قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إذا انفرد بعض رواة الحديث بزيادة وخالفه بقية الرواة، فعن مالك وأبي الفرج من أصحابنا يقبل إن كان ثقة ضابطاً.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره لا تقبل ونفوا الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم - وإن أكل فلا تأكل - وبالأول قال الشافعية.
حجة الجواز: أن انفراده بالزيادة كانفراده بحديث آخر فيقبل كما يقبل الحديث الأجنبي، وأما ما يفرق به أن انفراده بالزيادة يوجب فيه وهناً بخلاف الحديث الأجنبي، فدفوع بأنه قد يسمع ولا يسمعون ويكر وينسون وعدالته وضبطه يوجب قبول قوله مطلقاً، وقد يكون المجلس واحداً ويلحق بعضهم ما يشغله عن سماع جميع الكلام.
حجة المنع: أن رواية جميع الحفاظ غير هذا الراوي عدم الزيادة في روايتهم تقوم مقام تصريحهم بعدمها وتصريحهم مقدم على روايته هو.
الجواب: أنه ليس كالتصريح بل يتعين حمله على الذهول الشاغل، جمعاً بين ظاهر عدالة راوي الزيادة وعدالة التاركين لها.
قال القاضي: واختلف في صفة الزيادة المعتبرة فقيل: الاعتبار بالزيادة اللفظية فقط مفيدة لحكم شرعين ولا تكون تأكيداً ولا قصة لا يتعلق بها حكم شرعي، كقولهم في محرم وقصت به ناقته في (أخافيق جرذان) فإن ذكر الموضع لا يتعلق به حكم شرعي، وكذلك الناقة دون الفرس، وأما الزيادة في المعنى فلا عبرة بها بل يجب الأخذ بالزيادة اللفظية وإن أدت إلى نقصان من جهة المعنى كالتخصيص، ولا تقيد بزيادة المعنى في باب الترجيح، لأن الزيادة إنّما تكون في النقل، والنقل إنّما يكون في اللفظ، ويصير ذلك كخبر مفيد مبتدأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الباب السابع عشر في القياس
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول في حقيقته
وهو إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما في علة الحكم عند المثبت فالإثبات المراد به المشترك بين العلم والظن والاعتقاد ونعني بالمعلوم المشترك بين المعلوم والمظنون، وقولنا عند المثبت ليدخل فيه القياس الفاسد.
لأنا إذا أثبتنا فقد نعلم ثبوت الحكم في الفروع، وقد نعقده اعتقاداً جازماً لا يحتمل عدم المطابقة وقد نظنه، واشتركت الثلاثة في الإثبات فهو مرادنا.
وقولي معلوم أولى من قول من قال إثبات حكم فرع لأصل (1) أو إثبات حكم الأصل في الفرع لأن الأصل والفرع إنّما يعقلان بعد معرفة القياس فتعريف القياس بهما دَور، فإذا قلنا معلوم اندفعت هذه الشبهة الموجبة للدور.
وقولي لأجل اشتباههما في علة الحكم احتراز من إثبات الحكم بالنص؛ فإن ذلك لا يكون قياساً كما لو ورد نص يخص الأرز بتحريم الربا كما ورد في البر.--------------------------------------------
(1) لعل صحة الجملة: إثبات حكم أصل لفرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
وقولي مثل حكم، لأن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل بل مثله، وهما مختلفان بالعوارض فالأول امتاز ثبوته بالإجماع، والثاني ثابت بالقياس، والأول لا خلاف فيه والثاني فيه الخلاف، غير أنه مثله من جهة أنه تحريم أو تحليل، والعوارض من جهة المحال والأدلة معينات ومميزات لأحد المثلين عن الآخر، ولا بد لأحد المثلين من مميز وإلا كانا واحداً والواحد ليس بمثلين.
ومعنى اندراج القياس الفاسد أنا لو قلنا لاشتراكهما في علة الحكم لم يتناول ذلك إلاّ العلة المرادة لصاحب الشرع، فالقياس بغيرها يلزم أن لا يكون قياساً؛ لكن الخلاف لما وقع في الربا هل علته الطعم أو الكيل أو القوت أو غير ذلك من الماذهب في العلل، وقاس كلّ إمام بعلته التي اعتقدها، فأجمعنا على أن الجميع أقيسة شرعية لأنا إن قلنا كلّ مجتهد
مصيب فظاهر، وإن قلنا المصيب واحد فلم يتعين، فتعين أنيكون الجميع أقيسة شرعية، مع أن جميع تلك العلل ليست مرادة لصاحب الشرع، فالقائس بغير علة صابح الشرع قياسه فاسد وهو قياسه، فلذلك قلنا عند المثبت ليتناول جميع تلك العلل كانت علة صاحب الشرع أم لا.
فائدة: القياس معناه في اللغة التسوية، يقال قاس الشيء بالشيء إذا ساواه به والقياس في الشريعة مساواة الفرع للأصل في ذلك الحكم فسمي قياساً، فهو من باب تخصيص اللفظ ببعض مسمياته، كتخصيص الدابة ببعض مسمياتها وهو الفرس عند العراقيين والحمار عند المصريين، فالقياس على هذا حقيقة عرفة مجاز راجع لغوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
الفصل الثاني في حكمه
وهو حجة عند مالك رحمه الله وجماهير العلماء رحمة الله عليهم خلافاً لأهل الظاهر لقوله تعالى: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» (1) ولقول معاذ رضي الله عنه: أجتهد رأيي. بعد ذكره الكتاب والسنة.
وجه الاستدلال من الآية الأولى (2) أن قوله تعالى: «فاعتبروا» مشتق من العبور وهو المجاوزة ومنه سمي المعبر للمكان الذي يعبر منه من شط إلى الوادي ويعبر فيه وهو السفينة، وسميت العبرة عبرة لأنها تعبر من الشؤن (3) إلى العين، عابر المنام هو المتجاوز من تلك المثل المرئية إلى المراد بالمنام من الأمور الحقيقية، والقائس عابر من حكم الأصل إلى حكم الفرع فيتناوله لفظ الآية بطريق الاشتقاق.
سؤال: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية وهي غير مفيدة للمقصود بسبب أن الفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه والآية فعل في سياق الإثبات، فيتناول مطلق العبور، فلا عموم فيها حتى تتناول كلّ عبور فيندرج تحتها صورة النزاع، وإذا كانت مطلقة كانت دالة على ما هو أعم من القياس والدال على الأعم غير دال على الأخص، كما أن لفظ الحيوان لا يدل على الإنسان، ولفظ العدد لا يدل على الزواج.
ومما يدل على القياس إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على العمل بالقياس، وذلك يعلم من استقراء أحوالهم ومناظرتهم، وقد كتب عمر بن الخطاب - رضي الله--------------------------------------------
(1) 2 الحشر.
(2) ليس هناك إلاّ هذه الآية فلعل كلمة الأولى زائدة أو لعلها الأولى بالنسبة للحديث.
(3) الشؤن: مفرد الشؤون. وهي مواصل قبائل الرأس ومتلقاها، ومنها تجيء الدموع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
عنه - إلى أبي
موسى الأشعري: «اعرف الأشياء والنظائر وما اختلج في صدرك فالحقه بما هو أشبه بالحق» وهذا هو عين القياس، ولأنه عليه السلام نبه على القياس في مواطن منها: أن عمر رضي الله عنه سأله عن قبلة الصائم فقال له عليه السلام: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه» ؟! وجه الدليل من ذلك أنه عليه السلام شبه المضمضة إذا لم يعقبها شرب بالقبلة (1) إذا لم يعقبها إنزال بجامع انتفاء الثمرة المقصودة من الموضعين وهذا هو عين القياس. ومنها قوله عليه السلام للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى» (2) وهذا هو عين القياس.
احتجوا بوجوه أحدها قوله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (3) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وثانيها قوله عليه السلام: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» . وثالثها أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يذمون القياس، فقال الصديق رضي الله عنه: أي سماء تضلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي، وقال عمر رضي رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحصوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظهره، وهذا يدل على اتفاقهم على منع القياس.
والجواب عن الأوّل: أن الحاكم بالقياس حاكم بما أنزل الله في عمومات القرآن من جهة قوله تعالى: «فاعتبروا» (4) ومن جهة قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (5) وقد جاءنا بالقياس.--------------------------------------------
(1) لعل صحة العبارة: شبه القبلة بالمضمضة.
(2) حينما سألته صلى الله عليه وسلم عن جواز قضاء الحج عن أبيها المتوفى.
(3) 47 المائدة.
(4) هو قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار.
(5) 7 الحشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
وعن الثاني: أن سلم صحته أنه محمول على القياس الفاسد الوضع لمخالفته النصوص ومن شرط القياس أن لا يخالف النص الصريح.
وعن الثالث: أن ذم الصحابة رضوان الله عليهم محمول على الأقيسة الفاسدة والآراء الفاسدة المخالفة لأوضاع الشريعة، جمعاً بين ما نقله الخصم وما نقلناه. [وعن قول علي رضي الله عنه أن الدين في قوله: لو كان الدين فيه الألف واللام وهي للعموم فيكون المعنى لو كان كلّ الدين بالرأي أو بالقياس، ونحن لم ندع ذلك بل يكون مفهوم قوله: إن بعضه قياس وهو المطلوب اهـ] (1) .
فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا كان تعليل الأصل قطعياً، ووجود العلة في الفرع قطعياً كان القياس قطعياً متفقاً عليه، وأما القياس الظني فهو حجة في الأمور الدنيوية اتفاقاً كمداواة الأمراض والأسفار والمتاجر وغير ذلك، وإنما النزاع في كونه حجة في الشرعيات ومستندات المجتهدين.
وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك رحمه الله، لأن الخبر إنّما ورد لتحصيل الحكم، والقياس متضمن للحكمة فيقدم على الخبر، وهو حجة في الدنيويات اتفاقاً.
حكى القاضي عياض (2) في التنبيهات، وابن رشد في المقدمات في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد قولين، وعند الحنفية قولان أيضاً.
حجة تقديم القياس أنه موافق للقواعد من جهة تضمنه لتحصيل المصالح أو درء المفاسد، والخبر المخالف له يمنع من ذلك فيقدم الموافق للقواعد على المخالف لها.
حجة المنع: أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله. بيان الأوّل:--------------------------------------------
(1) ما بين المعكوفين ساقط من الأصل.
(2) في واحدة من المخطوطات القاضي عبد الوهاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
أن القياس لم يكن حجة إلاّ بالنصوص، فهو فرعها، ولأن المقيس عليه لا بد وأن يكون منصوصاً عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين، وأما أن المفرع لا يقدم على أصله فلأنه لو قدم على أصله لأبطل أصله، ولو أبطل أصله لبطل فلا يبطل أصله.
والجواب عن هذه النكتة: أن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس فلا تناقضن فلم يقدم الفرع على أصله بل على غير أصله.
وهو إن كان بإلغاء الفارق فهي تنقيح المناط عند الغزالي، أو باستخراج الجامع من الأصل ثم تحقيقه في الفرع فالأول يسمى تخريج المناط والثاني تحقيقه.
المناط اسم مكان الإناطة، والإناطة التعليق والإلصاق، قال حسان بن ثابت فيمن هجاه:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
أي علق، وقال حبيب الطائي:
بلاد بها نيطت على تمائمي … وأول أرض مس جلدي ترابها
أي علقت عليّ الحرور فيها، والعلة ربط بها الحكم وعلق عليها فسميت مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة، واختلف الناس في تنقيح المناط فقال الغزالي هو إلغاء الفارق، كما تقول لا فارق بين بيع الصفة وبيع الرؤية إلاّ الرؤية، وهي لا تصلح أن تكون فارقاً
متعلقات أغراض البيع، فوجب استواؤهما في الجواز، ولا فارق بين الذكور والإناث في مفهوم الرق (1) وتشطير الحد، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في أحدهما في قوله تعالى: «فعليهن نصف ما على المحصنات نم العذاب» (2) ، ولا فارق بين الأمة والعبد في التقويم على معتق الشقص فوجب استواؤهما في ذلك فإن النص إنّما ورد في العبد الذكر خاصة في قوله عليه السلام: «من أعتق شركاً له في عبد» ونحو ذلك، فهذا قياس يسمى تنقيح المناط على اصطلاح هؤلاء.--------------------------------------------
(1) في الأصل: في مفهوم عتق الرق، والأصح ما أثبتناه بحذف عتق.
(2) 25 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
وقال الحسكفي في جدله وغيره: تنقيح المناط هو تعيين علة من أوصاف مذكورة، وتخريج المناط هو استخراجها من أوصاف غير مذكورة. مثال الأوّل حديث الأعرابي: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب صدره وينتف شعره فقال هلكت وأهلكت: واقعت أهلي في شهر رمضان فأوجب عليه السلام عليه الكفارة» الحديث المشهور فذكر في الحديث كونه أعرابياً، وضرب الصدر ونتف الشعر، وهي لا تصلح للتعليل، وكونه مفسداً للصوم مناسب للكفارة، فعين علة من أوصاف مذكورة. ومثال الثاني: نهيه عليه السلام عن بيع البر بالبر إلاّ مثلاً بمثل يداً بيد، ولم يذكر العلة ولا أوصافاً هي مشتملة عليها، فتعين الطعم للعلة أو الكيل أو القوت أو المالية إخراج علة من أوصاف غير مذكورة، فهذا هو تخريج المناط، لأننا أخرجنا العلة من غيب، والأول تنقيح المناط. لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما يصلحن وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاح مناسب، فتحصل لنا في تنقيح المناط مذهبان، وفي تخريج المناط قولان، وأما تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، مثاله أن يتفق على أن العلة في الربا هي القوت الغالب ويختلف في الربا في التين بناء على أنه يقتات غالباً في الأندلس، أو لا نظراً إلى الحجاز وغيره، فهذا تحقيق المناط. ينظر هل هو محقق أم لا بعد الاتفاق عليه. فقد ظهر الفرق بين تخريج المناط وتنقيح الماط، وتحقيق المناط، وهي اصطلاحات لفظية.
الفصل الثالث في الدال على العلة
وهو ثمانية: النص والإيماء والمناسبة والشبه والدوران السير والطرد وتنقيح المناط. فالأول النص على العلة وهو ظاهر. الثاني الإيماء وهو خمسة: الفاء نحو قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا» (1) وترتيب الحكم--------------------------------------------
(1) 2 النور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
على الوصف نحو ترتيب الكفارة
على قوله واقعت أهل في شهر رمضان قال الإمام سواء كان مناسباً أو لم يكن، وسؤاله عليه السلام عن وصف المحكوم عليه نحو قوله عليه السلام: «أينقص الرطب إذا جف» أو تفريق الشارع بين شيئين في الحكم نحو قوله عليه السلام: «القاتل لا يرث» أور ورود النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه.
النص على العلة نحو قوله: العلة كذا أو فعلته لأجل كذا، فهذا نص في التعليل والفاء تدخل على المعلوم نحو ما تقدم، فإن الجلد معلول الزنا وتدخل على العلة نحو قوله عليه السلام: «لا تمسوه (1) بطيب فإنه يبعث يوم القيام محرماً» فالإحرام هو علة المنع من الطيب، ومعنى قول الإمام فخر الدين سواء كان مناسباً أو لم يكن يشير إلى أن المناسبة مستقلة بالدلالة على العلية، وكذلك الترتيب، فإن القائل لو قال أكرم الجهلاء وأهن العلماء أنكر السامعون هذا القول وعابوه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أنه جعل الجهل علة الإكرام والعلم علة الإهانة، وليس لهم مستند في اعتقاد التعليل إلاّ ترتيب الحكم على الوصف لا المناسبة، فإن المناسبة مفقودة هنا، فدل ذلك على أن الترتيب يدل على العلية وإن فقدت المناسبة، وأما سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقصان الرطب إذا جف لأنه لا يعلم ذلك بل ليعرف به السامعون، ليكون ذلك تنبيهاً على علة المنع، فيكونا لسامع مستحضراً لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله الحكم، بخلاف ما إذا غابت العلة عن السامع ربما صعب عليه تلقي الحكم واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجها إذا علم العلة وحضرت له، ومعنى التفريق بين الشيئين أن الآية وردت بتوريث الأبناء مطلقاً بقوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» (2) فلما قال عليه السلام «القاتل لا يرث» علم، أن ذلك لأجل علة القتل، مع أن هذا أيضاً فيه ترتيب الحكم على الوصف، ومثال النهي عن الفعل الذي يمنع ما تقدم وجوبه قوله تعالى: «يا ألها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» (3)
فهذا وجوب للجمعة، فقوله--------------------------------------------
(1) في الأصل: لا تمسه.
(2) 11 النساء.
(3) 9 الجمعة..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
تعالى بعد ذلك: «وذروا البيع» نهى عن البيع، لأنه يمنع من فعل الجمعة بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماء لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن الجمعة.
والثالث: المناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر، والمناسب ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات، وإلى ما هو في محل الحافجات، وإلى ما هو في محل التتمات، فيقدم
الأوّل على الثاني والثاني على الثالث عند التعارض، فالأول نحو الكليات الخمس وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال قيل والأعراض، والثاني مثل تزويج الولي الصغيرة، فإن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعوى إليه في تحصيل الكفؤ لئلا يفوت، والثالث ما كان حثاً على مكارم الأخلاق كتحريم تناول القاذورات وسلب أهلية الشهادات عن الأرقاء ونحو الكتابات ونفقات القرابات، وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب كقطع الأيدي باليد الواحدة فإن شرعيته ضرورية صوناً للأطراف وإن أمكن أن يقال ليس منه لأنه يحتاج الجاني فيه إلى الاستعانة بالغير وقد يتعذر، ومثال اجتماعها كلها في وصف واحد أن نقطة النفس ضرورية والزوجات حاجية والأقارب تتمة واشتراط العدالة في الشهادة ضروري صوناً للنفوس والأموال وفي الإمامة على الخلاف حاجية لأنها شفاعة، والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع، وفي النكاح تتمة لأن الولي قريب يمنعه طبعه عن الوقوع في العار والسعي في الأضرار، وقيل حاجية على الخلاف، ولا يشترط في الإقرار لقوة الوازع الطبيعي ودفع المشقة عن النفوس مصلحة ولو أفضت إلى خلاف القواعد، وهي ضرورية مؤثرة في الترخيص كالبلد الذي يتعذر فيه العدول.
قال ابن أبي زيد في النوادر تقبل شهادة أمثلهم حالاً لأنها ضرورة، وكذلك يلزم في القضاة وولاة الأمور، وحاجية على الخلاف في الأوصياء في عدم اشتراط العدالة وتمامية في السلم والمساقاة وبيع الغائب، فإن في منعها مشقة على الناس وهي من تتمات معاشهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
الكليات الخمس: حكى الغزالي وغيره إجماع الملل على اعتبارها، وأن الله تعالى ما أباح النفوس ولا شيئاً من الخمس المتقدمة في ملة من الملل، وأن المسكرات حرام في جميع الملل وإن وقع الخلاف في اليسير الذي لا يسكر، ففي الإسلام هو حرام، وفي الشرائع المتقدمة حلال، أما القدر المسكر فحرام إجماعاً من الملل، واختلف العلماء، في عددها، فبعضهم يقول الأديان عوض الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض ولا يذكر الأديان وفي التحقيق الكل متفق على تحريمه فما أباح الله تعالى العرض بالقذف والسباب قط، وكذلك لم يبح الأموال بالسرقة والغضب، ولا الأنصاب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المسكرات، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القطع والقتل، ولا الأديان بإباحة الكفر وانتهاك حرم المحرمات، وجعلهم الكتابات تتمة لأنها عون على حصول العتق وإزالة الرق عن البشرية المكرمة من بني آدم، فهو من مكارم الأخلاق وتتمات المصالح، وكذلك نفقات الأقارب من تتمات مكارم الأخلاق. وقوله إن العدالة شرط في الولي على الخلاف إشارة إلى ما وقع في الفقه في الولي إذا كان فاسقاً هل تسقط ولايته بفسقه أم لا؟ قولان في مذهب
مالك، والمشهور عدم سلبها اكتفاءً بالوازع الطبيعي عن العدالة، وعدم اشتراط العدالة في الإقرار، فيقبل إقرا البر والفاجر، لأنه إلزام لنفسه ومضربهان ولا يقع الإقرار إلاّ كذلك، وإلا كان دعوى أو شهادة، والوازع الطبيعي يمنع ن الإضرار بغير موجب، فما أقر إلاّ والمقر به حق فيقبل منه، وإن كان فاجراً أو كافراً من غير خلاف بين الأمة.
وقولي في الأوصياء: حاجية معناه أن الناس قد يحتاجون إلى أن يوصوا لغير العدول وفيه خلاف، ومذهب مالك يشترط فيه أن يكون مستور الحال، وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لا بد فيها من العدالة، فقد خالفنا القواعد في عدم اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعاً للشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان وبين من يريد أن يعتمد عليه، وكذلك خولفت القواعد في السلم والمساقاة وبيع الغائب والجعالة والمضاربة والمغارسة والصيد وغير ذلك فيما فيه جهالة في الأجرة وغرر، وأما الصيد فلبقاء الفضلات وعدم تسهيل الموت على الحيوانات، فقد خولفت القواعد لتتمة المعاش، فإن من الناس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
من يحتاج في معاشه إلى أحد هذه الأمور، فجعلت شرعاً عاماً لعدم الانضباط في مقادير الحاجات. وهذه الرتب يظهر أثرها عند تعارض الأقيسة، فيقدم الضروري عل الحاجي، والحاجي على التتمة.
وهو أيضاً ينقسم إلى ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جهل حاله. والأول ينقسم إلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم كاعتبار نوع الإسكار في نوع التحريم، وإلى ما اعتبر جنسه في جنسه كالتعليل بمطلق المصلحة كإقامة الشرب مقام القذف لأنه مظنته، وإلى ما اعتبر نوعه في جنسه كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث، فتقدم في النكاح، وإلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم كإسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة فإن المشقة جنس وهو أي الإسقاط نوع من الرخص، فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس، والملغى نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر، والذي جهل أمره هو المصلحة المرسلة التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب.
الحكم أعم أجناسه كونه حكماً، وأخص منه كونه طلباً أو تخبيراً وأخص منه كونه تحريماً أو إيجاباً، وأخص منه كونه تحريم الخمر أو إيجاب الصلاة، وأعم أحوا الوصف كونه وصفاً، وأخص منه كونه مناسباً وأخص من المناسب كونه معتبراً، وأخص منه كونه مشقة أو مصلحة أو مفسدة خاصة، ثم أخص من ذلك كون تلك المفسدة في محل الضرورات أو الحاجات أو التتمات، فهذا الطريق يظهر الأجناس العالية والمتوسطة والأنواع السافلة للأحكام والأوصاف من المناسب وغيره، فالإسكار نوع من المفسدة، والمفسدة
جنس له. ويحكى عن علي رضي الله عنه أنه قال لما سئل عن حد شارب الخمر إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المفتري. فأخذ علي رضي الله عنه مطلق المناسبة، ومطلق المظنة. والأخوة نوع من الأوصاف، والتقدم في الميراث نوع من الأحكام فهو نوع في نوع، وكذلك التقدم في النكاح أو صلاة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
الجنازة نوع من الأحكام، فيقاس أحد النوعين على الآخر، وجعلت المشقة جنساً لأنها متنوعة إلى مشقة قضاء الصلاة ومشقة الصوم ومشقة القيام في الصلاة وغير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وهو نوع باعتبار الوصف المصلحي أو المناسب، وإسقاط الصلاة عن الحائض نوع من الأحكام، والإسقاطات والرخص بتأثير النوع في النوع مقدم على الجميع؛ لأن الخصوصين قد حصلا فيه: خصوص الوصف وخصوص الحكم، والأخص بالشيء مقدم على الأعم، ولذلك قدمت البنوة في الميراث على الأخوة، والأخوة على العمومة وكذلك قدم ليس النجس على الحرير، فمنع في الصلاة لأنه أخص بالصلاة من الحرير ولأن تحريم الحرير لا يختص بالصلاة فكان تحريم النجس أقوى منه لأنه مختص بها، وكذلك إذا لم يجد المحرم إلاّ ميتة وصيداً أكل الميتة دون الصيد، لأن تحريم الصيد خاص بالإحرام.
والقاعدة أن الأخص أبداً مقدم، فكما أن النوع في النوع أخص الجميع، فالجنس في الجنس أعم الجميع، والمنقول أن النوع في الجنس والجنس في النوع متساويان متعارضان مقدمان على الرابع لوجود الخصوص فيهما من حيث الجملة، والذي في الأصل ما أرى نقله إلاّ سهواً، وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب.
ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسبة ومطلق المصلحة، لأن مطلق المصلحة قد يلغى كما تقدم في زراعة العنب، فإن المناسبة تقتضي أن لا يزرع سداً لذريعة الخمر، لكن أجمع المسلمون على إلغاء ذلك، وكذلك المنع من التجاور في البيوت خشية الزنا فإنه مناسب، لكن أجمع المسلمون على جواز المجاورة بالنساء في الدور الجامعة وإلغاء هذا المناسب، فالمناسب حينئذ أعم من المرسلة، لأن المرسلة مصلحة يفيد السكوت عنها فهي أخص.
الرابع: الشبه قال القاضي أبو بكر هو الوصف الذي لا يناسب لذاته ويستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
الحكم القريب، والشبه يقع في الحكم كمشابهة العبد المقتول بالحر، أو شبهه بسائر المملوكات. وعند ابن علية
يقع الشبه في الصورة كرد الجلسة الثانية إلى الأولى في الحكم، وعند الإمام التسوية بين الأمرين إذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم، وهو ليس بحجة عند القاضي منا.
مثال الشبه عند القاضي: قولنا في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة كالدهن؛ فقولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس مناسباً في ذاته، غير أنه مستلزم للمناسب، فإن العادة أن القنطرة لا تبنى على الأشياء القليلة بل على الكثيرة: كالأنهار، والقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة، فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكاليف الكل بما لا يجده إلاّ البعض فبعيد عن القواعد، فصار قولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب، وقد شهد الشرع بجنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر به، ويتوجه التيمم.
قال القاضي أبو بكر في هذا التقسيم: الوصف إن كان مناسباً بذاته فهو المناسب، وإن لم يكن مناسباً في ذاته فلا يخلو ما إن يكون مستلزماً للمناسب أو لا. الأوّل الشبه، والثاني الطردي الملغى إجماعاً والعبد المقتول فيه كونه مملوكاً والملك حكم شرعي، وكونه آدمياً، وهذا وصف حقيقي لا حكم شرعي، فقد حصل فيه الشبهان، فمن غلب شبه الحكم الشرعي وهو مالك والشافعي أوجب فيه قيمته بالغة ما بلغتن وإن زادت على دية الحر، ومن لاحظ شبه الحر وهو الآدمية لم يوجب فيه الزيادة على دية الحر وهو أبو حنيفة وابن علية أوجب الجلسة الأولى قياساً على الثانية في الوجوب بجامع أنها جلسة، وهذا شبه صوري لا حكم شرعي.
قال الإمام فخر الدين: إذا غلب على الظن أن شيئاً من هذه الشبهات علة الحكم ومستلزمه له شرعاً جعلناه علة كان صورة أو حكماً أو غير ذلك عملاً بموجب الظن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
حجة القاضي: أن الشبه ليس بحجة لأن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقاً لقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً» (1) خالفناه في قياس المناسبة، فبقي قياس الشبه على موجب الدليل، ولأن الصحابة إنّما أجمعت على المناسب. أما الشبه فلا نوجب أن يكون حجة.
جوابه: أنه معارض لقوله تعالى: «فاعتبروا» لقوله عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر» وهو يفيد الظن فوجب أن يندرج في عموم النص، ولأنه مندرج في عموم قول معاذ بن جبل أجتهد رأيي، وهذا نوع من الاجتهاد.
الخامس: الدوران، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف وعدمه مع
عدمه، وفيه خلاف، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقول بكونه حجة.
مثاله: العنب حين كونه عصيراً ليس بمسكر ولا حرام، فقد اقترن العدم بالعدم، وإذا صار مسكراً صار حراماً، فقد اقترن الثبوت بالثبوت، فإذا تخلل لم يكن مسكراً ولا حراماً، فقد اقترن العدم بالعدم. فهذا هو الدوران في صورة واحدة وهي الخمر، وقد يقع في صورتين وهو دون الأوّل. مثاله: أن يدعى وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول الموجب لوجوب الزكاة في النقدين كونهما أحد الحجرين؛ لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين، وجوداً وعدماً، أما وجوداً ففي المسكوك هو أحد الحجرين والزكاة واجبة فيه، وأما عدماً فالعقار ليس أحد الحجرين ولا تجب الزكاة فيه، وإنما رجحت الصورة الأولى على هذه، لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته في الصورة المعينة يقتضي أنه لم يبق معه ما يقتضيه في تلك الصورة وإلا لثبت فيها. أما إذا انتفى من صورة أخرى غير صورة الثبوت أمكن أن يقال إن موجب الحكم غير الوصف المدعى علة، أما ما ذكرتموه من الوصف لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بذلك الوصف الآخر، فما تعين عدم اعتبار غيره، بخلاف الصورة الواحدة.--------------------------------------------
(1) 28 النجم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
حجة أن الدوران دليل العلية أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب على الظن أن المدار علية الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب ثم سكتنا عنه فزال غضبه ثم ناديناه به فغضب كذلك مراراً كثيرة، حصل الظن الغالب بأن علة غضبه إنّما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به. ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها، فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وجد بين الوصف والحكم جزمنا بعلية الوصف للحكم، أو نقول بعض الدوران حجة قطعاً كدوران قطع الرأس مع الموت في مجرى العادات، فوجب أن يكون جميع الدورانات حجة لقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» (1) والعدل التسوية، وعدم الاختلاف إحسان للخلق بتوفر خواطرهم عن الفحص عن الفكرة في مدارك الفروق.
حجة المنع: أن بعض الدورانات ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلاّ ما أجمعنا عليه، أما أن بعض الدورانات ليس بحجة، فإن الجوهر والعرض دائران كلّ واحد منهما مع الآخر وليس أحدهما علة للآخر، والحكم دائر مع شرطه وجزء علته، وليس أحدهما علة للآخر، وحركات الأفلاك دائرة مع الكواكب وليس أحدهما علة للآخر. وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون فيها شيء حجة، فلأنه لو كان حجة للزم النقض بذلك البعض الآخر والنقض خلاف الدليل.
والجواب: أنا لا ندعي أن الدوران حجة إلاّ بوصف كونه لا نقطع بعدم عليه، والدوران الموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض فلا يتجه النقض، لأن من شرط النقض وجود الموجب بجميع صفاتهن وإن لم يوجد فلا نقض، فاندفع السؤال.
السادس: السبر والتقييم. وهو أن يقول إما أن يكون الحكم معللاً بكذا أو بكذا والكل باطل إلاّ كذا فيتعين.--------------------------------------------
(1) 90 النحل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
السبر معناه في اللغة الاختبار ومنه سمي ما يختبر به طول الجرح وعرضه مسباراً، وتقول العرب هذه القضية يسبر بها غور العقل: أي يختبر. والأصل أن نقول التقسيم والسبر، لأنا نقسم أولاً ثم نقول في معرض الاختبار لتلك الأوصاف الحاصلة في التقسيم هذا لا يصلح وهذا لا يصلح فتعين هذا، فالاختبار واقع بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار والاختبار هو المقصد. وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، قدم السبر لأنه المقصد الأهم، وأخر التقسيم لأنه وسيلة أخفض رتبة من المقصد، وهذه الطريقة مفيدة للعلة لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللاً لا يجعل تعبداً، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسباً إلاّ ما بقي بعد السبر، فوجب كونه علة بهذه القواعد.
السابع: الطرد وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر صور الوصف، فليس مناسباً ولا مستلزم للمناسب، وفيه خلاف.
لأنه متى كان مناسباً كان ذلك طريقاً آخر غير الطرد، ونحن نقصد أن نثبت طريقاً آخر غير المناسبة، وكذلك لا يكون مستلزماً للمناسب، إذ لو كان مستلزماً للمناسب لكان هو الشبه، ونحن نقصد طريقاً غير الشبه. فمجرد الاقتران هو طريق مستقل على الخلاف.
حجة الجواز: أن الحكم لا بد له من علة وليس غير هذا الوصف عملاً بالأصل فتعين هذا الوصف نفياً للتعبد بحسب الإمكان، ولأن الاقتران بجميع الصور مع انتفاء ما يصلح للتعليل غير المقترن يغلب على الظن عليه ذلك المقترن والعمل بالراجح متعين.
حجة المنع: أن الأصل لا يعتبر في الشرائع إلاّ المصالح أو درء المفاسد، فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة وجب أن لا يعتبر، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم إنّما نقل عنهم العمل بالمناسب، أما غير المناسب فلا، فوجب بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار.
الثامن: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
قد تقدم الخلاف في موضوع تنقيح المناط ماذا هل هو إلغاء الفارق أو تعيين العلة من
أوصاف مذكورة؟ والدليل على أنه حجة بهذا التفسير أن الأصل في كلّ مثلين أن يكون حكمهما واحداً فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارق فالظن القويّ القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا نم اعتقاد الاستواء في الحكم هنا أكثر مِمّا نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلاً على علية المشترك على سبيل الإجمال، وإن كنا لا نعنيه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العلة.
الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة
وهو خمسة: الأوّل النقض وهو وجود الوصف بدون الحكم، وفيه أربعة مذاهب: ثالثها إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإلا قدح، رابعها إن نص عليها لم يقدح وإلا قدح.
النقض قد يكون على العلة وعلى الحد وعلى الدليل، فوجود الحد بدون المحدود نقض عليه، ووجود الدليل بدون المدلول نقض عليه، والألفاظ اللغوية كلها أدلة، فمتى وجد لفظ بدون مسماه لغة فهو نقض عليه. ويجمع الثلاثة أن تقول في حده: وجود المستلزم بدون المستلزم.
حجة المنع مطلقاً: أن الوصف لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره عملاً به ولم يثبت معه في جميع صوره فلا يكون علة، ولان الوصف من حيث هو هو إما أن يكون مستلزماً للعلة أو لا يكون، فإن كان يلزم وجود الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن كان الوصف وحده ليس بعلة حتى ينضاف إليه غيره والمقدر أنه علة، وهذا خلف.
حجة الجواز مطلقاً: أن الموجب للعلية هو المناسبة فالمناسبة تقتضي أنها حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
وجدت ترتب الحكم معها وقد وجد فيما عدا صورة النقض فوجب ثبوت الحكم معها وإن لم يوجد معها في صورة النقض فتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت عنه بعض الصور بقي حجة فيما عدا صورة التخصيص، سواء عمل بموجب التخصيص أم لا، كذلك هنا. فإن تناول المناسبة لجميع الصور كتناول الدلالة اللغوية لجميع الصور، فهو في الحقيقة تخصيص، ولذلك يقول كثير من الأصوليين والجدليين في النقض: إنه تخصيص للعلة، وهذا هو المذهب المشهور.
حجة الثالث: أن الفرق إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعاً من ثبوت
الحكم مع العلة في صورة النقض، فكانا لعذر منتهضاً في دم ثبوته في صورة النقض، أما إذا لم يوجد فارق كان عدم الحكم في صورة النقض مضافاً لعدم علية الوصف لا لقيام المانع، فلا يكون الوصف علة.
حجة الرابع: أن الوصف إذا نص على كونه علة تعين الانقياد لنص صاحب الشرع وهو أعلم بالمصالح، ولا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشريعة بل النص مقدم، أما إذا لم يوجد نص تعين أن الوصف ليس بعلة، لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره وليس فليس.
وجوب النقض إما بمنع وجود الوصف في صورة النقض أو بالتزام الحكم فيها.
لما كان النقض لا يتم إلاّ بأمرين أحدهما وجود الوصف في صورة النقض والثاني عدم الحكم فيها، كان انتفاء أحد هذين يمنع تحقق النقض فإنه إذا لم يوجد الوصف لا يقال وجد الوصف بدون الحكم، وكذلك إذا وجد الحكم فلك منع وجود الوصف في صورة النقض بأن يعتبر بعض قيود العلة فلا نجده في صورة النقض، والمورد للنقض يحيل أنه موجود فيمنعه حينئذ، مثال قولك في الوقف: عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول قياساً على البيع. فيقول السائل: يشكل بالعتق، فنقول له لا نسلم أن العتق نقل بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يقتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك ولك منع عدم الحكم في صورة النقض بناء على أحد القولين عندك في مذهبك بناءً على الخلاف من حيث الجملة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
الثاني: عدم التأثير وهو أن يكون الحكم موجوداً مع وصف، ثم يعدم ذلك الوصف ويبقى الحكم، فيقدح، بخلاف العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى فلا يقدح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضاً.
مثال عدم التأثير: أن تحريم الخمر ثابت مع اللون الخاص للخمر، فإذا تغيرت إلى لون آخر فالتحريم باق، فيعلم أن علة التحريم ليس هو ذلك اللون، والعكس هو عكس النقيض، فإن النقض وجود العلة بدون الحكم والعكس وجود الحكم بدون العلة. مثال النقض تعليل الزكاة بالغنى، فينقض بالعقار الذي فيه الأجرة العظيمة والمنافع الجزيلة مع عدم وجوب الزكاة فيه، فهذا نقض، لأنه وجود العلة التي هي الغنى بدون الحكم الذي هو وجوب الزكاة.
ومثال العكس: تعليل الحد بجناية القذف، فينقض بشرب الخمر أو بغيره فلا يرد، لأن علل الشريعة يخلف بعضها بعضاً، وكما لو قال قائل: الإنزال سبب وجوب الغسل
فينتقض بانقطاع دم الحيض، فإن الغسل واجب ولا إنزال، ولا يرد هذا السؤال، لأن الأسباب يخلف بعضها بعضاً وكذلك الأسباب والأدلة.
قال الشيخ سيف الدين الآمدي رحمه الله: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤالا لعكس، إلاّ أن يتفق المناظر أن على اتحاد العلة فيرد النقض والعكس، وكثيراً ما تغلط طلبة العلم في إيراد العكس فيوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط كما بينت لك. فقد ظهر الفرق بين النقض والعكس وعدم التأثير، فتأمل ذلك.
الثالث: القلب وهو إثبات النقيض الحكم بعين العلة كقولنا في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه كالوقوف بعرفة، فيكون الصوم شرطاً فيه، فيقول السائل لبث في مكان مخصوص فلا يكون الصوم شرطاً فيه كالوقوف بعرفة، وهو إما أن يقصد به إثبات مذهب السائل أو إبطال مذهب المستدل فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي ألمح ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن أصله الوجه، فيقول الشافعي ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالربع أصله الوجه.
القلب: يبطل العلة من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم. فإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)