كثير من الأوقات بلا سبب ظاهر فإنما يحمل ذلك على أن الشياطين تعرض لها فتشهر بها، فكان تعليق الأجراس عليها كاستدعاء الشياطين وتأكيد سبب حضورهم فمن آثر لنفسه حضور أعداء الله تعالى أواعتقد حراسته في سفره بالجن أو الكلب، كان حقيقا بأن لا يقيض الله تعالى لحراسته ملائكته وأولياءه، لكن هذا لا يمنع الموكلين به من كتابة عمله، بل هو في حال المعصية أولى بالتضييق عليه من حال الطاعة، وأما السؤال عن دخول الكاتبين الخلاء، فجوابه أنا لانعلم، ولا يقدح عدم علمنا بذلك في ديننا، وجملة القول فيه أنهما إن كانا مأمورين بالدخول دخلا، وإن أكرمهما الله عن ذلك وأطلعهما على ما يكون من الداخل مما سبيلهما أن يكتبا فهما على ما يؤمران به والله أعلم.
وأما مكان جلوسهما فقد قال الله تعالى: (عَنِ اليَمينِ وَعَنِ الشِمالِ قَعِيد) ق: 17 أي عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، ويحتمل أن يكون المراد حقيقة القعود أو ما استعير له اسم القعود والله أعلم بحالهما في ذلك.
وأما أنهما ماذا وعلى ماذا يكتبان فلاعلم لنا بذلك إلا أنهما يكتبان على شيء يحتمل الطي والنشر لقوله تعالى: (وَنُخرج لَهُ يَومَ القِيامَةِ كِتاباً يَلقاهُ مَنشوراً) الإسراء: 13 والذي خلقهم وخلق غيرهم لا يعجز أن يخلق لهم سوى الأوراق والجلود وسائر ما يكتب الناس عليه غيرهم لا يعجز أن يخلق لهم سوى الأوراق والجلود وسائر مايكتب الناس عليه شيئا يكتبون عليه، إما بقلم يخلقه لهم سوى هذه الأقلام أو بشيء آخر بمداد اوغير مداد والله أعلم بحقيقة ذلك. انتهى.
قلت: أما حديث) لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (فقال الخطابي: المراد بالملائكة: الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة فإنهم لا يفارقون، وأما دخول الكاتبين الخلاء فقد تقدم حديث زيد بن ثابت مرفوعا:) إن معكم من لا يفارقكم في نوم ويقظة إلا حين يأتي أحدكم أهله أو حين يأتي خلاءه (.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
وحديث ابن عباس مرفوعا:) استحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل (.
وأثر مجاهد: يجتنب الملك الإنسان في موطنين عند غائطه وعند جماعه.
وأثر عطاء: لا تشهد الملائكة وأنت على خلائك. ولهذين الأثرين حكم الرفع، وهذا صريح في أنهما لا يدخلان الخلاء.
وفي مقدمة أبي الليث من كتب الحنفية: أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء فرش رداءه، وقال: أيها الملكان الحافظان على، اجلسا ههنا فإني عاهدت الله تعالى أن لا أتكلم في الخلاء.
ولا يحضرني الآن من خرجه، وأما مكان جلوسهما وبماذا يكتبان؟ فقد تقدم حديث:) إن الله تعالى لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما (والناجذان أقص الأضراس.
وحديث:) نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الكريمين الحافظين وإن مدادهما الريق وقلمهما اللسان (وقول سفيان: ملكان بين نابي الإنسان.
وتقدم عن علي: لسان الإنسان قلم الملك وريقه مداده.
ولهذا الموقوف حكم الرفع، فإن أخذ متأول يؤول كون اللسان قلمهما علىأن المراد أنه سبب الكتابة فكان آلتهما لأنهما يكتبان ما يلفظ به؛ فالجواب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
من وجهين: أحدهما: ان الكتابة لاتختص بالأقوال فإنهما يكتبان الأفعال والإعتقادات والنبات، والثاني: أن هذا التأويل وإن تاتي في اللسان على بعد، فإنه لا يتأتى في كون الريق مدادهما كما هو ظاهر، وأما على ماذا يكتبان فلم يرد فيه حديث ولا أثر، ولكن في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة المنسوبة للغزالي: أن صحيفة المؤمن ورقة ورد، وأن صحيفة الكافر ورقة سدر والله أعلم.
مسألة:
قال القرطبي في التذكرة: قيل كيف يخاطب منكر ونكير جميع الموتى في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد؟
فالجواب: أن عظم جثتهما يقتضي ذلك، فيخاطبان الخلق الكثير في الجهة الواحدة في المرة الواحدة مخاطبة واحدة، بحيث يخيل لكل واحد من المخاطبين أنه المخاطب دون من سواه ويمنعه الله من سماع جواب بقية الموتى انتهى. وقال الحليمي في المنهاج: والذي يشبه أن يكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا، فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم كما كان الموكل عليه لكتابة أعماله ملكين انتهى.
مسألة:
رؤية الملائكة الآن ممكنة، كرامة يتكرم الله بها على من يشاء من أوليائه، نص على ذلك الإمام الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال، وتلميذه القاضي أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتاب قانون التأويل، والقرطبي في التذكرة وغيرهم، ووقع ذلك لجماعة من الصحابة، وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب " تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ".
مسألة:
أخرج الحاكم في المستدرك عن ابنعباس قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم لما رأيت جبريل:) لم يره خلق إلا عمى، إلا أن يكون نبيا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
ولك أن تجعل ذلك في آخر عمرك (وقد وقع ذلك لجماعة من الصحابة رأوه كابن عباس وعائشة وزيد ابن أرقم وقد رآه خلق منهم لما جاء يسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان ولم يحصل لهم ذلك، فالظاهر أن المراد من رآه منفردا به على وجه الكرامة وأما رؤيتهم له حال مجيئه للسؤال فكانت على العموم لم يختص بها أحد دون أحد.
مسألة:
سئلت: هل تموت الملائكة بنفخة الصعق ويحيون بنفخة البعث؟
والجواب: نعم، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصَورِ فَصَعِقَ مَن فَي السَمَواتِ وَمَن فَي الأَرضِ إِلا مَن شاءَ الله) الزمر: 68 وتقدم في أول الكتاب حديث:
أن المستثنى حملة العرش وجبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وأنهم يموتون على أثر ذلك.
وتقدم عن وهب أن هؤلاء الأملاك الأربعة أول من خلقهم الله من الخلق وآخر من يميتهم وأول من يحييهم.
وفي حديث الصور الذي أخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فيقول ملك الموت: قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت، فيقو لاله - وهو أعلم: فمن بقى؟ فيقول: أي رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا، فيقول الله: فليمت جبريل وميكائيل، فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
فلتمت حملة العرش، فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول: رب قد مات حملة عرشك، فيقول - وهو أعلم: فمن بقى؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت … إلى أن قال: ثم يأمر الله السماء أن تمطر أربعين يوما ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله تعالى: لتحى حملة عرشي فيحبون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيا جبريل وميكائيل فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج الأرواح كأنها النحل، فيقول الله: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأجساد (الحديث.
وسئلت: هل ورد أن أرواحهم بعد الموت تكون في مقر مخصوص كما ورد في بنى آدم؟
ولم أقف على شيء في ذلك.
وسئلت: هل يكونون مع بني آدم عند القيام لرب العالمين؟
والجواب: نعم وقد تقدم قريبا في حديث الحارث بن أبي أسامة عن ابن عباس، وورد أنهم في الموقف يحيطون بالإنس والجن وجميع الخلائق.
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه قرأ (وَيَومَ تَشَقَقُ السَماءُ بِالغَمامِ وَنُزِلَ المَلائِكَةُ تَنزِيلا) الفرقان: 25 قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد والجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
فتشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، ثم ينزل أهل السماء الثانية وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض.. الحديث.
- وسئلت: هل يحاسبون وهل توزن أعمالهم؟
وقد تقدم في كلام الحليمي أن الأشبه أن لا يكتب لهم عمل ولا يحاسبون، وذلك يقتضي أنه لا توزن أعمالهم، لأن الوزن فرع عن الحساب وعن كتابة الأعمال فإن الصحف هي التي توضع في الميزان.
- وسئلت: هل يشفعون في العصاة من بني آدم كما يشفع اللعماء والصلحاء؟
والجواب: نعم قال الله: (وَلا يَشفَعونَ إِلا لِمَن اِرتضى) الأنبياء: 28 وقال: (وَكَم مِن مَلَكِ في السَمَواتِ لا تُغني شَفاعَتُهُم شَيئا إِلا مِن بَعدِ أن يَأذَنَ اللَهُ لِمَن يَشاءُ وَيَرضى) النجم: 26.
- وسئلت: هل قول من قال إنهم في دار الجنة تسمى دار الخلد والجلال له أصل في الحديث أم لا؟
والجواب: لم أقف لذلك على أصل في الحديث.
- وسئلت: هل يراهم المؤمنون في الجنة عند سلامهم عليهم أم لا يرونهم؟
والجواب: نعم يرونهم.
- وسئلت: أيهما أفضل جبريل أو إسرافيل؟
والجواب: لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء، والآثار المتقدمة متعارضة.
فحديث الطبراني عن ابن عباس مرفوعا:) ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل (.
وأثر وهب: أن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل يدل على تفضيل جبريل.
وحديث ابن مسعود مرفوعا:) إن أقرب الخلق من الله إسرافيل (.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
وحديث ابن مسعود مرفوعا:) إسرافيل صاحب الصور وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره (.
وحديث عائشة مرفوعا:) إسرافِيل ملك الله ليس دونه شيء (.
وأثر كعب: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل إلى آخره.
وأثر أبي بكر الهذلي ليس شيء من الخلق أقرب إلى الله من إسرافيل إلى آخره.
وحديث ابن أبي جبلة بسنده: أول من يدعي يوم القيامة إسرافيل، إلى آخره.
وأثر ابن سابط: يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى أن قال: وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر وملك الموت.
وأثر خالد بن أبي عمران: وإسرافيل بمنزلة الحاجب، وما شاكل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل.
مسألة:
ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي في عقيدته: أن الرسل أوحى إليهم بجبريل، والأنبياء أوحى إليهم بملك آخر.
فائدة:
رأيت في بعض المجاميع عن جعفر بن محمد قال: ريح الملائكة ريح الورد، وريح الأنبياء ريح السفرجل. ولم أقف له على سند.
لطيفة: رأيت في مجموع لأبي الحسين أحمد بن أبي الحسن على بن الزبير قال: شهد رجل عند الحارث بن مسكين، فقال له الحارث: ما إسمك؟ فقال جبريل، قال: لقد ضاقت عليك أسماء بني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
آدم حتى تسميت بأسماء الملائكة، فقال له الرجل: كما ضاقت عليك الأسماء حتى تسميت بإسم الشيطان فإن إسمه الحارث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
قال الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في كتابه المسمى (تحقيق الأولى من أهل الرفيق الأعلى) قد أطلق الإمام فخر الدين الرازي القول بأن الملائكة رسل الله، واحتج عليه بقوله تعالى (جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً) فاطر: 1 واعترض عليه بقوله تعالى (إِنّ اللَهَ يَصطَفي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس) الحج: 75 وأجاب عنه بأن من النبيين؛ لا للتبعيض، وفي كلام غيره من العلماء منهم القاضي عياش وغيره ما يدل على أن منهم الرسل ومنهم من ليس برسول، قال: وكلام فخر الدين الرازي في المطالب العالية يقتضي ترتيبهم على درجات، قال: واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، أما الأصناف فأعلاهم درجة حملة العرش، والمرتبة الثانية الحافون بالعرش، والمرتبة الثالثة أكابر الملائكة: منهم جبريل وإسرافيل وعزرائيل، القسم الرابع ملائكة الجنة، القسم الخامس الموكلون ببني آدم، القسم السادس الملائكة لتخصيصهما بالذكر في قوله تعالى: (مَن كانَ عَدواً لِلِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبريلَ وَميكائيل) البقرة: 98 وأن جبريل أفضل من ميكائيل لأن الله قدمه في الذكر على ميكائيل وسببه أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء والعلم، وميكائيل صاحب الأرزاق؛ والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية، ولأنه سمى روح القدس ولأنه ينصر أولياء الله ويقهر أعداء الله، وقال الراغب: كل نوع من الملائكة له مقام كما قال تعالى حكاية عنهم: (وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعلوم) الصافات: 164 وهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب إليهم تدبير الأجرام السماوية، وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية، وضرب إليهم تدبير الأمور الأرضيةن وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله (فَالمُدَبِراتِ أمرا) النازعات: 5 فالذين إليهم تدبير الأجرام السماوية هم المقربون المعنيون بقوله تعالى (لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبداً لِلِه وَلا المَلائِكَة المُقَرَبون) النساء: 172 وقال بعضهم: سبعة: إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ورضوان ومالك وروح القدس، وأما الضرب الذين إليهم تدبير الأركان الهوائية كالذي يأتي بصوت الرعد والذي يزجي السحاب، والضرب الذي إليهم تدبير الأرض كالملك الذي يأتي الجنين فينفخ فيه الروح، وكالحفظة، والرقيب والعتيد، والمعقبات في قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِباتُ مِن بَينَ يَديهِ وَمِن خَلفِهِ) الرعد: 11.
انتهى ذلك والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله رب العالمين.
تم الكتاب بحمد الملك الوهاب
على يد أفقر العباد
سليمان ابن الشيخ عبد الجواد الطويل العمر
في ثاني محرم سنة تسعين بعد الألف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)