الاستحالات، جاز عليه عدم صورته وفسادها. كما هو المعروف في الأجسام، التي يجوز عليها التفرق والاستحالة. فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن هذه الأمور، التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته؛ ولهذا كان تنزهه عن ذلك بينًا في الفطرة، معروفًا في العقول، للعلم بأنه حق واجب الوجود بنفسه، يستحيل عليه ما يناقض ذلك، فتبين أن ما ذكره من المساواة وإن كان حقًّا، فلم يذكره على الوجه المحقق، ولا ذكر دليله المقرر له، بل ذكر شيئًا يحتاج إليه مع ما فيه من الإيهام.
الوجه التاسع عشر: أنه لو قال: لو جازت عليه هذه الصفات، لزم افتقاره إلى خالق آخر، أو لزم أن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق. لكان قد نبه على دليل نفي هذه الأمور، وإن كان لم يبينه ويقرره؛ إذ تجويز هذه الأمور، إنما يستلزم الافتقار إلى خالق. وكون الإمكان أو الحدوث، ليس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
محوجًا إلى الخالق، إذا تبين أن بهذه الأمور يجب أن يكون محدثًا وممكنًا، وهو لم يبين ذلك، فكيف وهو لم يقل ذلك؛ بل علق هذا الانتفاء بمماثلة للممكنات فيه.
الوجه العشرون: أنه لو بين أن هذه الأمور، تستلزم الحدوث والإمكان، كان هذا وحده كافيًا في تنزيه الرب عنها، للعلم بأنه قديم واجب الوجود؛ وأما كون الممكن المحدث لا بد له من خالق، وأن الحدوث والإمكان محوج إلى الخالق. فذاك يذكر لبيان ثبوت الخالق القديم واجب الوجود، ولا يذكر لبيان تنزيهه عما يستلزم عدمه؛ فإن الكلام في تنزيهه عن ذلك، إنما هو بعد أن يقرر العلم بوجود الخالق القديم الواجب الوجود، فإذا تقرر ذلك، بين أنه لا يجوز عليه ما ينافي ذلك، لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين؛ لا لأن تجويز ذلك، يقتضي ابتداءً أنه يفتقر إلى خالق؛ إذ الكلام إنما هو في الخالق. فيقال: لو جاز هذا عليه، امتنع أن يكون هو الخالق القديم، وكان هذا أبين في الدلالة على المقصود، مما ذكره في أصل إثبات واجب الوجود.
الوجه الحادي والعشرون: أن نفي المماثلة واجب في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
صفات الكمال، كالعلم والقدرة والحياة، بل والوجود. فيقال: لو كان مماثلًا لغيره في هذه الصفات، فيوصف غيره بمثل ما يوصف به من الوجود، وصفات كمال الوجود لزم تماثلهما، وإذا تماثلا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر، فيلزم أن يكون القديم محدثًا، والمحدث قديمًا، والواجب ممكنًا والممكن واجبًا، وأمثال ذلك. فهذا ونحوه يدل على أنه ليس مثله شيء في وجوده ونفيه، وصفات الكمال الثابتة لوجوده ونفسه، وإذا انتفى عنه مماثلة شيء له في الوجود وصفات كمال الوجود، كان هذا إثباتًا، لأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفوًا أحد، وأنه لا سمي له. أما أن يترك هذا كله ولا يذكر إلا تنزيهه عن صفات النقص، ولا ينزه عنها إلا عن مماثلة للمخلوقات فيها، ولا يذكر دليل لزوم حدوثه وإمكانه، أو لزوم اجتماع النقيضين، مما هو بَيِّنٌ معروف *يبين استحالة ذلك، بل لا يذكر إلا ما يدل على أنه لا بد من واجب الوجود* فهذا كما ترى. فلو قيل له، لكان هذا كلامًا متوجهًا.
الوجه الثاني والعشرون: لا نسلم أنه لو ساوى غيره في هذه الأمور، لزم افتقاره إلى خالق آخر، ولزم أن يكون الإمكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
والحدوث غير محوج إلى الخالق. فإنك لم تبين هذه الملازمة، والقول الذي تنفيه لم يحتج إلى هذا الدليل، وإن لم يكن بينًا بنفسه، لم يكن في إثبات واجب الوجود نفيه؛ إذ الكلام في أن واجب الوجود، هل هو متصف به أم لا؟ لا في إثبات واجب الوجود. ثم قد تبين بهذه الوجوه أن هذا المقام، لما قال فيه ما هو حق، لم يحققه لا تصويرًا ولا تصديقًا، والكلام إذا تبين ما هو باطل، وبين ما فيه حق، ثم تبين ولم يقرر، كان فيه ما فيه.
الوجه الثالث والعشرون: قوله: «فيثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
اعتراف بثبوت أمر على خلاف مايحكم به الوهم، ويقضي به الخيال» .
يقال: لا يخلو إما أن تكون ناقلًا عنهم ما تقوله؟ أو ملزمًا لهم أن يقولوا ما لم يقولوه؟ فإن كنت ناقلًا عنهم لم يحسن قولك: أنه لا بد لهم من الاعتراف بذلك؛ فإن هذه إقامة للحجة بأن عليهم الاعتراف؛ لا نقل عنهم للاعتراف، مع أن القوم في نفي هذه الآفات والنقائص، ونفي التمثيل والتشبيه، من أعظم الأمة قولًا بذلك -كما دل عليه الكتاب والسنة، والحجج العقلية- لا يحتجون في نفي التمثيل بهذه الحجة الفاسدة التي لا تدل على نفي التمثيل مطلقًا، وإنما تدل إذا كملت على تنزهه، عن بعض الآفات والنقائص، المستلزمة عدمه أو لجواز عدمه. فلا نقلت عنهم ما يقولونه من التنزيه. ولا احتججت على التنزيه، بحجة موجبة مطلقًا؛ بل ولا تدل بنفسها على شيء منه. وإن كنت ملزمًا لهم بمقتضى هذه الحجة، فالإلزام إنما يكون لمن لا يقر بمضمون الحجة، والقوم من أعظم الناس قولًا بموجب هذه الحجة، ووجوب تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن هذه الأمور وغيرها، كما علم ذلك بالشرع والعقل. ومعلوم أن المطلوب إذا كان اعتراف المنازع به من أظهر الأمور، كان إثبات اعترافه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
بإثبات وجوب اعترافه به، وإثبات الوجوب بمثل هذه الحجة فيه ما فيه، مع [أن] نفي دخول اعتراف الناس لا يقتضي وجوب اعترافهم، لكونهم قد ينازعون في ثبوت الوجوب.
الوجه الرابع والعشرون: أن هذه الحجة، إنما توجب أنه لا تجوز عليه هذه الصفات المقتضية للعدم، وهذا ولله الحمد متفق عليه بين المسلمين؛ بل بين المقرين بالصانع، حتى أن عليه المشبهة والمجسمة، الذين يقولون: إنه لحم ودم، وإنه ندم حتى عض يده، وجرى الدم ونحو ذلك؛ لكن يذكر عن بعض اليهود، أنه مرض حتى عادته الملائكة، وهذه الحجة لا تنفي شيئًا من التشبيه والتمثيل، فذكرها ضائع. فما توجبه هذه الحجة يكتفى به في هذا المقام، وما يثبته القوم، وسائر المؤمنين من التنزيه والتقديس لا يعتمد فيه على مثل هذه الحجة. فلم يذكر ما يصلح لهذا المقام لا من المذهب ولا من الدليل.
الوجه الخامس والعشرون: أن الذي هو أبلغ من مقتضى هذه الحجة من نفي التمثيل والتشبيه يقولون به، كما يقول به سلف الأمة وسائر الأئمة، وليس فيه حجة لما ادعيته، فكيف في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
مضمون هذه الحجة، وذلك أن نفي التمثيل والتشبيه، لا يقتضي تجويز كونه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إثبات ما يعلم ببديهة العقل امتناعه، كما تقدم بيانه.
الوجه السادس والعشرون: أنك قلت: «هم معترفون بأن ذاته مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وهذا نقل صحيح؛ ثم قررت هذا النقل بأن بحثت بالحجة التي ذكرتها، أن خصوص ذاته لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وهذا ليس هو ذلك المنقول، ولا أقمت عليه دليلًا، فكان هذا من الأغاليط، وبه يحصل المقصود من اعترافهم بأنه لا مثل له.
الوجه السابع والعشرون: قولك: «فثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوص ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
الخيال» أمر لم تنقله عنهم، ولا دلت الحجة عليه، حتى يقال يجب اعترافهم به، كما أنها إنما دلت على امتناع العدم والآفات، التي هي ملازمة العدم عليه، كالمرض ونحوه، وهذا حق؛ لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن خصوص الذات، مما لا يصل إليه الوهم والخيال. وإن كان هذا حقًّا، إذا فسر بمعنى صحيح؛ فإن العلم بكونه موجودًا واجب الوجود، يمتنع عليه العدم وما يستلزم العدم، لا يتعرض لكونه يعقل بالعقل والخيال، أو الوهم والحس أو غير ذلك، لا بنفي ولا إثبات أصلًا، فضلًا عن أن يكون كنهها معلومًا أو غير معلوم، فأي ملازمة بين الحجة والدعوى؟! بل لو أقمت الحجج الصحيحة الدالة على نفي التمثيل -كما قررنا نحن- لم يكن في ذلك تعرض لنفي معرفة كنهه، ولا نفي لمعرفته بحس أو خيال أو غير ذلك؛ فضلًا عن كونك لم تذكر إلا ما يقتضي وجوب وجوده!
الوجه الثامن والعشرون: أن القوم مع سائر أهل السنة، يقولون: إن حقيقة البارئ غير معلومة للبشر؛ ولهذا اتفقوا على ما اتفق عليه السلف، من نفي المعرفة بماهيته وكيفية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
صفاته؛ ثم جمهورهم يقول ما يقوله السلف، من نفي المعرفة بالكيفية، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته بمثال. ومنهم من يقول: كما يقوله طوائف، من النفاة المعتزلة وغيرهم: إنه لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال، فلا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته، ولا يبلغ قدره غيره، كما في الدعاء المأثور: «يا من لا يعلم ما هو إلا هو» بل قد قال في الجنة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه» وتصديق ذلك في كتابه، حيث قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] فهم لا يحيطون علمًا بكنه عامة المخلوقات، فكيف يحيطون علمًا بكنه الخالق تعالى، وقد قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] وفي الصحيح عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الخضر الذي قال الله عنه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) } [الكهف: 65] قال لموسى الذي كلمه الله تكليمًا: «ما نقص علمي وعلمك، من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» لما ركب في السفينة، وقد وقف عليها عصفور فنقر في البحر نقرة، وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول في سجوده، وروي أنه كان يقوله في قنوته، أيضًا: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فإذا كان أعلم الخلق بربه، لا يحصي ثناءً عليه، فكيف بمن هو دونه بدرجات لا يحصيها إلا الله.
وإن كان هذا الذي يقولونه، ويثبتونه بالأدلة الشرعية والعقلية، لم تذكر أنت عليها حجة، ولا نقلت فيها مذهبًا: فقولك: «لا بد من الاعتراف بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها» تقصير وتفريط، فإنه لا يصل إلى كنهها لا علم ولا عقل، ولا معرفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
ولا حس، ولا وهم ولا خيال، ولا نوع من أنواع الإدراكات، فتخصيص الوهم والخيال بذلك، يشعر بأن الوهم والخيال يصل إلى كنهها، وأنهم يفرقون بين هذا وهذا، وأنه يجب التفريق بين وصول الوهم والخيال إلى كنهها، وبين وصول العلم والعقل، وكل هذا غلط.
الوجه التاسع والعشرون: أنه إذا لم يكن فرق في نفس إدراك كنهه، بين الوهم والخيال، وبين الحس، وبين العلم والعقل، لم يحصل شيء من مطلوبك؛ فإن المطلوب أنه لا بد من الاعتراف بثبوت أمر على خلاف حكم الحس والخيال، والذي ذكر لا فرق فيه بين الحس والخيال وبين العقل؛ فإن هذه الأمور لا تكيف ذاته، ولا يلزم من نفي اكتناه ذاته نفي معرفته بها، كما لم يلزم نفي معرفته بالعلم والعقل. فإن قوله: «لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوص ذاته، التي امتازت به عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به «الخيال» -مع أنه لم يذكر حجة عليه- لا فرق فيه بين الوهم والخيال، وبين الحس والعقل والعلم، فإن شيئًا من ذلك لا يصل إلى كنهه. وإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
كان مقصوده الفرق بين الوهم والخيال، وبين العقل والعلم بهذا -مع أنه لا فرق بينها من هذا الوجه، ومع أن ذلك لا ينفي معرفته بذلك، وإن لم يوصل ذلك إلى كنهه- ظهر أن ما قاله ليس فيه تحصيل لغرضه، مع ما فيه من التفريق بين الأشياء فيما اتفقت فيه.
فتدبر هذا كله، فإنه كلام حق [به] ، يعرف كيف أضل هؤلاء لعباد الله، بمتشابه الكلام، كما قال الإمام أحمد في وصفهم: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس، بما يتكلمون به من المتشابه» .
الوجه الثلاثون: أنه لو عارضه معارض، وقال: قد ثبت أنه لا فرق فيما ذكرته من نفي الوصول إلى كنهه بالعقل والوهم والخيال، ثم ثبت بذلك أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالعقل، فقد ثبت أيضًا، أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالوهم والخيال، لكان هذا متوجهًا أكثر من كلامه.
الوجه الحادي والثلاثون: أن يقال: الذين اتفقوا من أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
السنة وغيرهم، على أن العباد لم يعرفوا كنهه في الدنيا، تنازعوا في إمكان ذلك، وفي حصول ذلك، عند رؤيته في الأخرى، وهذا يبين أن معرفة حقيقته وكنهه بالحس، أولى منها بالعقل، ثم الخيال والوهم يتبع الحس، فهذا قد يستدل به، على إمكان معرفة كنهه وحقيقته، بالحس والخيال والوهم.
الوجه الثاني والثلاثون: قوله: «وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال» كما أنه لا يلزم من عدم وصول العلم والعقل إلى كنه الذات، أن يكون على خلاف، ما يقضي به العلم والعقل، ويحكم به الحس كما تقدم، مع أن هذه العبارة هنا ليست ظاهرة المعنى.
الوجه الثالث والثلاثون: أن لفظ «الوهم» ، و «الخيال» في هذه المواضع التي ذكرتها تحتمل شيئين؛ فإن هذه الألفاظ كثيرًا ما تستعمل، فيما يتوهمه الإنسان ويتخيله، مما لا يكون له حقيقة في الخارج، مثل ما يتخيل جبل ياقوت، وبحر زئبق، ونحو ذلك، ومثل ما يتوهم شخصًا أنه عدوه ويكون وليه، أو أنه وليه ويكون عدوه، وأمثال هذه الاعتقادات، التي لا تكون مطابقة، ترتسم في نفس الإنسان فيتخيلها ويتوهمها، وتكون باطلة من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
جنس الكذب: ولهذا إذا دفع نوع من هذه الأقوال يقال: هذا خيال، وهذا وهم، وقد أوهم فلان كذا، ومنه سميت الخيلاء. والمختال مختالًا، لأن المختال يتخيل في نفسه من عظمته وقدره ما لا حقيقة له {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد: 23] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» فهمزه الوسوسة، ونفخه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
الكبر، ونفثه الشعر، فإن الكبر ينفخه حتى يصير مغطى في الخيال، مع أنه حقيقة كالظرف المنفوخ، من غير أن يكون فيه شيء.
ولكن استعمال لفظ «التخيل» و «التوهم» في هذا من جنس استعمال لفظ الاعتقاد الفاسد، والظن والجهل، فيما لا يكون مطابقًا، وإن كان جنس الاعتقاد قد يكون حقًّا وعلمًا، وكثيرًا ما يستعمل فيما يتخيله ويتوهمه، مما يكون له حقيقة في الخارج، فيكون التخيل والتوهم، ولفظ التخيل والتوهم صادقًا مطابقًا، مثل ما يتخيل الإنسان في نفسه، ما أدركه بصره وغيره من الحواس، ويتوهم في نفسه ما علمه من الصفات، إذ قد يصطلح بعض أهل الطب والفلسفة، على أن التخيل للصور، والتوهم للمعاني التي فيها. ولفظ التخيل والتوهم، يعم القسمين المطابقين وغير المطابق، كما يعم لفظ الخبر للخبر الصادق والكاذب، ولفظ الكلام للحق والباطل، ولفظ الإرادة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
للمحمود والمذموم، ولفظ الظن والحسبان للمصيب والمخطئ، ولفظ الاعتقاد للحق والباطل. فما يتخيله الإنسان ويتوهمه، قد يكون حقًّا أو باطلًا، مثل ما يعتقده، ويظنه، ومنه سمي السحاب مخيلة، لأنه يخال فيه المطر، وفي حديث عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا رأى المطر جلس» ومنه قول الشاعر:
أنَّى رأيت مخيلة لمعت … وتلألأت كمواقع القطر
فهذا في التخيل.
وأما في «التوهم» بلفظ التهمة؛ وأصله وهمة. يقال إذا توهم في الإنسان شيء من الريب، ثم قد يكون ما اتهم به حقًّا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
وقد يكون باطلًا، ولها في الشريعة حكم معروف، حيث يحبس فيها المجهول الحال، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في التهمة» ولهذا صنف الحارث المحاسبي كتابًا سماه «كتاب التوهم» مضمونه أن يتصور الإنسان في نفسه، ما أخبر الله به من أمور الآخرة وغيرها، ليتذكر ذلك ويحققه في نفسه. واسم الجنس إذا كان يعم نوعين، أحدهما أشرف من الآخر، فقد يخصون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
في العرف النوع الأشرف باسمه الخاص، ويبقون الاسم العام مختصًّا بالنوع المفضول، كما في لفظ الحيوان، والدابة وذوي الأرحام والجائز، والممكن، والمباح، وغير ذلك فلهذا كثيرًا ما يخص بلفظ الوهم، والخيال النوع الناقص، وهو الباطل الذي لا حقيقة له، وأما ما كان حقًّا مما يتخيل ويتوهم، فيسمونه باسمه الخاص، من أنه حق وصدق ونحو ذلك، ومن أنه معلوم ومعقول، فإنه إذا كان حقًّا عقله القلب، فصار معقولًا، كما يعقل أمثاله، ويقال: إنه متصور، ومتذكر ونحو ذلك. وهذا بخلاف لفظ العلم والعقل والإحساس، فإن هذا إنما يقال على نفس الإدراك، الذي هو الإدراك الصحيح. ولفظ التخيل والتوهم، لا يدل على نفس الإدراك؛ وإنما يدل على نحو الاعتقاد، الذي يكون مطابقًا للإدراك تارة، ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها، كما تنشأ فيها العلوم بالنظر والاستدلال. وهذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا. ومن هذا التخيل والتوهم، ما يراه الإنسان في منامه، فإنه ينشأ في نفسه في النوم، وإن لم يكن رآه بعينه في النظر.
وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجمع بين لفظ الحس، وبين لفظ الوهم والخيال، ويجعلهما في قرن واحد، حتى يقول: «لا بد من الاعتراف بوجود شيء، على خلاف حكم الحس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
والخيال» فإن الإحساس هو موجب العلم الصحيح، وأصله الإبصار، كما قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) } [مريم: 98] وقال يعقوب: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] وقال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» وأما الخيال والوهم، فهو من نحو الاعتقاد، الذي يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، وقد يخص باسم الباطل. فأين هذا من هذا؟
وإن أراد أنه لا يحس، أي: لا يرى. فهذا باطل، كما تقدم التنبيه عليه.
الوجه الرابع والثلاثون: أن يقال له: ما تريد بلفظ الوهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)