وعي وهم ينفون بها أموراً لو فهمها الناس لكفَّروهم وهذا موجود في كلام أئمتهم حتى أن الأتباع يُعرضون عن تلك المواضع وأما الألفاظ الشرعية فيقرون بها بفهم منها وهم يحرفونها إلى معانٍ بعيدة عن مدلولها ومعناها فإذا كانوا بهذه الحال فكيف يليق بهم أن يعيبوا أهل الإثبات على ألفاظ قليلة مجملة إذا وافقوهم عليها بأحد المعنيين دون الآخر مع أن تلك الألفاظ ليست شرعية الوجه الحادي عشر قوله أنهم يطلقون لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لانريد به كونه تعالى مؤلفاً من الأجزاء ومركباً من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيًّا عن المحل قائماً بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في كونه تعالى جسماً أم لا نزاعاً لفظيًّا يقال له قد تقدم حكاية أقوال هؤلاء القائلين بالأجزاء أو نفاة ذلك والخلاف مع الطائفتين جميعاً ليس بلفظي محض بل هؤلاء يقولون إنه فوق العرش ومنهم من يقول هو مماس له ويقولون مع ذلك ليس بمركب ولا مؤلف بل هو جسم كما أن الكلابية وأئمة الأشعرية يقولون هو فوق العرش ويقولون ليس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 408)
بجسم وهؤلاء جميعاً يثبتون ذات الرب تعالى كما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ثم إن كثيراً من الناس النفاة والمثبتين يقولون لا يكون فوق العرش إلا ما كان مركباً من الأبعاض مؤلفاً من الأجزاء وأولئك ينكرون هذا فهذا موضع نزاع بين الطائفتين وليس هو نزاعاً لفظيًّا مطلقاً لكن يقال إذا كان الجسم عند مُطْلِقِهِ لا يكون إلا مؤلفاً مركباً من الأجزاء والأبعاض وهؤلاء يقولونه وينفون هذا المعنى صار النزاع لفظيًّا فيقال هؤلاء وإن نفوا هذا المعنى لكن يثبتون معنى آخر يستلزم عند المنازع هذا المعنى وأيضاً فإنهم إذا قالوا أنه قائم بالنفس غني عن المحل أرادوا بذلك أنه مباين للعالم بالجهة ولايُتَصور عندهم قائم بالنفس إلا كذلك والمنازع يزعم أنه يمكن أن يكون قائماً بالنفس لامبايناً لغيره ولامحايثاً له ولاداخل العالم ولاخارجه وأولئك يقولون هذا خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد للمعقول الصريح وأولئك يقولون لهم إثبات ما بين بالجهة خارج العالم ليس بمؤلف ولامركب أيضاً خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 409)
للمعقول الصريح وإذا كانت كل طائفة تذكر أن قول الأخرى يتضمن مخالفة العلم الضروري والمعقول الصريح لم يكن هذا النزاع لفظيًّا محضاً ولا هو أيضاً نزاعاً في جميع مسمى الجسم ومسمى القائم بالنفس بل في بعضه فإن أولئك يوافقون هؤلاء على نفي بعض مسمى الجسم وهو التأليف والتركيب ولا يوافقونهم على نفي المباينة بالجهة وامتناع خلوه عن المحايثة والمباينة وهؤلاء يوافقونه في لفظ القائم بالنفس على استغنائه عن الغير وعدم حاجته إليه وهو وجوب الوجود لكن لايوافقونهم على عدم مباينته بالجهة وامتناع قائم بنفسه غير مباين القائم الآخر بغير الحقيقة والزمان بل عندهم كل قائم بنفسه لابد أن يباين القائم الآخر بنفسه بغير الحقيقة والزمان إذ المباينة بالحقيقة والزمان وتوابع ذلك تحصل بين القائم بنفسه وبغيره وبين القائمين بغيرهما فظهر أن الذين يفسرون الجسم بالقائم بنفسه دون التركيب وافقوا أولئك على نفي بعض مسمى الجسم عندهم دون بعض وأولئك وافقوا هؤلاء على إثبات بعض مسمى القائم بنفسه دون بعض وأن أولئك
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 410)
يقولون يعلم بالاضطرار أن كل ما هو قائم بنفسه لايكون إلا جسماً كما يقول هؤلاء يعلم بالضرورة أن ما يكون جسماً لايكون إلا مؤلفاً وقد قدمنا فيما تقدم أنه إذا كانت كل طائفة مصيبة فيما تذكره من العلم الضروري فخطأُ المثبتة أقل من خطأ النفاة في الشرع والعقل فإن المثبتة أثبتت ما علم بالفطرة والشرعة من أن الله فوق العالم وقد وافقها على ذلك سلف الأمة وأئمتها وغايتهم أنهم نفوا بعضهم لوازم ذلك وأما النفاة فإنهم نفوا ما علم بالفطرة والشرعة ثبوته وادَّعَوا وجود موجود يعلم بالفطرة عدمه وأخرجوه عن النقيضين وأثبتوا له النقيضين فكانوا أكثر تناقضاً وتعطيلاً ونفياً للحق وإذا كان كل من العلمين ضروريًّا لزم المعنى الذي سموه تأليفاً وتركيباً واستعمالنا في هذا الموضع وفي غيره لفظ الضرورة مثل قولنا معلوم بالضرورة وبالاضطرار وهذا من العلوم الضرورية ومما يضطر الإنسان إلى العلم به ونحن مضطرون إلى العلم بكذا ونحو ذلك من باب المخاطبة لهم بلغتهم وعرفهم واصطلاحهم وهذا الاصطلاح قد اشتهر حتى صار ظاهراً في ألسنة أهل العلم من عامة الطوائف والذي يضطر إليه الإنسان
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 411)
قد يكون علماً وقد يكون عملاً وقد يراد بالاضطرار إليه وجوده بغير اختياره وقد يراد احتياجه إلى وجوده فإن هذا في الأصل مشتق من الضرر وهذا اللفظ جاء في كتاب الله تعالى متضمناً هذا المعنى كما قال تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) [البقرة 126] وقال أيضاً فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة 173] فحذف فاعل اضطر لأن الجوع هو الذي اضطره يعني جعله محتاجاً إلى ذلك والجوع ضرر وهناك يضطر إلى العذاب بمعنى يلجأ إليه بغير اختياره والعذاب هو الضر ر فتارة يكون الضرر من جهة السبب المضطر وتارة من جهة الغاية التي يضطر إليها لكن لما كان هذا متضمناً معنى الإلجاء والاضطهاد والإكراه ونحو ذلك مما فيه عدم الاختيار استعمله هؤلاء فيما يوجد بغير اختيار الإنسان من العلم وإن لم يكن هنالك ضرر وما يوجد بغير اختياره وتارة لا يكون له فيه اختيار أصلاً وتارة يكون مختاراً له من وجه دون وجه كالمضطر إلى الإطعام ولهذا ما كان من القسم الأول سموه ضروريًّا بلا نزاع وما كان من القسم الثاني سماه بعضهم ضروريًّا ولم يسمه بعضهم ضروريًّا بل سماه كسبيًّا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 412)
واختياريًّا ونظريًّا ومن قال بالأول قال العلوم كلها ضرورية في الانتهاء وهذا حق والنزاع لفظي وهم لا يطبِّقون ذلك إلا على العلوم الصادقة بناءً على أن العبد لايضطر إلى اعتقاد غير حق وهذا صواب في القطرة الصحيحة فإنها مفطورة على الشعور الصحيح والإرادة لكن إذا غيرت الفطرة فقد يضطر إلى إكراه فاسد كالإحساس الفاسد ويضطر إلى إرادة فاسدة كما دل عليه القرآن الوجه الثاني عشر قوله فذلك المشار إليه إما أن لايبقى منه شيء في جوانبه الستة أو يبقى يقال له هؤلاء المنازعون نزاعاً معنويًّا يقولون لايجوز أن يقال يبقى منه شيء ولايجوز أن يقال لا يبقى منه شيء لأن البقاء وعدمه فرع على كونه مركباً منقسماً وإذا قدرنا أنه قائم بنفسه مشار إليه بالحس ليس بمركب لم يَجُز أن يقال يبقى أو لا يبقى فهذا قولهم في المقام الأول فإن قال هذا خلاف الحس أو الضرورة لم يدفع ذلك فإنَّ دَفْعَ ذلك يكون باطلاً من جنس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 413)
دفعه الباطل بل يقال إما أن يكون هذا حقًّا أو خطأً فإن كان حقًّا فلا كلام عليه وإن كان خطأ فلا ريب أنه أبعد عن الخطأ من دعوى موجود لاداخل العالم ولا خارجاً عنه ولامبايناً لغيره ولامحايثاً له وكون القائم بنفسه لايباين القائم بنفسه إلا بالحقيقة والزمان أو كون القائم بنفسه لا يباين القائم ينفسه بالجهة ونحو ذلك من الأمور التي كُلُّ من فهمها وتصورها علم أنها مخالفة للحس والضرورة ولاريب أن الفطرة هي بذلك أعظم إقراراً منها بهذا فإنك إذا عرضت على كل ذي فطرة سليمة وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو وجود الباري لافوق العالم ولافيه ونحو ذلك يكون إنكاره بفطرته ذلك إنكاراً يضطر إليه لا يملك دفعه عن نفسه ولو عرضت عليه موجوداً فوق العالم مشاراً إليه بالحس لايوصف بأنه يبقى منه شيء في جوانبه الستة أو لايبقى لم يكن إنكاره لهذا بفطرته وبديهته كإنكاره لذلك فإنَّ فَهمَ هذا أدق وهو بعد فهمه أقرب إلى دخول الشبهة فيه من الأول ولهذا كان الذين قالوا ذلك فيهم من فضلاء المسلمين وأعيان العلماء ما ليس في أولئك فإن أولئك ليس فيهم من يقلده المسلمون فرعاً من فروع الدين فضلاً عن أن يقلدوه أصول دينهم ولا فيهم إلا من له مقالات تخالف إجماع المسلمين بل هو كفر صريح
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 414)
الوجه الثالث عشر قوله وإما أن يبقى منه شيء فهذا يقتضي كونه مركباً مؤلفاً من الجزأين أو أكثر يقال هذا مبنيٌّ على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة وهذا فيه نزاع مشهور فالمؤسس من الموافقين في هذا الأصل فالمنازع يقول لا أسلِّم أنه إذا بقي منه كان مركباً من الجزاء بل هو واجب في نفسه وإن تميز في الحس أو العلم منه شيء عن شيء الوجه الرابع عشر أن هذا بعينه يَرد عليك في جميع ما أثبته من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك وهذا قد أورده عليك نفاة الصفات فقال في حجتهم إن ذات الله لو كانت موصوفة بصفات قائمة لها لكانت حقيقة الإلهية
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 415)
مركبة من تلك الذوات ومن تلك الصفات ولو كانت كذلك لكانت ممكنة لأن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى أجزائها وكل واحد من أجزائها غيرها فإذن كل حقيقة مركبة في ذاتها فهي محتاجة إلى غيرها وذلك في حق الله تعالى محال فإذن يستحيل اتصاف ذاته بالصفات وقال في الجواب قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما نلتزمه وهذا الجواب يقال نظيره إن عنيتم بكونه مؤلفاً مفتقراً إلى غيره افتقاره إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال أن تكون تلك الذات بما هي عليه من الصفة والقدر الواجبة واجبة لذاتها وإن عنيت
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 416)
أن تلك الذات لا يمكن وجودها أو لايعقل وجودها إلا على هذا الوجه فهذا مما نلتزمه الوجه الخامس عشر أن هذا يلزم سائر بني آدم وسائر من أقرَّ بوجود شيء ما فإن الموجود لابد أن يتميز منه شيء عن شيء وأما الوجود الواجب فالتميز فيه أظهر لأنه أكمل وأتم فلابد أن يتميز عن غيره من الموجودات بخصوص ذاته الواجبة مع مشاركته لها في عموم الوجود وهذا إثبات لمعنيين يُعلم أحدهما مع عدم العلم بالآخر فإما أن ينفي أحدهما مع تقدير عدم الآخر أو لا ينفي فإن لم ينفِ لزم أن يكون أحدهما عين الآخر وهو محال وإن جاز ذلك جاز ذلك في نظيره فلا فرق بين أن تُجعل الحقيقتان المتميزتان في الذهن إحداهما عين الأخرى أو يجعل الحيزات المتميزات أحدهما عين الآخر وغن لم ينف لزم التركيب من صفتين وأكثر فكذلك القول في كونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً وذي عناية وفاعلاً وموجباً لغيره وسائر
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 417)
هذه المعاني وقول القائل هذه الأمور إضافية ليست وجودية لاينفعه ولو لم يقل إن الإضافات من جملة الأعراض الوجودية فكيف إذا قيل ذلك وذلك أنا نعلم بالاضطرار أن هذه الأمور يختص بها الموجود دون المعدوم وأنه لايجوز وصف المعدوم بها والأمور العدمية المحضة لا يختص بها الموجود ولا يكون وصف المعدوم بها ممتنعاً وأيضاً فإن المعدوم يوصف بنقائضها فيقال ليس بفاعل ولا عاقل ولامعقول ولا عقل ولا واجب ولا له عناية فلو كانت هي أموراً عدمية لكانت نقائضها وجودية فإن الوجود نقيض العدم ولو كانت نقائضها وجودية لامتنع وصف المعدوم بها فإنه من أَبْدَهِ العلوم الضرورية أن الوجود لايكون صفة للعدم فإن كانت نقائضها صفة للعدم كانت عدماً فتكون هي وجودية وهي معانٍ ثابتة لواجب الوجود بالاضطرار ولابد من ثبوت معاني متعددة لكل موجود فإن كانت هذه المعاني المتميزة في العلم من ضرورة الوجود الواجب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 418)
وغير الواجب كان ما سموه تركيباً من ضرورة كل موجود فلا تكون محالاً بل تكون واجباً ويمتنع وجود موجود بدون هذه المعاني التي سموها تركيباً ويكون نفيها نفياً للوجود وذلك جماع السفسطة ولهذا جعل الناس أول قولهم سفسطة وآخره زندقة الوجه السادس عشر قوله أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لاتقبل التفريق والانحلال إلا أن هذا لايمنع من كونه في نفسه مركباً مؤلفاً كما أن الفلسفي يقول إن الفلك جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنع من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً يقال له هذا مثل قول القائل إن القول بثبوت الصفات قول بثبوت الأعراض والأعراض لا تقوم إلا بمتحيز غاية ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة للموصوف لا تفارقه ولا تزايله ولهذا امتنع من امتنع من تسميتها أعراضاً قال لأن العرض ما لا يبقى بل يَعرض ويزول وتلك الصفات
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 419)
لازمة باقية فيقال له إلا أن هذا لا يمتنع كونه في نفسه متحيزاً قامت به الصفات التي هي من جنس الأعراض كما أن الفلسفي لما اعتقد في الإنسان أنه حيوان ناطق وأن هذه صفات ذاتية له لايمكن أن تفارق ذاته لا في الذهن ولا في الخارج لم يمنعه ذلك من أن تكون هذه الصفات عنده أعراضاً وكذلك إذا قال القائل القول بكونه عالماً قادراً حيًّا هو قولٌ بثبوت هذه الصفات بل إذا قال القائل القول بكونه واجب الوجود أنه فاعل العالم وأنه عاقل ومعقول وعقل وأن له عناية ونحو ذلك هو قول بثبوت الأعراض والصفات والتركيب أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن هذه الصفات والأجزاء ذاتية للموصوف لايقبل مفارقتها ومما يوضح ذلك أن هؤلاء يسمون الصفات الذاتية أجزاء
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 420)
ويقولون أجزاء الحد وأجزاء الكم والقدر فهم إذا أثبتوا هذه المعاني كانوا مضطرين إلى القول بثبوت هذه الأمور التي يسمونها أجزاء وصفات ذاتية ونحو ذلك ومتى ادعوا أنها أمور ليست وجودية وأن المفهوم منها واحد كانوا من أعظم الناس مكابرة للضروريات في كل واحدة من الدعوتين ومتى أقروا بما هو معلوم بالفطرة الضرورية وبما هو أجلى العلوم البديهية أنها أمور وجودية وليس أحدهما هو الآخر فقد أقروا بما منه فروا وهذا شأن من فر من الحق الذي لا يفرّ منه إلا إليه ولا ملجأ منه إلا إليه قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) [الذاريات 49] قالوا لتعلموا أن خالق الأزواج واحد فأخبر أن لكل شيء ندًّا ونظيراً خلاف زعم الذين جعلوا له ولداً وقالوا لم يتولَّد عنه ولم يصدر عنه إلا
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 421)
واحد وهو العقل الأول ثم قال فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) [الذاريات 50-51] فأمرهم بالفرار إليه وأن لايجعلوا معه إلهاً آخر فمن طلب نفي شيء عنه أو إثبات شيء له بالتسوية بينه وبين غيره فقد أشرك به ووقع فيما عنه فرَّ ولم ينجه إلا الفرار إلى الله وحده الوجه السابع عشر أن قول القائل في جميع هذه المعاني الثابتة في حق الرب أقصى ما في الباب أن يقول قائل هي لازمة ذاتية لاتقبل الانفصال والزوال كلامٌ فاسد فإن هذا ليس أقصى ما في الباب وليس هذا هو الفارق بين رب العالمين وبين بعض مخلوقاته بل بينهما من عدم التشابه والتماثل ما لا يدركه عقل عاقل وما يتصور من قدر مشترك فيه نوع مشابهة ما فتلك من أبعد الأمور بعداً عن الحقيقة بحيث لايقتضي مماثلة بوجه من الوجوه إذ هذه الأمور لا تقتضي مماثلة بين الوجودين المخلوقين فَأَنْ لا تقتضي بين وجود الرب الخالق ووجود المخلوق أولى وأحرى وهذا كقول القائل إذا كان حيًّا عالماً قادراً والعبد حيًّا عالما ً قادراً فقد ثبت أنه مركب أو انه مماثل ونحو ذلك أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 422)
بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب ولذا أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب أقصى ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة دون هذه وكذلك سائر النظائر بل هو مثل أن يقول القائل إذا كان موجوداً وهذه المشهودات موجودة فقد تماثلا في الحقيقة الوجودية أقصى ما في الباب أن يقول هذا واجب وهذا ليس بواجب وكل هذه المقاييس والأمثال المضروبة باطلة فإن حقيقة ذات الله تعالى التي هي ليس بينها وبين غيرها من الحقائق تماثُل بوجه من الوجوه بل كل ما يعلم من التباين بين موجود وموجود فالتباين الذي بين الله وبين خلقه أعظم من ذلك بما لا يقدر قدره إلا الله إذ العلم بحقيقة ذلك من خواص الرب سبحانه وتعالى ولا يعلم ما هو إلا هو لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] الوجه الثامن عشر أنا قدمنا غير مرة أن الله لايضرب له المثل بغيره ولا يسوَّى بينه وبين غيره لا في نفي ولا في إثبات بل هذا من الإشراك وجعل الأنداد والأكفاء له وهذا من
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 423)
أعظم الأمور فساداً وتحريماً في العقل والدين وذلك أكبر الذنوب بل ما ثبت لغيره من صفات الحمد والثناء فهو أحق به وأولى ولايكون مماثلا لذلك الغير في ذلك النفي والتنزيه وفد ذكرنا أن مثل هذا القياس العقلي والمثل المضروب هو الذي يستعمل في باب الربوبية في كتاب الله تعالى في باب التنزيه عن الشركاء والأولاد وغير ذلك ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه قال نعم قال فاقضوا الله فالله أحق بالقضاء وهذا المعنى جاء في أحاديث متعددة صحيحة فقبول الاستيفاء من الإنسان عن غيره لما
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 424)
كان من باب العدل والإحسان كان الله أحق بالعدل والإحسان من العباد وكان الذي يقضي عن غيره حق المخلوق هو أحق بأن يقضي عنه حق الخالق من جهتين من جهة أن حق الخالق أعظم ومن جهة أنه أعدل وأرحم ونظير ذلك في جانب النفي ما رواه الإمام أحمد في مسنده أنهم لما فاتتهم الصلاة سألوه هل يقضونها مرتين فقال أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم يقول إنه نهى عن الربا لما فيه من الظلم وهو المعاوضة عن الشيء بما هو أكبر منه في الديون الثابتة في الذمة بعوض أو غيره وهو أحق بتنزيهه عن الظلم من عباده وكذلك الأمثال والمقاييس التي تضرب في عمل العبد له مثل طاعته وعبادته وشكره وخوفه ورجائه والاستحياء منه وغير ذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم لبهز بن حكيم لما قال فإذا كان أحدنا خاليًا قال فالله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 425)
أحق أن يُسْتَحْيَى منه من الناس ومثل قوله في القرآن وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة 62] فالأمثال تضرب تارة لما يوصف به من الصفات والأفعال وهو الحق الموجود وتارة لما يؤمر به الإنسان من الأعمال وهو الحق المقصود وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما رأى امرأة من السبي لما رأت طفلاً أخذته فأرضعته أترون هذه طارحة ولدها في النار قالوا لا يا رسول الله قال للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها فيه قياس الأولى لكن من باب التصور وقد يستعمل من باب
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 426)
التصديق بأن يقال إذا كانت هذه لكونها كانت سبباً في وجود هذا فيها هذه الرحمة فالرب الخالق لكل شيء ووجود كل شيء منه أحق بأن يكون رحيماً بذلك ومن باب الأمر قول ابن عمر لغلامه نافع وقد رآه يصلي في ثياب ناقصة فقال أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت تذهب هكذا فقال لا فقال فالله أحق من تُزُيِّنَ له من الناس وهذا يسبه حديث بهز بن حكيم ومنه الحديث
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 427)