أيضا من فوائده: ذم من يشهد ولا يستشهد ولكن ما محط الذم هنا؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذا، فقيل: المعنى: أنهم يشهدون بدون أن يحملوا الشهادة، وهذا أقرب ما قيل في الحديث، بمعنى أن المراد بهم: شهداء زور، لأن هذا هو المناسب لأحوال من وصفوا من بعد، وبناء على ذلك نقول: لا معارضة بينه وبين الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول فيمن عنده شهادة الحق ولكن أداها قبل أن يسألها، وسيأتي التفصيل في هذا أيضا، وقيل: المراد بقوله: "يشهدون ولا يستشهدون" أي: أنهم يشهدون متسرعين في الشهادة لا لغرض صحيح ولكن للتسرع، وهذا لا شك أنه ذم كما هو واضح، إنسان لم يدع للشهادة يذهب ويشهد هذا لاشك أنه تسرع يخالف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من التأني والتثبت.
ومن فوائد الحديث: التحذير من شهادة الزور وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا سيقع.
ومن فوائده: أن الإخبار بالشيء لا يعني جوازه، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن قوما يأتون يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فهل إخباره بذلك إقرار أو تحذير؟ تحذير، وأخبر أن من هذه الأمة من يتبع سنن اليهود والنصارى، وهذا إخبار وليس بإقرار، بل هو تحذير، وأخبر أن الظعينة تمشي من صنعاء إلى عدن لا تخشى أحدا، وهذا أيضا إخبار لا إقرار، فلا يكون فيه دليل على جواز سفر المرأة بلا محرم.
المهم: أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مما يخالف الحكم الشرعي فإنه لا يدل على أن الرسول أقره أو أباحه.
ومن فوائد الحديث: أنه يفسد الزمان أيضا بأن يظهر في الناس الخيانة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أنها تنزع الأمانة حتى يقال القبيلة فيهم أمين، يعني: لا يكاد تجد الأمين في القبيلة الكاملة.
ومن فوائده أيضا: أنه يتغير الزمان بنقض العهد: "ينذرون ولا يوفون"، وكل هذه الأوصاف التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم كلها مقام ذم وتحذير.
الحديث الأول حديث زيد إذا قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها؟ نقول: هذا فيه تفضيل، والتفضيل: أنه إذا كان المشهود له لا يعلم وجب عليه أن يشهد وإذا لم يسأل.
فإذا قال قائل: كيف يتصور أن المشهود له لا يعلم؟
قلنا: يتصور، لو سمع شخصا رجلا يقول لصاحبه: إن القرض الذي أعطيته لي الذي هو
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 179)
ألف درهم سوف أحضره بعد يوم أو يومين، ثم إن الذي أقر أنكر، وذاك الذي له الحق له يعلم بسماع هذا منه، فهذا نقول: إن هذا عنده شهادة لم يعلم بها صاحب الحق.
ويذكر في ترجمة المعري أنه كان رجلا قوي الحافظة، وأنه تخاصم رجلان فارسيان في المسجد يتنازعان [بلغتهم] في المسجد، وأنهما مع النزاع أقر أحدهما للآخر ثم أنكر، فارتفعا للحاكم، فقال الحاكم: هل عندك شهود -يقوله لصاحب الحق- قال: أين أقر لك؟ قال: في المسجد، قال: هل في المسجد أحد؟ قال: لا يوجد إلا رجل أعمى ولا أدري ما عنده، قال: أحضروه، فجاء فقال: أنا لا أدري ما يقولان، ولكن أنا أحكي لك كلامهما! ! هو عربي وهما عجم، فقال: احك وبدأ يرطن عليه وتبين الحق، فهذه إن صحت تدل على قوة الحافظة، يعني: ليس كلاما عربيا يفهمه الإنسان؛ لأن الكلام العربي تفهم المعنى، ويمكن أن تعبر عنه بلفظ مقابل أو باللفظ نفسه، لكن كلام غير غربي وهذا الرجل غير عربي هذا من العجائب إن صحت القصة، لكني قرأتها قديما في ترجمته.
على كل حال نقول: يمكن أن يشهد الإنسان بحق وهو لا يدري عن شهادته، نقول: الأفضل لمن شهد شهادة لا يعلم بها صاحب الحق أن يؤديها قبل أن يسأل، بل نقول: يجب أن يؤديها أو على الأقل يعلم صاحب الحق.
وأما القسم الثاني فإنه إذا كان عنده شهادة لشخص يعلمها فالأفضل ألا يتسرع حتى يسأل إما من قبل الخصم وإما من قبل الحاكم، وأما أن يتسرع، فهذا يدل على أنه رجل خفيف وأنه لا يتأنى في الأمور، وحمله بعض العلماء على أن المراد بذلك: الشهادة في حق الله، يعني بذلك: أهل الحسبة، فإنهم يشهدون على المنكر وإن لم يستشهدوا، ولكن الصحيح أنه عام، وأن المراد بذلك: من كان عنده شهادة وليس يعلمها صاحب الحق.
حكم شهادة الخائن والعدو والقانع:
1342 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت». رواه أحمد وأبو داود.
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة"، خائن في حق العباد أو في حق الله؟ الحديث عام، أما الخائن في حق العباد فهو الذي يخون أماناتهم من ودائع وعوار وأعيان مضمونة وغير ذلك، وأما في حق الله فهو الذي لا يقيم دينه، لأن دين الله عز وجل مؤتمن عليه الإنسان كما قال الله تعالى: {إن عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} [الأحزاب: 72].
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 180)
وقوله: "ولا ذي غمر"، وضبطه بعضهم: "غمر" لكن الأصوب غمر، والعمر هو الحقد والشحناء، وقوله: "على أخيه" يعني: أن شهادة من في قلبه حقد وشحناء لا تقبل على أخيه، وأما على غيره فتقبل، "ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت"، "القانع"، يعني: التابع لأهل البيت كما قال الله تعالى: {أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال} [النور: 31]، والمراد بهم: الخدم، وقوله: "لأهل البيت" يحتمل أن تكون متعلقة بـ"شهادة" أو ب"القانع"؟ إن قلنا: متعلقة بـ"القانع" صار المعنى: التابع لأهل البيت، وكلاهما صحيح؛ يعني: أن التابع لأهل البيت لا تجوز شهادته لهم.
ففي هذا الحديث: دليل على أن هؤلاء لا تجوز شهادتهم، وذلك أنه ينبغي أن نقول الشهادة لابد فيها من شروط ولابد فيها من الخلو من الموانع كغيرها من الأمور لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، فنبدأ بالشروط.
الشرط الأول: أن يكون مسلما، فالكافر لا تقبل له شهادة، أما على المسلم فظاهر، وأما على كافر مثله فالصحيح أنها تقبل، لاسيما في الأماكن التي لا يوجد فيها أحد من المسلمين، وعلى هذا فأصحاب الشركات الكفار والعمال الكفار يجوز أن يشهد بعضهم على بعض وإن كانوا كفارا، لكن هل تجوز شهادة الكافر على المسلم للضرورة؟ يرى بعض العلماء أنها تجوز للضرورة ويرى بعضهم أنها لا تجوز إلا في شيء معين وهو الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، يعني: لو كان رجل مسافرا وليس معه إلا كفار وأوصى بوصية في السفر ثم عند المخاصمة من الورثة الذين أنكروا الوصية يقبل الحاكم شهادة الرجلين من غير المسلمين.
فالإمام أحمد في المشهور من مذهبه يقول: لا تجوز شهادة الكافر إلا في هذه الحال، ولابد أن يكون من أهل الكتاب.
والصحيح: أن شهادة الكافر عند الضرورة تجوز سواء في السفر أو غيره، وسواء كان الكافر من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب، فمثلا: لو فرضنا أن رجلا مريضا في المستشفى ويمرضه طبيبان من الكفار وأوصى عند موته بوصية ولم يحضره في المستشفى قبل موته إلا هذان الكافران وشهدا فإننا نقبل شهادتهما للضرورة، ولكن إذا ارتبنا فهناك عمل آخر.
الشرط الثاني: البلوغ، ولكن البلوغ شرط للأداء وليس شرطا للتحمل، وعلى هذا فلو تحمله وهو صغير وأدى للشهادة بعد البلوغ فإنها تقبل. وهذا يقع كثيرا تكون القضية لها سنة أو سنتان ويشهد بها بالغ كان حين الوقوع -وقوع القضية- ليس ببالغ، فالعبرة بالأداء.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 181)
ولكن هل تقبل شهادة الصبي للضرورة؟ بمعنى: أن تكون قضية لم يشهدها إلا صبيان، وهذا يقع، صبيان يلهون في السوق فأخذ أحدهم حجرا وقذف به الآخر حتى شجه، فجاء أولياؤه يطالبون هذا الذي أخذ الحجر فشج صاحبهم، فقال أولياء الجاني: هل عندكم شهود؟ قالوا: كل الصبيان يشهدون، فهل تقبل شهادتهم؟ لا تقبل؛ لأنهم كلهم لم يبلغوا ولابد من البلوغ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فبعضهم قال: لا تقبل شهادتهم، وبعضهم قال: تقبل شهادتهم إذا لم يفارقوا محل الحادث؛ لأنهم إذا فارقوا محل الحادث ربما ينسون أو يلقنون، لكن طالما في محل الحادث تقبل لعدم التهمة، ومنهم من قال: العبرة بالضرورة، فمثلا: يوجد بالغ كما هو البالغ فإنها تقبل، لاسيما مع وجود القرائن، وهذا فيما أرى أنه راجع إلى رأي الحاكم، يعني: له أن يختار واحدا من هذه الأقوال الثلاثة، لكن إذا أجمع الصبيان على أن الجاني هو فلان فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف في وجوب العمل بهذه الشهادة.
الشرط الثالث: العقل، فإن كان مجنونا لم تقبل الشهادة، فإن تحمل وهو مجنون وأدى وهو عاقل لا تصح؛ لأن هذا لا يمكن، إذن فالعقل شرط للتحمل والأداء، ومما يلحق بالمجنون: الذي أصيب بعقله من جراء حادث أو غيره هذا أيضا لا تقبل شهادته، لأنه لن يضبطها.
الرابع: العدالة، بمعنى: أن يكون الشاهد عدلا، لقول الله تعالى: {وأشهدوا ذوى عدل منكم} [الطلاق: 2]. فأمر الله تعالى أن نشهد ذوي عدل، أي: صاحب عدل.
فمن ذوا العدل؟ قال العلماء: العدل من استقام دينه واستقامت مروءته، أو من استقام في دينه ومروءته، هذا العدل في الدين، قالوا: بأن يحافظ على الواجبات ولا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، فإن فعل كبيرة لم يتب منها أو أصر على صغيرة فإن شهادته لا تقبل؛ لأنه ليس بعدل.
وبناء على ذلك لا نقبل تحملا ولا أداء شهادة كل من يحلق لحيته، لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل شهادة كل من يدخن؛ لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل من اغتاب أحدا ممن لا يحل اغتيابه -ولو مرة واحدة- إذا لم يتب لا نقبل شهادته، ولو طبقنا هذا الشرط على عالمنا اليوم ما وجدنا أحدا يكون مستحقا للشهادة، حتى بعض الناس الذين هم على دين واستقامة لا يخلون من غيبة الناس، فلو طبقنا هذا الشرط ما وجدنا شاهدنا.
كذلك أيضا المروءة لابد أن يستقيم في مروءته، فلو فعل فعلا يخرجه عن المروءة ويشار إليه به ويستنكره الناس منه وإن كان حلالا فإنه ليس بعدل، وهذا مشكل، يعني: لو خرج واحد منكم -ممن تجري العامة بأنه لا يخلع غترته- خالعا غترته ماذا يكون؟ مخالفا للمروءة، وهذا في قوم يعتادون ستر رءوسهم بالغترة، أما من اعتاد كشف الرأس فهذا شيء آخر.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 182)
كذلك لو خرج إنسان في السوق يمشي ومعه تفاحه بيمينه وبرتقالة بيساره يأكل باليمين مرة وباليسار مرة، هذا بكون خارما للمروءة من وجه فاعلا محرما بالأكل بالشمال.
من فوائد الحديث: أن الخيانة مانع من قبول الشهادة لقوله: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة"، ووجه ذلك: انتفاء العدالة؛ لأن الخيانة من أكبر الأسباب التي تزول بها العدالة، ومن شروط الشهادة: العدالة: {وأشهدوا ذوى عدل منكم} [الطلاق: 2].
ومن فوائد الحديث: التحذير من الخيانة؛ لأن رد شهادته من أعظم العقوبات؛ لأنه صار غير معتبر في المجتمع.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأحوال، وأنها مقدمة على مراعاة الأشخاص لقوله: "ولا ذي غمر على أخيه"، فإن هذا الرجل في نفسه ثقة، أعني: الشاهد على أخيه وبينهما عداوة، فإنه ثقة في نفسه لكن حاله تقتضي ألا تقبل شهادته عليه.
ومن فوائد الحديث: أن العداوة والبغضاء لا تنافي الأخوة الإيمانية لقوله: "على أخيه".
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل العداوة والبغضاء عن قلبه بين إخوانه؛ لأن قوله: "على أخيه" فيه نوع استعطاف لهذا الذي في قلبه حقد، فحاول أن تزيل العداوة والبغضاء والحقد عن قلبك بقدر ما تستطيع، واضغط على النفس؛ لأن النفس قد لا تقبل هذا، وقد ترى أن هذا انهزام، ولهذا قال الله تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 35]، لكن حاول، [واعلم] أنك إذا قابلت السيئة بالحسنة فإن الذي بينك وبينه عداوة سيكون كأنه ولي حميم، وهذا وعد الله عز وجل وليس مخلفا.
لا تقبل شهادة البدوي على صاحبه قرية:
1343 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية». رواه أبو داود، وابن ماجه.
البدوى: ساكن البداية، وصاحب القرية: ساكن المدن، والقرية هنا ليست خاصة بالمدينة الصغيرة كما هو معروف من معناه عرفا، ولكنها تشمل المدن والبلاد الصغيرة، بدليل قول الله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} [محمد: 13]. والمراد بالقرية: أم القرى، وهي: مدينة عظيمة ومع ذلك سماها قرية؛ لأنها مأخوذة من الاجتماع، فيؤخذ منه: أن شهادة البدوي على صاحب القرية لا تقبل، ولكن هذا العموم مقيد بما إذا كان البدوي متهما بشهادته، وأما إذا كان عدلا غير مهتم فإنها تقبل لعموم الأدلة الدالة على قبوله.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 183)
وعلم من هذا الحديث قبول شهادة البدوي، وهذا أيضا مقيد -أعني: قبول الشهادة- بما إذا لم يكن بينهما عداوة كالعداوة التي تكون بين القبائل في الغالب.
ومن فوائد الحديث: قبول شهادة صاحب القرية على صاحب القرية، وهل لابد أن يكون من قريته أو لو كان من قرية مجاورة؟ الثاني.
ومن فوائد الحديث: قبول شهادة صاحب القرية على البدوي، وهذا مأخوذ من المفهوم لا تجوز شهادة البدوي على صاحب القرية، فمفهومه: أن صاحب القرية على البدوي شهادته مقبولة، لكن كما قلنا: إن هذا مقيد بما إذا لم يكن هناك تهمة، فصار المدار كله في هذه الأشياء على التهمة، بمعنى: أن يكون الشاهد يجر إلى نفسه نفعا ولو بالتشفي من عدوه أو يدفع عنها ضررا.
العبرة في عدالة الشاهد بما يظهر:
1344 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم». رواه البخاري.
عمر بن الخطاب يتكلم بهذا الكلام حين ولايته بدليل قوله: "وإنما نأخذكم … إلخ". يقول: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي"، كأنه يشير رضي الله عنه إلى بعض المنافقين الذين علمهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بهم من أخبر من أصحابه مثل حذيفة بن اليمان صاحب السر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلمه بأسماء أناس بأعيانهم من المنافقين، يقول: "يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وحي الله عز وجل، وإن الوحي قد انقطع بماذا؟ بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فمن ادعى أن الله أوحى إليه شيئا بعد موت الرسول فهو كاذب؛ لأن الوحي انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم دون ما بطن؛ لأن ما بطن علمه عند الله، ولا يمكن أن يؤخذ الإنسان به.
ففي هذا الحديث فوائد: أولا: ثبوت علم الله بمن يخالف قلبه ما ظهر من جوارحه ولهذا يخبره الله عنهم.
ومن فوائده: أن الله تعالى قد يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن أناس ظواهرهم تخالف بواطنهم بالوحي.
ومن فوائد الحديث: أنه لا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرؤيا الصادقة إذا ظهرت القرائن على صدقها فإنه يؤخذ بها، لكن بشرط أن يكون هناك قرائن، ومثلوا لذلك بعمل أبي بكر بوصية ثابت بن قياس بن شماس، ثابت بن قيس بن شماس قتل في غزوة اليمانية ومر به
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 184)
أحد الجنود وأخذ درعه ووضعها بجانب العسكر ووضع عليها برمة، ورآه-أي: رأى ثابت بن قي بن شماس بعض أصحابه في المنام -فأخبره ثابت بأنه مر به أحد الجند وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة بجانب العسكر وحوله فرس تستن وكأنه يريد أن يأخذه، فلما أصبح الرجل وذهب إلى المكان وجد الأمر كما قال، وفي هذه الرؤيا أوصاه ثابت بأمور يعهد بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، وسبب ذلك أنه وجد قرائن تدل على صدقه، فإذا وجدت قرائن تدل على صدق الرؤيا عمل بها؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
ومثله ما ذكره ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه أشكل عليه بعض المسائل في الفقه والعلم، منها: أنه يقدم جنائز من أهل البدع لا تدري أمسلمون هم أم كفار؟ ! فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأسله عن أشياء منها هذه المسألة فقال له: عليك بالشرط يا أحمد بمعنى: أن تشترط في الدعاء فتقول: اللهم إن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه، وله شاهد من الوحي في اليقظة، الشاهد ما جاء في آية اللعان في قوله تعالى: {والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين} [النور: 7]. والمرأة تقول: {أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 9]. فهو دعاء مقيد بشرط، وكذلك في قصة الثلاثة أبرص والأقرع والأعمى، قال الملك لهم: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت عليه، فدل هذا على جواز الاستثناء في الدعاء، إذن فإذا قدم للإنسان شخص اشتهر عنه أنه لا يصلي -ومعلوم أن ترك الصلاة كفر، وأن من ثبت عندنا أنه لا يصلي ومات على ذلك -لا نصلي عليه؛ لأنه كافر ونكفره بعينه، ولا نستوحش من هذا؛ لأننا لو استوحشنا وقلنا: نفكر الفعل دون الفاعل فهذا خطأ لم يبق أحد كافرا، نكفره بعينه ونقول: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، فإذا قدم إليك رجل تشك فيه فلك أن تقول: اللهم إن كان مسلما فاغفر له وارحمه.
ومن فوائد هذا الأثر عن عمر: أن الواجب أخذ الناس بظواهرهم لقوله: "وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لها من أعمالكم"، ويؤيد هذا القول من أمير المؤمنين عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين حتى قيل له في قتلهم، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، وكذلك يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر ملكم، وإنكم تختصون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع»، فنحن في هذه الدنيا لا نعامل الناس إلا على ظواهرهم، أما في الآخرة فالعمل على البواطن.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 185)
وجه اتخاذ هذا الأثر في باب الشهادات: أن الأصل في المسلم هو العدالة وقبول الشهادة، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل الأصل في المسلم العدالة أو الأصل فيه عدم العدالة؟
في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إن الأصل إنه ليس بعدل فلا تقبل شهادته حتى تتبين لنا عدالته؛ لأن العدالة شرط وجودي فلابد من وجوده، اشترطه الله في قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]. ومنهم من قال: إن الأصل في المسلم أن يكون قائما بطاعة الله ممتثلا بأمره والفسق طارئ عليه، فالأصل فيه العدالة والذي يظهر لي أن يقال: إن هذه المسألة تختلف باختلاف الناس، فمن لم يظهر منه سوء حملناه على العدالة وقبلنا شهادته، لكن للخصم المشهود عليه أن يطعن فيه ويجرحه، ثم يعطى مهلة لإقامة البينة على جرحه، فإن ثبتت فحينئذ ترد شهادته، وهذا الذي نقوله فيمن لم تظهر عدالته وتتبين لجميع الناس، وفيمن لم يظهر فسفه وانحرافه، أما من ظهرت عدالته وصار معروفا عند الناس فهذا لا إشكال في أن الأصل في العدالة، ولهذا لو طعن أحد في الإمام أحمد وقال: لا ندري هل هو عدل فنقبل روايته أم لا؟ لا حاجة لهذا، لا حاجة أن نطلب التعديل في مثل الإمام أحمد أو نحوه من العلماء الأئمة الثقات، ولو طعن إنسان في شخص معروف بالفسق والفجور لا حاجة إلى أن نقول: هات البينة؛ لأن هذا أمر واضح للناس كلها.
شهادة الزور:
1345 - وعن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر». متفق عليه في حديث طويل.
الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قالوا ليته سكت. فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر، فما هي شهادة الزور؟ الزور مأخوذ من الازورار وهو الانحراف، وشهادة الزور: كل ما خالف الحق، فمن شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه فهو شاهد زور، ومن شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، ومن شهد بما علم على الوجه الذي علم شاهد حق.
فشاهد الزور قسمان: من شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه ومن شهد بما لا يعلم، وأما شاهد الحق فهو الذي شهد بما يعلم على حسب ما علم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 186)
مثال ذلك: رجل ادعى على شخص بألف ريال وأقام شاهدا، والشاهد يعلم أن المدعي كاذب ولكنه شاهد؛ لأن المدعي صاحب له، فالشهادة هنا شهادة زور لا شك، لأنه شهد بما بعلم أنه باطل.
ومن شهد بما لا يعلم مثل أن يدعي شخص أنه سلم فلانا مائة ورقة في ظرف وعنده شخص آخر يشهد أنه أعطاه الظرف لكن لا يدري ما الذي في الظرف هل هو دراهم أو رسائل أو خرق؟ لا يدري، ولكنه لما أقيمت الدعوى شهد بأنه أعطاه ظرفا فيه الدراهم فهذا شهد شهادة زور؛ لأنه لا يعلم ما في هذا الظرف فتكون شهادته شهادة زور.
وأما من شهد بالشيء الذي يعلمه على الوجه الذي يعلمه فهذا شهادته شهادة حق، إذن شهادة الزور من أكبر الكبائر لما يترتب عليها من إتلاف الأنفس والأموال والأبضاع والأعراض؛ لأن شاهد الزور لا تقتصر شهادته على أن يشهد بدرهم أو بدرهمين، ولكنه قد يشهد بما يؤدي إلى الرجم، قد يشهد بما يؤدي إلى قطع اليد، قد يشهد بما يؤدي أن ترد شهادة المشهود عليه، فلذلك كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر، وعظم النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الزور بأمرين: بالقول والفعل، أما القول؛ فلأنه كررها حتى تمنى الصحابة أنه سكت، وأما الفعل فكان متكئا فجلس، وهذا يدل على تعظيم الأمر، أرأيت لو أن شخصا دخل عليك في البيت وأنت متكئ وأنت تعظمه ألست تقوم وتقعد لعظم من ورد عليك؟ لكن لو دخل عليك ابنك الصغير وأنت متكئ لا تهتم له، فكون الرسول صلى الله عليه وسلم متكئا فيجلس يدل على عظم الأمر وهو كذلك لما يترتب على هذه الشهادة من العظم.
في هذا الحديث فوائد: أولا: ما ذكره المؤلف رحمه الله من أن شهادة الزور من أكبر الكبائر.
ثانيا: أن الذنوب كبائر وصغائر، فما هو حد الكبيرة؟ اختلف العلماء في ذلك، منهم من عد الكبائر عدا ولم يذكر لها حدا، ومنهم من ذكر لها حدا، واختلفوا أيضا فقيل: ما ختم بلعنة أو غضب أو نفي إيمان فهو كبيرة، وما لم يختم بذلك فهو صغيرة.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في بعض كلامه: أن ما رتبت عليه العقوبة الخاصة فهو كبيرة؛ لأنه خص بذكر العقوبة، وما ذكر التحريم فيه أو الكراهة بدون أن تذكر له العقوبة فهو من الصغائر.
ومن فوائد الحديث: أن الكبائر تختلف، فيوجد كبائر دون الأكبر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر».
ومن فوائد هذا الحديث: أن شهادة الزور من أكبر الكبائر كما ذكر، لكن أعدناها لما يترتب عليها من التحذير من شهادة الزور.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن أشهد بما دلت القرينة عليه أو أشهد بالقرينة فقط؟
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 187)
الجواب: أشهد بالقرينة فقط، يعني: لو أن إنسانا رأى شخصا صاحب دين وخلق ادعى على شخص فاسق بأنه سرق بيته فهنا القرينة تدل على أن الدعوى صحيحة؛ لأن المدعي ثقة وأمين وصاحب دين، والثاني بالعكس، هل يجوز أن تشهد بأنه سرق بيته؟ لا لكن يجب أن تشهد بالقرينة، نقول مثلا: أنا أشهد بأن هذا الرجل المدعي ثقة وأمين ولا يمكن أن يدعي ما ليس له، وأما الثاني فهو رجل فاجر بأنه يحصل منه ما شهد به عليه.
فالمهم: أن ما ثبت بالقرائن لا يجوز الجزم به شهادة، ولكن يشهد به على الوجه الذي يعلمه الشاهد، بمعنى: أنه يشهد بالقرينة، والأمر بعد ذلك إلى الحاكم.
الشهادة على ما استيقن وبالاستفاضة:
1346 - وعن ابن عباس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد، أو دع». أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ.
"قال لرجل" من هذا الرجل؟ نقول: لا يعنيا هذا، المهم معرفة القضية والحكم، وأما تعيين الرجل فلا شك انه زيادة علم لكنه ليس ضروريا في ثبوت الحكم، ولهذا يأتي مثل هذا كثيرا، وقوله: "ترى الشمس"، من المعلوم أن الرسول يعلم أنه يرى الشمس؛ لأنه مبصر، لكن قال ذلك ليبني عليه ما بعده وهو قوله: "على مثلها فاشهد"، وقوله: "نعم" حرف جواب، وقوله: "على مثلها فاشهد" الجار والمجرور متعلق بقوله: "اشهد" والفاء هنا مزيدة لتحسين اللفظ، ولو حذفت لاستقام الكلام بدونها، لو قال مثلا: على مثلها أشهد لاستقام الكلام، لكنها زيدت لتحسين اللفظ كزيادتها في قوله تعالى: {فإني فارهبون} [النحل: 51]. والأصل: إياي ارهبون.
قال: "على مثلها أشهد أو دع" يعني: إن ظهر لك الأمر جليا كما ترى الشمس وإلا فلا تشهد، دع.
المؤلف رحمه الله جزم بأن هذا الحديث إسناده ضعيف ولكنه مع ضعف إسناده إلا أن متنه صحيح كما يدل على ذلك قول الله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهو يعلمون} [الرخرف: 86]. ولأن الشهادة: هي الإخبار عن يقين، فلابد فيها من علم متيقن، كما يتيقن الإنسان الشمس إذا رآها.
فالحديث ضعيف كما قال المؤلف ونحن نقلد المؤلف في هذا، ولكن متنه صحيح، ولابد من أن يؤخذ به، في هذا الحديث على تقدير صحته-: أنه ينبغي للإنسان أن يقرب الأحكام بالأمور المحسوسة؛ لقوله: "ترى الشمس"، وذلك بأن تقريب المعقول بذكر المحسوس من حسن
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 188)
صناعة التعليم كما قال الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يشهد إلا بما يتيقنه كما يتيقن الشمس لقوله: "على مثلها فاشهد أو دع".
ومن فوائده: أنه لا تجوز الشهادة بغلبة الظن وإن قوي، وقد سبق لنا أنه إذا رأى شيئا تقوى به غلبة الظن فإنه يشهد بما رأى، والحاكم له أن يتصرف، ومثلنا لذلك برجل خرج من دكان وفي يده صره لكنه لا يعلم الذي فيها وادعى صاحب الدكان أنه حق لهذا الرجل الذي بيده الصرة قضاه، فهل يشهد بذلك مع أن ظاهر الحال والقرينة أنها هي الدراهم التي عليه؟ لكن نقول: لا يشهد، ولكن يشهد بما رأى.
ومن فوائد الحديث: تعظيم أمر الشهادة وأنه يجب فيها التثبت، ولاسيما إذا كانت في أمر خطير، فإنه كلما عظم الخطر في المشهود به تعين التثبت أكثر مع أن الأمر اليسير له حقه في التحري، أي: تحريم الشهادة على ما لا يعلم، وما أسكر كثيره فقليله حرام، يعني: أن الإنسان ربما يشهد بالشيء اليسير ويقول: هذا أمر يسير أو سهل أنا أشهد وهذا ضمن المشهود عليه يقول هذا أمر نقول هذا يجره إلى الشهادة بما هو أكبر.
القضاء باليمين والشاهد:
1347 - وعنه رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيني وشاهد». أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال: «إسناده جيد».
1348 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان.
"قضى" بمعنى: حكم، والقضاء هنا قضاء شرعي، وقوله: "بيمين" أي: من المدعي، و"شاهد" على ما ادعى، "شاهد"، أي: شاهد واحد، وهذا يقتضي أنه ذكر الآن شاهد اسم فاعل مذكر فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بيمين ورجل واحد.
وهذا الحديث اختلف العلماء في تخريجه، أما صحته فصحيح؛ لأنه أخرجه مسلم، وقد جوده النسائي فهو صحيح، لكن حكمه قال بعض أهل العلم: إنه غير مقبول؛ لأنه خبر آحاد،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 189)
والقرآن ظاهره يعارضه لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282]. ولم يقل: رجل ويمين، وعلى هذا فيكون غير مقبول لمعارضته القرآن، ولكن الصحيح أن الحديث صحيح السند والمتن وأنه يجب العمل به، وأن هذا القضاء موافق للقياس تماما؛ وذلك لأنه إذا شهد مع المدعي شاهد واحد قوى جانبه بلا شك لكن الشاهد الواحد لا يقوى على ثبوت الحكم، فأكد ذلك بيمين المدعي، واليمين إنما تكون في جانب أقوى المتداعيين ليست على المدعى عليه دائما، بل قد تكون في جانب المدعي إذا قوى جانبه، وهذا المدعي الذي أقام شاهدا قوي جانبه، فلما قوي جانبه بدعواه أكدت هذه القوة باليمين، كذلك المدعى عليه، فلو ادعى شخص على آخر بشيء وأنكره فإننا نحكم ببراءة المدعى عليه بيمينه؛ وذلك لأن جانبه أقوى؛ حيث إن الأصل عدن ثبوت ما ادعاه المدعي، فيكون هذا الحديث موافقا تماما للقياس.
وأما إذا أقام المدعي شاهدين فإننا نحكم له بذلك وإن لم يحلف؛ لأنه لا يحتاج إلى اليمين لما تم النصاب.
وخلاصة القول: أن هذا الحكم مطابق للأصول تماما، ووجه المطابقة أن المدعي لما أقام الشاهد قوى جانبه، والقياس أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين سواء كان هو المدعي أو المدعى عليه، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المنكر إذا لم يقم المدعي بينة لقوة جانبه بالأصل، فإن الأصل عدم صحة ما ادعى عليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في القسامة في جانب المدعين؛ لأن جانبهم قوي بالعداوة التي كانت بينهم وبين المدعى عليهم.
والقسامة أن يدعي قوم على قبيلة أخرى أنهم قتلوا صاحبهم وبين القبيلتين عداوة، فهنا إذا حلف خمسون من المدعين على عين المدعى عليه حكم بأيمانه بدون أن يقيموا أدنى بينة.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن الآية؟
نقول: إن الآية ليست في الحكم، الآية في الاستشهاد، فالمطلوب من الإنسان إذا استشهد أن يستشهد برجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، حتى لا يحتاج فيما بعد إلى اليمين، لأنه لو استشهد واحدا احتاج إلى أن يحلف معه ليثبت ما ادعاه، لكن إذا استشهد اثنين لم يحتج إلى اليمين، فالآية في الابتداء؛ أي: في الاستشهاد وليست في الأداء، أي: في أداء الشهادة، ولما انفكت الجهة انفك التعارض، فلم يكن بين الآية والحديث أي تعارض، لأن كل واحد منهما له جهة.
فالإنسان عند إثبات الحقوق نقول له: اختر أعلى المراتب، وهي: أن نستشهد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ألم تروا إلى الرهن إذا كان الإنسان في السفر ولم يجد كاتبا
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 190)
وأراد أن يأخذ رهنا يوثق دينه، قال الله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]. لأنه لا يتم توثيق الدين إلا إذا قبض الرهن، فلذلك أرشد الله تعالى إلى أعلى الحالين وهي الرهن المقبوض، ومع أن الرهن يثبت ويلزم وإن لم يقبض على القول الراجح.
إذن يستفاد من هذا الحديث: جواز الحكم بالشاهد الواحد بالإضافة إلى يمين المدعي، ولكن هل نبدأ بالشاهد أو نبدأ باليمين؟ نقول: ما دمنا قلنا: إن اليمين شرعت لقوة جانب المدعي فإننا نبدأ بالشاهد أولا فنقول: أشهد فإذا شهد قلنا للمدعي: احلف على ما شهد به فإذا حلف حكمنا له بذلك، وهذا الحكم في الأموال وغير الأموال، يعني: في كل شيء حتى لو ادعى عليه ما يوجب القصاص.
يقول العلماء: هذا في الأموال فقط أما ما يوجب القصاص فلابد فيه من التحري وأن يكون ذلك بشهادة رجلين.
وبمناسبة هذا الحديث ينبغي أن نبين أن البينات في الشهود تنقسم إلى أقسام:
الأول: ما يشترط فيه أربعة رجال عدول، وذلك في الزنا واللواط والإقرار بهما، فلابد من أربعة شهود عدول كما قال الله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]. وعلى هذا فلو شهد أربع نساء على زنا رجل أو امرأة لم تقبل شهادتهم، ولا ثمان نساء ولا ثمانين امرأة، لا تقبل لابد من أربعة رجال عدول: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات} [النور: 6].
الثاني: ما يشترط فيه ثلاثة رجال وهو من سأل لعثرته بعد اشتهاره بالغنى، رجل مشهور بالغنى ثم جاء يسأل من الزكاة فإننا لا نقبل منه حتى يأتي بثلاثة شهود رجال عقلاء ممن يعرفون حاله كما في حديث قبيصة: "حتى يقوم ثلاثة رجال من ذوي الحجى من قومه".
الثالث: رجلان، وذلك في الحقوق غير المالية وما يقصد به المال كحد السرقة مثلا، حد القذف، القصاص، وما أشبه ذلك، هذا لابد فيه من رجلين، وهل تقوم المرأتان مقام رجل؟ لا، أو أربع مقام رجلين؟ لا، هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شهادة ما عدا الزنا والإقرار به واللواط والإقرار به.
الرابع: رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، هذا أوسع الشهادات، وهذا في المال وما يقصد به المال، في المال كما لو ادعى شخص على أن له في ذمته ألف ريال وأتى برجلين [هل] يحكم له بذلك؟ نعم، أتى برجل وامرأتين؟ يحكم له، برجل ويمينه؟ يحكم له، هذا في المال، وأما ما يقصد به المال كالرهن، مثلا: ادعى شخص أن فلانا رهنه بيته في دين عليه وأقام شاهدين يثبت الرهن، شاهدا وامرأتين يثبت الرهن، شاهدا ويمين المدعي يثبت
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 191)
الرهن، وكذلك لو ادعى أنه اشترط الخيار في البيع أو ما أشبه ذلك هذا هو المال وما يقصد به المال.
الخامس: أن يكتفي فيه بواحد من رجل أو امرأة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا كالولادة، واستهلال الحمل إذا سقط، وكذلك ما ذكره الفقهاء ما يحصل في العرف من إتلاف أموال أو شبهها، قالوا: إن هذا يكفي فيه امرأة واحدة والرجل أولى بالقبول من المرأة، وكذلك الرضاع لو شهدت امرأة أنها أرضعت هذا الطفل، أو أن فلانة أرضعت هذا الطفل يقبل فيه امرأة واحدة، والاستهلال: أن تشهد القابلة التي تولت توليد المرأة بأن الحمل استهل صارخا، فتقبل شهادتها لأجل أن يستحق من الميراث.
السادس: اليمين المجردة مع القرائن، وذلك فيما إذا قوي جانب المدعي، كما في القسامة، وكما لو ادعى شخص على آخر أن الغترة التي معه له، يعني: رأينا رجلين أحدهما هارب والثاني طالب، الهارب عليه غترة وبيده غترة والطالب ليس عليه شيء، الطالب يقول: هات غترتي، والثاني يقول: ليست لك هي بيدي، فهنا نقبل دعوى المدعي لكن باليمين لقوة جانبه.
* * * *
باب الدعاوي والبينات
قال المؤلف رحمه الله: باب الدعاوى، ويجوز الدعاوي؛ لأن فعلى تجمع على فعالي وفعالى كالفتاوى والفتاوي والصحارى والصحاري.
يقول: الدعاوى وهي جمع دعوى، والدعوى أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقا على غيره، عكسها: الإقرار، والإقرار: أن يضيف الإنسان حقا لغيره على نفسه، وبقيت الشهادة وهي أن يضيف الإنسان حقا لغيره على غيره، وهذه القسمة ثلاثة: إما أن تضيف حقا لنفسك على غيرك، وهذه دعوى، أو حقا لغيرك على نفسك فهذا إقرار، أو حقا لغيرك على عيرك، هذه شهادة.
أما البينات فهي: جمع بينة، والبينة هي: ما يظهر به الحق ويبين به الحق، وهي أقسام: إما بينات خارجية، وإما بينات حالية كالقرائن، وإما بينات على البراءة الأصلية كإنكار المنكر.
المهم: أن البينات جمع بينة، وهي ما يبين به الحق سواء كانت شهودا أو إقرارا أو إنكار أو غير ذلك، المهم أنه كل ما بان به الحق فهو بينة، ومن ذلك العمل بالقرائن، كما عمل شاهد يوسف بالقرينة فقال: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 26 - 27].
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 192)
البينة على المدعي واليمين على من أنكر:
1349 - عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس ردماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». متفق عليه.
قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم»، يعني: لو أن الإنسان كلما ادعى شيئا أعطي ما ادعاه لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، دماء رجال بأن يقول: فلان قتل ابني من أجل أن يقتل، وأموالهم بأن يقول: فلان سرق مني كذا وكذا أو استعار مني كذا وجحدها، وكذلك الحقوق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدماء والأموال؛ لأنها الأصل، والحقوق تابعة.
قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم"، قال: "ولكن اليمين على المدعى عليه"، والمدعي بينه في الحديث الذي بعده.
1350 - وللبيهقي بإسناد صحيح: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكره".
وقوله: "لو يعطى الناس بدعواهم"، اعلم أن الدعوى تنقسم إلى قسمين: دعوى مستحيل، يعني: دعوى شيء مستحيل، وهذه لا تسمع أصلا، ولا يلتفت لها القاضي ويصرف المدعي فورا دون أن يطالبه ببينة وغيرها، وهو أن يدعي شيئا مستحيلا مثل أن يدعي أن هذا ابنه والمدعي له عشرون والمدعى به له خمس عشرة سنة، فهنا لا تسمع الدعوى ولا يشكل القاضي لها جلسة ولا يلتفت إليها.
والقسم الثاني: دعوى شيء ممكن لكن الأصل عدمه هذا هو الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ادعى شخص على آخر دما أو مالا أو حقا من الحقوق، فإننا نقول للمدعى عليه أولا: هل تقر بهذا؟ إن قال: نعم قال إشكال، وإن قال: لا، قلنا للمدعي: ألك بينة؟ إن قال: نعم، قلنا: أحضرها، وإن قال: لا، قلنا للمدعى عليه: احلف، فإذا حلف انتهت القضية، ولكن ليس معنى هذا الحلف أنه لو تبين فيما بعد أن هناك بينة، فإنه لا يحلف المدعى عليه، بل إن اليمين لقطع الخصومة الحاضرة فقط، فلا يكون للمدعي دعوى على من أنكر إذا حلف، لكن لو تبين فيما بعد أن الحق مع المدعي ببينة أو غير ذلك، فإن اليمين لا تكون مزيلة للحق إذا ترتب الدعوى.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 193)
حضر رجلان إلى القاضي، فقال أحدهما: إنني أطالب هذا الرجل بألف ريال، هذا مدع ماذا يعمل القاضي؟ يسأل المدعى عليه ويقول: أتقر بهذا؟ إن قال: نعم، انتهت القضية وحكم بإقراره، لكن هذا في الغالب لا يكون إلا حيلة لشيء ما، مثل أن يكون للمدعى عليه ديون لبعض الناس، فيريد أن يتفق مع صاحب له ويقول: أنا سأدعي عليك بدين وأقر به لأجل أن يزاحم الغرماء الآخرين، وإلا ليس من المعقول أن يحضر مدع ومدعى عليه ثم بمجرد ما يقول: أطالبه مائة درهم يقول: نعم، تفضل، هذا بعيد جدا، لكن ربما تكون حيلة، لكن على كل حال إذا أقر انتهت القضية، وحكم بالإقرار، وإن قال: لا، ليس بصادق، ولا حق له عندي، رجعنا للمدعي وقلنا: ألك بينة؟ إن قال: لا، رددنا إلى المدعى عليه، وقلنا: احلف أن فلانا ليس له حق عليك، فإذا حلف برئ وخلى سبيله، وإن أقام المدعي بينة بعد ذلك فهل تقبل؟ نقول: إن كان قد قال: لا أعلم لي بينة ثم أقامها فإنها تقبل؛ لأنه من الجائز أن تكون البينة شهدت وهو لا يعلم أو شهدت بإقرار المدعى عليه وهو لا يعلم بذلك أو كان نسيها.
المهم: أنه إذا نسي العلم بالبينة ثم أقامها بعد تقبل، لأنه لا منافاة بين نفي العلم وبين إقامة البينة، وأما إذا قال: ليس لي بينة ثم أقام بعد ذلك بينة فإنها لا تقبل، وعلل الفقهاء ذلك بأن إقامتها بعد نفيها تناقض فيكون كلامه الثاني مكذبا لكلامه الأول فلا يقبل، ولكن هذا القول متوجه فيما إذا كان المدعي يعرف الفرق بين قوله: لا أعلم، وقوله: ليس لي بينة، وغالب العامة لا يفرقون بين قولهم: لا أعلم لي بينة، وقولهم: ليس لي بينة، وكونه له بينة لا يعلمها يرد كثيرا إما أن يكون البينة تسمع لإقرار في عدم حضور المدعي أو ما أشبه ذلك.
وقوله: "اليمين على المدعى عليه" ظاهر الحديث أن ذلك في كل دعوى، بمعنى: أننا نوجه اليمين في كل مدعى عليه، سواء كان الذي ادعي به عليه من الأمور المالية أو التي يقصد بها المال أو من الأمور الدموية أو من الحقوق، فإن اليمين على المدعى عليه، إذا أبى وقال: لا أحلف، إما أن يأتي ببينة وإلا قضي عليه؛ لأنه قد يكون هذا الرجل يغير على الناس ويدعي عليهم ويحضرهم إلى القاضي ويهدم شرفهم ثم يقول الرجل: لا أحلف، قال العلماء: إذا لم يحلف قضي عليه، لأننا نقول له: لماذا تمتنع من اليمين أحلف إن كنت صادقا فإن اليمين لا يضرك وإن كنت كاذبا فعليك الإثم، وكونك تمتنع عن اليمين يدل على أن المدعي صادق وإلا فما يضرك؟ لا يضرك شيء.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 194)
لكن الفقهاء رحمهم الله خصصوا هذا العموم بما إذا كان الأمر مما يقضى فيه النكول، وأما إذا كان لا يقضى فيه بالنكول، فإنه لا يلزم المدعى عليه الحلف، مثاله: لو أن رجلا ادعى على امرأة أنها زوجته وقال: هذه زوجتي فقالت: لا، لست بزوجة له، فعلى ظاهر الحديث نقول للمدعي: هات البينة؛ لأن المرأة أنكرت، فإذا قال: ليس عندي بينة أو قال: عندي بينة وفقدت أو جنت أو ما أشبه ذلك، ماذا نعمل؟ نوجه -على ظاهر الحديث- الدعوى إلى المرأة ونقول: احلفي أنه ليس زوجك، إذا أبت وقالت: لا أحلف هل يقضى عليها بالنكول؟ لا، لكن ظاهر الحديث أنه يقضى عليها بالنكول؛ لأن الرسول جعل اليمين هي التي نتفي الدعوى، وهذا فيه نظر -أعني: أن نجعل الحديث عاما - لأن في هذا مفاسد كثيرة.
فقد يكون بعض الناس تتحرج أو تتورع أن تحلف وإن كانت صادقة فيحصل بذلك شر كثير؛ ولهذا خصها الفقهاء رحمهم الله بما إذا كان الدعوى لا يقضى فيها بالنكول، فإذا كان لا يقضى فيها بالنكول، فإنه إذا نكل المدعى عليه لم يحكم عليه بمقتضى دعوى المدعي.
البينة ذكرنا أنها كل ما بان به الحق سواء كانت بينة منفصلة كالشاهدين مثلا أو بينة بالقرائن والأحوال، وهو كذلك، وقد مر علينا مثال من هذا وهو القضاء بالشاهد واليمين قلنا: الشاهد وحده لا يكفي، لكنه عزز باليمين لما رجح جانب المدعي بالشاهد صار اليمين مقررا لدعواه.
وهذا الحديث يستفاد منه فوائد: أولا: سد باب الفساد لقوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم"، وهذه هي قواعد الشريعة العامة، لأن الشريعة إنما جاءت باستجلاب المصالح ودفع المفاسد وتأمل هذا في جميع مشروعاتها.
ثانيا: ظاهر الحديث أن الدعوى مقبولة بأي حال كان، وقد ذكرنا أن ذلك مشروط فيما إذا كانت الدعوى ممكنة، فأما دعوى المستحيل فإنها لا [تقبل]، وضربنا لذلك مثلا.
ولكن هل من المستحيل ما يستحيل عادة بحسب مقام المدعى عليه؟ إذا فرضنا أن رجلا من الناس قال: إن الملك اشترى مني حزمة علف هل يمكن هذا عادة؟ لا، جاء بالملك عند القاضي قال: هذا اشترى مني حزمة علف بربع ريال، يعني: فرضا، هل نقول: إن المستحيل ما استحال عادة وواقعا؟ يرى الإمام مالك رحمه الله أن الدعوى على مثل هؤلاء بمثل هذا الشيء الصغير لا تقيل، لكن لو ادعى أن يستولي الأمير أو الوزير على مثل هذا، وما ذهب إليه الإمام مالك هو الصواب؛ لأننا لو قبلنا سماع الدعوى على مثل هؤلاء بمثل هذه الأشياء الزهيدة لحصل في ذلك مضرة، كل إنسان ادعى على إنسان ذي شرف وجاه، ويريد أن يحطم شرفه
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 195)
وجاهه يدعي عليه ويحضره للقاضي، وربما إذا امتنع أرسلوا إليه الشرط يحضرونه وهذه مشكلة، فما ذهب إليه الإمام مالك لا شك أنه قول قوي جدا.
ومن فوائد الحديث: أن كل دعوى لابد فيها من بينة، وهذا وإن كان في الخصومات بين الناس، لكل يشمل حتى في الأحكام الشرعية، أي إنسان يدعي أن هذا حرام أو هذا حلال أو هذا واجب، فإننا نقول: له هات البينة، وما هي بينة التحليل والتحريم والإيجاب؟ الأدلة وهي أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس الصحيح، فلابد لكل مدع من بينة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن البينة هنا مطلقة، ولكنها ذكرنا أنها ما يبين به الحق على حسب ما رتب في الشرع، فمثلا: بينة الزنا أربعة أشياء، بينة مدعي الفقر بعد [أن كان غنيا] ثلاثة، بينة السرقة من أجل القطع شاهدان ومن أجل ضمان المال شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين حسب ما ذكرنا سابقا.
القرعة بين الخصوم في اليمين:
1351 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين، أيهم يحلف». رواه البخاري.
صورة هذا الحديث أن اليمين توجهت على جماعة كل منهم يريد أن يحلف، فأقرع بينهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا ظاهر، ويحتمل أن تكون الدعوى بين خصمين متكافئين لا يترجح أحدهما على الآخر؛ أي: ليس هناك مدع ومدعى عليه، فأسرع أحدهما إلى اليمين ليكون بريئا، فالمسألة تحتمل هذا وهذا، لكن الذي يظهر ويقرب من الأدلة هو أن اليمين توجهت على جماعة؛ يعني: رجل ادعى على جماعة فأسرعوا أيهم الذي يحلف، كل واحد يقول: أنا أحلف دونكم، أنا أحلف حتى أبرئكم كلكم فيسهم بينهم.
ويوجد صورة ثالثة وهي: أن يدعي اثنان عينا بيد غيرهما، والتي في يده لا يدعيها؛ لأنه لو ادعاها لكان عليهما البينة لكنه لا يدعيها، يقول: أنا أعطاها لي رجل لا أذكره، فهنا العين المدعى بها بيد ثالث، كلاهما يقول: أنا أحلف أنها لي، هذا يقول: أنا أحلف أنها لي، وهذا يقول: أنا أحلف أنها لي، فهنا يسهم بينهما، لكن إن جرى صلح فالصلح خير؛ بأن تباع العين. ويقسم بينهما إن لم يكن قسمتها هي بنفسها فتقسم، ولكن إذا كان لا يمكن أن تنقسم كالنعل لا يمكن أن ينقسم بين اثنين، لو أعطينا أحدهما نعلا والآخر نعلا لا يستفيد أحدهما، إذ لابد من بيعها ثم تقسم، فإن قال: أنا أدعي بها كاملة والثاني قال: أنا أدعي بها كاملة ولا
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 196)
يمكن أن أرخص لهذا أن يشاركني فيها، اضطررنا الآن إلى القرعة، وهذه أوضح من الصورتين اللتين ذكرتهما؛ أولا: لأنها واضحة وهي ما إذا كانت العين المدعى بها بيد ثالث وأراد كل منهما أن يحلف ليأخذها فنقول إن اصطلحا على شيء من أي نوع من الصلح ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما فعلى ما اصطلحا وإلا أقرع بينهما، فمن قرع فهي له.
ففي هذا الحديث: عرض اليمين عليه اليمين فإنه لا عبرة بحلفه كما قاله الفقهاء رحمهم الله[حيث] قالوا لا عبرة بحلف المنكر ما لك يعرضها عليها القاضي.
ومن فوائد الحديث: جواز القرعة إذا اشتبه الأحق من غيره فإنه لابد للتمييز من القرعة، يعني: إذا تعذر التمييز بغير القرعة فلابد من القرعة، وقد جاءت القرعة في القرآن في موضعين:
الموضع الأول: قصة يونس لما ركب السفينة وكانت محملة كثيرا، فاضطروا أن يلقوا بعض الركاب فساهم فكان هو من الذين يلقون في البحر.
والثاني: قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكقل مريم} [آل عمران: 44]. والله عز وجل إذا حكى لنا ما سبق من أفعال الأمم فهو دليل على أنه جائز.
أما في السنة فقد جاءت في مواضع منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجلين يتشاحنان على الأذان يستهما، وكذلك على الصف الأول. "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وفي استعمال القرعة فائدة وهي: أنه إذا تعذر التعيين رجعنا إلى القرعة.
فإن قال قائل: القرعة فيها غرر.
قلنا: لكن هذا الغرر بالتساوي لا يختلف أحدهما عن الآخر ولابد منه، ولهذا لو كان متاع بين شخصين على المناصفة وقسماه ثلثين وثلثا ثم قالا: نقرع أينا يكون له الثلث وأينا يكون له الثلثان، هذا لا يجوز هذا ميسر؛ لأنه إذا قرع صاحب الثلث أخذ دون ماله ويأخذ صاحب الثلثين أكثر من ماله، أما إذا كان الأمر بالتساوي فإنه لابد من ذلك.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 197)
ومن فوائد الحديث: جواز المساهمة في الحقوق، لأن هذا مساهمة أيهم أحق باليمين وهو أيضا ثابت كما كان النبي إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وإذا جاز في الأموال ففي الحقوق من باب أولى.
بالنسبة للقرعة كيف تكون؟ تكون القرعة بطرق كثيرة معروفة، منها: ما كنا نستعمله سابقا في المبايعات بأن يجعل أحدنا في يده نواة تمر وفي اليد الأخرى حصاة فيقول: من وقع اختياره على النواة فهو الغارم، ومن وقع على الحصاة فهو المغروم، أو أن يجعل ذلك بالأوراق بأن يكتب مثلا (مستحقا)، غير مستحق، أو أن يكتب (مستحقا)، ويترك بقية الأوراق بيضاء، المهم: ليس لها طريق معين.
غضب الله على من أخذ مال غيره بغير حق:
1352 - وعن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك». رواه مسلم.
"من اقتطع" جملة شرطية، فعل الشرط هو: "اقتطع"، وجوابه: "فقد أوجب الله"، وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مقرون بـ"قد"، و"قد" إذا كانت في جواب الشرط فإنه يجب أن يؤتى قبلها بالفاء كصاحبتها وهن المجموعات في قول الناظم.
(اسمية طلبية وبجامد … وبما وقد وبلن وبالتنفيس)
وقوله: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه" أي: يحلف، وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن يدعي شيئا ويأتي بشاهد ويحلف معه وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقا؛ لأنه استباح ماله بيمين كاذبة.
والصورة الثانية: في مقام الدفاع بأن يكون على شخص حق ثم ينكره وليس للمدعي بينة، فهنا سوف يحلف المدعى عليه ويخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، إذا لها صورتان الصورة الأولى في دعوى ما ليس له، والصورة الثانية في إنكار ما يجب عليه، وكلاهما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنهما: «فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، أوجبها له؛ أي: جعله مستحقا لها؛ لأنه لما فعل هذا الأمر العظيم فكان بذلك انتهك حرمتين:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 198)