هذا هو البرهان المُسمَّى عند أئمة الأصولِ بـ «البرهانِ الشَّرطي المتَّصِل»(1)، وهو -كما ترى- تلازمٌ بين قضيَّتين في حكمهما مِن باب الأولويَّة.
وإن كان هذا لا يعني أنَّ إبراهيم عليه السلام أرسخُ في اليقينِ مِن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم! كما قد يُفهم غلطًا مِن صيغةِ التَّفضيل في «أحقُّ»، فإنَّ صيغة (أفعلُ) قد تأتي في اللُّغة: لنَفْيِ مَعنًى عن شَيْئَين، لا تفضيلَ أحدهما على الآخر حقيقةً، نحو قولك: الشَّيطان خيرٌ مِن زَيدٍ، وأنت تعني فقط: لا خيرَ فيهما، ونحو قوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [الدخان: 37]، أي: لا خيرَ في الفَرِيقين كليهما(2).
فكأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أرادَ بهذه العَبارة: ما جَرَت به العادةُ في المخاطبةِ لمِن أرادَ أن يَدفعَ عن آخرَ شيئًا، فيقول: مهما أردتَ أن تقوله لفلانٍ مِن مَكروهٍ، فقُلْه ليَ، ويكون مَقصوده: لا تقُل ذلك أصلًا!(3) ومَحصول هذا الكلام -كما قال ابن حبَّان- أنَّه لفظةُ إخبارٍ، مُرادُها التَّعليم للمُخاطَب(4).
ولا يخفى على سَليمِ الذَّائقةِ ما أُفعِمت به العِبارة النَّبويَّة مِن حِسِّ التَّواضعِ الجميل، والأدبِ الجليلِ، مع أبِ الأنبياءِ الخليل، عليهما أفضل الصَّلاة والتَّسليم.
وأمَّا الجواب عن دعوى المخالِفِ في المعارضةِ الثَّانية: أنَّ الحديثَ يُندِّدُ بلوطٍ عليه السلام إذ لم يلتجِئ في غفلةٍ منه إلى الله تعالى، فاستُغفر له لأجل ذلك، فيُقال فيه:
إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عَنى بالحديثِ قولَ الله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي--------------------------------------------
(1) انظر «معيار العلم» للغزالي (ص/151)، و «تقريب الوصول» لابن جزي (ص/153)، و «المفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (23/ 141).
(2) نقله عن «الأمثال السَّائرة» للصَّاحب بن عبَّاد: زكريا الأنصاري في «منحة الباري» (6/ 455 - 456)، والجرجاوي في «شرح التَّصريح» (2/ 103).
(3) ذكر هذا التأويلَ النَّووي في «شرحه على مسلم» (2/ 242) عن قوَّام السُّنة الأصبهاني.
(4) «صحيح ابن حبَّان» (14/ 90).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1505)