حجة عدم الاشتراط: قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» (1) ولم يفصل بين قليلهم وكثيرهم، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على خطأ» وغير ذلك من الأدلة السمعية.
حجة الاشتراط أنا مكلفون بالشريعة وأن نقطع بصحة قواعدها في جميع الأعصار، ومتى قصر عددهم عن التواتر لم يحصل العلم فيختل العلم بقواعد الدين.
وجوابهم: أن التكليف بالعلم يعتمد سبب حصول العلم، فإذا تعذر سبب العلم سقط التكليف به، ولا عجب في سقوط التكليف لعدم أسبابه أو شرائطه، وأما أن العبرة بأهل ذلك الفن خاصة فلأن غير أهل ذلك الفن كالعوام بالنسبة إلى ذلك الفن، والعامة لا عبرة بقولهم، وينبغي على رأي القاضي أن يلزم اعتبار جميع أهل الفنون في كلّ فن، لأن غايتهم أن يكونوا كالعوام وهو يعتبر العوام.
وأما قولي في الفقيه: الحافظ والأصولي: المتمكن فهو قول الإمام فخر الدين، وفيه إشكال من جهة أن الاجتهاد من شرطه معرفة الأصول والفروع، فإذا انفرد أحدهما يكون شرط الاجتهاد مفقوداً، فلا ينبغي اعتبار واحد منهما حينئذ.
والقاضي عبد الوهاب ذكر عبارة تقرب من السداد فقال: إذا أجمع الفقهاء وخالفهم من هو من أهل النظر ومشاركو الفقهاء في الاجتهاد، غير أنهم لم يتوسموا بالفقه ولم يتصدّوا له، فالأصح اعتبار قولهم، فهذه العبارة تقرب لأنه لم يسلب عنهم إلاّ التصدي للفقه والتوجه إليه، فأمكن أن يكون كلّ واحد منهم نم أهل الاجتهاد، وحكى في اعتبارها ألواً قولين، قال: وقيل أيضاً لا يعتبر بقول من لا يقول بالقياس؛ لأن المقايسة هي طريق الاجتهاد، فمن لا يعتبرها لم يصلح للاجتهاد، قال وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا يعتبر بعض المدارك لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب أو للعموم أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة، وأما أن إجماع غير الصحابة حجة فلظواهر النصوص، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة.--------------------------------------------
(1) 115 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
واحتج أهل الظاهر بأن الظاهر قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (1) وقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً» (2) وهذه الضمائر إنّما وضعت للمشافهة ومن هو حاضر، فلا تتناول من يحدث بعض.
وجوابهم: أن النصوص تتناول الجميع مثل قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» (3) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على خطأ» ، «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أرم الله تعالى وهم كذلك» ، وهذه صيغ لا تختص بعصر، فوجب التعميم.
الفصل الخامس في المجمع عليه
كلّ ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع وقدرته وعلمه والنبوة، وما لا يتوقف عليه كحدوث العالم والواحدانية فيثبت، واختلفوا في كونه حجة في الحروب والآراء، ويجوز اشتراكهم في عدم العلم بما لم يكلفوا به.
كون الإجماع حجة فرع النبوة والنبوة فرع الربوبية، وكون الإله سبحانه وتعالى عالماً، فإن لم يعلم زيداً لا يرسله مريداً، فإن اختيار زيد دون الناس للرسالة فرع ثبوت الإرادة والحياة، لأن الحياة شرط في العلم والإرادة، فهذه شرائط في الرسالة، فلو ثبت بالإجماع الذي هو فرع الرسالة لزم الدور، وأما حدوث العالم فلا يتوقف عليه الإجماع إلاّ بالنظر البعيد من جهة أنه يلزم من قدم العالم انتفاء الإرادة، فإن القديم يستحيل أن يراد، ولأن الفاعل المختار لا يتصور--------------------------------------------
(1) 110 آل عمران.
(2) 143 البقرة.
(3) 115 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
منه أن يقصد إلى إيجاد أثره غلا حالة عدمه، غير أنه لو فرضنا أن الله تعالى ما أحدث عالماً لم يكن الإرسال مستحيلاً عليه في ذاته بل لا بد من مرسل ومرسل إليه فقط فهذا مانع خارجي، وكذلك لو فرض العقل الهين أو أكثر تصور من كلّ واحد منهما الإرسال، وهذا بالنظر إلى بادئ النظر، وإن كان من المحال أن يثبت عالم مع الشركة حتى يتيسر فيه إرسال، لكن المقصود في هذا الموضع ما يتوقف عليه الإرسال في مجاري العادات.
قال القاضي عبد الوهاب: والأشبه بمذهب مالك أنه لا تجوز مخالفتهم فيما اتفقوا عليه من الحروب والآراء غير أني لا أحفظ فيه عن أصحابنا شيئاً.
وحجته: أن عموم الأدلة يقتضي أنهم معصومون مطلقاً فيحرم خلافهم.
حجة الجواز أن الأدلة إنّما دلت على عصمتهم فيها يقولونه عن الله تعالى وهذا ليس منه فلا يكون قولهم حجة.
وجوابه: أن هذا تخصيص الأصل عدمه، وأما اشتراكهم في الجهل وعدم العلم بما لم يكلفوا به فهذا هو من ضرورات المخلوقات، فلم يجب الإحاطة إلاّ لله تعالى، وأما جهلهم بما كلفوا به فذلك محال عليهم لأنه معصية تأباها العصمة.
وقال القاضي عبد الوهاب: ولا يجوز أن يجمعوا على فعل معصية في وقت أو أوقات متفرقةن لأن تفرق الأوقات لا يخرجهم عن كونهم مجمعين على معصية وكذلك الخطأ في الفتيا، واختلفوا هل يصح أن يجمعوا على خطأ في مسألتين كقول بعضهم بمذهب الخوارج، والبقية بمذهب المعتزلة، وفي الفروع مثل أن يقول البعض بأن العبد يرث والبقية بأن القاتل عمداً يرث؟! فقيل لا يجوز لأنه إجماع على الخطأ، وقيل يجوز لأن كلّ خطأ من هذين الخطأين لم يساعد عليه الفريق الآخر، فلم يوجد فيه إجماع.
تنبيه: الأحوال ثلاث: الحالة الأولى: اتفاقهم على الخطأ في مسألة واحدة كإجماعهم على أن العبد يرث فلا يجوز ذلك عليهم، الحالة الثانية: أن يخطئ كلّ فريق في مسألة أجنبية عن المسألة الأخرى فيجوز، فإنا نقطع أن كلّ مجتهد يجوز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
أن يخطئ، وما من مذهب من المذاهب إلاّ وقد وقع فيه ما يتكرر وإن قَل؛ فهذا لا بد للبشر منه، ولذلك قال مالك رحمه الله كلّ أحد مأخوذ من قوله ومتروك، إلاّ صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. الحالة الثالثة: أن يخطئوا في مسألتين في حكم المسألة الواحدة مثل هذه المسألة، فإن العبد والقاتل كلهما يرجع إلى فرع واحد وهو مانع الميراث فوقع الخطأ فيه كله، فمن نظر إلى اتحاد الأصل منع، ومن نظر إلى تعدد الفروع أجاز. فهذا تلخيص هذه المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
الباب السادس عشر في الخبر
وفيه عشرة فصول
الفصل الأول في حقيقته
وهو المحتمل للصدق والكذب لذاته، احترازاً من خبر المعصوم والخبر عن خلافا الضرورة.
الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق وهو المطابقة، والكذب وهو عدم المطابقة، والتصديق هو الإخبار عن كونه صدقاً، والتكذيب هو الإخبار عن كونه كذباً، فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه عدميتان لا وجود لهما في الأعيان بل في الأذهان، والتصديق والتكذيب. خبران وجوديان في الأعيان: ثم الخبر من حيث هو خبر يحتمل ذلك، أما إذا عرض له من جهة المتكلم به ما يمنع الكذب والتكذيب فإنه لا يقبلهما؛ ولذلك إذا قلنا الواحد نصف الاثنين يمتنع الكذب والتكذيب، أو الواحد نصف العشرة يمتنع الصدق والتصديق، ولكن ذلك النظر إلى متعلقه لا بالنظر إلى ذاته، فلذلك قلت - في الحد - لذاته.
سؤال: التصديق والتكذيب نوعان من الخبر والنوع لا يعرف إلاّ بعد معرفة الجنس، فتعريف الجنس به دَور والصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
والنسبة بين الشيئين لا تعرف إلاّ بعد معرفتهما، فتعريف الخبر بهما تعريف الشيء بما لا يعرف إلاّ بعد معرفته فهذا دور أيضاً.
جوابه: إنه تقدم في أول الكتاب أن التحديد بمثل هذا يجوز، وإن الحد هو شرح اللفظ وبيان مسماه دون تخليص الحقائق بعضها من بعض، وبسطته هنالك فليطالع ثمّة.
وقال الجاحظ (1) : يجوز عروِّه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي.
قال أهل السنة: لا واسطة بين الصدق والكذب، لأنه لا واسطة بين المطابقة وعدمها.
وقالت المعتزلة: لفظ الكذب ليس موضوعاً لعدم المطابقة كيف كانت، بل لعدم المطابقة مع القصد لذلك، وبهذه الطريقة ثبتت الواسطة، فإنه قد لا يكون مطابقاً ولا يقصد ذلك ولا يعلم؛ فلا يكون صدقاً لعدم المطابقة ولا كذباً لعدم القصد لعدم المطابقة.
حجتنا قوله عليه السلام، من كذب علي متعمداً ليتبوأ مقعده من النار، فلما قيده بالمعمد دل على تصوره بدون العمد، كما قال تعالى: «ومن قتله منكم متعمداً» (2) وقال عليه السلام: «كفى بالرجل كذباً أن يحدث بكل ما سمع» فجعله كاذباً إذا حدث بكل ما سمع، وإن كان لا يعلم عدم مطابقته، فدل على أن القصد لعدم المطابقة ليس شرطاً في تحقق مسمى الكذب.
حجة المعتزلة قوله تعالى حكاية عن الكفار: «افترى على الله كذباً أم به جنة» (3) . فجعلوا الجنون قسيم الكذب لعدم القصد فيه، مع أن خبره على التقديرين غير مطابق فدل على اشتراط القصد في حقيقة الكذب.
وجوابهم: أنهم لم يقولوا كذب، بل افترى، والافتراء هو ابتداء الكذب--------------------------------------------
(1) عمرو بن بحر 775-868م كاتب ولد ومات بالبصرة، انضم إلى المعتزلة وأجاد مذهبهم وأحاط بمعارف عصره. ألف أكثر من 250 كتاباً صور فيها جميع مظاهر النشاط في المجتمع الإسلامي من أشهر كتبه الحيوان، البيان والتبيين، المحاسن والأضداد.
(2) 95 المائدة.
(3) 15 الكهف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
واختراعه، فهم نوعوا الكذب إلى اختراع وجنون، لا أنهم قسموا كلامه إلى كذب وغيره، فيرجع الخلاف في ذلك إلى أن العرب هل وضعت لفظ الكذب لغير المطابق كيف كان، أو لعدم المطابقة مع القصد لذلك وهو معنى قولي؟ والخلاف لفظي.
واختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً، فعند أبي علي وأبي هاشم الخبرية معلنة بتلك الإرادة، وأنكره الإمام لخفائها، فكان يلزم أن لا يعلم خبر البتة، ولاستحالة قيام الخبرية بمجموع الحروف لعدمه، ولا ببعضه وإلا لكان خبراً، وليس فليس.
الخلاف في هذه المسألة مثل مسالة الأمر، قالوا الخبر قد يكون دعاء نحو غير الله لنا، وتهديداً نحو قوله تعالى: «سنفرغ لكم أيها الثقلان» (1) وأمراً نحو قوله تعالى: «والوالدات يرضعن أولادهن حولين» (2) وإذا اختلف موارد استعماله لا يتعين للخبر إلاّ بالإرادة، كما قالوا لا تتعين صيغة الأمر للطلب إلاّ بالإرادة.
والجواب: واحد، وهو أن الصيغة حقيقة في الخبر، فينصرف لمدلولها بالوضع لا بالإرادة، وإذا فرعنا على هذه الإرادة فهي علة عند أبي هاشم للخبرية وهي كون اللفظ خبراً، وفهم عنهم الإمام أن الخبرية أمر وجودي، فقال تلك الخبرية الموجودة لا يمكن أن يكون محلها مجموع الحروف؛ لأن مجموع الحروف لا يوجد، بل يستحيل أن يوجد من الحروف دائماً إلاّ حرف واحد؛ لأن الكلام من المصادر السيالة، والمعدوم لا يكون محلاً
للوجود، ولا يمكن أن يكون محلها بعض الحروف؛ لأن المحل يجب اتصافه بما قام به، فإذا قام السواد بمحل يجب أن يكون أسود، والعلم يجب أن يكون عالماً، كذلك إذا قامت الخبرية ببعض الحروف يجب أن يكون خبراً، لكن بعض الحروف لا يكون خبراً إجماعاً.--------------------------------------------
(1) 31 الرحمن.
(2) 233 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الفصل الثاني في التواتر
وهو مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما.
ومن ذلك قوله تعالى: «ثم أرسلنا رسلنا تترا» (1) أي واحداً بعد واحد بفترةٍ بينهما. وقال بعض اللغويين: من لَحْن العوام قولهم تواترت كتبك عليّ ومرادهم تواصلت وهو لَحْن، بل لا يقال ذلك إلاّ في عدم التواصل كما تقدم، وقال بعضهم ليس هو مشتقاً من هذا بل من التوتر وهو الفرد، والوتر قد يتوالى وقد يتباعد بعضه عن بعض.
وفي الاصطلاح خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.
الأخبار في الاصطلاح ثلاثة أقسام: المتواتر وهو ما تقدم، والآحاد وهو ما أفاد ظناً كان المخبر واحداً أو أكثر، وما ليس بتواتر ولا آحاد وهو خبر المفرد إذا احتفَّت به القرائن فليس متواتراً لاشتراطنا في التواتر العدد ولا آحاداً لإفادته العلم، وهذا القسم ما علمت له اسماً في الاصطلاح.
وقولي: (عن أمر محسوس) احتراز من النظريات، فإن الجمع إذا أخبروا عن حدوث العالم أو غير ذلك فإن خبرهم لا يحصل العلم، وتعني بالمحسوس ما يدرك إحدى الحواس الخمس.
قال الإمام في البرهان: يلحق بذلك ما كان ضرورياً بقرائن الأحوال كصفرة الرجل وحمرة الخجل فإنه ضروري عند المشاهدة.
وقولي: (يستحيل تواطؤهم على الكذب) احتراز عن أخبار الآحاد.--------------------------------------------
(1) 44 المؤمنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
وقولي: (عادة) احتراز من العقل، فإن العلم التواتري عادي لا عقلي، لأن العقل يُجوِّز الكذب عن كلّ عدد وإن عظم، وإنما هذه الاستحالة عادية.
وأكثر العقلاء على أنه مفيد للعلم في الماضيات الحاضرات. والسُّمَنية (1) أنكروا العلم واعترفوا بالظن، ومنهم من اعترف به في الحاضرات فقط.
لنا أن نقطع بدولة الأكاسرة والأقاصرة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم من بني أمية وبني العباس من الماضيات وإن كنا لا نقطع بتفصيل ذلك، ونقطع بوجود دمشق وبغداد وخراسان وغير ذلك من الأمور الحاضرة، فقد حصل العلم بالتواتر من حيث الجملة.
احتجوا بأن كثيراً ما نجزم بالشيء ثم ينكشف الأمر بخلافه فلو كان التواتر يفيد العلم لما جاز انكشاف الأمر بخلافه ولأن كلّ واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب فيجوز على المجموع لأن كلّ واحد من الزنج لما كان أسود كان مجموعهم أسود.
والجواب ن الأوّل: أن تلك الصور إنّما حصل فيها الاعتقاد، ولو حصل العلم لم يجز أن ينكشف الأمر بخلافه ونحن لم ندَّعِ حصول العلم في جميع الصور، بل ادَّعَينا أنه قد يحصل، وذلك لا ينافي عدم حصوله في كثير من الصور. وعن الثاني أن الأحكام قسمان: قسم لا يجوز ثبوته للآحاد بل لمجموعها فقط، كإرواء مجموع القطرات من الماء، وإشباع مجموع لقم الخبز، وغلَبَة مجموع الجيش للعدو وغير ذلك، فهذه أحكام ثابتة للمجموعات دون الآحاد. ومنه ما يثبت للآحاد فقط كالألوان والطعوم والروائح فإنَّها يستحيل ثبوتها إلاّ للآحاد أما المجموعات فأمور ذهنيّة، والأمور الذهنيّة لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها فحصول العلم عند مجموع إخبارات المخبرين كحصول الري والشبع ونحوهما فلا يلزم ثبوته للآحاد فاندفع الإشكال.--------------------------------------------
(1) السمنية: بضم السين وفتح الميم فرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسخ وتنكر وقوع العلم بالأخبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
وأما وجه الفرق بين الحاضرات والماضيات فلأن الماضيات غائبة عن الحس فيتطرق إليها احتمال الخطأ والنسيان؛ وذلك أن الدول المتقادمة لم يبق عندنا شيء من أحوالها وأما الحاضرات فمعضودة بالحس فيبعد تطرق الخطأ إليها.
والجواب: أن حصول الفرق لا يمنع من الاشتراك في الحكم وقد بيناه فيما تقدم، كما تقول زيد فقيه وهو حيوان وعمرو ليس بفقيه، لا يلزم أن لا يكون عمرو حيواناً لوجود الفرق.
والعلم الحاصل منه ضروري عند الجمهور خلافاً لأبي الحسين البصري وإمام الحرمين والغزالي.
حجة الجمهور أنا نجد العلم التواتري حاصل للصبيان والنسوان ومن ليس له أهلية للنظر فلو أنه نظري لما حصل إلاّ لمن له أهلية النظر.
حجة الفريق الآخر أنا نعلم بالضرورة أن المخبرين إذا توهم السامع أنهم متهمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، وإذا علم أنهم من أهل الديانة والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم، وإذا لم يحصل له العلم بأنهم
كذلك بل بالضد لم يحصل العلم بأخبار الكثير منهم، وإذا كان العلم يتوقف حصوله على ثبوت أسباب وانتفاء موانع، فلا بد من النظر في حصول تلك الأسباب وانتفاء تلك الموانع هل حصلت كلها أو بعضها فيكون العلم الحاصل عقيب التواتر نظرياً لتوقفه على النظر.
والجواب: أن ذلك صحيح لكن تلك المقدمات الحاصلة في أوائل الفطرة، والعلم لا يحتاج إلى كبير تأمل ولا يقال للعلم إنه نظري إلاّ إذا لم يحصل إلاّ لمن له أهلية النظر، وقد بينا أن الأمر ليس كذلك.
والأربعة لا تفيد العلم قاله القاضي أبو بكر وتوقف في الخامسة.
قال الإمام فخرا لدين: والحق أن عددهم غير محصور وخلافاً لمن حصرهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
في اثني عشر عدد نقباء موسى عليه السلام أو العشرين عند أبي الهذيل (1) لقوله تعالى: «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين» (2) أو أربعين لقوله تعالى: «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» (3) وكانوا حينئذ أربعين، أو سبعين عدد المختارين من قوم موسى. أو ثلاثمائة عدد أهل بدر. أو عشرة عدد بيعة الرضوان.
إنّما جزم القاضي رحمه الله بأن الأربعة لا تفيد العلم، لأن شهود الزنا أربعة وهم محتاجون إلى التزكية فلو كان خبر الأربعة يفيد العلم لأفاد خبر كلّ أربعة وحينئذ لا يحتاج إلى التزكية في صورة لكنه خلاف الإجماع، وتوقف في الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم، وهذا البحث من القاضي يقتضي أن العدد بما هو عدد هو مدرك العلم، بل الحق أن القرائن لا بد منها مع الخير كما تقدم تقريره في حجة إمام الحرمين، وإذا كانت القرائن لا بد منها فأمكن حصولها مع الأربعة وفي تلك الصورة لا يحتاج إلى التزكية، والحق عند الجمهور أنه متى حصل العلم كان ذلك العدد هو عدد التواتر قل أو كثر، وربما أفاد عدد قليل العلم لزيد ولا يفيده لعمرو وربما لم يفد عدد كثير العلم لزيد وأفاد بعضه العلم لعمرو، وكل ذلك إنّما سببه اختلاف أحوال المخبرين والسامعين.
وهذه المذاهب المتقدمة في اشتراط عدد معين إنّما مدرك الجميع أن تلك الرتبة من العدد وصفت بمنقبة حسنة، فجعل ذلك سبباً لأن يحصل لذلك العدد منقبة أخرى وهي تحصيل العلم، وهذا غير لازم والفضائل لا يلزم فيها التلازم، وقد يحصل العلم بقول الكفار أحياناً؛ ولا يحصل بقول الأخيار أحياناً، بل الضابط حصول العلم فمتى حصل فذلك العدد المحصل له هو عدد التواتر.--------------------------------------------
(1) العلاف أبو الهذيل 753-849م متكلم مسلم من أئمة المعتزلة جعل للفلسفة مساغاً إلى مذهبه الكلامي وقد خالفه المعتزلة في مسائل تتصل بالإلهيات والأخلاق والاستطاعة.
(2) 65 الأنفال.
(3) 64 الأنفال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
وهو ينقسم إلى اللفظي وهي أن يقع المشترك (1) بين ذلك العدد في اللفظ المروي والمعنوي وهو وقوع الاشتراك في معنى عام كشجاعة علي رضي الله عنه وسخاء حاتم.
اللفظي كما تقول: القرآن الكريم متواتر أي كلّ لفظ منه اشترك فيها العدد الناقل للقرآن، وكذلك دمشق وبغداد أي جميع النقلة نطقوا بهذه اللفظة، وأما المعنوي فلا يقع الشركة في اللفظ كما يروى أن علياً رضي الله عنه قتل ألفاً في الغزوة الفلانية وتروي قصص أخرى بألفاظ أخرى، وكلها تشترك في معنى الشجاعة، فنقول شجاعة علي رضي الله عنه ثابتة بالتواتر المعنوي، ويروى أن حاتماً وهب مائة ناقة ويروي آخر أنه وهب ألف دينار ونحو ذلك، حتى تتحصل حكايات مجموعها يفيد القطع بسخائه، وإن كانت كلّ حكاية من تلك الحكايات لم يتواتر لفظها فهذا هو التواتر المعنوي.
وشرطه على الإطلاق إن كان المخبر لنا غير المباشر استواء الطرفين والواسطة وإن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوساً فإن الأخبار عن العقليات لا يحصل العلم.
التواتر له أربع حالات: طرف فقط إن كان المخبر هو المباشر، وطرفان بغير واسطة إن كان المخبر لنا غير المباشر، وطرفان وواسطة وهو اجتماع ثلاثة المباشر وطائفة أخرى تنقل على الطائفة المباشرة، وطائفة ثالثة تنقل إلينا عن الواسطة الناقلة عن الطائفة المباشرة وطرفان ووسائط كما في القرآن الكريم، فإن سامعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم نقله عنه وسائط وقرون حتى انتهى إلينا بعد ستة أو سبعة ونحو ذلك، وعلى كلّ واحد من هذه الطرق لا بد من شرطين في الجميع أن تكون كلّ طائفة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة وأن يكون المخبر عنه أمراً حسياً. فهذا معنى قول العلماء: من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، معناه إن كان له طرفان أو واسطة، وإلا فقد لا يلزم ذلك في التواتر كما تقدم بيانه.--------------------------------------------
(1) في نسخة مخطوطة: أن تقع الشركة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
الفصل الثالث في الطرق المحصلة للعلم غير التواتر وهي سبعة
كون المخبر عنه معلوماً بالضرورة أو الاستدلال، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول، وخبر مجموع الأمة أو الجمع العظيم عن الوجدانيات في نفوسهم، أو القرائن عند إمام الحرمين والغزالي والنظام خلافاً للباقين.
المعلوم بالضرورة نحو الواحد نصف الاثنين، وبالاستدلال نحو الواحد سدس عشر الستين فإن المخبر عن هذين يقطع بصدقه، وكذلك من أخبر عن خبر الله تعالى، أو أخبر
الله تعالى عن قيام الساعة فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم يقطع بصدقه، وكذلك مجموع الأمة لأنه معصوم، ومثال إخبار الجمع عن الوجدانيات أن يخبر كلّ واحد أنه وجد هذا الطعام شهياً أو كريهاً، فنقطع أن ذلك الطعام كذلك، فإن متعلق إخبارهم واحد وإن لم يحصل القطع بما في نفس كلّ واحد من تلك الكراهية، لأن كراهة كلّ واحد منهم لم يخبر عنها غيره وإخبار الآخر إنّما هو عن كراهة أخرى قامت به فخبراتهم متعدّدة وفي كلّ مخبر عنه خبر واحد فلا يحصل القطع به بخلاف متعلق تلك الكراهات أو اللذات فإنه واحد وهو كون ذلك الطعام كذلك فإن إخبارات الجميع اجتمعت فيه فحصل القطع، فهذا هو صورة هذه المسالة.
حجة إمام الحرمين: أنا نجد المخبر عن مرضه مع اصفرار وجه وسقم جسمه وغير ذلك من أحواله فإنا نقطع بصدقه حينئذ وكذلك كثير من الصور في غير المرض: من الغضب والفرح والبغضة وهو لا يُعد ولا يحصى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
حجة المنع: أن كثيراً ما يقطع بموت زيد ثم ينكشف الغيب عن كونه فعل ذلك خوفاً من السلطان أو لغرض آخر ومع قيام هذا الاحتمال لا يحصل العلم.
وجوابه أنا نمنع أن الحاصل في تلك الصورة علم بل اعتقاد ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها فحصل الظن، وفي بعضها الاعتقاد، وفي بعضها العلم، ونقطع في بعض الصور بما دلت عليه القرائن وأن الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من الصور. نعم: في بعضها ليس كذلكن وما النزاع فيها، إنّما النزاع هل يمكن أن يحصل العلم في صورة أم لا؟ فأنتم تنفونه على الإطلاق، ونحن نثبته في صورة.
الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر وهو خمسة
منافاته لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن يكون متواتراً ولم يتواتر كسقوط المؤذن يوم الجمعة ولم يخبر به إلاّ واحد، وكقواعد الشرع، أو لهما جميعاً كالمعجزات أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقراء الأحاديث فلم يوجد.
قول القائل: الواحد ليس نصف الاثنين مخالف لما علم بالضرورة مثال الثاني الواحد ليس سدس عشر الستين، ومثال الدليل القاطع أن الشمس ليست طالعة وقواعد الشرائع هو وجوب الصلاة والزكاة أو تحريم الخمر ونحو ذلك مِمّا هو من قواعد الدين،
فإن شأن هذا أن يتواتر لتوفر الدواعي على نقله، كسقوط المؤذن شأنه أن يتواتر لغرابتهن وقواعد الدين شأنها أن تتواتر لشرفها، والمعجزات جمعت بين الغرابة لكونها من خوارق العادات والشرف لأنها أصل النبوات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلاّ واحد دل على كذب الخبر إن كان قد حضره جمع عظيم، ولم يقم غيره مقامه في حصول المقصود منه، فالقيد الأوّل احتراز من انشقاق القمر، فإنه كان ليلاً ولم يحضره عدد التواتر. والقيد الثاني احتراز عن بقية معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام كنبع الماء من بين أصابعه وإشباع العدد العظيم من الطعام القليل، فإنه حضره الجمع العظيم، غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنقلت آحاداً من أن شأنها أن تكون متواترة. وأما الأحاديث فلها حالتان: أول الإسلام قبل أن تدون وتضبط فهذه الحالة إذا طلب حديث ولم يوجد ثم وجد لا يدل على كذبه، فإن السنة كانت مفرقة في الأرض في صدور الحفظة. الحالة الثانية: بعد الضبط التام وتحصيلها إذا طلب حديث فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند رواته دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلى وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر متعذر. وأما الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر.
وقد ذكروا أبو حازم حديثاً في مجلس هارون الرشيد وحضره ابن شهاب الزهري فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث فقال له أبو حازم أكل سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفتها؟! فقال لا، فقال أثلثيها؟ فقال لا، قال أنصفها؟ فسكت فقال له اجعل هذا من النصف الذي لم تعرفه، هذا هو ابن شهاب الزهري شيخ مالك، فما ظنك بغيره؟!.
الفصل الخامس في خبر الواحد
وهو خبر العدل الواحد أو العدول المقيد للظن وهو عند مالك رحمة الله عليه وعند أصحابه حجة واتفقوا على جواز العمل به في الدنيويات والفتوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
والشهادات، والخلاف إنّما هو في كونه حجة في حق المجتهدين فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به.
كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يسمى خبر الواحد هو اصطلاح لا لغة، وقد تقدم أول الباب أن الأخبار ثلاثة أقسام: تواتر وآحاد ولا تواتر ولا آحاد وهو خبر الواحد المنفرد إذا احتفت به القرائن حتى أفاد العلم، وجمهور أهل العلم على أن خبر الواحد حجة عند: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم.
قال القاضي عبد الوهاب في «الملخص» : اختلف الناس في جواز التعبد بخبر الواحد فقال به الفقهاء والأصوليون وخالف بعض المتكلمين، والقائلون في جواز التعبد به اختلفوا في وقوع التعبد به، فمنهم من قال: لا يجوز التعبد لأنه لم يرد التعبد به بل ورد السمع بالمنع منه. ومنهم من يقول: يجوز العمل به إذا عضده غيره ووجد أمر يقويه، ومنهم من يقول لا يقبل إلى خير اثنين فصاعداً إذا كانا عدلين ضابطين قاله الجبائي، وحكى المازري وغيره أنه قال لا يقبل في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلاّ أربعة قياساً للرواية على الشهادة.
حجة المنع من جواز التعبد به، أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك يقتضي أن تكون المصلحة أو المفسدة معلومة وخبر الواحد لا يفيد إلاّ الظن وهو يجوز خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد وهو غير جائز وهذه الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحسن والقبح ونحن نمنعها، أو لأن الظن إصابته غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن لا تترك المصالح الغالبة للمفسدة النادرة، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم لغلبة صوابه وندرة خطئه.
حجة المنع من الوقوع: قاله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (1) ، خبر--------------------------------------------
(1) 36 الإسراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
الواحد لا يوجب علماً فلا يتبع وقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً» (1) وقوله تعالى: «إن يتبعون إلاّ الظن» (2) في سياق الذم وذلك يقتضي تحريم اتباع الظن وهذه النصوص كثيرة.
وجوابها: أن ذلك مخصوص بقواعد الديانات وأصول العبادات القطعيات، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: «نحن نقضي بالظاهر والله يتولى السرائر» وقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة» (3) فجعل تعالى الموجب للتبين كونه فاسقاً فعند عدم الفسق يجب العمل وهو المطلوب، ولقوله تعالى: «فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» (4) أوجب الله تعالى الحذر بقول الطائفة الخارجة من الفرقة مع أن الفرقة تصدق على الثلاثة فالخارج منها يكون أقل منها، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم حجة وهو المطلوب، قياساً على الفتوى والشهادة.
ومعنى قولي اتفقوا على أنه حجة الدنيويات، أنه يجوز الاعتماد على قول العدل في الأسفار وارتكاب وارتكاب الأخطار إذا أخبر أنها مأمونة وكذلك سقي الأدوية ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا، ويجوز بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتين إلاّ الظن، ولذلك اجتمعت الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول
الشاهدين، وإن لم يحصل عنده إلاّ الظن، وإنما الخلاف إذا اجتهد العلماء في الأحكام المتعلقة بالفتاوى هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك؟
ويشترط في المخبر العقل والتكليف، وإن كان تحمل الصبي صحيحاً،--------------------------------------------
(1) 36 يونس.
(2) 116 الأنعام.
(3) 6 الحجرات.
(4) 122 التوبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
والإسلام، واختلف في المبتدعة إذا كفرناهم، فعند القاضي أبي بكر منا والقاضي عبد الجبار لا نقبل روايتهم، وفصل الإمام فخر الدين وأبو الحسين بين من يبيح الكذب وغيره. والصحابة رضوان الله عليهم عدول إلاّ عند قيام المعارض.
أما العقل فلأنه أصل الضبط، والتكليف هو الوازع عن الكذب فمن لا تكليف عليه هو آمن من عذاب الله تعالى في كذبه فيقدم عليه، ولا يحصل الوثوق به، وتحمل الصبي جائز لأنه إنّما يقبل أداؤه وروايته بعد بلوغه وحصول التكليف الوازع في حقه، وكذلك تحمل الكافر والفاسق، ويؤدون إذا زالت هذه النقائص عنهم، فإن من حصل له العلم بشيء جاز له الإخبار عنه ولا تضره الحالة المقارنة لحصول العلم.
ونقل في مذهب الشافعي رضي الله عنه قول بجواز رواية الصبي وهو منكر من حيث النظر والقواعد بخلاف التحمل، وما زال الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون رواية العدول فيما تحملوه في حالة الكفر والصبا وذلك غير قادح، وكذلك الشهادة لا يقدح فيها أن وقت التحمل كان عدواً أو صبياً أو كافراً أو فاسقاً إذا سلمت حالة الأداء عن ذلك، فكذلك هنا. وأما الكافر الذي هو من غير أهل القبلة فلا تقبل روايته في الدين، وإن كان أبو حنيفة رضي الله عنه قبل شهادة أهل الذمة في الوصية وعلى بعضهم لقوله تعالى: «أو آخران من غيركم» (1) فالجمهور يقولون من غير تلك القبلة، وأبو حنيفة يقول من غير دينكم، والمسألة مستقصاة في الفقه والخلاف.
وأما المبتدعة فقد قبل البخاري وغيره روايتهم كعمرو بن عبيد (2) وغيره من--------------------------------------------
(1) 106 المائدة.
(2) عمرو بن عبيد توفي سنة 762 تلميذ الحسن البصري وزميل واصل بن عطاء انفصل عن أستاذه وقال بالمنزلة بين المنزلتين للعاصي فاعتبروه غير مؤمن وغير كافر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
المعتزلة وغيرهم، نظراً إلى أنهم من أهل القلة من حيث الجملة، وردها غيرهم لأنهم إما كفرة أو فسقة وهو مذهب مالك رحمه الله لقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» (1) وهؤلاء إما فسقة أو كفرة، والعدالة شرط لقوله تعالى: «ذوى عدل منكم» (2) مع قوله تعالى: «واستشهدوا شهيدين من رجالكم» (3) فهذا مطلق وذاك مقيد، والمطلق يحمل على المقيد لقوله تعالى في الآية الأخرى: «ممن ترضون من الشهداء» (4) وإذا اشترطت العدالة في الشهادة المتعلقة بأمر جزئيّ لا يتعداه الحكم للشهود به فأولى
الرواية، لأنها تثبت حكماً عاماً على الخلق إلى يوم القيامة، ولأن الدليل ينفي العلم بالظن خالفناه في حق العدل، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» دل على عدم قبول الفاسق فلا بد من العلم بعدم الفسق حتى يتعين حكم التوقف وذلك هو ثبوت العدالة وهو المطلوب.
ومعنى قول العلماء: الصحابة رضوان الله عليهم عدول أي الذين كانوا ملازمين له والمهتدين بهديه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو أحد التفاسير للصحابة، وقيل الصحابي من رآه ولو مرة، وقيل من كان في زمانه، وهذان القسمان لا يلزم فيهما العدالة مطلقاً، بل فيهم العدل وغيره بخلاف الملازمين له عليه السلام، وفاضت عليهم أنواره، وظهرت فيهم بركاته وآثاره، وهو المراد بقوله عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .
وقولي: عند قيام المعارض، حذراً من زنا ماعز والغامدية وغير ذلك مِمّا جرى في زمن عمر في قصة أبي بكرة وما فيها من القذف والجلد والقصة مشهورة، فمع قيام أسباب الرد لا تثبت العدالة، غير أنها هي الأصل فيهم من غير عصمة وغيرهم--------------------------------------------
(1) 6 الحجرات.
(2) 2 الطلاق.
(3) 282 البقرة.
(4) 282 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
الأصل فيه عدم العدالة حتى تثبت العدالة عملاً بالغالب في الفريقين.
والعدالة اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإصرار عليها والمباحات الفادحة في المروءة.
الكبيرة والصغيرة يرجعان إلى كبر المفسدة وصغرها وقال بعض العلماء لا يقال في معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى من عُصي بها مع حصول الاتفاق على أن العدالة لا تذهب بجميع الذنوب، بل الخلاف في التسمية، قال بعض العلماء كلّ معصية فيها حد فهي كبيرة، وكذلك كلّ ما ورد في الكتاب أو السنة لعنة فاعلة أو التشديد في الوعيد عليه فهو كبيرة، ثم ما وقع من غير ذلك اعتبر بالنسبة غليه، فإن ساواه في المفسدة حكم بأنه كبيرة، ووردت السنة بأن القبلة في الأجنبية صغيرة والنظرة وأشياء نحوهما، فينظر أيضاً ما ساواهما فهو صغيرة، وأما الإصرار فيخرج الصغيرة عن أن تكون صغيرة، ولذلك يقال لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. فالإصرار أن يكون العزم حاصلً على معاودة مثل تلك المعصية، أما من تقع منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب ثم يواقعها من غير عزم سابق على تكرار الفعل فليس بإصرار.
فائدة: ما ضابط الإصرار الذي تصير الصغيرة به كبيرة؟ قال بعض العلماء حد ذلك أن يتكرر منه تكراراً - يخل الثقة بصدقه كما تخل به ملابسة الكبيرة فمتى وصل إلى هذه الغاية صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأحوال، والنظر
في ذلك لأهل الاعتبار والنظر الصحيح من الحكام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح والتعديل.
والمباحات الفادحة في المروءة نحو الأكل في الطرقات، والتعري في الخلوات ونحو ذلك مِمّا يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس به. قال الغزالي إلى أن يكون ذلك فعل ممن يعمل ذلك على سبيل كسر النفس وإلزامها التواضع كما يفعله كثير من العُبَّاد.
وقولي بعض الصغائر: معناه أن من الصغائر ما لا يكون فيه إلاّ مجرد المعصية كالكذبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظرة لغير ذات محرم، ومنها ما يكون دالاً على الاستهزاء بالدين أو المروءة، كما لو قبَّل امرأة في الطريق أو أمسك فرجها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)