Arabic source text

📘 আল-মুআরাদাতুল ফিকরিইয়াতুল মুআসিরাহ লি-আহাদীসিস সাহীহাইন (মুহাম্মদ বিন ফরিদ যারইউহ)

📘 المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (محمد بن فريد زريوح)

📘 আল-মুআরাদাতুল ফিকরিইয়াতুল মুআসিরাহ লি-আহাদীসিস সাহীহাইন (মুহাম্মদ বিন ফরিদ যারইউহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المَطلب الثَّاني
تعليلُ الشَّيخين لأحاديث تناقض متونها
المعروفَ مِن رَأيِ راوِيها ومَذْهَبِه (1)
فمِن أمثلةِ هذا عند البخاريِّ:
ما أخرجه(2) مِن طريق عبد الملك بن عُمير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة رضي الله عنه مَرفوعًا: «مَن صلَّى على جنازةٍ فله قيراط»(3).
ثمَّ ساق إسنادًا آخر لهذا الحديث، قال فيه: «وقال ابن أبي خالد، سمع سالمًا أبا عبد الله البرَّاد، سمِعَ ابنَ عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مِثلَه».
فأنكرَ أن يكونَ هذا الحديث مَن روايةِ ابن عمر، لأنَّ هذا كان يُنكر على أبي هريرة هذا الخبر! فقال: «وهذا لا يصحُّ، لأنَّ الزُّهري قال عن سالم: إنَّ ابن عمر أنكرَ على أبي هريرة، حتَّى سأل عائشة!»(4).
فها هو البخاريُّ يستبعِد أن يكونَ الحديثُ عن ابن عمر، مع كونِ راوِيه (إسماعيل بن أبي خالد) ثقةً في نفسِه! بل هو أوثقُ عند النُّقادِ مِن (عبد الملك بن--------------------------------------------
(1) انظر هذا المسلك في التَّعليل في «شرح علل الترمذي» لابن رجب (1/ 158).
(2) في «التَّاريخ الكبير» (2/ 273).
(3) أخرجه البخاري (ك: الجنائز، باب: من انتظر حتى تدفن، رقم: 1325)، ومسلم (ك: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، رقم: 945).
(4) وقال في جوابه للترمذي في «علله الكبير» (ص/148): «حديث ابن عمر ليس بشيءٍ».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)

عُمير) راوي الحديث عن أبي هريرة! لكنَّ البخاريَّ مع ذلك يُقدِّم روايةَ عبد الملِك عليه، لأنَّ متنَها معروفٌ عن أبي هريرة، مخالفٌ للمعروفِ من ابن عمر.
فلم يَرُج على البخاريِّ نقاوةُ الإسنادِ كما «راجَ على الحافظِ الضِّياء، فأخرج هذا الحديث في (المُختارة)؛ وهو معلول كما ترى»(1).
ومثال هذا الباب عن البخاريِّ أيضًا:
ما رواه(2) عن مُسدَّد: حدَّثنا عيسي بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن استقاءَ فعليه القَضاء»(3).
قال البخاريُّ: «ولم يصحَّ»، وفي رواية: «ما أرَاه مَحفوظًا»(4).
فمع أنَّ سَند الحديثِ ظاهرُ الصِّحة، إلَّا أنَّ البخاريَّ ردَّه، عادًّا إيَّاه مِن أوهامِ هشام -وهو ابن حسَّان- نظرًا إلى مخالفةِ متنِه للمعروفِ الثَّابتِ عن أبي هريرة رضي الله عنه بنفيِه الفطرِ بالقيءِ مُطلقًا؛ كالَّذي أخرجه في نفسِ هذا المَوطن مِن حديثِ عمر بن حَكم بن ثوبان، أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: «إذا قاءَ أحدُكم، فلا يفطِر، فإنمَّا يُخرِج ولا يُولِج».
وأمَّا مثاله عند مسلم:
فما رواه تحت ما ترجمه بـ «خبر آخر غير محفوظ المتنِ»(5)، من طريق:
عمر بن عبد الله ابن أبي خَثعم، حدَّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،--------------------------------------------
(1) «إطراف المسند المعتلي» لابن حجر (3/ 396)؛ وبغض النَّظر عن إمكان توجيهِ روايةِ إسماعيل عن ابن عمر، فالقصد هنا إثبات تعليل البخاري للمتن من وجهة نظره هو.
وقد أشار الدَّارقطني في «العلل» (11/ 16) إلى متابعة (القاسم بن أبي بزَّة) لرواية (عبد الملك بن عُمير) عن سالم البرَّاد عن أبي هريرة، وترجيحه لها على رواية بن أبي خالد عن البرَّاد عن ابن عمر.
(2) في «التَّاريخ الكبير» (1/ 91).
(3) أخرجه الترمذي في «الجامع» (ك: الصوم، باب: ما جاء في من استقاء عمدا، رقم: 720)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الصيام، باب: ما جاء في الصائم يقيء، رقم: 1676)
(4) «علل الترمذي الكبير» (ص/115).
(5) في «التَّمييز» (ص/177).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)

عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما الطَّهور بالخُفَّين؟ قال: «للمُقيمِ يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ»(1).
يقول مسلم: «هذه الرِّواية في المسحِ عن أبي هريرة رضي الله عنه ليست بمَحفوظة، وذلك أنَّ أبا هريرة لم يحفَظ المسحَ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، لثبوتِ الرِّوايةِ عنه بإنكارِه المسحَ على الخُّفين .. »، قال: «ولذلك أضعفَ أهلُ المعرفةِ بالحديثِ عُمرَ بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباهَم مِن نَقلة الأخبار، لرِوايتهِم الأحاديثَ المُستنكَرة الَّتي تُخالف رواياتِ الثِّقاتِ المَعروفين مِن الحُفَّاظ».--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الطهارة، باب: التوقيت في المسح، رقم: 157)، والترمذي في «الجامع» (ك: الطهارة، باب: المسح على الخفين للمسافر والمقيم، رقم: 95)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، رقم: 552).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)

‌‌المَطلب الثَّالث
إعلالُ الشَّيخين للحديثِ إذا خالفَ متنُه
الصَّحيح المشهورَ مِن سُنَّةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم
وهذا النَّوع مِن التَّعليل من أكثرِ ما يستعمله الشَّيخان في نقدِ المتون، وقد رَدَّ النُّقادُ كثيرًا مِن الأحاديث بهذه العِلَّة(1).
فمِن أوضحِ أمثلتِه عند البخاريِّ:
ما أخرجه(2) عن عبد الله بن مالك اليحصُبي، عن عقبة بن عامر:
أنَّ أختَه نَذَرت أن تحُجَّ ماشيةً، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: (لِتحُجَّ)، وقال بعضهم: (ولتُهدي»)، قال البخاريُّ: «ولا يصحُّ فيه الهَديُ، لقولِ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مَن نَذَر أنْ يَعصي الله فلا يَعصِه» اهـ.
يشير البخاريُّ في هذا النَّص إلى حديثِ عقبة بن عامر في شأنِ أختِه الَّتي نَذَرت أن تذهبَ إلى الكعبة راجِلةً، وقد اختلَفَت الرَّوايات في جوابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم له، وأغلبُها مَدارها على عِكرمة، ورُواتها ثقات، فمنها: ما فيه أمرها بالرُّكوب والصَّوم ثلاثة أيَّام، ومنها: ما فيه الرُّكوب والهدي، والرِّواية الَّتي اختارها الشَّيخان في «صحيحيهما» تقتصرُ على الأمرِ بالرُّكوب فقط، دون إلزامٍ بكفَّارة(3).--------------------------------------------
(1) كالإمام أحمد وأبي حاتم الرازي، انظر «منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث» (2/ 934).
(2) في «التَّاريخ الكبير» (5/ 204).
(3) انظر تخريج هذه الرِّوايات في «فتح الغفَّار» للرُّباعي (4/ 2040)، و «إرواء الغليل» للألباني (8/ 218).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)

ولِذا اختارَ البخاريُّ لهذا الحديثِ في «صحيحه»(1) إسنادًا آخر إلى عقبة رضي الله عنه ليس فيه عكرمة، ولفظ متنِه فيه: «لتَمشِ ولتركبْ»، لأجل أن يُوافق المشهورَ من سُنَتِّه صلى الله عليه وسلم في أحاديث خرَّجها هو نفسه في «صحيحه»(2)، والَّتي تخلو من ذكر كفَّارةٍ على النَّاذِر، لا بصيامٍ ولا هدي.
وهنا نلحظ أنَّ البخاريَّ لم يسلُك في هذا المثالِ ما سَلكه بعض العلماء من طريقة التَّوفيق بين هذه الرِّوايات(3)؛ فليس هو مِمَّن يقنع بهذا المنهج المُتكلَّف، وإنَّما يأخذ بالرِّواياتِ المَشهورة الثَّابتة، ويردُّ ما عَداها ولو كانت بأسانيدِ جيِّدةً في ظاهرِها، إذ الأخذُ بالأصحِّ في مثل هذه الحالات أوْلى عنده مِن تعسُّفِ التَّأويلات(4).
فكان من حصيفِ تَعاملِ الشَّيخينِ مع الأخبارِ، أنَّ الحديثَ الضَّعيفَ لا يَلتفِتانِ إليه ولا يُعارِضان به الصَّحيحَ، ولا يشتغلانِ بتأويلِه، ما داما يَريانِ في إسنادِه خَلَلًا(5).--------------------------------------------
(1) في (ك: الحج، باب: من نذر المشي إلى الكعبة، رقم: 1866).
(2) أوردها في (ك: الأيمان والنذور، باب: النذر في ما لا يملك وفي معصية).
(3) كما تراه عند الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (5/ 399) قال: «إنَّه لا تضادَّ في شيء من ذلك ولا اختلاف فيه؛ لأنَّ أخت عقبة بن عامر كان في نذرها المشي إلى بيت الله لحجِّها، وكان ذلك من الطَّاعات لا من المعاصي، فوجب عليها، فلما قصُرت عنه أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما يُؤمر به من قصر في حجِّه عن شيءٍ منه، من طوافٍ محمولًا مع قدرته على المشي وهو الهدي، وكانت في نذرها بمعنى الحالفة لكشفها شعرها في مشيِها، فلم يكن منها ما حلفت عليه، لمنع الشَّريعة إيَّاها عنه، فأُمرت بالكفَّارة عنه، كما يُؤمر الحالف بالكفَّارة عن يمينه إذا حنث فيها».
(4) انظر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة ردها الشافعي لمخالفة متونها للمشهور من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه «اختلاف الحديث - ملحق بكتابه الأم» (ص/623، 633، 634)؛ وذكر بعض الباحثين عدَّة أمثلةٍ على ذلك من ردِّ البخاريِّ لبعض ما صحَّحه غيره بهذه العلَّة، كما في رسالة دكتواره «منهج الإمام البخاري في التعليل» لـ د. أحمد عبد الله أحمد (ص/250، 255، 264، 265، 276، 283).
(5) «منهج الإمام البخاري في التعليل» لأحمد عبد الله (ص/291).

خلافًا لمِا قد نجده في بعضِ كُتب «مختلفِ الحديث» ممَّن ينزل أصحابها عن درجةِ البخاريِّ في معرفة الحديث، حيث تكلَّفوا التَّوفيق بين بعضِ الصِّحاح والضِّعاف، كما تراه -مثلًا- في «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، عند كلامِه على حديث «نية المرء خير من عمله» (ص/224)، و «صيام رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» (ص/352)، وكلاهما ضعيفان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)

ومثاله الآخر عند البخاريِّ:
ما رواه(1) مِن حديثِ حُصين بن عبد الرَّحمن، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري في أكلِ بعضِ الصَّحابةِ الضَّب، وفيه: «فلم يأكل صلى الله عليه وسلم ولم يَنْهَ»(2).
وقد تابع حصين بن عبد الرَّحمن كلٌّ مِن: عديِّ بن ثابت، ويزيد بن أبي زِياد، عن زيد بن وهب به.
أمَّا الأعمش فخَالفهم، فرواه هو عن زيد بن وهب، عن عبد الَّرحمن بن حسنة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأكفِئوها»(3).
فلم يتردَّد البخاريُّ في الحكم بخطأِ الأعمش في روايتِه هذه، مع أنَّ مخرجَها غير مخرج الأولى؛ فهما بهذا حديثان مستقلَّان! فلم تمنعه إمامةُ الأعمش البخاريَّ مِن توهيمِه، مُحتجًّا فيما احتجَّ به بغلط متنِه، فقال: «وحديث ثابتٍ أصحُّ، وفي نفس الحديثِ نَظر! قال ابن عمر رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا آكله ولا أحرِّمه»، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه: «لو كان حرامًا لم يُؤكل في مائدة النَّبي صلى الله عليه وسلم»(4).
ومثاله أيضًا عند البخاريِّ:
ما ذكره البخاريُّ في ترجمة (حَشْرج بن نَباتة)(5): أنَّه سمِع سَعيد بن--------------------------------------------
(1) في «التَّاريخ الكبير» (2/ 170).
(2) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الأطعمة، باب: في أكل الضب، رقم: 3795)، والنسائي في «الصغرى» (ك: الصيد والذبائح، باب: الضب، رقم: 4320)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الصيد، باب: الضب، رقم: 3238)
(3) قال البخاريُّ كما في «علل الترمذي» (ص/296): «ولم يُعرف أنَّ أحدًا روى هذا غير الأعمش».
(4) «التاريخ الكبير» (2/ 170).
(5) في كتابه «الضُّعفاء الصَّغير» (ص/54).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)

جُمهان، عن سفينة رضي الله عنه، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: «هؤلاء الخلفاء بعدي»(1).
فبيَّن البخاريُّ تفرُّدَ (حشرج بن نَباتة) بهذا الحديث، وأنَّه مِن أوهامِه باستنكاره لمتنِه، ولأجله أدخلَ حشرجًا في «الضُّعفاء(2) «! يقول: «وهذا حديث لم يُتابع عليه؛ لأنَّ عمر بن الخطاب وعليَّ بن أبي طالب قالا: «لم يستخلف النَّبي صلى الله عليه وسلم»(3).
فهذا الحديث لفظه صريحٌ في النَّص النَّبويِّ على خلافةِ أبي بكر رضي الله عنه ثمَّ صاحبيه مِن بعده، والثَّابت المعروفُ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يستخلف تصريحًا(4).
والبخاريُّ إذا أطلق «نفيَ المتابعة» على متنٍ من المتونِ، فالعادة أنَّه يريد به ردَّ الحديث(5).
وأمَّا مثال هذا البابِ عند مسلم:
فما رواه(6) من طريق أبي معاوية محمَّد بن خازم، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سلمة:
«أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَرها أن توافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة»(7).--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 103، رقم: 4533)، وابن أبي عاصم في «السنة» (1/ 198)، والحارث في «المسند» (2/ 621 - بغية الحارث).
(2) انظر العلل المتناهية لا بن الجوزي (1/ 210)، و «ميزان الاعتدال» للذهبي (2/ 310)، وأراد ابن حجر أن يتوسط بين تضعيف البخاري لحشرج وتوثيق أحمد وابن معين له فقال في «التقريب» (ص/169): «صدوق يهِم».
(3) وذكر البخاري هذا أيضا في «تاريخه الكبير» (3/ 117)، وفي «تاريخه الأوسط» (1/ 336).
(4) كما في «صحيح البخاري» (ك: الأحكام، باب: الاستخلاف، رقم: 7218)، و «صحيح مسلم» (ك: الإمارة، باب: الاستخلاف وتركه، رقم: 1823)، وانظر في هذه المسألة تفصيلا متينا لابن تيمية في «منهاج السنة» (6/ 443 - 456).
(5) انظر «الأحاديث التي قال فيها الإمام البخاري (لا يتابع عليه) في التاريخ الكبير» (ص/367).
(6) في «التَّمييز» (ص/121).
(7) أخرجه أحمد في «المسند» (44/ 96، رقم: 26492)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (9/ 139، رقم/3518)، والطبراني في «المعجم الكبير» (23/ 343، رقم: 799).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)

عقبَّ عليه مسلم ببيان علَّتِه فقال: «وهذا الخبر وَهم من أبي معاوية(1) لا من غيره، وذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الصُّبح في حجَّته يوم النَّحر بالمزدلفة، وتلك سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يأمر أمَّ سَلَمة أن تُوافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة وهو حينئذٍ يصلِّي بالمزدلفة؟!».
فقد أعلَّ مسلم الحديث لما رأى في مَتْنِه مِن فسادِ معارضته للمعروف مِن صلاتِه صلى الله عليه وسلم الصُّبحَ بمزدلفة، مُبيِّنًا مَوضعَ اللَّفظ الَّذي أفسد معناه بقوله: «إنَّما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال: تُوافي (معه»).
ومثاله أيضًا عند مسلمٍ:
ما رواه تحت باب «ذكرُ خبرٍ واهٍ تدفعه الأخبارُ الصِّحاح»(2)، مِن طريق سَلمة بن وردان، عن أنس رضي الله عنه:
«أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوَّجت؟»، قال: لا، وليس عندي ما أتزوَّج به! قال: «أليس معك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟»، قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ}؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!» قال: «أليس معك آية الكرسيِّ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ}؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!»، قال: «تزوَّج، تزوَّج، تزوَّج!»(3).--------------------------------------------
(1) يقول ابن حجر في «التقريب» (ص/475): «ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم فى حديث غيره، وقد رمى بالإرجاء».
(2) في «التَّمييز» (ص/141 - 143).
(3) أخرجه الترمذي في «جامعه» (ك: فضائل القرآن، باب: ما جاء في (إذا زلزلت)، رقم: 2895) غير أنه قال في (قل هو الله أحد: ثلث القرآن)، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأحمد في «المسند» (21/ 32، رقم:13309).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)

فقال مسلم: «هذا الخبر الَّذي ذكرناه عن سَلمة عن أنسٍ: خبرٌ يخالف الخبرَ الثَّابت المشهور، فنَقلَ عوامُّ أهل العدالة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الشَّائع من قولِه: «{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثُلث القرآن»، فقال ابن وردان في روايتِه: «إنَّها رُبع القرآن»، ثمَّ ذَكر في خبره مِن القرآن خمسَ سُور، يقول في كلِّ واحدٍ منها: «رُبع القرآن»، وهو مُستنكر غير مفهومٍ صحَّةُ معناه!».
هكذا أعلَّ مسلم الحديث بنظره المُستنكر لمتنِه، وهو يتعجَّبُ مِن سلمة بن وردان كيف جَعَل القرآن خمسةَ أرباع، كيف تكون خَمْسُ سُوَرٍ كلٌّ منها رُبُعًا للقرآن؟! والرُّبع رابعُ أربعة؛ على ما في متنِه مِن مخالفة الرِّوايات الصَّحيحة، في عدلِ سورةِ الصَّمدِ الثُّلثَ من القرآن لا الرُّبع؛ فهذا أحدُ الأحاديث الَّتي استُنكرت على ابنِ وردان، ولأجلِها ضُعِّف(1).--------------------------------------------
(1) قال ابن حبان: «كان يروى عن أنس أشياء لا تشبه حديثه، وعن غيره من الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، كأنه كان قد حطَمه السِّن، فكان يأتى بالشئ على التوهم حتى خرج عن حد الاحتجاج»، وقال ا بن عدى: «وفى متون بعض ما يرويه أشياء منكرة يخالف سائر الناس»، انظر «تهذيب الكمال» (11/ 326).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)

‌‌المَطلب الرَّابع
وقوع الاضطراب في إسنادِ حديث، مع ظهور نكارة في متنه سَبيلٌ عند البخاريِّ لردِّه، دون أن يتشاغلَ بترجيحِ إحدَى أوجُه الاضطراب
وهذا مِن توظيفِه للنَّقدِ المتنيِّ في ردِّ الحديثِ، مقابلَ مَن قد يقبل مثل هذه الصُّورة من المُحدِّثين بدَعوى أنَّ تعدُّد الطُّرق تُعطيه قوَّة(1).--------------------------------------------
(1) مثاله «حديث ردِّ الشَّمس لعليِّ بن أبي طالب ليصليَّ العصر»، قال الإمام أحمد: «لا أصل له» وتبعه ابن الجوزي فأورده في «الموضوعات»، ولكن صحَّحه الطَّحاوي والقاضي عياض، كما في «كشف الخفاء» للعجلوني (ص/490).
يقول الجوزقاني في «الأباطيل والمناكير» (1/ 311) نقدًا لمتنِه: «فرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عليٍّ، وكذلك عمر بن الخطاب خير من عليِّ، فلم تُرد الشَّمس لهما، وصلَّيا بعد ما غربت الشَّمس، فكيف رُدَّت الشَّمس لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؟!».

وقد أملى أبو القاسم الحسكاني مجلسًا في هذا الحديث فقال: «رُوي ذلك عن أسماء بنت عميس، وعليٍّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد بأسانيد متَّصلة»، فتعقَّبه الذَّهبي في تلخيصه لـ «كتاب الموضوعات» (ص/118) قائلًا: «لكنَّها ساقطة ليست بصحيحة، .. ثمَّ نقول: لو رُدَّت لعليٍّ رضي الله عنه لكان بمجرَّد دعاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لمَّا غابت خرج وقت العصر، ودخل وقت المغرب، وأفطر الصَّائمون، وصلَّى المسلون المغرب، فلو رُدَّت الشَّمس للزم تخبيط الأمَّة في صومِها وصلاتها، ولم يكن في ردِّها فائدة لعليٍّ رضي الله عنه؛ إذ رجوعها لا يعيد العصر أداءً، ثمَّ هذه الحادثة العظيمة لو وقعت لاشتهرت، وتوفرَّت الهِمم والدَّواعي على نقلِها، إذ هي في نسق العادات جارية مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)

فقد ردَّ الحديثَ المُختلف في إسنادِه: «أُمَّتي أمَّةٌ مَرحومة، جُعِل عذابُها بأيدِيها في الدُّنيا»(1)، حين رَأى مَتْنَه يخالف المشهورَ الثَّابتَ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الشَّفاعةِ؛ مع أنَّ في «صحيحه» بعضُ أحاديث وَقع اختلاف في أسانيدها أشدَّ ممَّا وقع في هذا الحديث(2)، لكن لِما رآه في متنِه مِن مخالفة انحازت نفسُه إلى ردِّ الحديث.
ومثاله أيضًا عند البخاريِّ:
ما رواه(3) من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه مرفوعًا: «بَنيَّ أفيضوا، ولا تَرموا الجمرةَ، حتَّى تطلُعَ الشَّمس»(4).
قال: «حديث الحَكم هذا عن مِقسم مضطرب .. ، ولا يُدرى الحَكم سمِع هذا من مقسم أم لا».
ثمَّ أردف هذا التَّعليل الإسناديَّ ببيانِ مخالفةِ متنِه لخمسةِ أحاديث تُثبت أنَّ الَّذين رخَّص لهم في الانصراف من مُزدلفة بليلٍ قد رموا جمرةَ العَقبة قبل طلوع الشَّمس، ثمَّ قال: «وحديث هؤلاء أكثرُ في الرَّمي قبل طلوع الشَّمس، وأصحُّ».
فقد ضمَّ البخاريُّ إلى نفيِه المتابعة عن هذين الحديثين السَّابقين الإشارةَ إلى جهالة السَّماع في هذا الحديث المنتقد، وفي هذا إناطة للعلَّة المتنيَّة بموضعِها المحتَملِ في الإسناد(5).--------------------------------------------
(1) انظر «التاريخ الكبير» (1/ 40).
(2) انظر أمثلة ذلك في «منهج الإمام البخاري في التعليل» (ص/292).
(3) في «التَّاريخ الأوسط» (1/ 439).
(4) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: المناسك، باب: التعجيل من جمع، رقم: 1940)، والترمذي في «الجامع» (ك: الحج، باب: ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، رقم: 893) وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه في «السنن» (ك: المناسك، باب: من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمرات، رقم: 3025).
(5) انظر «الأحاديث التي قال فيها الإمام البخاري (لا يتابع عليه) في التاريخ الكبير» لـ د. عبد الرحمن الشايع (ص/370).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)

‌‌المَطلب الخامس
إشارة البخاريِّ لنكارة المتنِ تعضيدًا لما أعلَّ به إسناده
فمن أمثلتِه عنده: قوله(1): رَوى حمَّاد بن سَلمة، عن عليِّ بن زيد، عن أبي نَضرة: «أنَّ معاوية رضي الله عنه لمَّا خَطب على المنبر، قام رجل فقال -قال: ورَفَعه-: «إذا رأيتموه على المِنبر فاقتلوه»، وقال آخر: اكتبوا إلى عمر، فكتبوا، فإذا عمر قد قُتل»(2).
عَلَّل البخاريُّ إسنادَه بقولِه: «وهذا مُرسل، لم يشهد أبو نضرة تلك الأيَّام».
ثمَّ عرَّج على نكارةِ متنِه، فقال: «وقد أدركَ أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم معاوية أميرًا في زمان عمر، وبعد ذلك عشرين سنةً، فلم يقُم إليه أحدٌ فيقتله، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه الأحاديث ليس لها أصول، ولا يثبُت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم خَبرٌ على هذا الَّنحو في أحدٍ مِن أصحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم».
فلأجل هذه النَّكارة الشَّديدة في متنِه، حكم كثيرٌ من النُّقاد على الحديث بالوَضعِ(3).--------------------------------------------
(1) في «التَّاريخ الأوسط» (1/ 136).
(2) أخرجه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (2/ 382)، والعقيلي في «الضعفاء» (3/ 280)، والجورقاني في «الأباطيل والمناكير» (1/ 350).
(3) انظر «الأباطيل والمناكير» (1/ 351)، و «الموضوعات» (2/ 24 - 27) و «البداية والنهاية» (11/ 434).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)

‌‌المَطلب السَّادس
ترجيح الشَّيخين لإسناد على آخرَ أو لفظٍ في متنٍ على ما في متنٍ آخر، بالنَّظر إلى أقومِ المتون دلالةً
فمِن أمثلة ذلك عند البخاريِّ:
ما نقله التِّرمذي عن البخاريِّ قال: «سألت محمَّدًا -يعني البخاريَّ- عن حديث الحسن: «خَطَبنا ابنُ عبَّاس رضي الله عنه فقال: «إنَّ رسول الله رضي الله عنه فرضَ صدقةَ الفِطر»، فقال البخاريُّ: «روى غيرُ يزيد بن هارون، عن حُميد، عن الحسن قال: «خَطبَ ابن عبَّاس».
يقول التِّرمذي: «وكأنَّه رأى هذا أصحَّ، وإنَّما قال محمَّد هذا: لأنَّ ابن عبَّاس كان بالبَصرة في أيَّام علي رضي الله عنه، والحسن البصريُّ في أيَّام عثمان وعليٍّ كان بالمدينة»(1).
فرجَّح البخاريُّ أن تكون صيغة التَّحديث مِن غير الضَّمير المُتَّصل (نا)، لأنَّ الحسن كان غائبًا عن البصرة وقتَ خُطبة ابن عبَّاس بها.--------------------------------------------
(1) «العِلَل الكبير» للتِّرمذي (ص/108).
وينقل البيهقي «السنن الكبرى» (4/ 283) عن الحاكم النَّيسابوري أنَّه أجاب عن قول الحسن: «خطبنا ابن عباس بالبصرة» قال: «إنَّما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، الحسن لم يسمع من ابن عباس»، يعني أن الحسن عنى أن ابن عباس خطب أهل البصرة وهو منهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)

ومثاله أيضًا عند البخاريِّ:
قوله(1): قال لي عبد الله بن محمَّد: حدَّثنا هشام قال: حدَّثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أدري أَعُزيرٌ نبيًّا كان أم لا، وتُبَّع لَعينًا كان أم لا، والحدود كفَّارات لأهلها أم لا»(2).
فهذا إسناد مرسل؛ قد ساق البخاريُّ عقبه طريقًا آخر عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: «والأوَّل أصحُّ، ولا يثبت هذا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: الحدود كفَّارة»(3).
فقد رجَّح البخاريُّ فيهما الإرسالَ على الوَصل، كون المتن المُستنكَر أوْلى بذلك الإسنادِ المنقطع من المَوصول.
وأمَّا مثاله عند مسلم:
فما ذكره عند تعليلِه روايةَ من قصر سند حديثَ جبريل عليه السلام على ابن عمر رضي الله عنه، فقال: «ذَكرنا روايةَ الكوفيِّين حديثَ ابن عمر رضي الله عنه في سؤال جبريل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام، وقد أوهموا جميعًا في إسناده! إذ انتهوا--------------------------------------------
(1) في «التَّاريخ الكبير» (1/ 152).
(2) أخرجه من حديث أبي هريرة: الحاكم في «المستدرك» (2/ 17، رقم: 2174)، والبزار في «المسند» (15/ 176، رقم:8541)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الأشربة والحدود فيها، باب: الحدود كفارات، رقم: 17595).
(3) وقد رجَّح غير واحد من الأئمة الوجه المرسل الذي رواه هشام بن يوسف الصَّنعاني عن معمر، على الوجه الموصول الذي رواه عبد الرزاق عن معمر من جهة تقديمهم لهشامٍ على عبد الرَّزاق، فهو من أقرانِه، لكنَّه أجلُّ منه وأتقن. انظر سير أعلام النبلاء (9/ 580).
وقد أبان البخاريُّ أنَّ من أسباب تعليله للحديث: كون حديث «الحدود كفارة» متقدم عن الحديث الأوَّل في نفي العلم بكونه كفارة، لأنَّه من حديث عبادة رضي الله عنه وقد كان في بيعة العقبة الأولى، وقد أسلم بعده أبو هريرة بسبع سنين عام خيبر، بيد أنَّ ابن حجر في «الفتح» (1/ 66) خالف البخاريَّ ورجَّح صحَّة حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا .. » وأنَّ البيعة التي ورد فيها الحديث وقعت بعد فتح مكة عند نزول سورة الممتحنة، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)

بالحديث إلى ابن عمر رضي الله عنه، حُكي ذلك من حضورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام.
وإنَّما روى ابن عمر رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه هو الَّذي حَضر ذلك دون أن يحضره ابن عمر، ولو كان ابن عمر عايَن ذلك وشاهده لم يجُز أن يحكيه عن عمر!»(1).
والأمثلة غير هذه كثيرة جدًا مِن ممارساتِ الشَّيخينِ لنقدِ الأحاديث بالنَّظر إلى حال مدلولات متونها؛ وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) «التَّمييز» (ص/153).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)

‌‌المَبحث الخامس عشر
غمز البخاريِّ في فقهِه للمتون بدعوى اختلالِ ترجماته للأبواب ونكارةِ فتواه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)

‌‌المَطلب الأوَّل
عبقريَّة البخاريِّ في صناعة «صحيحه»
البخاريُّ مجتهد مُطلق، وفقيهٌ اكتسابًا وتحصيلًا، أوْقَد فيه مَلَكةَ التَّفقُّه عنايتُه الشَّديدةُ بالقرآن، واطِّلاعُه الفسيحُ على السُّنةِ وآثارِ الصَّحابة والتَّابعين، حتَّى أذعنَ لفهمِه علماءُ الحَرَمَينِ، فأقرُّوا له بالإمامةِ والفقه(1).
فهذا شيخُه إسحاق ابن راهُويه (ت 238 هـ) إمامُ الفقه والحديث، لم يستنكف أن يُوصي بالبخاريِّ طُلَاّبَه، يحثُّهم عليه بقوله: «اكتبُوا عن هذا الشَّاب، فلو كان في زَمنِ الحسنِ، لاحتاجَ إليه النَّاس، لمعرفتِه بالحديثِ وفقهِه»(2).
هذه الحِرفة العقليَّة والطَّبعُ الفقهيٍّ في البخاريِّ، اصطَبَغ به كتابُه «الجامع» اصطباغًا ظاهرًا، فاشتهرَ عند المُتمرِّسين بمَعانيِ المَنقولِ أنَّ «فقهَ البخاريِّ في تَراجِمه»(3)،
كونُه التزَمَ مع انتقاءِ الصِّحاحِ من الأحاديث استنباطَ الفوائدَ الفقهيَّة،--------------------------------------------
(1) «سير أعلام النبلاء» (12/ 425).
(2) «سير أعلام النبلاء» (12/ 425)، و «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/307).
(3) «التوضيح» لابن الملقن (1/ 87)، و «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/13).

يقول العَينيُّ: «فقه البخاري في تراجمه، له محملان، أحدهما: أن مسائل الفقه المختارة عنده تظهر من تراجمه، وثانيهما: أن ذكاءه يظهر من تراجمه، والبخاري سابق الغايات في وضع التراجم، فإنه قد تحيرت العقلاء فيها؛ وأسهل التراجم تراجم الترمذي، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي، واقتفى النسائي في تراجمه أثر شيخه البخاري، وبعض تراجمهما متحدة حرفًا حرفا، .. وما وضع مسلم بنفسه التراجم»؛ «العُرف الشَّذي» للكشميري (1/ 10).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 631)

والنُّكتَ الحكميَّة، والتَّعليق على إثرِها برأيهِ أحيانًا، مُستشهِدًا في ذلك كلِّه بآثارِ الصَّحابةِ والتَّابعين، إذْ لم يكُن «مَقصوده الاقتصارَ على الأحاديثِ فقط، بل مُراده الاستنباط منها، والاستدلالُ لأبوابٍ أرادَها»(1).
فكان مِن أسبابِ تفضيلِ العلماءِ -مُحدِّثين وفقهاءَ- لـ «صحيحِه» على سائرِ دواوين السُّنة، وتلقِّيهم إيَّاه بالقَبول، وانكبابِهم على دراسته وتدريسه: هذا الاهتمامُ من صاحبِه بوضعِ تراجم فريدةٍ مُمتعةٍ لأبوابِه، تضمَّنت كثيرًا مِن المعاني الغامضة، والاستنباطات الدَّقيقة.
يقول ابن حجر عن هذا النَّجيز: «الجهة العُظمى الموجبة لتقديمه، هي ما ضَمَّنه أبوابَه مِن التَّراجم الَّتي حَيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنَّما بَلغت هذه الرُّتبة، وفازت بهذه الحُظوة، لسببٍ عظيمٍ أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد ابن عديٍّ، عن عبد القدُّوس بن همَّام قال: شهدت عدَّة مشايخ يقولون: حَوَّل(2) البخاريُّ تراجمَ جامعِه بين قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم ومِنبرِه، وكان يصلِّي لكل ترجمة رَكعتين (3»)(4).
فكان أجلى لمسات الإبداعِ مِن البخاريِّ في مُصنَّفه مُتجلِّيةً في صياغتِه لتلك التَّراجم، وحُسنِ اقتناصِه لعجائب المعاني من الأحاديث الَّتي يسوقها في تبويباتِه، مُعربًا عن فهمٍ ميَّزه الله به عن أقرانِه من فقهاءِ أهل الحديثِ.
بذا نستطيعُ تلمُّحَ بعضٍ من أسرار عبقريَّة البخاريِّ في «صحيحِه»، تتَجلَّى بادئ الرَّأي في ثلاثِ ميزاتٍ أصبَغها كتابَه:
الأولى: اشتراطه لأعلى مَراتبِ الصِّحة في الحديث.
الثَّانية: دقَّة الاستنباطِ للمَعاني في التَّراجم.--------------------------------------------
(1) «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/8).
(2) أي: بيَّضَ.
(3) رواه ابن عدي في «أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري» (ص/61).
(4) «هُدى السَّاري» (1/ 13).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 632)

الثَّالثة: التَّناسب بين الكُتبِ والتَّراجم والأحاديث.
وفي تقرير هذه الميزاتِ الثَّلاث في البخاريِّ، يقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت 295 هـ)(1): «إنَّ أحدًا مِن المُحدِّثين لم يبلُغ مِن التَّشدد مبلغَ أبي عبد الله، ولا تَسبَّب إلى استنباطِ المعاني، واستخراجِ لطائفِ فقهِ الحديثِ، وتراجمِ الأبواب الدَّالة على ما له وَصلةٌ بالحديثِ المَرويِّ فيه تسبُّبَه، ولله الفضلُ يختصُّ به مَن يشاء»(2).
ومع ما أنعم الله عليه به على البخاريِّ من هذه الفضائل العزيزة في الفهم والتَّصنيف، إلَّا أنَّه قد حَظِيَ بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن طعونِ المُعاصرينَ في فقهِه للنُّصوصِ، وامتازَ عن سائرِ المُحدِّثين بمَوفورِ التَّشكيكِ في فهمِه واستيعابِه لمَرامِ الأحاديث، ليخلُص أقوامٌ من مناوئيه إلى نزعِ أهليَّته في تَميِيزِ صِحاح المتونِ مِن مُنكراتِها؛ والجواب على عليهم مُضمَّن تفصيلًا في المَطالب التَّالية:--------------------------------------------
(1) محمد بن إسماعيل بن مِهْران الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ: إِمَام أهل جرجان والمرجوع إِلَيْهِ فى الْفِقْه والْحَدِيث وَصَاحب التصانيف، منها «المستخرج على صحيح البخاري»، انظر «أعلام النبلاء» (14/ 117).
(2) «هدى السَّاري» (ص/11).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 633)

‌‌المَطلب الثَّاني
انغلاق فهم بعض المُعاصرين عن إدراك وجه المُناسبة
بين تراجمِ البخاريِّ وأحاديثِها سبيل عندهم لتسفيهِه
المُتقرَّر عند مُصَنِّفي الحديثِ شَرطُ صِحَّةِ التَّرجمةِ بتَحَقُّقِ المناسبةِ بينها وبين المُترجَم له(1)، فإنَّ كثيرًا مِمَّن نظر في تراجم أبواب البخاريِّ تَعَسَّر عليهم الرَّبطُ بينها وما انتقاه تحتها مِن أخبار؛ ذلك أنَّ البخاريَّ لم يخُض نفسَ الأساليبِ التَّأليفيَّة، والمناهج الوَضعيَّة الَّتي جَرى عليها المُحدِّثون وقتَه في تصنيفِ العلومِ، بل نحى طريقًا خاصًّا في التَّدوينِ، لم يقتصر فيه على مُجرَّدِ ما يَتبادر مِن النُّصوصِ مِن مَعاني.
فلقد كان البخاريُّ في تراجمِه سَبَّاقَ غاياتٍ، وصاحبَ آياتٍ في وَضعِ تراجمَ لم يُسبَق إليها، لم يَستطع أن يُحاكيه أحَدٌ مِن المتأخِّرين في طريقتها، حتَّى نَبَّه على مسائل مَظانِّ الفقه مِن القرآن، بل أقامَها منه، ودَلَّ على طُرق التَّأنيس منه، وبه يتَّضح ربطُ الفقه والحديث بالقرآن بعضِه ببعض.
فكانت تراجمُه صورةً حَيًّة لاجتهادِه وعَبقريَّته في مَنهجيته(2)، جامعًا في كتابِه المُباركِ «العِلْمين والخَيْرين الجَمَّين، حازَ كتابُه مِن السُّنةِ جَلالَتها، ومِن--------------------------------------------
(1) «توضيح الأفكار» للصنعاني (1/ 44).
(2) «فيض الباري» للكشميري (1/ 35).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 634)