حاصلاً في الذهن وإلى ما يكون وإذا كان هذا لا يمنع ما يعلمه العقل بفطرته من أنه إما أن يكون وجوده مقارنًا للعالم أو متقدمًا عليه فكذلك ما ذكره في الحيز لا يمنع ما يعلمه العقل من فطرته من أنه إما أن يكون وجوده داخل العالم محايثّا له أو خارجًا عنه مباينًا له وكما لا يُعقل موجود إلا قديم أو محدث فلا يعقل إلا قائمًا بنفسه أو بغيره وكما أن القديم ينقسم إلى القديم المطلق الذي لا يجوز عدمه وإلى القديم المقيد وهو المسبوق بالعدم أو الممكن عدمه فالقائم بنفسه ينقسم إلى المحتوم المطلق وهو الذي لا يجوز عدمه ولا يحتاج إلى غيره بحال وإلى القائم المقيد وهو المحتاج إلى غيره والذي يقوم في وقت ويعدم في وقت وكما أن المخلوق القديم قديمٌ مقيدٌ إذا كان متقدمًا على غيره فالخالق القديم أولى بأن يكون متقدمًا على غيره ويكون هو الأول الذي ليس قبله شيء الكائن قبل كل شيء فالمخلوق القائم بنفسه قائمًا مقيدًا لحاجته إلى غيره إذا كان مباينًا لغيره فالخالق للعالم قائم بنفسه قيامًا مطلقًا أولى أن يكون مباينًا لغيره وأن يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء والجهمية من المتكلمين يقولون هو القديم والعالم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 187)
محدث مع قولهم إنه في كل مكان أو أنه مع ذلك لا مباين للعالم ولا مماس له أو قولهـ م إنه لا داخل العالم ولا خارجه وأما الجهمية من المتفلسفة والصابئة فيقولون مع ذلك إن العالم أيضًا قديم معه مقارن له في الوجود مقارنة المعلول لعلته التامة والمتولّد لمولِّده كتولُّد الصوت عن الحركة والشعاع عن الشمس ومع هذا يقولون إن الباري تعالى متقدم عليه بالغلبة وبالذات أو بالطبع وبالشرف وقد يقولون العالم محدث بمعنى افتقار إلى الصانع وعند التحقيق فلا يثبتون له تقدمًا حقيقيًّا كما أنهم وجهمية المتكلمين لا يُثبتون له عليه علوًّا حقيقيًّا ومباينة معقولة وذلك أن هؤلاء قالوا التقدم والتأخر خمسة أنواع الأول التقدم بالعلية كتقدُّم السراج على ضوء السراج وتقدم الشمس على شعاعها فإن العقل يدرك تقدم وجود السراج على ضوء السراج وإن امتنع تأخُّر أحدهما عن الآخر في الزمان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 188)
الثاني التقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط مثل تقدم الواحد على الاثنين والفرق بينه وبين ما قبله بعد اشتراكهما فالمتأخر لا يوجد إلا بعد وجود المتقدم إذ العلة تستلزم وجود المعلول والشرط لا يستلزم وجود المشروط الثالث التقدم بالشرف والرتبة كتقديم العالم والقادر على الجاهل والعاجز الرابع التقدم بالمكان كتقدم الإمام على المأموم وخامسها التقدم بالزمان كتقدم الشيخ على الشاب ثم إنهم لما زعموا حصر التقدم في هذه الوجوه قالوا نحن نقول بتقدم الباري على العالم بالوجوه الثلاثة الأُوَل والتقدم بالمكان ليس مما يتعلق بما نحن فيه وأما التقدم بالزمان فممتنع ولو كان ممكنًا لكان مبطلاً لقول منازعنا وأما كونه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 189)
ممتنعًا فلأن تقدم الباري على العالم لو كان بالزمان لزم أن يكون الباري زمانًا والزمان زمانيًّا أما الأول فلأن الزمان من لواحق التغيُّر وذلك ممتنع على الباري وأما الثاني فلامتناع التسلسل وأما كونه مبطلاً لقول منازعنا فلأنه إذا كان تقدم الباري على العالم زمانيًّا مع أن الله سبحانه لا بداية لتقدمه على العالم لزم أن لا يكون للزمان بداية فيكون الزمان قديمًا والزمان من العالم فلا يكون العالم محدثًا كما يقوله منازعنا وقد يستدلون بهذه الحجة على امتناع كون العالم مسبوقًا بالعدم بأن تقدم العدم عليه لا يصحّ أن يكون بالوجوه الأربعة ولو كان بالزمان لزم قدم الزمان فهذا الكلام الذي قالوه قد موَّهوا به على الناس حتى اضطرب هنا كثير من أذكياء العالم وقد أجاب عنه مَن أجاب مِن متكلمي الإسلام بإثبات تقدم آخر خارج هذه الأقسام الخمسة وهو كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض وتقدم الباري على الحوادث اليومية وقد يسمي بعضهم كالشهرستاني وغيره هذا التقدمَ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 190)
بالذات ولاريب أن تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ليس بالعلّية ولا بالشرط ولا بالشرف لامتناع تقارب أجزاء الزمان مع تقارب المتقدم والمتأخر بهذه الوجوه ولأن أجزاء الزمان متماثلة وليس أيضًا بالزمان لأنه يلزم أن يكون للزمان زمان وأن يكون الباري زمانيًّا قالوا وإذا كان قد عُقِل تقدم الأمس على اليوم من غير حاجة إلى زمان آخر فكذلك يعقل تقدم العدم على الوجود وتقدم الباري على الوجود قالوا وانتم لا تقولون بهذا التقدم لا تقولون إنه مسبوق موجود غيره أو معدوم نفسه بهذا النوع من السبق والتقدم وقد يقال هذا الجواب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 191)
وإنْ كان فيه من إبطال كلام أولئك ما فيه فلم يجيبوا عن الشبهة في الجواب بل هذه معارضة ومن أعطى النظرَ حقَّه علم أن هؤلاء الملاحدة قلبوا الحقيقة ونفوا عن الرب التقدم الحقيقي ومنعوا إمكان التقدم الحقيقي بحال كما أنهم وملاحدة المتكلمين في العلو قلبوا الحقيقة فنفوا عن الرب العلوَّ الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا إمكان العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا أو موَّهوا بما في لفظ المكان من الاشتراك وبيان ذلك أن يقال لا ريب أنه يقال إن التقدم والتأخر والمقارنة من الأمور التي فيها إضافة كما يقال هذا إما أن يكون متقدمًا على هذا أو متأخرًا عنه أو مقارنًا له ويقال إما أن يكون معه أو قبله أو بعده وإما أن يكون معه أو أمامه أو خلفه فلفظ مع هي بمعنى المقارنة والمصاحبة وهي ظرف يقارن ظرف الزمان تارة وظرف المكان أخرى فإذا قيل هو قبله أو بعده أو معه كانت هنا ظرف زمان وإذا قيل أمامه أو وراءه أو معه كانت ظرف مكان والتقدم والتأخر قسيمان للمقارنة التي يعبر عنها بلفظ مع فيقال هو متقدم عليه أو متأخر عنه أو هو معه وإذا كان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 192)
كذلك فالتقدم والتأخر والمقارنة في الأصل إنما هي بالزمان والمكان كما أنه المستعمل في ذلك إذا قلَّب الزمان والمكان وهي الألفاظ التي تسمى ظروف الزمان والمكان والله الذي علّم البيان علم الإنسانة العبارة عن المعاني التي يعقلها قلبه فالمعقول لبني آدم من ذلك هو المعبَّر عنه بألفاظ الزمان والمكان فأما التقدم والتأخر بالمكان كقول سمرة بن جندب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا رواه الترمذي وكقول أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه الذي في الصحيحين لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه الحديث في صلاة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 193)
الخوف ذكر الصف المقدم والصف المؤخر وهكذا لفظ الأول والآخر يستعمل في المكان كما يُستعمل في الزمان كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ونظائر هذا في الاستعمال كثير ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ {97} يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 97-98] مع أن تقدم فرعون وتقدم الإمام هو بالمكان والزمان جميعًا فإذًا فعلُهُ قبل فِعْلِهم وهو إمامهم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 194)
ثم التقدم بالرتبة والشرف هو من هذا فإن المكانة والرتبة مأخوذة من المكان لأن صاحب الرتبة المتقدمة يكون متقدمًا في المكان والمكانة على صاحب الرتبة المتأخرة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والتقدم بالرتبة كالعلو بالرتبة والدرجة والمكانة وأصله من المكان وقد تكلمنا على هذا مبسوطًا في غير هذا الموضع وسنوضحه إن شاء الله إذا تكلمنا على ما تأوَّل به ما جاء في القرآن من وصفه سبحانه بالعلو فإن إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي وُصف فيها بالعلو والظهور والرفعة تشيه إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 195)
وصف فيها بالأولية والتقدم والنوع الثاني التقدم والسبق والأولية بالزمان كقوله سبحانه وتعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} [يس 39] وقوله وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ {11} [الأحقاف 11] وقول إبراهيم عليه السلام أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ {75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ {76} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ {77} [الشعراء 75-77] وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ {24} [الحجر 24] يتناول هذا وقد فسر أيضًا بالاستقدام والاستيخار في صفوف الصلاة ومنه قوله تعالى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس 12] فإن الذي قدموه هو ما فعلوه قبل موتهم وآثارهم ما أخروه وقد فسر أيضًا بالمكان وفسرت آثارهم بآثار خطاهم في المسجد والتقدم والتأخر والسبق والأولية في هذا النوع أشهر وقد يقال إنما استُعمل في المكان لتضمُّنه التقدم في الزمان أيضًا كما استعمل لفظ الأول والآخر فإنه لا يكاد يخلو في جميع موارده عن تقدمه نوعًا من التقدم بالزمان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 196)
وأما ما ذكروه من التقدم بالعلية والشرط فهذا قد نًوزِعوا فيه وقيل لهم يمتنع في المقارنة الزمانية أن يكون أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه فإن التقدم إذا كان من عوارض الزمان وهو ضد المقارنة واجتماع التقدم والتأخر مع المقارنة في شيئين لأعيانهما جمع بين الضدين فكما أنه يمتنع أن يكون أمامه ويكون معه في ظروف المكان والمكانة وموانعهما فإنه يمتنع أن يكون قبله ويكون معه في ظرف الزمان وتوابعه فمن قال إن العالم مع الله لم يصح أن يقول هو بعده ولا متأخرًا عنه ولا أن يقول إن الله قبله ولا متقدمًا عليه وهذا يختص بالكلام على ما أثبتوه من التقدم بالعلية والشرط دون الزمان وما نفوه من امتناع تقدم الله بالزمان كما نفوا أيضًا علوه بالمكان فيُجعل في ذلك فصلان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 197)
الفصل الأول ما أثبتوه من التقدم بالعلة والشرط دون الزمان وأما المتقدم بالشرط كما مثلوه من تقدم الواحد على الاثنين فإن الواحد ليس له وجود خارجي محدد عن المواد بل ليس في الخارج من الوحدان إلا ما له حقيقة تتميز بها ولكن الإنسان يتصور في ذهنه الواحد قبل الاثنين ويتكلم بلفظ الواحد قبل الاثنين وهذا ترتيب زماني محسوس ثم إذا قُدِّر اجتماع تصوره للواحد والاثنين أو اجتماع نطقه بهما فهو كاجتماع أعيانهما في الخارج كما لو اجتمع درهم ودرهمان وثلاثة دراهم ونحو ذلك فليس هناك ترتيب أصلاً وليس الدرهم متقدم على الدرهمين ولا الدرهمان متقدمان على الثلاثة وقول القائل لا توجد الدرهمان إلا بوجود الدرهم أو لا يوجد الاثنان إلا بوجود الواحد يقال له أما الدرهمان الموجودان في الخارج فهما مستغنيان في وجودهما عن الدرهم المنفرد عنهما لا يشترط وجودُهما وجودَه بحال ولكن هما متوقفان على وجود أنفسهما كتوقف الدرهم الواحد على وجود نفسه فليس بأن يجعل تقدمه عليهما لكون الاثنين واحدًا وواحدًا بأولى من أن يجعل متقدمًا على نفسه لأن الواحد واحد وكل هذا غلط وهذا الترتيب من جنس التركيب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 198)
والافتقار الذي يذكرونه في افتقار الشيء إلى صفته وبعضه وهو من جنس افتقاره إلى نفسه فيكون وجوده لا يكون إلا بصفته التي يمتنع أن يكون ذاته بدونها مثل كون وجوده لا يكون إلا بوجوده وهو مثل كونه واجبًا بنفسه ولا ريب أن الذهن قد يغلط فيظن في الواجب بنفسه أنه علة نفسه وأن هناك
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 199)
تقدمًا وتأخرًا وهو غلط بل هو هو فتوقُّف الاثنين على الواحد وتوقف الثلاثة على الاثنين هو توقف الجملة على بعض أفرادها وهو كتوقف الشيء على نفسه كتوقف الاثنين على الاثنين والثلاثة على الثلاثة وإذا لم تكن الجملة إلا هذه الأفراد وهذا التأليف لم يكن المتوقف غير المتوقف عليه ولم يكن هناك شيء متقدمًا على شيء بوجه من الوجوه في الخارج إلا إذا وجد أحدهما قبل الآخر فيكون الترتيب زمانيًّا وهو حق ولكن الذهن قد يدرك المفرد قبل الجملة والبسيط قبل المركب والواحد قبل العدد وننطق بذلك فيكون الترتيب في علمنا ونطقنا لا في الحقيقة نفسها فهذا هو التقدم بالشرط الذي يجعلونه في الأعداد والمقادير والمركبات ونحو ذلك وكذلك هو في الصفات والكيفيات فإنه إذا قيل العلم والقدرة مشروطة بالحياة والشرط متقدم على المشروط فليس في الموصوف ترتيب بحال بل الحياة والعلم والقدرة موجودة معًا بكل وجه لكن العلم يستلزم وجود الحياة فلا يوجد إلا معها لا أنه لا يوجد إلا بعدها وإذا لم يوجد إلا معها سواء كانت قبله أو لم تكن لم يقتض ذلك أنه يجب تأخره عنها بل إذا قارنها فهو مقارن لها وإذا قدر حياة لا علم لها ثم حصل معها علم فهنا هو متأخر عنها في الزمان أيضًا ونحن لا ننازع في أن الصفات يعرض لها الترتيب الزمني كما يعرض الأعداد كما تقدم ولكن ليس هذا بواجب ومتى
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 200)
انتفى هذا الترتيب لم تكن مرتبة أصلاً بل تكون متقارنة وأما الترتيب في علم الإنسان بالصفات فهذا لا ينضبط فقد يعلم الإنسان العلم ويستدل به على الحياة وقد يعلم الحياة ويستدل بها على العلم وحيث وجد ذلك الترتيب فهو ترتيب زماني وهو ترتيب في العلم بها والتعبير عنها لا في ذاتها وأما ما ذكر وهـ من التقدم بالعلية فيقال لهم ليس هذا أيضًا حقيقة وليس في المخلوق شيء واحد هو علة تامة لشيء أصلاً لكن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمراده بها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سوى ذلك من الأسباب الموجودة فليس شيء منها بمفرده علة تامة لشيء ولكن يكون سببًا والسبب بمنزلة الشرط الذي إذا ضم إليه غيره من السباب صار المجموع علة ولكن ذلك المجموع لا يكون إلا بمشيئة الله لا يكون المجموع بعلة غير مشيئة الله قط فإذًا وصف العلية التامة لا تقوم بشيء من المخلوقات وإذا لم يكن شيء من المخلوقات علة تامة امتنع بطريق الأولى أن يكون متقدمًا بالعلية لكن يكون سببًا وهو كالشرط والشرط لا يجب تقدمه على المشروط بل قد يقارنه وقد يسبقه كما تقدم وإذا قارنه فليس هو متقدمًا عليه بوجه من الوجوه فكذلك ما يسمونه علة إنما هو في الحقيقة شرط وسبب ويكون متقدمًا عليه وإذا كان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 201)
مقارنًا لم يكن متقدمًا فلا يجتمع الضدان وذلك يظهر فيما يذكرونه من الأمثلة وأشهرها الشمس مع الشعاع والشعاع عندهم إما أن يراد به ما يقوم بذات الشمس من الضوء أو ما يقوم بالأجسام المقابلة للشمس وهو المسمى بالشعاع عندهم وهو شعاع منعكس فإذا أريد به الضوء القائم بذات الشمس فذاك صفة من صفاتها ليست متقدمة عليه بوجه من الوجوه ومن جعل تقدم الباري على العالم كتقدم ذات الشمس على صفتها فقد جعل المخلوقات مثل صفة من صفات الخالق وجعل الخالق بمنزلة المحل للمخلوقات وهذا أقبح من قول من يقول إن الباري حالّ في المخلوقات ونحن إنما قصدنا أن نبين أن قول هؤلاء أقبح من قول أولئك لكن هؤلاء مع زيادة القبح يكونون قد جعلوا الصانع محلاًّ للمخلوقات من هذا الوجه وحالاًّ فيها وإن أرادوا بالشعاع الضوء الموجود في الأجسام المقابلة للشمس من الجدران والأرض والهواء وغير ذلك فيقال هذا الشعاع لم يحدث لمجرد الشمس وليست الشمس وحدها علة مولدة له بل لابد فيه من شيئين أحدهما الشمس والثاني جسم آخر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 202)
يقابل الشمس لينعكس الشعاع عليه وإذا لم تكن الشمس علة تامة لم يـ حصل المقصود بل هي جزء العلة وهي سبب وشرط فإن الشعاع يتوقف على الشمس المستنيرة وعلى المحل الذي ينعكس عليه الشعاع وإذا كان كذلك كان توقفه على هذين توقف المشروط على شرطه فإنهم فرقوا بين التقدم بالعلة والتقدم بالطبع والشرط بأن المتقدم بالعلة يستلزم وجود المتأخر بخلاف المتقدم بالشرط وقد تقدم قولنا إنه ليس في المخلوقات شيء منفرد يستلزم وجود شيء متأخر عنه لكن مشيئته مستلزمة لمرادها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد ظهر في الشعاع الذي ضربوه مثلاً أن نفس الشمس وحدها لو قُدِّر وجودها بدون ما يقابلها لم يكن للشعاع وجود ولكن وجوده بشرط الشمس وشرط ما يقابلها فيكونان شرطين وإذا كان كل منهما شرطًا فالشرط قد يتقدم على المشروط وقد لا يتقدم عليه فلا ريب أن الجدار والأرض والهواء موجود قبل الشعاع وكذلك الشمس موجودة قبل هذا الشعاع وذلك تقدم بالزمان لكن إذا حصلت حصل الشعاع وتولد عن اجتماع هذين الأصلين له كتولُّد غيره من المتولدات عن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 203)
أصلين وكل منهما متقدم عليه ومتى ظهر هذا في شعاع الشمس ظهر أنه في شعاع السراج وغيره من النيرات إذ النار يكون لها شعاع كما يكون للشمس شعاع فهذا ما يمثلون به من المرئيات وأما ما يمثلون به من المسموعات فإنهم يمثلون بوجود الأصوات عن الحركات لوجود الطنين عن النقرة فيقال وهذا أيضًا كذلك فإن الصوت لا يولّده شيء واحد بل لا بد من شيئين من جسمين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه وهذان أصلان للصوت الذي تولد عنهما كأصلي الشعاع وهذان الأصلان وهما الجسمان المتحركان هما متقدمان عليه بالزمان فإن قيل المراد بالعلة الحركة المولدة للصوت والمقابلة المولدة للشعاع فيقال الحركة مع الصوت والمقابلة مع الشعاع إما أن يكونا متقارنين فإن كانا متقارنين في الزمان لم يكن أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه ولا نسلِّم على هذا التقدير أن الحركة والمقابلة هي علة الصوت والشعاع بل علة ذلك هو الفاعل للحركة والفاعل للمقابلة وإذا كانت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 204)
المقابلة لم يفعلها واحد من الخلق والحركة لم يفعلها واحد من الخلق لم يكن للفاعل لهذا المتولد واحد من الخلق وهذا هو الصواب المقطوع به أن جميع المتولدات لا يجوز أن تكون فعلاً لفاعل واحدٍ من الخلق بل كل من الأمرين سبب فيها وهما متشاركان فيها متعاونان عليها وقد بينا أن الخلق لا يفعل فعلاً تامًّا إلا بشركة من غيره والخالق سبحانه هو الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذلك يظهر ببيان ما ذكروه من المثال فالناقر إذا نقر طشتٍ فحدث صوت فالصوت لا بد له من فعل الإنسان ومن الجسم الذي جعلت عليه النقرة فجميع ما يحدثه الإنسان من الأصوات منفصلاً عنه لا بد فيه من جسم آخر معه وأما صوته القائم ببدنه فإنه يحرك عضوين فصاعدًا من أعضائه لا يكون الصوت بحركة شيء واحد فالحركتان جميعًا هنا سبب الصوت وهو وإن كان المحركَ لأعضائه فنفسُ أعضائه والنقرة التي فيها والصلابة التي بها صارت متصوتة ليس من فعله ولا مقدورًا له بل الله هو الذي خلق ذلك له وجعله آلة له بمنزلة الآلات المنفصلة عنه فنفسُ قدرته لا تستقل بالصوت إلا بهذه الأمور الخارجة عن قدرته
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 205)
فصار الصوت متولدًا عما يقدر عليه العبد وعما لا يقدر عليه العبد وكل ذلك أسباب وشروط ليس شيء منها علية تامة فقد ظهر أنه إذا قيل إن الصوت والحركة متقارنان في الزمان لم يجز أن تجعل الحركةَ علةً للصوت بل يكون الفاعل للصوت هو الفاعل للحركة أكثر ما يقال إن وجود الصوت مشروط بوجود الحركة كما تشترط الحركة في ذلك الشرك لا يجب أن يتقدم المشروط بل يجب مقارنته له فإذًا تكون الحركة والمقابلة شرطًا في الصوت والشعاع ولا يجب أن يكونا متقدمين عليه بل دعوى تقدم الحركة والمقابلة مع القول باقترانهما جمع بين الضدين وأما إن قيل إن كان الصوت والحركة ليسا متقارنين في الزمان بل الحركة قبل الصوت فعلى هذا التقدير لا يضرّ القول بتقدم الحركة على الصوت إذ المقصود أن يمتنع أن تكون الحركة متقدمة بوجه وتكون متقارنة في الزمان بل إما أن تكون متقدمة أو مقارنة للحقيقة وأما التقدم الذهني وهو إدراك أحدهما قبل الآخر أو جعل أحدهما شرطًا أو مفرداً أو بسيطًا أو نحو ذلك فهذا الترتيب الذهني لا يقتضي الترتيب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 206)