العامة فإذا امتنع رفع النوع فامتناع رفع الجنس أولى وليس هذا موضع الكلام في هذه الأقوال ولكن نذكر جوابًا عامًّا فنقول كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرًا أنه خارج العالم فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماسًّا أو مباينًا أو لا يلزم فإن لزم أحدهما كان ذلك لازمًا للحق ولازمُ الحق حق وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بُعدِ الأشياء عنه ولكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة عليه وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسًّا أو مباينًا فقد اندفع السؤال فهذا الجواب هنا قاطع من غير حاجة إلى تغيير القول الصحيح في هذا المقام وبين من قاله إنه فوق العرش ليس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 127)
بمباين له ولا مماس كما يقوله من الكلابية والأشعرية من يقوله من اتبعهم من أهل الفقه والحديث والتصوف والحنبلية وغيرهم إن كان قولهم حقًّا فلا كلام وإن كان باطلاً فليس ظهور بطلانه موجود قائم بنفسه مع وجود قائم بنفسه أنه فيه ليس بمماس ولا مباين له وأنه ليس هو فيه ولا هو خارجًا عنه ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال فقلنا لهم إذا كان يوم القيامة أليس إنما الجنة أو النار والعرش والهواء إلى آخره فبيَّن أن موجب قولهم أن يكون بعضه على العرش وبعضه في الجنة وبعضه في النار وبعضه في الهواء لأن هذه هي الأمكنة التي ادَّعَوا أن الله فيها فيتبعَّض ويتجزأ بتيعُّض الأمكنة وتجزُّئها وذكر أنه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله لأن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 128)
الناس في الدنيا قد آمنوا بالغيب وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة فإذا ظهر لهم أن هؤلاء يقولون إنه يكون في الآخرة كما كان في الدنيا متفرقًا متجزئًا لم يمكن أن يراه أحد ولا أن يحايث أحدًا ولا أن يختص أولياؤه بالقرب منه دون أعدائه بل يكون في النار مع أعدائه كما هو في الجنة مع أوليائه فظهر بذلك من كذبهم على الله ما لم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا وقال عبد العزيز الكناني في رده على الجهمية بعد أن بيَّن أنه على العرش وأجاب عما احتجوا به ثم قال ولكن يلزمك أنت أيها الجهمي أن تقول إن الله عز وجل محدود وقد حوته الأماكن إذ زعمت في دعواك أنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 129)
البيت والماء في الحِبِّ والبيت قد حوى فلانًا والحِبُّ قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله حلّ في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد وكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك أيضًا أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًّا فبما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع الشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه إذا كان شيئًا ماخلا من القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 130)
أو خارجًا عن الشيء فوصفته لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 131)
فصل ثم ذكر الرازي الحجة الثانية لمثبتي الجهة فقال وثانيها أنه كما لا يُعقَل موجود خاليًا عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يُعقَل موجود ليس في العالم ولا خارج العالم ولا فوق العالم ولا أسفل العالم ولا قُدَّام العالم ولا خلف العالم ولا يمين العالم ولا شمال العالم ولو جاز إثبات موجود غير موصوف بهذه الأوصاف جاز إثبات موجود غير موصوف لا بالقدم ولا بالحدوث وذلك سفسطة وهذه الحجة تشبه ما ذكره في التأسيس من كون المنازعين له يقولون إن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه معلوم بالضرورة العقلية امتناعه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 132)
ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانيًا من أن ذلك غير معقول فهو ممنوع لأن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياسُ أحدهما على الآخر بعيد قال وأيضًا فالعقل يأبى إثبات موجود في جهة لا يمكن أن ينسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون من أن يقال الباري تعالى
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 133)
مساوٍ للعرش أو أعظم أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته قلت والكلام على هذا من وجوه أحدها أن كون الموجود إما داخل العالم وإما خارجه مثل كونه إما قديمًا وإما حديثًا إما خالقًا وإما مخلوقًا وإما قائمًا بنفسه وإما قائمًا بغيره وإما واجبًا وإما ممكنًا وهذا معلوم بالفطرة الضرورية ولهذا لم يكن ينازع في ذلك الجهمية الذين خاطبهم الأئمة كما ذكر الإمام أحمد في احتجاجه عليهم أنه إذا كان وحده ثم خلق العالم فإما أن يكون خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه ولم يكن القسم الثالث وهو أن يقال خلقه لا في نفسه ولا خارجًا عن نفسه لأن هذا معلوم انتفاؤه بضرورة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 134)
العقل ولا نازعه في ذلك الجهمية الذين قالوا في العالم غير مماس ولا مباين وإن دعوى أولئك قد يسلِّم الرازي وأمثاله أنها معلومة بالفساد وبضرورة العقل فدعواهُ أظهرُ فسادًا في ضرورة العقل كما تقدم التنبيه عليه إذ العرض في الجوهر ليس بمماس له ولا مباين له ولا يوجد جوهر ولا عرض إلا هو مباين للآخر أو محايث له فكلٌّ من طائفتي الجهمية يوافق الجماعة على أن قول الأخرى مخالف لضرورة العقل وحقيقة الأمر أن قول الطائفتين جميعًا مخالف لضرورة العقل وقو هؤلاء الموجود المباين للعالم ليس بداخل العالم ولا خارجه أو قولهم الموجود ليس بداخل العالم ولا خارجه مثل قول إخوانهم أنه في العالم ليس بمباين للعالم ولا مماس له فإذا كان قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة فكذلك قولهم وإلا فلا فرق بل قولهم أظهر فسادًا كما تقدم إذ قد عرف وجود ليس بمماس لموجود ولا مباين له ولم يعرف موجود ليس بمباين لوجود آخر ولا محايث له وكذلك قول الملاحدة أنه موجود ليس بحي ولا ميت ولا هو عالم ولا جاهل ولا هو قادر ولا عاجز ونحو ذلك فهذه الأمور معلوم فسادها بضرورة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 135)
العقل ودعوى وجود موجود خارج عن هذين القسمين مخالف لفطرة العقل الضرورية وهو من أعظم السفسطة فلا تقبل من أحد دعوى ذلك ومتى سمع ذلك وجب أن تسمع نظائره من السفسطة الوجه الثاني أنه يجب الفرق بين الأقسام الممكنة في الوجود الخارجي وبين التقديرات الذهنية التي لا يُشتَرط فيها مطابقة للأمور الخارجية فإن الذهن يقدر الأمور الممتنعة مع امتناع وجودها في الخارج ويقدر الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا وليس هو كذلك في الخارج فباب التقديرات الذهنية أوسع من باب الأقسام الممكنة الخارجية وذلك أن الذهن تقديره بحسب ما يفرضه من الأقسام فيمكنه أن يقول الشيء إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا وإما أن يكون لا موجودًا ولا معدومًا والشيء إما أن يكون مجهولاً أو معلومًا أو لا معلومًا ولا مجهولاً وإما أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو جائزًا أو لا واجبًا ولا ممتنعًا ولا جائزًا ويمكنه أن يقول الموجود إما أن يكون قديمًا أو محدثًا أو لا قديمًا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 136)
ولا محدثًا وإما أن يكون خالقًا أو مخلوقًا أو لا خالقًا ولا مخلوقًا والموجودان وإما أن يكون أحدهما مقارن للآخر ولا سابقًا ولا متأخرًا أو يقول إما أن يكون مقارنًا أو منفكًا أو لا مقارنًا ولا منفكًا وإما أن يكون مباينًا للآخر أو محايثًا له أو لا مباينًا له ولا محايثًا له والموجودان والقائمان بأنفسهما إما أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر أو خارجه أو لا داخل الآخر ولا خارجه وإما أن يكون متحيزًا أو حالاّ في المتحيز أو لا متحيزًا ولا حالاّ في المتحيز وإما أن يكون حيًّا أو ميتًا أو لا حيًّا ولا ميتًا وإما أن يكون عالمًا أو جاهلاً أو لا عالمًا ولا جاهلاً وإما أن يكون قادرًا أو عاجزًا أو لا قادرًا ولا عاجزًا وذلك كما تقول الموجود إما أن يكون واجبًا أو جائزًا أو ممتنعًا أو الموجود إما أن يكون ثابتًا أو منتفيًا أو لا ثابتًا ولا منتفيًا فيكون الذهن يقدر هذه التقديرات لا يقتضي جواز وجودها في الخارج بل مع ذلك يعلم أن بعض هذه الأقسام ممتنع في الخارج كما يعلم امتناع أن يكون الموجود ممتنعًا أو أن يكون الموجود منتفيًا أو نحو ذلك وكما يعلم عدم خروج الموجود عن القسمين الحاصرين مثل علم العقل بامتناع أن يكون الموجود لا خالقًا ولا مخلوقًا أو
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 137)
لا قديمًا ولا محدثًا أو لا واجبًا ولا ممكنًا والعلم بامتناع أن يكون الموجودان لا متقاربين ولا منفكين ولا متباينين ولا متحايثين فقول القائل هذا الموجود لا داخل هذا ولا خارجه كقوله ليس مقارنًا له ولا منفكًا عنه بتقدم أو تأخر أو يقال هذان الموجودان ليس واحد منهما مقارنًا للآخر ولا قبله أو ولا بعده إذا ظهر ذلك فقولُه صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياس أحدهما بالآخر بعيد يقال له ليس هذا بموازنة عادلة لأن قوله الموجود إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون إما أن يريد بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز أو لا يريد بالحيز شيئًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز فإن أراد الأول كان ذلك نظير قول القائل الموجود إما أن يكون في الزمان أو لا يكون إذا أراد بالزمان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 138)
تقدير حركات الفلك ومايجري مجرى ذلك في الأمور الوجودية فإن كلا هذين القسمين مضمونُه أنّ الموجود إما أن يكون في مكان وجودي أو زمان وجودي منفصل عنه أو لا يكون وهذا تقسيم صحيح فإن كل موجود لو احتاج إلى مكان وجودي وزمان وجودي منفصل عنه لكان ذلك المكان الموجود والزمان الموجود يحتاج إلى مكان آخر موجود منفصل عنه وزمان آخر موجود منفصل عنه وذلك يقتضي التسلسل إذا أُرِيدَ به غير الأول وإن أريد به الأول فإن أريد به العلة أفضى إلى الدور وإلا فليس ذلك محالاً إذا جُعِل كل منهما زمانًا للآخر أو سُمِّي حيزًا له وأما إن أراد بالحيز ما ليس بشيء وجودي منفصل عن المتحيز إما أمر عدمي أو شيء قام بالمتحيز أو نوع إضافة ونحو ذلك مما لابد للقائم بنفسه منه أو لابد للجسم منه فهذا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 139)
نظير ما يعني بالدهر إذا أريد بالدهر نحو ذلك من أمر عدمي أو بعض صفات الحي أو أمر إضافي أو نحو ذلك فإنه كما يقال إن الحيز تقدير المكان فإنه يقال الدهر تقدير الزمان وكما يقدر الذهن فيهما العالم أحيازًا عدمية هي تقدير الأمكنة فإنه يقدر قبل العالم دهورًا عدمية هي تقدير الأزمنة وهذا هو الذي يجعله بعض الفلاسفة أمرًا وجوديًّا كما يُذكَر ذلك عن أفلاطون ويحكون أنه يُثبِت المادة والمدة والخلا والمثل الأفلاطونية
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 140)
وأرسطو صاحبه وجمهور العقلاء يعلمون أن هذه إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان بل العقلاء يعلمون أن ما بيَّنه أرسطو وأتباعه من الهيولى المطلقة إنما هي أيضًا في الأذهان لا في الأعيان بل وكذلك ما يثبتونه من العقول المحرفات وإذا كان كذلك فتقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 141)
الحيز وما لا يكون نظيره تقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في الذهن وما لا يكون ومعلوم أن هذا تقسيم ذهني لا خارجي وإلا فكل موجود في الخارج فهو في الذهن ومعلوم بهذا التفسير فكذلك كل موجود في الخارج فهو في الحيز بهذا التفسير وليس من الموجودات شيء يمتنع عليه أن يقال هو في أمر عدمي وإن سمي ذلك العدمي حيزًا أو دهرًا ولا في الموجودات ما يمتنع أن يضاف إليه أو ينتسب إليه شيء بل إذا كان لا موجود إلا ويمكن أن يقارنه ما يقدر فيه الزمان فلا موجود إلا ويقارنه ما يقدر فيه المكان وأما خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فنظيرُه خلو الشيء عن ثبوت الفوقية ولا ثبوتها فقول القائل إما أن يكون للشيء أول أو يكون مسبوقًا بغيره أو لا يكون فإن كان له أول فهو العالم والمحدث وإن لم يكن له أول فهو الرب القديم نظيره قول القائل إما أن يكون للشيء فوق بمعنى أنه علاه غيره أو لا يكون فإن علاه غيره فهو العالم وإن لم يَعْلُهُ غيره فهو الرب الأعلى سبحانه وتعالى ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 142)
وأنت الباطن فليس دونك شيء وكذلك إذا فسر المُحْدَثُ بالذي كان بعد أن لم يكن أو بالمسبوق بعدم نفسه وقيل يكون مسبوقًا بتقدير زمان فإنه يفسر الأسفل بالذي يمكن لأن يعلوه غيره ويقال هو مخصوص بعلم ما يمكن بتقدير موجود فيه وإذا قيل الأول القديم هو الذي لم يزل موجودًا وهو الذي لم يسبقه شيء فتفسير الظاهر بأنه العلي الأعلى وهو الذي لا يعلوه شيء وإذا قيل إن الباري لم يسبقه عدم يصلح لتقدير الزمان قيل إنه لا يعلوه عدم يصلح لتقدير المكان فكما لا يمكن أن يكون شيء قبله لا يمكن أن يكون شيء فوقه بل هو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 143)
وقد تكلمنا بنحوٍ من ذلك في أول هذا الحكم العادل بينه وبين منازعه الذي خلَّصنا فيه ما التبس من الحق بالباطل في تأسيسه ولكنا تكلمنا هنا على ما ذكره في نهايته وقد ظهر بما ذكرناه أنه عمد إلى تقدير المكان والزمان فذكر في أحدهما المقارنة له وذكر تقسيم الموجود إلى المقارن له وغير المقارن وذكر في الآخر الذي في القسمين جميعًا المقارنة له لكن فتتميمها إلى المقارن المطلق والمقيد وليست هذه موازنة عادلة ومقايسة صحيحة وتمثيلاً مطابقًا في الموضعين بل هذا من الأقيسة الفاسدة الجائرة الظالمة بل يجب أن يوزن ونسبة كل واحد بنظيره وحينئذ فيكون في كل من الصنفين نوعان فيجيء المجموع أربعة كما ذكرناه الوجه الثالث أنه ينبغي أن يعرف أن الأمثال والمقاييس تُضرب للشيء تارة لخفاء حكمه وظهوره بالتمثيل سواء كان التمثيل لتصوُّره أو للتصديق به وتارة يكون هو في نفسه مع سلامة الفطرة جليًّا بديهيًّا ظاهرًا ولكن في القلب ظن أو هوى يصرفه عن معرفة نفسه فضرب المثل الذي لا يعارض
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 144)
الحق فيه لا ظن ولا هوى فيدركه القلب ويعلم أن هذا مثل ذلك بالضرورة فينقاد إلى الحق لزوال المانع فالغرض أن الأمثال تضرب تارة لتحقيق المقتضى وتارة لدفع المانع ويكون المقصود بها العلم تصورًا أو تصديقًا ويكون المقصود بها أيضًا اتباع العلم والعمل بموجبه أيضًا وهذا كما أن الملكين لما نزلا على داود فقالا فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ {22} إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ {23} قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ الآية [ص 22 - 24] فلما حكم داود تبيَّن أن هذا مثل مضروب له وعلم حال نفسه ومعلوم أن الأدلة العلمية على قضية كلية يحصل بها التصورات العلمية على هذه القضية لكن هذه لم يكن فيها مانع يخاف أن يعوقه عن معرفة الحق واتباعه فكان التمثيل بما يؤمن فيه المانع محصلاً للمقصود وما نحن فيه من تمثيل المكان وتقديره بالزمان وتقديره هو من هذا الباب فإن مورد النزاع قد حصل فيه للمنازع من الاعتقاد ما قد يصرف عن تصور المطلوب وإلا فالأمران بديهيان فطريان ضروريان في الحقيقة وإذا كان كذلك فنحن نتكلم على ما ضرب من المثل
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 145)
فيقول له المنازع لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن التقدم عليه والحدوث وهذا هو المثل الذي ضربه والأصل الذي مثل به وهو خلو الموجود عن هذين النعتين جميعًا اللذين لابد للموجود من أحدهما فإن الذي سبقه غير محدث والذي سبق غيره أو سبق كل شيء قديم يـ قال وكذلك مسألتنا لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن العلو والسفول خاليًا عن الدخول في غيره والخروج عنه فهو أيضًا ذكر خلو الموجود مع غيره عن هذين النعتين وكل من هذين النعتين ينقسم إليهما الموجود له والموصوف به نسبة وإضافة إلى النعت الآخر وموصوفه فللقدم والقديم نسبة وإضافة إلى المحدث والحدث وبالعكس وكذلك العلو والعلي نسبة وإضافة إلى السفل والسافل فالقديم متقدم على المحدث فلا شيء أقدم منه والمحدث ما تقدمه القديم أو ما تقدم عدمه أي كان بعد أن لم يكن كائنًا فكان قبله تقدير زمان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود في غيره والعلي عالٍ على السافل وهو العلى فلا شيء أعلى منه والسافل ما علاه العلي وما علاه عدم أي كان يجب أن يكون ما لم يكن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 146)