بمنزلة ذلك المؤثر التام والمنع متوجه على هذه المقدمات الثلاث فَلِمَ قلتم إنه إذا كان كاملاً في نفسه قادرًا على الفعل بحيث لايعجز عنه إذا أرادوه أنه يجب صدور الفعل عنه غايتكم في هذا أن تمثِّلوا الله ببعض مخلوقاته وتقيسوا عجزه ونقصه على عجز هذه المخلوقات ونقصها وقد أجابهم من أجابهم من المتكلمين كالرازي وغيره بجواب بنوه أيضًا على القياس الفاسد فقالوا لهم قولكم جميع جهات مؤثِّرية الباري في العالم لابد وأن تكون حاصلة في الأزل ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عنه قلنا هذا إنما يلزم إذا كان موجبًا بالذات أما إذا كان قادرًا فلا وقال هؤلاء قولاً كليًّا إن القادر لا يتوقَّف ترجيحه لأحد المثلين على الآخر على مرجح لوجهين أحدهما أن الواحد من الناس إذا استوى في حقه إرادة الفعلين كالهارب إذا عَنَّ له طريقان متساويان في حقه والجايع إذا قدم له رغيفان متساويان في حقه فإنه يرجح أحدهما لا لمرجِّح الثاني أن القادر إنما يفعل أحد المقدورين دون الآخر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 247)
لإرادته له والإرادة بنفسها مرجحة لأحد المقدورين وذلك صفة نفسية لها لا يجوز تعليلها بأمرٍ خارجٍ عنها وهذه خاصية الإرادة كما أن خاصية القدرة كونها بحيث يتمكن بها من الفعل وخاصية العلم كونه بحيث يعلم به فكذلك خاصية الإرادة كونها بحيث يخصص بها مقدور على مقدور ومنهم من قال ترجيح القادر بإرادته لابد له من ترجيح ومنهم من ذكر الترجيح بالعلم ومنهم من ذكر الترجيح بما في الفعل من الإحسان ومنهم من ذكر الترجيح بالقدرة وهو أنه كان ممتنعًا والمقصود هنا الكلامُ على من سلَّم ما ذكروه في المرجح الموجب بالذات ومنعه في القادر المختار فالصواب هو الفرق بين الله وبين غيره لا الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار فيقال لهم ما ذكروه ممتنع في حق الله تعالى بكل وجه وليس في الوجود شيء موجب بذاته تجب مقارنة موجبه
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 248)
له أصلاً بل جميع الكائنات إنما هي أسباب لا يوجد الأثر عنها إلا بسبب آخر فإما أن يكون علمنا في الموجودات سببًا هو موجب بذاته وهو على تامة مولد بنفسه فهذا خلاف ما الوجود عليه فما من أثر يصدر إلا عن اشتراك بسببين فأكثر ومع هذا فيمكن تخلفه عنهما وإذا وجد هذا في جميع ما يقال إنه مؤثر من المؤثر باختياره وقدرته وبطبعه وقوته فليس فيها شيء يستقل بأثره وحده فضلاً عن أن يقال إنه موجب له بذاته والأثر الحاصل عند اجتماع أسباب كالحريق الحاصل عند وجود النار وجسم يلاقيه والشعاع الحاصل عند وجود الشمس وجسم يقابله ليس بواجب أيضًا فقد يمكن أن يكون ذلك ولا يكون إشراق ولا إحراق فإذا كان ليس في الوجود من يفعل بذاته أثرًا فضلاً عن أن يقال إنه موجب وإنما الأثر يصدر عن شيئين كصدور الولد عن الوالدين والنتيجة عن المقدمتين وهو مع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 249)
ذلك ليس بواجب كيف يسلّم لهم أن الموجب بالذات لا يتخلف عنه الأثر وهو قول لا حقيقة له وبهذا يتبين أن القوم أشركوا بالله وعدلوا به وضربوا له مثل السوء كما فعل إخوانهم الذين جعلوه يولِّد البنات وهملا يرضون بتوليدهن وجعلوا مملوكه شريكه وهم لا يرضون بمشاركة المملوك وذلك أن هؤلاء جعلوا الأثر لازمًا له لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه قياسًا على ما هو موجب بذاته من العلل وهم مع ذلك لم يجدوا في العلل ما يكون معلوله لازمًا لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه فوصفوا الله بما ينزهون عنه المخلوقات ووصفوه من التولد والعجز بما لا يصفون به المصنوعات ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أنه ليس في الموجود مؤثر تام إلا الله تعالى فلا رب غيره ولا إله سواه ولهذا قال من قال من متكلمة أهل الإثبات كالأشعري إن أخص وصف الله هو القدرة على الاختراع ور ريب أن هذا من أخص أوصاف الله وإن لم يكن هو وحده الأخص لكن الشعري حرر القول في هذا الأصل تحريرًا باين به سائر أهل الضلال من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 250)
أهل القبلة وكان انتصاره لهذا الأصل من أحسن أو أحسن ما نصره من مذاهب أهل السنة والجماعة وأما الذين يفرقون بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار في الشاهد والغائب فتفريقهم باطل أما في الشاهد فلأن الفاعل باختياره إذا حصل عنده الإرادة الجازمة مع القدرة التامة كان بمنزلة الموجب بذاته وجاز أن يسمى موجبًا بذاته والموجب بذاته إنما أوجب بصفة قائمة به طبيعية هي نظير الاختيار في المختار وكلاهما فيه قوة فعل بها وكلاهما فيه اقتضاء وميل إلى الفعل وكلاهما يسمى طبيعة وغريزة فإن خلقية الحي يسمى طبيعة له كما يسمى بذلك ما في الجامدات لكن بينهما من الفرق حصول الشعور في أحدهما دون الآخر والشعور يستلزم اللذة والألم ولهذا فرق بينهما بأن جعل أحدهما إرادة دون الآخر وإن كان قد يسمى إرادة كما في قوله تعالى جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ [الكهف 77] وهذا الفرق أول من أحدثه في الإسلام القدرية وبالغوا في إثبات الفعل للحي القادر حتى جعلوا الإنسان مستقلاً بما يفعله وأخرجوا فعله عن أن يكون مخلوقًا لله ومقدورًا له ومرادًا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 251)
له والأشعرية ونحوهم وإن خالفوهم في هذا فقد وافقوهم وزادوا عليهم في سلب ما في الأجسام من القوى والطبائع التي بها يفعل ما جعلها الله فاعلة له وفي الحقيقة فالجميع فيه القوى والطبائع التي هي مبدأ الميل إلى الفعل والحركة سواء كانت مع الحياة أو بدونها والله هو خالق هذا كله لكن غير الحي لا تكون حركته إلا تبعًا إذا خرج من مستقره كان فيه ميل إلى مستقره فليست الحركة فيه أصلية بخلاف الحي فإن كل حركة في الكون مبدؤها من اختيار حيٍّ وملائكة الله تعالى هم الذين يدبر الله بهم ما يدبره من أمر خليقته كما يدبر بالآدميين ما شاء لكن الملائكة أكبر وأكثر كما قال تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً {5} [النازعات 5] وقال تعالى فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً {4} [الذاريات 4]
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 252)
وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه فأولئك الفلاسفة أشركوا بالله وعدلوا به حيث قاسوه على الموجب بذاته من المخلوقات وهؤلاء كانوا أمثل فإنهم لما عدلوا به وأشركوا بما شبهوه بالفاعل باختياره من المخلوقات ثم إن كل واحد من الفريقين لو كان حكمُ الأصل ثابتًا لكان قياسه من أفسد القياس لما فيه من تسوية رب العالمين ببعض المخلوقات فكيف وحكم الأصل مُنتفٍ في الأصلين فإن أولئك قاسوه على القادر المختار الذي يرجِّح أحد المثلين على الآخر وهو نفسه إن شاء فعل وإن شاء ترك وليس في الوجود قادر مختار بهذا المثابة كل قادر مختار من المخلوقين فإنه لايفعل حتى تثبت له إرادة جازمة معينة لمراده وتكون حاصلة فيه من غيره وهذا خير من بعض الوجوه والله تعالى له المثل الأعلى ليس كذلك بل هو يستقل بالفعل بإرادته التي لم يستفدها من غيره من غيره ولايضطر إلى الفعل فلا فعلُه ولا نفسُ إرادته تضطره بل هذان وصف الآدميين وإنكار القدرية لذلك وما يقال إنه موجب بذاته في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 253)
المخلوقات سواء قيل إنه يقتضي بالطبع بلا حياة ولا شعور أو فيل إن له حياة وشعورًا ليس كما يقوله هؤلاء بل ليس في الوجود ما يفعل شيئًا إلا بشريك معاون له يكون هو وذاك سببين والله تعالى لا شريك له ثم إذا وجد شريك كان صدور الأثر عنهما بغير اختياره ولا بمشيئته ويكون عاجزًا عن رد الأثر إذا وجد الشريك والله تعالى لا يفعل شيئًا إلا باختياره ومشيئته وليس عاجزًا عن رد الشيء لفعل غيره له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فظهر أن هؤلاء جميعهم أتوا من تمثيل الله بخلقه ثم إنهم غلطوا في حكم الأصل الذي مثَّلوه به قال الله تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} [الأنعام 100-101] فهذا بعض ما يتعلق بقولهم في المقدمة الواحدة أنه يجب مقارنة الأثر إذا كان تامًّا وأما المقدمة الثانية وهو أنه إذا لم يوجد المؤثر التام امتنع صدور الفعل عنه ويمتنع أن يكون تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 254)
أن يفعل بعد أن لم يفعل فهم إنما يوجبون بالمؤثر التام ما تجب مقارنة الفعل له وقد قلنا إن هذا لاوجود له فبطل قولهم إذا لم يوجد المؤثر التام بهذا التفسير امتنع وجود الفعل بل جميع المؤثرات التي نشهدها يمكن تخلف الأثر عنها فلا تكون تامة عندهم ومع هذا فالأثر يوجد عندها ثم لو سلم أن هذه يمتنع صدور الأثر عنها لم يسلم أن الباري كذلك وأنه إذا كان بحيث لايجب صدور الفعل عنه لايكون مؤثرًا تامًّا فيمتنع صدور الفعل عنه بل هذا القول هو عين الباطل في حق الله تعالى أن يقال لايفعل حتى يمتنع أن يفعل ويمتنع أن يفعل إذا لم يجب أن يفعل فالفعل منه إما واجب لا يقدر على تركه أو ممتنع لا يقدر على فعله بل هذا سلب لقدرته التي هي مدلول فعله وقد جعلوه بهذا أعجز من عامة المخلوقات وأنقص منها فإنه ليس شيء منها بحال يكون المتولد عنه إما واجبًا لايمكن عدمه بحال وإما ممتنعًا لايمكن وجوده بحال ونحن نعلم أن الأمور الموجودة يجب وجودها بمشيئة الله تعالى لها وما لم يوجد يمتنع وجودها بعدم مشيئة الله لها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فالوجوب والامتناع هو بحسب مشيئة الله وعدم مشيئته وأما الوجوب والامتناع بحسب سبب آخر فهو باطل وهو خلاف الواقع ومن استقرأ الموجودات لم يجد شيئًا موجبًا يمتنع أن يكون
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 255)
موجبًا ويمتنع إن لم يكن موجبًا بهذا الاعتبار أن يوجد ذلك الأثر وإذا كان الوجوب والامتناع في الممكنات بحسب مشيئة الله تعالى فلا نظير لمشيئته كما لا نظير له ومن قاسها ومثَّلها بغيرها فهو كمن قاسه ومثله بغيره وذلك من الإشراك به وجعل الأنداد والأمثال والأكفاء له وهو ممتنع في نفسه لأن مماثلته لغيره توجب اتصاف أحدهما بصفة الآخر وذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم بيانه وأيضًا فإنهم يمثلون بغيره فيما هو نقص وعجز في ذلك الغير لو كان موجودًا وهو سبحانه لا يمثّل بغيره ويسوَّى به في الكمالات فكيف في النقائص فصار هذا باطلاً من ثلاثة أوجه أحدها أن هذا الوصف ليس ثابتًا لغيره حتى يجعل هو وإياه تحت قضية كلية في قياس شمولي أو يشبه به في قياس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 256)
تمثيل ولو كان موجودًا أو مقدرًا لم يجز أن يعدل بالله ويسوي به لأن الله أكبر من كل شيء ولو جاز أن يعدل بغيره لم يعدل به فيما هو نقص لا يعدل بالناقصات فلو كان حكم الأصل موجودًا كان قياسهم من باب ويجعلون لله ما يكرهون حيث وصفوه بما ينزهون عنه المخلوقات فيف ولا وجود للأصل وأما الكلام على أصلهم الثاني وهو انه يمتنع أن يصير مؤثرًا تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع أن يحدث شيئًا والمؤثر التام عندهم الذي تجب مقارنة الفعل له فهذه أيضًا باطلة من جانب النفي والإثبات كبطلان وجوب المقارنة التامة وامتناعها فإنه يقال إما أن يكون مؤثرًا تامًّا في الأزل بجميع حوادث العالم أو لا يكون فإن كان مؤثرًا تامًّا وجب وجودها جميعًا في الأزل وهو خلاف المشهود المحسوس المعلوم لكل أحد فإن لم يكن مؤثرًا تامًّا في الأزل امتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرًا تامًّا فيجب أن لايفعل شيئًا فيلزمهم إما قدم جميع الحوادث أو عدمها وكلاهما معلوم الفساد وإنما لزمهم ذلك لأجل المقدمتين اللتين بَنَوا عليهما قدم العالم فإنهم قالوا لا يفعل إلا أن تكون بحيث تجب مقارنة الأثر له ويمتنع أن يصير كذلك بعد أن لم يكن لأنه يفضي إلى التسلسل فيقال لهم المؤثر في جميع هذه الحوادث كائنًا ما كان إما أن يكون مؤثرًا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 257)
تامًّا بتفسيركم أو لا يكون فإن كان كذلك وجب قدمها جميعها وإن لم يكن كذلك وجب امتناعها جميعها لامتناع تمام المؤثرية فيما بعد واعتذارهم عن ذلك بأن تمام المؤثرية في الفلك التاسع الذي بحركته تستعد القوابل لفيضان الوجود والكمال عليها لا يدفع هذا التناقض الظاهر فإن مجموع هذه الأمور التي حصلت بها هذه الآثار هي المؤثر التام فحدوث هذا المجموع إما أن يصدر عن مؤثر تام أو لا فإن لم يصدر عن مؤثر تام موجب للمقارنة بطل قولهم إن الثر لايصدر إلا عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن صدرت عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن كان قديمًا لزم قدمها وإن كان محدثًا فالقول في علة حدوثه كالقول فيما تقدم وهذا كلام قاطع
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 258)
وبرهان ساطع لا مندوحة عنه وبغيره يتفطن لضلال هؤلاء الذين هم أكفر وأضل من عموم المشركين اللذين هم بربهم يعدلون يوضح ذلك أن حقيقة ما يقولونه إن المؤثرية التامة لكل حادث يحدث مستلزمة لحدوثه فكلما دار الفلك حدث بدورانه من استعداد القابل وفيض الفاعل ما يستلزم الحادث بمجموعهما وبالمجموع تتم المؤثرية هذا حقيقة قولهم فإذا كانت المؤثرية التامة تحدث شيئًا بعد شيء كما تحدث عنها الآثار شيئًا بعد شيء فكل من المؤثرية وآثارها تحدث شيئًا بعد شيء لكن بعض أجزائها قديم إما واجب الوجود بنفسه وإما غير واجب الوجود بنفسه بل بغيره وبعض أجزائها حادث وإذا كان كذلك فلابد لحدوث المؤثرية شيئًا بعد شيء من سبب إذ الحادث لايحدث نفسه كالحركة الفلكية شيئًا بعد شيء لابد لحدوث مؤثريتها من سبب حادث فإذا قيل هو التصورات المتجددة أو الشوق المتجدد أو ماذا عسى أن يقال كان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 259)
القول في حدوث هذا كالقول في حدوث ما حدث عنه فكيف ما داروا كانوا مضطرين إلى حدوث حوادث في العالم من غير حدوث شيء في العالم كالحركة الفلكية فإنها حادثة شيئًا بعد شيء في العالم وكحركة النفس المحركة لها عند من يقول بذلك منهم كان ذلك حادثًا في العالم وفي الممكنات من غير أن يكون في الممكنات سبب يقتضي حدوثه ومن غير أن يحدث في الممكنات وفي العالم ما يحصل به مؤثرية ذلك الحادث فإذا كان في العالم من الحوادث ما ليس له سبب تام يقتضي حدوثه من العالم علم أن الموجب التام للحدوث أمر خارج عن العالم ولا يخرج عن العالم إلا الله سبحانه يجوز أن يحدث الحوادث بعد أن لم تكن من غير أن يعاونه شيء على ذلك هو المطلوب واعلم أن الكلام هنا على وجهين أحدهما إفساد دليلهم على القدم وهو قولهم يمتنع حدوثه بعد أن لم يكن لأن الحادث يقتضي شيئًا وحدوث الحادث عن العلة التامة القديمة محال فلا يكون العالم حادثًا فقد تبين أن هذا مُنتقِض بجميع الحوادث وبجميع ما يقال إن وجد سبب لها فإنها حادثة بعد أن لم تكن ونفس حركة الفلك ظاهرة في النقض فإن الحركة حوادث متوالية وليس فوقها عندهم سبب حادث يوجبها فهي حوادث عن علة قديمة عندهم فقد جوَّزوا حدوث الحادث عن حركة تامة قديمة فإن
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 260)
قالوا فوقها سبب حادث به تمت مؤثريتها كما يقوله من يجوز قيام الحوادث به منهم جاز عند هؤلاء حدوث العالم بمثل هذا فعلى القولين تبطل الحجة وأما الوجه الثاني فهو الاستدلال بهذه على حدوث العالم وهو أن يقال لو كان العالم قديمًا للزم أن يكون له موجب تام يستلزم موجبُه قِدَمَهُ عن غير موجب فإنه يستلزم محالاً لأنه إنْ لم يكن تامًّا مستلزمًا أمكن وجوده وأمكن أن لا يوجد والممكن لا يوجد إلا بموجب تام مستلزم والموجب التام المستلزم لا يتخلف عنه شيء من موجباته ولوازمه فجميع الحوادث إن كان هو موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها لزم قدمُها وهو خلاف المشاهدة وإن لم يكن موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها فلابد من شيء يتم به موجبها وذلك إن كان قديمًا لزم قدمها لأن قدم الملزوم يوجب قدم اللازم وإن كان محدثّا كان من جملة الحوادث فلابد له من شيء به يتم مُوْجِبُهُ من غير الحوادث لأن الكلام في جميع الحوادث وما يتم به الموجب من غير الحوادث لا يكون إلا قديمًا ولو كان قديمًا لزم قدم الحوادث فصار قدم العالم مستلزمًا لقدم الحوادث وهو ممتنع فقدم العالم ممتنع فصار قدم العالم مستلزمًا لعدم قدمه وما اقتضى ثبوت نفيه كان ممتنعاً ثبوته واعلم أنه كما يُحتج بما في العالم من الحوادث فإنه يحتج
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 261)
بما فيه من الاختصاص والمقادير والصفات والأزواج المتنوعة كما قال وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {49} [الذاريات 49] فإن مبدع العالم إن كان علة موجبة بنفسه وهو واحد بسيط امتنع أن يصدر عنه أمور مختلفة على أصلهم وإن لم يكن كذلك كان فاعلاً بمشيئته واختياره ما يختاره من المفعولات وحينئذ فيمتنع أن يقال الحركة هي الموجبة للحوادث لأن الحركة إنما تحدث عنها مع بقية الحركات المختلفة لأن حركات الأفلاك مختلفة كما أن الأفلاك مختلفة ومعلوم أن حركة التاسع ليست الموجبة للحركة التي تخلفها في الثامن فإن قيل إنها توجب الحركة التي ترادفها إذ للثامن وغيره من الأفلاك حركة تخصُّه وحركة تابعة لحركة التاسع فالحركات إذاً مختلفة والمتحركات مختلفة والمعلولات المختلفة تستلزم عللاً مختلفة إذ العلة الواحدة من كل وجه لا تُوجِب معلولين مختلفين ولايقال ذلك بحسب القوابل لأن الكلام في القوابل المختلفة كالكلام في الحركات المختلفة وهذه المختلفات من الفاعل والقوابل لاتكون صادرة عن علة واحدة فيقتضي الصدور عن فاعل حي ذي صفات ومشيئة يفعل بها وهذا ضد ما يقولونه من أنه واحد لايصدر عنه إلا الواحد فإن هذا الواحد الذي أثبتوه ونفوا عنه الصفة والقدر وسموا ذلك تركيباً وكثرة قد تبرهن في غير هذا الموضع بالوجوه الكثيرة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 262)
أنهم لا دليل لهم على هذه الوحدة وأن ألفاظ حججهم ألفاظ فيها إجمال واشتراك كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع بل تبين بالبرهان أن هذه الوحدة يمتنع أن يوصف بها موجود وأن وصف المبدع بها يقتضي تعطيله ولهذا آل بهم الأمر إلى القول بأن الوجود كله واحد ثم إن العالم فيه كثرة مشهودة فإن كان الصادر عن الواحد واحداً من كل وجه فلا يصدر عنه إلا واحد ويلزمهم نفي الكثرة المشهودة في الوجود وهو خلاف المشاهدة وإن كان فيه ما يسمونه كثرة وتعدداً وتركيباً ونحو ذلك فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد فهم بين أمرين إما إثبات الواحد ونفي جميع الصادر الثاني والثالث والرابع والخامس وإما إثبات الكثرة في الصادر الأول ثم في المبدع يوضح هذا أن الفلك الثامن مكوكب كثير الكواكب والتاسع فوقه أطلس فمن أين جاءت هذه الكثرة العظيمة وإذا قالوا إنه صدر عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل العاشر ثم صدر عنه ما تحت فلك القمر ففي هذا الكلام من التناقض والهذيان ما لا يروج على عقول الصبيان وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سيناء وأنا أناظره في هذا المقام
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 263)
وأقول له أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق وتقولون مثل هذا الكلام الذي لايقوله أضعف الناس عقلا وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول العقل الأول إن كان واحداً من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد لايصدر عنه عقل ونفس وفلك وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد ولو قيل تلك الكثرة هي أمور عدمية فالأمور العدمية لايصدر عنها وجود ثم إذا جوَّزوا صدور الكثرة عن العقل الواحد باعتبارٍ ما فليجوِّزوا صدورَها عن المبدع الأول بمثل ذلك الاعتبار بدون هذه الواسطة كقولهم باعتبار وجوبه صدر عنه عقل وباعتبار وجوده صدر عن نفس وباعتبار إمكانه صدر عنه فلك فإن هذه الصفات وإن كانت أموراً ثبوتية فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد وإن كانت إضافة أو سلباً أو مركباً منهما فالمبدع الأول عندهم يتصف بالسلب والإضافة والمركب منهما فبطلانُ كلامهم في هذا المقام الذي هو أصل توحيدهم يظهر من وجوه كثيرة متعددة تبيَّن فيها أن القوم من أجهل الخلق وأضلهم وأبعدهم عن معرفة الله وتوحيده فإن عوام اليهود والنصارى الذين لم نوافقهم أعلم بالله من خواص هؤلاء الفلاسفة المبدلين الصابئين وقد بينا في غير هذا الموضع أن ما يذكرونه من المجردات المفارقات إنما أصله ما تصوروه من الكليات الذهنية المجردة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 264)
عن المحسوسات العينية فتخيَّلوا ما في الذهن ثابتاً في الأعيان كما تخيل قدماؤهم كأصحاب أفلاطون أن الكليات ثابتة في الخارج أزلية وهي المثل الأفلاطونية وتخيلوا وجود هيولى مقارنة للصورة ومدة وراء حركة الأجسام وتخيل غير هؤلاء كأصحاب فيثاغورس وجود أعداد خارجة عن المعدودات وتخيل أرسطو وأصحابه وهو صاحب التعاليم تركيب الجسم من مادة وصورة وأن المادة
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 265)
شيء كوجود تختلف عليه صورة الأجسام وهي عند التحقيق ترجع إلى تقدير ذهني لا حقيقة له في الخارج وكذلك تخيُّله أن حقائق الأنواع الكلية ثابتة في الأعيان الخارجية وأنها غيرها وكل هذا لأن الذهن يجرد العقول عن المحسوس والمعقولات أمور كلية ثابتة في الذهن والذهن يجردها تجريداً بعد تجريد كما يجرد العدد عن المعدود والأنواع عن الأشخاص والأقدار عن المقدورات ومن هذا الباب تجريده للكليات الخمسة فمن تخيل أن المجردات أمور ثابتة في الخارج كان نسبتها كمن رأى صورة في المرآة فظن تلك الصورة التي يراها في نفس المرآة موجودة في الخارج فجاء ليمسها أو لينالها كما ينال الصورة المحسوسة فلم يجد شيئاً ولاريب أن هؤلاء وسائر الذين كفروا كما قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39} أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 266)