباقون، هذا مع ما امتاز به عهده من عصمة دماء المسلمين، حتى إنه
لم أطلت الفتنة برأسها وحاصره الثوار في البيت آثر المسلمين على نفسه، ونهى من أراد نصرته من الصحابة عن القتال حتى قتل شهيداً رضي الله عنه، بخلاف علي رضي الله عنه الذي قاتل ورغّب في القتال معه، وهو في كل ذلك معذور بل مأجور رضي الله عنه وأرضاه. وإنما أردت دحض شبهة هذا الرافضي الحاقد بما لا يستطيع رده ولا دفعه.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 6/ 28 - 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
وبهذا تظهر براءة عثمان وعائشة رضي الله عنهما مما رماهما به الرافضي بسبب الاجتهاد في مسألة القصر.
فلله الحمد والفضل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
طعن الرافضي في عمر رضي الله عنه وزعمه أنه كان يجتهد في مقابل النصوص والرد عليه
قال الرافضي ص 131 وكان عمر يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه كقوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).
ويقول لمن أجنب ولم يجد ماءً (لا تصلّ) رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}(1)».
قلت: طعنه في عمر رضي الله عنه لنهيه عن المتعتين، هذه من مطاعن الرافضة القديمةالتي أجاب العلماء عنها بمايدحض بطلان دعواهم فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة ضمن رده على ابن المطهر في هذه المسألة: «وإن قدحوا في عمر لكونه نهى عنها، فأبو ذر كان أعظم نهياً عنها(2) من عمر، وكان يقول: إن المتعة
كانت خاصة--------------------------------------------
(1) هكذا أورد الآية فأخطأ في النقل والآية الصحيحة {فلم تجدوا ماء} سورة المائدة آية 6.
(2) روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة) وفي رواية: (لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج) صحيح مسلم (كتاب الحج، باب جواز التمتع) 2/ 897.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يتولون أبا ذر
ويعظمونه(1)، فإن كان الخطأ في هذه المسألة يوجب القدح فينبغي أن يقدحوا في أبي ذر، وإلا فكيف يقدح في عمر دونه، وعمر أفضل وأفقه، وأعلم منه.
ويقال ثانياً: إن عمر رضي الله عنه لم يحرم متعة الحج بل ثبت عن الضُّبي بن معبد لما قال له: إني أحرمت بالحج والعمرة جميعاً فقال له عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه النسائي وغيره.(2)
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يأمرهم بالمتعة فيقولون له: إن أباك نهى عنها فيقول: إن أبي لم يرد ما تقولون: فإذا ألحوا عليه قال: أفرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر؟
وقد ثبت عن عمر أيضاً أنه قال: لو حججت لتمتعت، ولو حججت لتمتعت وإنما كان مراد عمر رضي الله عنه أن يأمرهم بما هو الأفضل، وكان الناس لسهولة المتعة تركوا الاعتمار في غير أشهر الحج، فأراد ألا يُعرَّى البيت طول السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، والاعتمار في غير أشهر الحج مع الحج في أشهر الحج أفضل من المتعة باتفاق الفقهاء الأربعة وغيرهم
والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل، بالشيء نهي عن ضده فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما نقل هذا الرافضي، بل قال: أنهى عنهما ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.
وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل--------------------------------------------
(1) سبق أن تقدم نقل رواية الكافي في زعمهم أن الناس ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا … ثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد بن الأسود، انظر ص 388 من هذا الكتاب.
(2) رواه النسائي في: (كتاب مناسك الحج، باب القران) 5/ 113 - 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس،
وابن عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما ما ذكره من نهى عمر عن متعة النساء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال، هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنه: لما أباح المتعة إنك امرؤ تائه، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام
خيبر(1)، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمانهم، مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرَّمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة(2)، وقد تنازع رواة حديث علي رضي الله عنه هل قوله: (عام خيبر) توقيت لتحريم الحمر فقط، أوله ولتحريم المتعة؟ فالأول قول
ابن عيينه وغيره قالوا: إنما حرمت عام الفتح، ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلّت ثم حرمت، وادعت طائفة ثالثة أنها أحلت بعد ذلك ثم حرمت في حجة الوداع.
فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل وأنها إنما حرمت عام فتح--------------------------------------------
(1) رواه البخاري بدون: (إنك امرؤ تائه) في: (كتاب النكاح، باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيراً) فتح الباري 9/ 166، ح 5115، ومسلم: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) 2/ 1027، ح 1407.
(2) رواه مسلم في صحيحه من حديث سبرة الجهني رضي الله عنه: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) 2/ 1025.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
مكة ولم تحل بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت
لحوم الحمر الأهلية.
وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم الحمر فأنكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك عليه
وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما فأهل السنة اتبعوا علياً وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والشيعة خالفوا علياً فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا قول من خالفه».(1)
ويقول الدهلوي ضمن ذكره لمطاعن الرافضة على عمر والرد عليها: «ومنها أن عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه صلى الله عليه وسلم، فنسخ حكم الله تعالى وحرّم ما أحله الله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما).
والجواب: أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم قد حرم هو المتعة بعدما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبداً إلى يوم
القيامة(2) ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها،(3) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أُحلت في غزوة الأوطاس فمردود لأن غزوة خيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية، لامتعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله وجهه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بتحريم--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 4/ 184 - 191.
(2) تقدم تخريجه ص 396.
(3) تقدم تخريجه ص 396.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
المتعة) فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، فالذي بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها، وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها
والجواب عن متعة الحج: -أعنى تأديه أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته -أن عمر لم يمنعها قط ورواية التحريم عنه افتراء صريح- نعم إنه كان يرى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما في إحرام واحد وهو القران أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي، وسفيان الثوري،
وإسحاق بن راهوية وغيرهم لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} إلى قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}(1) الآية فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع لا على المفرد جبراً لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، ولأنه صلى الله عليه وسلم حج في حجة الوداع مفرداً، واعتمر في عمرة القضاء وعمرة جعرّانة كذلك، ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر (وأنا أنهى عنهما) فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}(2) وقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان، ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه، فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم، وظهر لك مزيد ضلالهم والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو».(3)
فظهر بهذا بطلان دعوى الرافضة في طعنهم في عمر لنهيه عن المتعتين. أما متعة الحج فلم ينه عنها نهى تحريم وإنما كان نهيه على
وجه الاختيار للأفضل، وذلك خشية منه أن يهجر البيت بترك الناس للاعتمار في--------------------------------------------
(1) سورة البقرة آية 196.
(2) وردت الآية في سورة (المؤمنون) آية 7، وفي سورة المعارج آية 31.
(3) مختصر التحفة الإثني عشرية ص 256 - 258.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
غير أشهر الحج، وقيل إنما كان نهي عمر عن فسخ الحج
إلى عمرة وهذا هو قول أكثر أهل العلم، كما نقله ابن قدامة في المغني لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة.(1)
وأما متعة النساء فالذي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان أحلها وكان علي رضي الله عنه من أشد الناس إنكاراً على من قال بحلها، وإنما قال بحلها ابن عباس رضي الله عنهما فأنكر عليه علي رضي الله عنه ورجع عن ذلك لما بلغه الحديث الذي رواه علي رضي الله عنه بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، وكذلك روى أحاديث تحريم المتعة غير علي
رضي الله عنه بعض الصحابة وهي مخرجة في صحاح أهل السنة كما تقدم، فأي لوم على عمر رضي الله عنه في نهيه عن المتعة بعد أن ثبت تحريم
رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إلى يوم القيامة.--------------------------------------------
(1) انظر المغني لابن قدامة 5/252.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
طعن الرافضي على الصحابة بقول أنس (فلم نصبر) والرد عليه
قال الرافضي ص 132 تحت عنوان: (الصحابة يشهدون على أنفسهم).
«روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس: فلم نصبر.
وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده.
وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحاً قريباً، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وتنبأ به من أن أصحابه سيحدثون بعده، ويرتدون على أدبارهم»
قلت: إن من أغرب الغريب أن يطعن هذا الرافضي الحاقد، فيمن يعترف لهم بفضل الصحبة والسبق للإسلام، مضمناً كلامه في
الطعن عليهم، ما دلت عليه الآية الكريمة في الثناء على أولئك السابقين
الأولين وهي قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً}(1) وهو بهذا يؤكد أنه أثناء طعنه في الصحابة غير غافل عن هذه الآية وغيرها من الآيات المتضمنة ثناء الله العظيم على هؤلاء الصحابة، وإخبار الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
وهذا تكذيب منه صريح لنص القرآن، ورد قبيح لأخباره، ومشاقة ومعاندة لأحكامه، وهذا والله هو الكفر الصريح الذي لا يشك فيه أحد من أهل العلم، خصوصاً إذا ما اقترن الرد لأحكام القرآن بشيء من السخرية والاستهزاء، وذلك في قول الرافضي: «وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحاً قريباً يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم» الخ كلامه.
وأما استشهاده بقول أنس رضي الله عنه (فلم نصبر) على طعنه في
الصحابة، وما ادعاه من إحداثهم وردتهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس في
قول أنس ما يدل على تلك الدعوى الفاسدة لامن قريب أو بعيد.
وبيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد للأنصار عهداً أنهم سيلاقون أثرة وظلماً شديداً بعده، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس فلم نصبر).(2)
فقول أنس رضي الله عنه متعلق بما أوصاهم به من الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم بالحقوق عليهم، وغاية ما يدل عليه أنهم لم يصبروا على ظلم--------------------------------------------
(1) سورة الفتح آيه 18.
(2) جزء من حديث أنس في خبر قسمة الغنائم يوم حنين رواه البخاري
في (كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم) فتح الباري 6/ 251، ح 3147، ومسلم (كتاب الزكاة، باب إعطاء
المؤلفة قلوبهم) 2/ 733، 734، ح 1059.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)