الوجوب أو الاستحباب؟ الصحيح أنه على سبيل الاستحباب، وجه ذلك: أن فعله تعبدًا يرجح مشروعيته أو بالأصح يقتضي مشروعيته، والأصل عدم التأثيم بالترك إلا بدليل ففعله إياه يجعله مشروعًا، وعدم تأثيم التارك له يجعله من قسم المستحب لا الواجب، ولهذا كانت القاعدة عند جمهور الأصوليين: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد يدل على الاستحباب لا على الوجوب وهذا هو الصحيح.
الرابع: ما كان مترددًا محتملًا لأن يكون على سبيل الجبلة والعادة أو على سبيل التعبد فهذا تجد العلماء يختلفون فيه، فمنهم من يقول: مستحب، ومنهم من يقول: ليس بمستحب في نوعه، ومثاله: إبقاء شعر الرأس للرجل، هل اتخاذ الشعر سنة أو هو من قسم العادة؟ كذلك أيضًا لبس النعال السبتية التي لها سبتة من ظهر القدم ولها سبتة من خلف العقل هل لبسها على سبيل العادة وبيان الجواز أو على سبيل الاستحباب، لكن المثال الأول أظهر وهو الشعر، فمن العلماء من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه تعبدًا، وبناء على ذلك فإنه يسن لنا أن نتخذ الشعر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله تعبدًا ونحن مأمورون باتباعه والتأسي به، ومنهم من قال: إنه فعله لا على سبيل التعبد بل على سبيل العادة، وأن الناس في ذلك الوقت يرون اتخاذ الشعر فلم يرغب النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم، ولهذا لما قدم المدينة وجد اليهود يسدلون شعورهم، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمر بمخالفتهم وصار يفرقه الأيمن لليمين والأيسر لليسار، وهذا يدل على أنه كان يتبع العادة وأن هذا ليس من الأمور المشروعة، لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه من الأمور المشروعة، ولهذا قال فيه: هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه ولكن له كلفة ومؤنة، فلذلك كان الإمام أحمد يحلق رأسه؛ لأن هذا أسهل فلا يحتاج إلى ترحيل ولا دهن ولا شيء.
الخامس: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا لمجمل أولًا: الذي يترجح عندي أن الأصل في المتردد فيه أنه يلحق بما كان عاديًا أو جبليًا، هذا هو القسم الخامس من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو فعله بيانًا لمجمل مثل أمر الله بأمر على سبيل الإجمال ففعله النبي صلى الله عليه وسلم فهذا له حكم المجمل، إن كان هذا المجمل واجبًا كان ذلك واجبًا، وإن كان مستحبًا كان ذلك مستحبًا، قد نمثل له بقوله تعالى: {وإن كنتم جنبًا فاطَّهَّروا} [المائدة: 6]. وبقوله تعالى: {وأقيموا الصَّلوة} [البقرة: 43]. فالرسول صلى الله عليه وسلم أقام الصلاة وتطهر اغتسل على صفة معينة فله حكم المجمل، لكننا نقول: إن قوله: {فاطَّهروا} الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله ظاهر السُّنة يقتضي أن فعله؛ يعني: كيفية الغسل ليست بواجبة، ففي حديث عمران بن الحصين الطويل الذي رواه البخاري في قصة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 296)
الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم معتزلًا لم يصلِّ في القوم فقال له: "مالك؟ " قال" أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد"؛ لأن الرجل ظن أن الإنسان لو كان عليه جنابة وليس عنده ماء لا يصلي، فجيء بالماء وبقي منه بقية فأعطاه الرجل وقال: خذ هذا فأفرغه على نفسك، وهذا بعد نزول الآية بلا شك، فذهب الرجل واغتسل، هذا الحديث يدل على أن كيفية الغسل التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بها ليست واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة لبينها لهذا الرجل؛ إذ إن هذا الرجل لا يعرف.
المثال الثاني: {وأقيموا الصَّلوة} قلنا: هذا مجمل، ولكن الرسول بيَّنها، لكن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لإقامة الصلاة كان بالقول أحيانًا وبالفعل أحيانًا.
نرجع إلى الاعتكاف "كان يعتكف العشر الأواخر" هذا فعل بيان لمجمل أم لا؟ لا، ليس بيانًا لأمر مجمل، وهل هو على سبيل التعبد؟ نعم، ما الدليل؟ أنه في المسجد والمسجد مكان للعبادة وليس للبدن مصلحة في ذلك، إذن فهو عبادة، فيؤخذ منه: مشروعية الاعتكاف وقد دلّ عليها أيضًا القرآن لقوله تعالى: {ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187]. إذا قال قائل: كيف نعرف من هذه الآية أن الاعتكاف مشروع؟ فنقول: لأن الشارع رتب له أحكامًا، وترتيب الأحكام عليه يدل على مشروعيته والرضا به، فقال: {ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد}، إذن الاعتكاف له حرمة، وهو أن الرجل يمنع من مباشرة أهله فيكون عبادة، وسبق لنا في أول الباب أن الاعتكاف مشروع بالإجماع، نقل ذلك الإمام أحمد، ولا يجب إلا بالنذر لحديث عمر بن الخطاب.
مسألة: وهل يصح في كل مسجد أو في مساجد مخصوصة؟ من العلماء من يقول: لا يصح إلا في مسجد المدينة فقط، ومن العلماء من قال: لا يصح إلا في مسجدي مكة والمدينة، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في المسجد الجامع، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في مسجد الجماعة، ومنهم من يقول: يصح في كل مصلى حتى مصلى المرأة في بيتها لما أن تعتكف فيه، لكن الراجح من هذه الأقوال بلا شك أنه يصح في كل مسجد تقام فيه الجماعة؛ لأنه إذا كان المسجد لا تقام فيه الجماعة فإن هذا الرجل الذي اعتكف إما أن يتردد إلى الجماعة، والتردد الكثير كخمس مرات في اليوم والليلة ينافي الاعتكاف، وإما أن يدع الجماعة فيترك واجبًا لمسنون وهذا لا يجوز، فالصحيح: أنه يصح في كل مسجد تقام فيه الجماعة، أما الجمعة فهي في الأسبوع مرة يخرج إليها، ومع هذا نقول: الأفضل أن يكون في المسجد الجامع إن تخلل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 297)
اعتكافه جمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج من مكان اعتكافه.
ومن فوائد الحديث: فضيلة العشر الأواخر لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لها بالاعتكاف.
ومن فوائده: أهمية ليلة القدر، وأن الإنسان ينبغي أن يكون مستعدًّا لها.
ومن فوائده: أن أفضل مكان للخلوة بالله بيوت الله عز وجل لأنها بيوته أضافها الله إلى نفسه في قوله: } ومن أظلم ممَّن مَّنع مساجد اللَّه {[البقرة: 114]. وأضافها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله في قوله: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله … ".
ومن فوائد الحديث: أن الاعتكاف لم تنسخ مشروعيته؛ لقولها: "حتى توفاه الله".
ومنها: جواز اعتكاف المرأة؛ لقولها: "واعتكف أزواجه من بعده"، فإن قلت: أفلا يعارض هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقض الأخبية، حينما فعلت زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بنين لهن أخبية في المسجد ليعتكفن؛ لأن الرسول لما أراد أن يعتكف بنت عائشة لها خباء وبنت زينب لها خباء وبنت حفصة لها خباء فيما أظن، وهو قد بنى له بيتًا، يعني: خيمة، فلما خرج ورأى هذه الأخبية قال: "البر أردن"، أو قال: "ترون بهن؟ " يعني: هل تظنون أنهن فعلن هذا للبر، ثم أمر بنقض الأبنية الأربعة، وترك الاعتكاف تلك السِّنة واعتكف بعد ذلك في شوال، وهنا نقول: "اعتكف أزواجه من بعده" واستنبطنا منا: جواز مشروعية اعتكاف المرأة، فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ أن الرسول ظن أنهن أردن غيرة، ولو فتح الباب لهن فسيكون في المسجد تسع أخبية والعاشر للرسول، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقطع أن تكون العبادات مما يحمل عليه الغيرة والتفاخر والتباهي، ولهذا جاء في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد"، لا يتخذونها مكان عبادة ولكن مكان مباهاة يقال: ما شاء الله فلان عمل هذا المسجد مزخرفًا محلى بالنقوش وهكذا.
فالحاصل: أننا نقول فيما أجبنا عنه فيما ظاهره معارضة لهذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بنقضها خوفًا من أن يكون الحامل لذلك- أو ظنًا أن الحامل لذلك- هو الغيرة.
آداب الاعتكاف وأحكامه:
666 - وعنها رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر، ثمَّ دخل معتكفه". متَّفقٌ عليه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 298)
قولها: "إذا أراد" يعني: إذا أراد الدخول في المعتكف، والإرادة محلها القلب؛ لأنها النية قال: "صلى الفجر ثم دخل معتكفة" أي فجر؟ لم تبين، لكن قولها في الحديث الذي قبله "كان يعتكف العشر الأواخر" فإنه يحتمل أنه الفجر من يوم العشرين ليستقبل العشر الأواخر كاملة، أو أنه الفجر من إحدى وعشرين، فعلى الأول يمكن أن يكون كذلك ولكنه يُخالف قولها يعتكف العشر الأواخر، لماذا؟ لأن اليوم العشرين من العشر الأواخر، وعلى الثاني: يشكل أيضًا إذا قلنا: إنه يدخل في صباح اليوم الحادي والعشرين، لماذا يشكل؟ لأن ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر، وهي تقول: إنه كان يعتكف العشر الأواخر، ويحتمل أيضًا أن تكون ليلة القدر كما رآها النبي صلى الله عليه وسلم حين اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم أرى ليلة القدر وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين فمطرت السماء ليلة إحدى وعشرين فواكب المسجد، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم فجر يوم إحدى وعشرين، وكان مسجده صلى الله عليه وسلم طينًا مبتلًا من المطر فلما انصرف إذا على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين، فعندنا الآن هي لم تبين تقول: "إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفة"، أي فجر هو؟ قلنا: يحتمل أنه فجر اليوم العشرين، وحينئٍذ يكون اعتكف أكثر من العشر الأواخر، ويحتمل أنه فجر إحدى وعشرين، وحينئٍذ يكون قد نقص من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، لهذا قال العلماء: إن مرادها بقولها: "صلى الفجر ثم دخل معتكفة"، أي: أنه صلى الله عليه وسلم انعزل عن الناس أو اعتزل الناس، وكان في ليلة إحدى وعشرين يختلط بالناس ويهيئ مكان اعتكافه، ولكن لا يعتزل الناس إلا في صباح إحدى وعشرين إذا صلى الفجر، قالوا ذلك لأجل أن يجمعوا بين هذا الحديث وبين الحديث الأول، "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان"، وعللوا ذلك أيضًا فقالوا: إن العشر الأواخر من رمضان تبتدئ من غروب الشمس يوم عشرين، لأن النهار تابع الليل، فليلة الثلاثاء مثلًا هي مساء يوم الإثنين، إذن ليلة إحدى وعشرين تعتبر من العشر الأواخر، هذا ما حمله عليه أهل العلم، ولم يتبين لي أن هذا الحمل جيد، وكذلك أيضًا بعد مراجعة ما تيسر من شروح الحديث ما رأيت أحدًا رجح أحد الاحتمالين السابقين، وعندي أن الاحتمال الأول- أنه يدخل معتكفة في صباح عشرين- قد يكون جيد؛ لأنه في هذا اليوم يدخل ليهيئ المكان ويحسنه حتى يكون قابلًا للاعتكاف فيه من ليلة إحدى وعشرين، ولكني ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بذلك، نعم رأيت بعض العلماء يقول: إنه يدخل المعتكف في فجر يوم إحدى وعشرين ويلغي ليلة إحدى وعشرين، ولكن هذا أيضًا يبعده أن ليلة إحدى وعشرين هي إحدى الليالي التي يمكن أن تكون ليلة القدر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 299)
في الحديث فائدة واحدة وهي: أن المعتكف يدخل معتكفه في الليلة التي تسبق اليوم لكنه لا يعتزل الناس إلا في صباحه، حيث يكون ابتداء تمام الاعتكاف.
667 - وعنها رضي الله عنها قالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علىَّ رأسه وهو في المسجد فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا". متّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
هنا قولها: "إن كان ليدخل" "إن" مخففة من الثقيلة، واللام في قوله: "ليدخل" واجبة الوجود، يعني: يجب أن توجد، لماذا؟ لأنها لو حذفت لأوهم أنه ما كان يدخل رأسه عليَّ، وقد قال ابن مالك في ألفيته:
وخفِّفت إنَّ فقلَّ العمل … وتلزم اللَاّم إذا ما تهمل
وربَّما استغنى عنها إن بدا … ما ناطقٌ أراده معتمدًا
فذكري أنه يمكن أن يستغنى عنها بشرط أن يكون المعنى واضحًا، فإن كان غير واضح فلابد من وجودها، وتسمى اللام الفارقة.
قولها: "إن كان ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد"، جملة: "وهو في المسجد" حال من فاعل "يدخل"، "فأرجله"، الترجيل: تسريح الشعر بالمشط ودهنه حتى يكون نظيفًا لينًا.
قالت: "وكان لا يدخل البيت"، يعني: بيت عائشة أو غيرها من النساء، "إلا لحاجة"، والمراد بالحاجة هنا: حاجة الإنسان كما جاءت مفسرة في حديث آخر، وحاجة الإنسان هي: البول أو الغائط، وقولها: "إذا كان معتكفًا" هذا شرط، يعني: أنها ذكرت هاتين الحالين فيما إذا كان صلى الله عليه وسلم معتكفًا، وقد عرفت متى كان يعتكف وهو أنه يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان لا يبطل اعتكافه بخروج بعض الجسد لفعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدخل رأسه إلى البيت، ومثل ذلك: لو حلف أنه لا يخرج من البيت فأخرج بعض جسده فإنه لا يحنث بدليل هذا الحديث.
ومن فوائده: جواز ترجيل المعتكف برأسه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا نقول للمعتكف: طن أشعت أغبر، بل نقول: لا بأس أن ترجل رأسك، وهل يجوز أن يحلقه لو كان الحلق عند الناس من باب التجمل كما هي عادتنا اليوم؟ الجواب؟ الجواب: نعم يجوز له أن يحلق رأسه للتجمل أو لغرض آخر.
ومن فوائده: جواز استخدام الرجل زوجته في غير ما يتعلق بمصالح النكاح لكونه صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 300)
يدخل رأسه على عائشة لترجله.
فإن قال قائل: لماذا لا يأمر عائشة أن تأتي فترجل رأسه في المسجد؟
فالجواب: قد يكون لها عذر وأيضًا قد يكون في المسجد رجال، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترجله أمامهم. المهم: أن هذه قضية عينن ولو أن الرجل دعا زوجته ورجلت رأسه في المسجد فلا بأس لكن بشرط ألا يتلوث المسجد بذلك بحيث يؤخذ ما يتناثر من الشعر ويلقي خارج المسجد.
ومن فوائد الحديث: جواز ملامسة الرجل زوجته وهو معتكف، الملامسة تعني: اللمس باليد وليس الجماع؛ لأن عائشة ترجل الشعر، والغالب أنها تمسه، أي: تمس بشرته، أما مس الشعر فقد سبق لنا عدة مرات أن الشعر في حكم المنفصل.
ومن فوائد الحديث: أن ينبغي للإنسان أن يفعل مع زوجته ما يجلب المودة والمحبة، وجه ذلك: أنه كان يدخل عليها رأسه لترجله، ولا شك أن الإنسان إذا عامل زوجته هذه المعاملة فسوف تقوى الرابطة بينهما، يعني: لو قال مثلًا: احلقي رأسي هذا من جنس الترجيل، أو إذا كان على رأسه شعر قال: رجليه، أو غسل بدنه، كل ذلك مما يجلب المودة بين الزوجين، وما كان جالبًا للمودة فإنه مأمور به.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة؛ لقولها: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة": البول والغائط، ويقاس عليهما ما لابد منه من أكل وشرب ولباس ولحاف وما أشبه ذلك، لكن بشرط ألا يجد من يأتي إليه، فإن وجد من يأتي به إليه صار غير محتاج لذلك، الوضوء هل يجوز أن يخرج من المسجد إلى البيت؟ على التفصيل إذا لم يكن في المسجد ماء يتوضأ به جاز أن يخرج وإلا فلا يخرج، ومثله اللباس إذا احتاج إلى زيادة اللباس، كما لو كان في الشتاء ولم يجد من يأتي به جاز خروجه ليلبس، ومثله أيضًا اللحاف إذا خرج من المسجد ليأتي به وليس له من يأتي به إليه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يزيد على قدر الحاجة إذا خرج، يؤخذ من قولها: "إلا لحاجة"، وإذا كان الشيء مقيدًا بالحاجة فإنه يتقدر بقدر الحاجة، هذه قاعدة، فلو خرج من المسجد وهو معتكف لقضاء حاجته ثم وجد صاحبًا له وقال له صاحبه: عندي لك قضية خاصة وجلسًا يتكلمان لا يجوز، وإن كان أصل خروجه جائزًا للحاجة لكن بقاؤه يتحدث إلى صاحبه ليس فيه حاجة فلا يجوز.
من هنا نبين أن العلماء- رحمهم الله ذكروا أن خروج الإنسان المعتكف من المسجد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 301)
خروج لابد منه شرعًا أو طبعًا فهذا يخرج؛ كما لو كان عليه جنابة وليس في المسجد ماء يغتسل في، كما لو كان على غير وضوء وليس في المسجد ما يتوضأ به هذا لابد أن يخرج، والخروج الذي لابد منه طبعًا مثل الأكل والشرب والبول والغائط والدفء وما أشبه ذلك.
فالحاصل: أن الخروج الذي لابد منه وكذلك الأمور التي لابد منها شرعًا أو طبعًا يجوز أن يخرج من المسجد إليه سواء اشترطه عند دخوله أم لم يشترطه.
الثاني: ما ينافي الاعتكاف؛ فهذا لا يجوز الخروج إليه سواء اشترطه أم لم يشترطه مثل: أن يكون صاحب دكان ودخل المسجد معتكفًا واشتراط أن يخرج إلى دكانه ليبيع ويشتري، فهذا لا يجوز؛ لأنه يكون بذلك منافيًا للاعتكاف، والأصل أن الاعتكاف: أن تلزم المسجد لطاعة الله.
رجل حديث عهد بزواج ودخل الاعتكاف واشتراط أن يبيت مع امرأته هذا لا يصح ولو فعل لبطل اعتكافه.
القسم الثالث: ما له منه بد ولا ينافي الاعتكاف لكونه عبادة يتقرب إلى الله فهذا يصح إن شرطه وإن لم يشترطه لم يصح، مثل: أن يشترط شهود جنازة، يعني: هو خائف أن قريبه أو صديقه يموت في هذه المدة فاشترط عند ابتداء اعتكافه أن يخرج لتشييع جنازته هذا جائز، لماذا؟ لأنه عبادة ولا ينافي الاعتكاف لكن تتقدر بقدرها، كذلك لو كان له مريض واشترط عند ابتداء اعتكافه أن يخرج لعيادته فهذا لا بأس به، ولكن هل الأفضل أن يشترط ذلك ليحصل الأجر، أم الأفضل أن يحافظ على اعتكافه؟ الثاني، إلا لمصلحة راجحة كما لو كان المريض قريبًا له وتغيبه عنه مدة عشر أيام يعد قطيعة، هنا نقول: الأفضل أن تشترط، وكذلك المريض الذي يخشى أن يموت فهنا نقول: الأولى أن تشترط لوجود المصلحة الراجحة، وهي مع التشييع أو العيادة صلة الرحم. هل من ذلك لو اشترط حضور درس: مثلًا هناك دروس في النهار أو الليل لا يجب أن تفوته، طلب العلم من أفضل العبادات فهل نقول: له أن يشترط ذلك، أو نقول- ولا سيما في وقتنا هذا-: إنه ليس في حاجة إلى الحضور؛ لأنه يمكن أن يسجل الدرس فلا يجوز الخروج؛ لأن حاجته إلى الخروج في هذه الحال حاجة قليلة، من هذا النوع ما حصل فيه إشكال في العام الماضي كان أناس معتكفين في المسجد الحرام، وكان هناك درس في سطح المسجد الحرام، ولا يمكن الوصول إلى السطح إلا بالخروج من المسجد الحرام والصعود مع الدرج الكهربائية فهل يخرجون لاستماع الدرس أو لا؟ سئل بعض العلماء عن ذلك فقال: إن هذا لا يعد خروجًا في الواقع؛ لأنهم يخرجون ليرجعوا إلى المسجد وكان يوجد باب لكن لم يفتح، نقول:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 302)
إذا كان هناك باب يخرج إلى السطح مباشرة بالدرج فلا ينبغي للإنسان أن يعرض اعتكافه لأمر مشتبه، أما إذا لم يكن فالظاهر أن هذا لا يعد خروجًا حقيقيًّا.
مسألة مهمة:
هناك مسألة تشبه هذا وهي بعض الناس يصاب بمرض في الكبى ويجعل له آلة تصفيه للدم خارج الجسم فيخرج الدم من جسمه ليصفي في الآلة ثم يعود وهو صائم هل يبطل صومه؟ وعليه فيكون عندنا الآن مسألتان: خروج دم، ودخول دم، دخول الدم هل يفطر؟ فيه احتمال أنه يفطر؛ لأنه يقوم مقام الأكل والشرب، والأكل والشرب ينقلب إلى دم يتقوى به الجسم، خروج الدم هل يفطر؟ الحجامة تفطر لا شك، لكن هل هذا الحجامة؟ قد نقول: ليس مثلها؛ لأن هذا يخرج من البدن ليعود إليه، الحجامة تخرج من البدن لئلا تعود، فالذي يظهر لي: أن هذا لا يبطل صومه؛ لأنه يخرج منه ليدخل فيه، فهو لا يزيده إلا خيرًا، لا يزيده ضعفًا بخلاف الحجامة.
وأما مسألة إدخال الدم للصائم فكنت أقول بأنه يفطر، ولكن رجعت عنه ورأيت أنه لا يفطر؛ لأنه لا يقوم مقام الأكل والشرب، فإنه هذا لو حقن فيه الدم يبقى جائعًا إذا كان ليس في معدته شيء ويبقى عطشان إذا لم يبق معدته شيء.
* * *
668 - وعنها رضي الله عنها قالت: "السُّنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازًة، ولا يمسَّ امرًأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجٍة، إلا لما لابدَّ له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ". رواه أبو داود، ولا بأس برجاله، إلا أنَّ الرَّاجح وقف آخره.
669 - وعن ابن عبَّاس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه". رواه الدَّارقطنيُّ والحاكم، والرَّاجح وقفه أيضًا.
كأنها قالت: "على" دون اللام- يعني: للمعتكف-؛ لأن هذه سنة واجبة، وإذا قال
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 303)
الصحابي: من السُّنة، فقد قال العلماء: إن له حكم الرفع، وإذا قال: من السُّنة فقد يكون ذلك الشيء واجبًا وقد يكون مستحبًا، المهم: أنه من الشريعة، ووجوبه واستحبابه يؤخذ من دليل آخر، إذن هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: "من السُّنة ألَاّ يعود مريضًا"، مع أن عيادة المريض من أفضل الأعمال، وهي فرض كفاية على القول الراجح، وإذا كانت فرض كفاية وسنة موكدة وسنة إذا قام بها من يكفي فإنه لا يخرج المعتكف لها لأنها تنافي الاعتكاف {وأنتم عاكفون في المسجد} [البقرة: 187]. فـ {عاكفون}، أي: ملازمون لها دائمون فيها، فإذا أراد المعتكف كلما ذكر له مريض ذهب وعاده وكلما جاءت جنازة خرج معها، فأين الاعتكاف؟ ! لكن ما كانت هذه من الأمور المشروعة التي لا تنافي الاعتكاف منافاة تامة أجاز العلماء فعلها بالشرط، وقالوا: إذا اشترط أن يعود المريض فلا بأس، ولكن هل نقول: إنه يعود كل مريض، أو ينبغي أن يقال له: لا تشترط إلا مريضًا له عليك حق كقريب وصديق وزوجة وما أشبه ذلك؟ أما أن تعود كل مريض فإنك ربما تستوعب كل الوقت، لكنَّ مريضًا معينًا له حق عليك لك أن تزوره؛ لأن هذا طيب، لكن أن تشترط عيادته؛ لأنه ربما يصل هذا المريض إلى حال قد يخشى أن يموت قبل أن ينتهي الاعتكاف، وربما يكون المريض من الناس الذين لا يعذرون ويريدون أن يوفي لهم حقهم كاملًا.
الجنازة أيضًا مثلها: "ولا يشهد جنازة"، شهود الجنازة فرض أم سنة؟ فرض كفاية؛ لأنه لا بد من تشييع الجنازة، "ولا يمس امرأة" المراد بمس المرأة هنا لشهوة، أما مجرد المس فقد سبق أن عائشة ترجَّل شعر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بأس أن يأخذ بيد امرأته إذا دخلت عليه معتكفه لتسلم عليه ويمسها لكن لا يمس لشهوة؛ لأنه إن كان جماعًا فهو مفسد للاعتكاف، وإن كان دونه فهو ذريعة للإفساد.
قالت: "ولا يباشرها"، إذن نقول: ولا تباشر المرأة فهي جمعت بين المس والمباشرة وحينئذ نحمل المس على الجماع لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237]. ونحمل المباشرة على ما دونه.
قالت: "ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه"؛ يعني: لا مفر منه، هذا يخرج مثل البول والغائط والأكل والشرب إذا لم يجد من يأتي بهما إليه الوضوء إذا لم يكن في المسجد ماء وكذلك الغسل، لو أنه دخل معتكفه في دفء ثم نشط البراد واحتاج إلى ثياب أو إلى لحاف وليس عنده من يأتي له بذلك فيخرج؛ لأن هذا لا بد منه.
قالت: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، "لا" نافية للجنس، و"اعتكاف" اسمها، وخبرها محذوف، و"يصوم" بدل منه، أي: من الخبر، يعني: ولا اعتكاف كائن إلا بصوم أو متعلق بالخبر، هذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 304)
النفي هل يحمل على الوجود أو على الصحة أو على الكمال؟ ذكرنا قاعدة فيما سبق أن الأصل في النفي نفي الوجود، فإذا لم يمكن بأن وجد الشيء فهو نفي للصحة، فإذا لم يكن بأن كان الشيء صحيحًا مع انتفاء هذا الشيء فهو للكمال. هل هو هنا للوجود؟ لا؛ لأن الإنسان قد يعتكف وليس بصائم إذن نفي وجودها اعتكاف بدون صوم غير صحيح، نفي للصحة؟ إن جاء في الشرع ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم فليس نفيًا للصحة، وإن لم يأت فهو نفي للصحة، ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ورواية أمره بالصوم أنه قال له: "أوف بنذرك وصم" ضعيفة لا تصح، والذي في الصحيحين: "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ولو كان الصوم واجبًا لا يصح الاعتكاف إلا به لأمره به النبي صلى الله عليه وسلم، إذن وجدنا في السٌنة ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم، فيكون النفي هنا للكمال، يعني: ولا اعتكاف كاملًا إلا بصوم، وهذا صحيح؛ أي: أن الأفضل لمن اعتكف أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائمًا إلا حين قضى الاعتكاف في شوال فإنه لم يصم.
قالت: "ولا اعتكاف في مسجد جامع"، هذا أيضًا نقول فيه ما قلنا في قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، هل يمكن أن يوجد اعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، إذن لا يصح أن يكون نفيًا للوجود، لأنه يمكن أن يوجد، هل يصح الاعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، لما سبق من أنه يصح لعموم قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المسجد} [البقرة: 187]. بقي علينا نفي الكمال، ولا شك أن الاعتكاف في مسجد جامع أكمل من الاعتكاف في غير جامع، لا سيما إذا تخلل اعتكافه جمعة؛ لأنه إذا تخلل اعتكافه جمعة سلم من الخروج للجمعة، ولأن الغالب في المساجد الجوامع أنها أكثر جمعًا، ولأن الغالب أيضًا فيها أن فيها فوائد لكثرة دروس العلم أو غير ذلك، فلهذا كان المسجد الجامع أفضل وليس شرطًا.
قال المؤلف: "ولا بأس برجاله" هذه الكلمة لا توصل الرجال إلى أن يكونوا في قمة الثقات، بل ولا في الوسط، وإنما تدل على أن الرواة موثقون، فمثل هذه العبارة تعتبر من أدنى مراتب التعديل وليس بجرح لكنه تعديل ضعيف، لكن يقول: "إلا أن الراجح وقف آخره".
استفدنا من هذا الاستثناء فائدتين:
الأولى: أن قولها: "من السُّنة" في حكم المرفوع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 305)
الثانية: أنه لا احتجاج بالموقوف؛ لأن الموقوف قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجته، والقائلون بحجيته يشترطون شرطين: ألا يخالف نصًا، وألا يخالف صحابيًا آخر، وقف آخره من أين؟ من قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، ما الذي يدلنا على أن هذا هو مرادها؟ لأن الكلام الأول على نسق واحد: "لا يعود مريضًا … " إلخ، هذا نسق واحد، والثاني: "ولا اعتكاف" اختلف الأسلوب ونسق الكلام، فنقول: هذا الآخر هو الذي قال ابن حجر رحمه الله: إن الراجح وقفه، فيكون من قول عائشة رضي الله عنها، وقول عائشة لا بد أن يعرض على الكتاب والسُّنة وقد مر علينا أن حديث عمر رضي الله عنه يدل على أن الصوم ليس بشرط.
بقي أن يقال: هل الاعتكاف مشروع كل وقت؟ بمعنى: أننا نقول للإنسان: اعتكف في رجب، في ربيع، في شعبان، في شوال، في ذي الحجة، في أي زمان وفي أي حال مكثت في المسجد؟ الجواب: أن في هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنها مشروعية، وأنه يشرع للإنسان أن ينوي الاعتكاف في المسجد مدة نحن الآن جئنا لصلاة المغرب وسنبقي إلى صلاة العشاء يسن لنا على رأي هؤلاء أن ننوي الاعتكاف ما بين دخولنا إلى خروجنا؛ لأن الصوم ليس بشرط وإذا لم يكن شرطًا فأيّ وقت تدخل انو الاعتكاف، ومن العلماء من قال: ليس هذا بمشروع ولا نأمر الإنسان به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يأتون إلى المساجد ولم يرشد أحدًا منهم إلى أن ينوي الاعتكاف، بل لما ذكر تقدم الإنسان إلى المسجد إذا توضأ وأسبغ الوضوء ثم جاء إلى المسجد لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة، ثم قال في آخر الحديث: "ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة"، ولم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى أن ينوي الاعتكاف مدة انتظارهم الصلاة، مع أن النية- نية الاعتكاف- هل هي من الأمور الواردة التي يتفطن لها الإنسان بلا تنبيه؟ لا، ليست من الأمور التي تكون تابعة للصلاة، ولو كانت من الأمور المشروعة لكان النبي صلى الله عليه وسلم ينبه عليها، ولما لم ينبه دل ذلك على أنها ليست من المشروع.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على النذر الذي نذره في الجاهلية؟
الجواب: أن عمر قصد المسجد الحرام بنية الاعتكاف لا بنية عبادة أخرى، فأنت مثلًا إذا دخلت المسجد لتصلي نقول: لا تنو الاعتكاف، لكن رجل قال: أنا أحب أن أعتكف اليوم في هذا المسجد، نقول: هذا من الأمور الجائزة وليس من الأمور التي تطلب من الإنسان، ولهذا لم يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم إلا في رمضان، لم يعتكف في شوال إلا قضاء لما مضى، ولو كان الاعتكاف مشروعًا في كل وقت لكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبينه للأمة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 306)
والحاصل: أن لدينا ثلاثة أشياء:
اعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فهذا مشروع ومسنون، حتى إن الإمام أحمد قال: لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه مسنون. هذا واحد.
الثاني: أن يتقدم إلى المسجد بنية الاعتكاف فهذا جائز، لكننا لا نطلبه من الناس، فلا نقول للناس: افعلوا أنا أخبر عما أراه عسى أنا أتجاسر وأقول: إنه من الجائز، ولولا حديث عمر لقلت إنه من غير الجائز؛ لأن هذه عبادة ما فعلها الرسول إلا في رمضان طلبًا لليلة القدر، لكن حديث عمر يدل على جوازها حتى في غير رمضان.
الحالة الثالثة: أن يأتي إلى المسجد لا للاعتكاف لكن ينوي الاعتكاف؛ لأنه جاء ليصلي أو ليطلب العلم فهذا ليس بمشروع قطعًا، ولا ينبغي لنا أن نوجه الناس إلى ذلك، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد منتظر الصلاة إلى هذا، وهو من الأمور التي تعزف عن الخاطر فلا تكون للإنسان على بال إطلاقًا، لو كانت من الأمور التي ينتقل الذهن إليها بسهولة إذا جاء إلى المسجد وينويها بسهولة قلنا: الرسول سكت عن ذلك؛ لأن هذا أمر معلوم أو أمر غالب، فلما لم يكن من الأمور الغالبة ولا من الأمور التي ينتقل إليها الذهن ولا أرشد إليها الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا لا نطلب من الإنسان أن يفعلها ونحن في شك من كونها بدعة، فلهذا لا نحبذ الدعوة إليها وإن كان بعض العلماء- رحمهم الله يرون أن هذا من الأمور المستحبة ويقول: ينبغي لمن دخل المسجد- ولو ليجلس خمس دقائق أن ينوي الاعتكاف مدة لبسه فيه. أما مسجد الجامع فإننا نقول: لا شك أن الأفضل لمن يتخلل اعتكافه جمعة أن يكون في المسجد الجامع، أما إذا لم يتخلل اعتكافه جمعة فإن تفضيل الجامع على غيره لا ينبغي على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن كان هناك مصالح فإنه ينبغي أن يقدم ما فيه مصالح، سواء كان هو الجامع أو غير الجامع.
ليلة القدر:
670 - وعن ابن عمر رضي الله عنه: "أنَّ رجالًا من أصحاب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السَّبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى رؤياكم قد تواطأت في السَّبع الأواخر، فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السَّبع الأواخر". متَّفقٌ عليه.
671 - وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: "ليلة سبعٍ وعشرين". رواه أبو داود، والرَّاجح وقفه.
- وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في "فتح الباري".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 307)
كيف نجمع بين هذا الحديث في السبع الأواخر وبين الأحاديث الأخرى التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريها في العشر الأواخر؟ نقول: هي في العشر الأواخر، لكن في السبع أوكد، ثم في أوتاره أوكد، ثم في السابع والعشرين أوكد، وإبهامها فيه فائدتان:
الأولى: هي بعث الهمم على طلبها والنشاط فيها؛ لأن الكسلان قد يقول: أنا لا أقوم عشر ليال من أجل ليلة واحدة فإذا كان نشيطا حريصا على العبادة فإنه سوف يقوم هذه الليالي ويقول: ما أرخصها في حصول هذا الأجر العظيم: {من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه}.
الفائدة الثانية: كثرة العمل الصالح للعباد؛ لأن العمل الصالح في العشر كلها بلا شك أكثر من العمل الصالح في ليلة واحدة، وكثرة العمل توجب كثرة الثواب.
وقول المؤلف في الحديث الثاني: إنه اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا الذي في "فتح الباري" ستة وأربعون قولا، ويمكن أن يكون أصل النسخة على أكثر من أربعين قولا كما قال ذلك في ساعة الإجابة يؤم الجمعة، أو أنه هنا يريد أربعين قولا باعتبار أن هناك قولين أو ثلاثة بأنها رفعت ولم تعد عائدة إلى الناس، وأنه بحذف هذه الأقوال تصير الأقوال أربعين، لكن يبقى الإشكال في أننا حتى لو حذفنا قولين أو ثلاثة لم تكن الأقوال الباقية أربعين وحديث معاوية ليس فيه إلا فائدة واحدة وهي أن ليلة القدر أرجى ما تكون في السابع والعشرين.
672 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت: يا رسول الله، أرأيت أن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعف عنِّي". رواه الخمسة، غير أبي داود، وصحَّحه التِّرمذيُّ، والحاكم.
قولها: "أرأيت؟ "، معناها: أخبرني، وقولها: "ما أقول فيها؟ "، "ما" هنا استفهامية، يعني: أخبرني ماذا أقول أن علمت ليلة القدر، قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، "اللهم" يعني: يا الله، حذفت ياء النداء وعوض عنها بالميم، وكانت الميم في الآخر تبركًا بالابتداء باسم الله وكانت العوض ميمًا، لأنها تفيد الجمع كأن السائل جمع قلبه على الله وتوجَّه إليه، وقوله: "إنك عفو تحب العفو" هذا توسل إلى الله بهذا الاسم والصفة، الاسم "إنك عفو" والصفة "تحب العفو"، والمطلوب "فاعف عني"، والفاء هنا للتفريع، يعني: فتفريعك على
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 308)
كونك العفو الذي تحب العفو أسألك العفو.
فما هو العفو؟ قال العلماء: العفو هو المتجاوز عن سيئات عباده سواء كان ذلك بالعفو عن ترك واجب أو العفو عن فعل محرم؛ لأن استحقاق الذنوب يكون بأمرين: إما بترك الواجب، وإما بفعل المحرم، فإذا عفا الله عن إنسان عن ترك الواجب أو فعل المحرم، فمعناه: أنه تجاوز عنه ولم يعاقبه عن ترك الواجب ولا على فعل المحرم، وقوله: "فاعف عني"، أي: تجاوز عني ما اكتسبته بترك الواجب أو فعل المحرم، والأمر هنا للدعاء.
في هذا الحديث أولًا: أن ليلة القدر يمكن العلم بها لقولها: "إن علمت ليلة القدر"، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك ولم يقل: إنها لا تعلم.
ومن فوائده: حرص عائشة رضي الله عنها على اغتنام هذه الليلة المباركة حيث قالت: "أرأيت … " إلخ لتغتنم هذه الفرصة التي قد لا تعود على الإنسان بعد عامه.
ومن فوائد ألحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل العالم عما يخفى عليه؛ لأن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائده: أن الدعاء يطلق عليه اسم القول، لكنه قول مع الله وخطاب مع الله، ولهذا إذا دعا الإنسان في صلاته ربه لم تبطل صلاته؛ لأنه يناجي ربه بخلاف سؤال غير الله فإن الصلاة تبطل به، فمثلًا لو قال الإنسان في صلاته: أعطني كذا بطلت صلاته.
ومن فوائل الحديث: إثبات اسم العفو لله عز وجل.
ومن فوائده: إثبات المحبة لله لقوله: "تحب العفو".
ومن فوائده: بيان كرم الله عز وجل، وأن العفو أحبُّ إليه من الانتقام؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فهو - جلَّ وعلا - يحب العفو ولا يحب الانتقام، ولذلك كان يعرض التوبة على عباده: "إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، يقول: هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ " ().
ومن فوائد ألحديث: الردُّ على أهل التعطيل الذين يمنعون قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل لقوله: "تحب"، و"فاعف عني".
ومن فوائده: جواز التوسل بأسماء الله وصفاته؛ لقوله: "اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني"، وهذا أحد أنواع التوسل، وقد مرَّ علينا أنه ستَّة أنواع.
ومن فوائده: الرد على المتصوفة الذين يقولون: لا حاجة إلى الدعاء، ويقولون إما بلسان
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 309)
المقال أو بلسان الحال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، وهذا إبطال صريح لقوله تعالى: {وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]. إذا كان علمه بحالك يكفي عن سؤالك فهو عالم بحالك، إذن يكون معنى قوله: {ادعوني أستجب لكم} لغوًا لا فائدة منه.
ومن فوائد الحديث: احتقار الإنسان نفسه؛ لأنه في هذه الليلة، يعني: الذي كان من المتوقع أن يسأل الإنسان خيرًا وفضلًا ذهب يسأل العفو سؤال المسرف الجاني على نفسه، يقول: "اللهم إنك عفو … " إلخ، ليحتقر الإنسان ما عمله في جانب حق الله عز وجل حتى لا تمنَّ على ربك أو تدلَّ عليه بالعمل وتقول: أنا عملت، من أنت حتى تقول ذلك، والرب عز وجل هو الذي منَّ عليك بالعمل، لو شاء لأضلك كما أضل غيرك، فإذا منّ عليك بالهداية فلا تمنَّ عليه أنت بالعمل، فأحمده على هذه النعمة واشكره، وقل: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
لو قال قائل: إلا يمكن أن يكون هذا خاصًّا بعائشة؟
نقول: أن الخطاب الموجه لواحد من الأمة هو لجميع الأمة؛ لأنه ليس هناك حكم يخصّص لشخص بعينه أبدًا على القول الراجح.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بخصائص النبي؟
نقول: اختص بها صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نبي ورسول.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بحديث أبي بردة بن نيار حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم في عناق استأذنه أن يذبحها بعد صلاة العيد قال: "لن تجزئ عن أحد بعدك؟ ".
نقول: "لن تجزئ عن أحد بعد حالك" ()، وليس المعنى: بعدك شخصيًّا، ويرى شيخ الإسلام أنه لو أن أحدًا جرى له مثل ما جرى لأبي بردة فإنها تجزئ عنه.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي زوَّجه المرأة بما معه من القرآن قال: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك مهرًا؟ "
قلنا: الحديث ضعيف لا يصح.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بقصة سالم مولى أبي حليفة، فإن سالمًا مولى أبي حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم لزوج حذيفة: "أرضعيه تحرمي عليه"، وأنت لا تقول بأن رضاع الكبير مؤثر، هذا فيه أجوبة منهم من قال: إنه ليس بخاص، وإنه يجوز للمرأة أن ترضع الكبير وتصير أمه من الرضاع، قالوا: كيف ترضعه وهي ليست محرمًا له؟ قالوا: تحلب بكأس وترضعه، وهذا قول
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 310)
للظاهرية، والذين قالوا بعدم تأثيره أجابوا عن الحديث بأنه منسوخ، وهذا الجواب ليس بصواب؛ لأن من شروط النسخ العلم بالتاريخ بتأخر الناسخ، قالوا: هذا خاصٌّ بسالم مولى أبي حذيفة، قلنا: أين الدليل على الخصوصية والأصل العموم؟ قالوا: هذا خاصٌّ بمثل حال مولى أبي حذيفة، قلنا: هذا صحيح إذا وجد إنسان بهذه المثابة فإن إرضاعه صحيح، لكن بعد بطلان التبني لا يمكن أن يوجد، على كل حال نقول: ليس هناك حكم للتخصيص.
فضل المساجد الثلاثة:
673 - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (). متَّفقٌ عليه.
أولًا: نسأل ما المناسبة في ذكر هذا الحديث في باب الاعتكاف؟ المناسبة: أنه لما كان الاعتكاف خاصًّا بالمساجد أتى المؤلف بما هو أخصُّ من الاعتكاف وهو شدُّ الرحال حيث لا يجوز شد الرحال إلا إلى هذه المساجد، فالاعتكاف خاص بالمساجد، وشد الرحال أخصُّ حيث لا يجوز إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، وأما استنباط بعض الشُّراح أن المؤلف يريد الإشارة إلى أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة لا يصح فليس بصواب؛ لأن المؤلف ممن يرون جواز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال"، "لا" نافية بدليل ضم الفعل، ولو كانت ناهية لجزم. "الرحال" معروف وهو الرحل الذي يوضع على البعير ليركب.
وقوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد"، أين المستثنى منه؟ المستثنى منه محذوف، وإنما حذف للعموم ليشمل شد الرحل إلى المساجد الأخرى، يعني: لا تشد الرحال إلى أي مسجد إلا المساجد الثلاثة، وإلى الأماكن الأخرى التي يعتقد من يشد الرحال إليها أن لها مزية كالذين يشدون الرحال إلى القبور؛ لأن القبور أماكن، وهل يعم شد الرحل إلى البلاد الأخرى لطلب العلم؟ لا، لا يشمل؛ لأن الشَّاد لطلب العلم ليس شادًّا للمكان ولكن للعلم، وقد ثبت عن الصحابة ومن بعدهم أنهم يشلون الرحال لطلب العلم.
قوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد … " إلخ، في هذا تفصيل بعد الإجمال، الإجمال في قوله: "ثلاثة مساجد"، والتفصيل: "المسجد الحرام"، وقد ذكرنا أن هذا من أساليب اللغة العربية التي يقصد بها تثبيت الكلام في ذهن السامع، كيف ذلك؟ لأن السامع إذا جاءه الإجمال تشوق ذهنه إلى التفصيل والتبيين، فإذا قال: "إلى ثلاثة مساجد"، بدأ الذهن يقول: ما هي هذه المساجد؟ فإذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 311)
جاء التعيين ورد على ذهن متشوف ومتشوق إلى معرفة هذا الشيء، كما لو قلت: عندي لك ثلاثة، فيتشوق ما هي: ثلاثة كتب أو ريالات أو ثلاثة أقلام، فإذا قلت: ثلاثة دراهم ورد هذا التعيين على ذهن متشوف إلى البيان.
"المسجد الحرام" هو مسجد مكة وسمِّي حرامًا لحرمته وتحريمه، والثاني: "مسجدي هذا"، يعني: المسجد النبوي. الثالث: "المسجد الأقصى"، الذي في فلسطين، هذه المساجد كلها وضعت وأسست على التقوى، المسجد الحرام من الذي رفع قواعده؟ إبراهيم، والمسجد الأقصى يعقوب، ولكنه جدِّد على عهد سليمان، ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم كم بينهما - الكعبة والمسجد الأقصى - قال: "أربعون سنة" ()؛ لأن المدة بين إبراهيم ويعقوب قريبة، أما سليمان فإنه بناه تجديدًا، المسجد النبوي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو آخرها، لكنه في الفضل أفضل من المسجد الأقصى؛ لأن الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والمسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه، والأقصى بخمسمائة صلاة، فأفضلها إذن المسجد الحرام.
يستفاد من هذا الحديث: تحريم شد الرحال إلى أي بقعة من الأرض سوى هذه المساجد الثلاثة لقوله: "لا تشد"، وهذا نفي بمعنى النهي، والأصل في النهي التحريم، لو أن أحدًا شد الرحل لا من أجل فضل البقعة ولكن ليشاهد، مثل أن يقال له: إنه قد بني في الرياض مسجد عظيم البناء واسع مكيف فشدَّ الرحل لينظر إليه، هل هو جائز؟ نعم، لأنه ما شد الرحل لاعتقاد أن فيه فضيلة، رجل شد الرحل إلى "غار حراء" للتبرك أو التعبد فيه لا يجوز، ولا "غار ثور" لا يجوز، المساجد السبعة في المدينة، والسبعة هذه أنها من خرافات المزورين وليست بصحيحة، على كل حال: كل مكان يشد الرحل إليه من أجل التعبد لله لا يجوز إلا هذه المساجد الثلاثة، لو أن رجلًا شدَّ الرحل إلى مسجد ليتلقى العلم فيه، لأن خطيبه مؤثر، يجوز أم لا؟ يجوز؛ لأنه شده لطلب العلم حتى من القصيم إلى الرياض أو العكس فيجوز ما دام الغرض من ذلك هو نفس هذا الشخص الذي ذهب إليه لو يخطب في مسجد آخر ذهب إليه، فإذن البقعة ليست مقصودة عنده.
كأني سمعت سائلا يسأل يقول: شد الرحل إلى مسجد "قباء" هل يجوز أم لا؟ لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج إليه كل سبت ماشيًا فليس مما تشد إليه الرحال، لماذا خصت هذه المساجد بجواز شد الرحل إليها؟ نقول: لفضلها من جهة: لأنها أفضل بقاع الأرض، ومن جهة أخرى: لكثرة الثواب فيها كما سمعتم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 312)
هذا الحديث نسأل أولًا هل هو خاصٌّ بالفرائض أو بالفرائض والنوافل؟ فيه خلاف بين العلماء، بعضهم يقول: هذا خاص بالفرائض؛ لأنها هي التي تطلب في المساجد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ()، إذن لما قال: "إلا المكتوبة" علمنا بأن الفضل في هذه المساجد إنما هو في المكتوبة في الفرائض، أما النوافل فليس فيها فضل، بل البيوت أفضل منها، أنا بيتي إلى جانب المسجد الحرام أذن المؤذن لصلاة الظهر هل الأفضل أن أصلي الراتبة في بيتي أو أخرج إلى المسجد وأصلي الراتبة فيه؟ في بيتي لا شك في هذا، وكذلك نقول في المسجد النبوي، أيما أفضل أصلي القيام في المسجد الحرام خلف الإمام أو في بيتي؟ في المسجد الحرام، إذن ننتقل إلى القول الثاني يقولون: ما سنَّ في المسجد فهذه المساجد الصلاة فيها خير من ألف صلاة في المسجد النبوي وبمائة ألف صلاة في المسجد الحرام، وبخمسمائة صلاة في المسجد الأقصى، ما شرع في المسجد مثل قيام الليل في رمضان مشروع في المساجد فهو أفضل من المساجد الأخرى.
تحية المسجد في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، الكسوف إذا قلنا بأنها سنة كذلك تكون أفضل من غيرها، ركعتا الطواف هذه خاصة بالمسجد الحرام فقط، صلاة الجنازة، ولهذا صارت الجنازة أفضل من غيرها من المساجد أن قلنا بجواز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لأن المسألة خلافية، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده كان هناك مصلى للجنائز غير المسجد، والصلاة على الجنائز في المسجد في عهد الرسول قليلة، لكنه ثبت أنه صلى عليها في المسجد، يقال: أن رجلًا - أظنه من الخلفاء - قال: لله على نذر أن أقوم بعبادة لا يشاركني فيها أحد حين فعلها، ذهبوا إ عالم من العلماء فسألوه ماذا يفعل؟ قال: أخلوا له المطاف، يعني: يطوف وحده فيكون تعبد لله بعبادة ما شاركه فيها أحد، وكأن سائلًا يقول: هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ نقول: هذا حل المسألة، أما كونه يجوز أو لا يجوز، فيمكن أن يأتي إلى المطاف فيكون خاليًا، يعنى: في أزمان مضت تأتى إلى المطاف بالليل فلا تجد أحدًا أبدًا نحن أدركناها قبل أن يكثر الوصول إلى المسجد الحرام تأتي فلا تجد أحدًا، أو يقال مثلًا: إذا كان هذا من الخلفاء وجاء إلى المسجد الحرام يطلب من الناس أن يسمحوا له بذلك، المهم حل هذه المسألة.
فائدة:
سؤال: هل التضعيف خاصٌّ بالمسجد حين حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أم أن الزيادة داخلة فيه؟ الصحيح: أن الزيادة داخلة فيه، وأنه لو زيد المسجد النبوي حتى بلغ كل المدينة فهو داخل في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 313)
هذا الحكم، المسجد الحرام هل الصلاة خاصة بالمسجل الذي هو مكان الكعبة، يعني: المسجد الذي فيه الكعبة، أو عام في جميع الحرم؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فقال الكعبة كلاهما صلاته بمائة ألف صلاة، قالوا: لأن هذا يسمى المسجد الحرام لقول الله تعالى: {سبحن الذي أسرى بعيده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} [الإسراء: 1]. وقد أسري به من بيت أم هانئ، ولقوله تعالى: {هم الَّذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محلَّه} [الفتح: 25]. ولقوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28]. والمشرك لا يدخل الأميال - حدود الحرم -، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيمًا في الحديبية، والحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وكان مقيمًا في الحل لكنه يدخل فيصلي في الحرم، يعني: داخل الأميال، وكونه يتكلف الدخول بأصحابه وهم ألف وأربعمائة نفر ليصلي داخل الأميال يدل على أن هذا التضعيف عامٌّ يعم جميع الحرم، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم، ولكن ظاهر كلام علماء الحنابلة وهو أن التضعيف خاصُّ بالمسجل نفسه الذي فيه الكعبة، واستدلوا لذلك بأن الحرم لا يسمى مسجدًا بل يسمى مكة ويسمَّى حرمًا كما قال الله تعالى: {وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24]. لم يقل: ببطن المسجد، وقال تعالى: {إنَّ أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا} [آل عمران: 96].
ولو أن مكة تسمي مسجدًا لكان المعنى: إن أول بيت وضع للناس للذي بالمسجد، ولأن الرسول يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام"، ومعلوم أن الإنسان لو شد الرحل إلى مسجد الشِّعب في مكة أو مسجد آخر غير الذي فيه الكعبة لقلنا: لا يجوز؛ لأنه لو جاز شد الرحل إلى مساجد مكة غير المسجد الحرام لكان شد الرحل إلى مائة مسجد - كل مساجد مكة -.
قالوا: الدليل الثالث قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]. وعرفتم قبل قليل: أن هذه الآية استدل بها من قالوا بالعموم، ولكن الحقيقة أنها عند التأمل تدل على خلاف العموم، لماذا؟ لأن الله قال: {فلا يقربوا المسجد الحرام}، ولم يقل: فلا يدخلوا المسجد الحرام، والآن يجوز للمشركين أن نمكنهم من أن يقفوا على حد الحرم تمامًا، لو كان المراد بالمسجد الحرام كل الحرم ما جاز أن نمكنهم من قربان حدوده؛ لأن الله يقول: {فلا يقربوا المسجد}، فإذا منعناهم من دخول الأميال حينئذٍ منعناهم من قربان المسجد الذي في جوف مكة الذي فيه الكعبة، لو كان التعبير:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 314)
فلا يدخلوا المسجد الحرام قلنا: نعم، لكن الآية تقول: {فلا يقربوا}، ومعلوم بالاتفاق أن لهم التمكن من الوصول إلى أدنى نقطة من حدود الحرم.
والدليل الرابع: قوله تعالى: {سبحن الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} [الإسراء: 1]. وهذه الآية - كما علمتم قبل قليل - استدل بها من قالوا بالعموم، ولكنا نقول: لا، الذي يثبت في صحيح البخاري () أنه أسري به من الحجر، وأين الحجر؟ هو من الكعبة، فيكون من المسجد الحرام، أي: الذي فيه الكعبة، وفي بعض الروايات: "بينما أنا نائم عند الكعبة"، فيحمل على أن المراد بالكعبة هنا: البناء القائمة؛ لأن الذي في الحجر عند الكعبة، أما قوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محله} [الفتح: 25]. فقد نستدل به على أن المراد بالمسجد الحرام: المسجد نفسه الذي داخل الكعبة؛ لأن أهم مقصود في العمرة الطواف، ومن منع الناس أن يدخلوا مكة فقد منعهم أن يدخلوا المسجد الحرام بالأولى، ولهذا قال: {والهدى معكوفًا أن يبلغ محلُّه}، ولم يقل: أن يبلغ المسجد، فدل ذلك على أن محل الهدي غير المسجد، أما حديث ابن عمر: "كان الرسول نازلًا في الحديبية ويصلي الصلوات في الحرم داخل الأميال"، فنحن نقول: نعم، نحن لا نمنع أن يكون الحرم أفضل من الحلِّ، بل لا نشك أن الحرم أفضل من الحل، ولهذا من دخله كان آمنًا، عندنا شجرتان إحداهما داخل الأميال، والثانية خارج الأميال وبينهما متر، التي خارج الأميال لنا أن نجثها بعروقها، والثانية نقول: لا تقطعوا منها شيئًا؛ لأنها داخل الحرم، ونحن لا نشك أن الصلاة في داخل الأميال أفضل من الصلاة في الحلِّ، لكن الكلام على التفضيل الخاص وهو التضعيف، ولأننا نقول: الأصل فيمن خرج عن المسجد الحرام الأصل إلا يدخل، فإذا جاءنا فرد من أفراد العموم وليس العموم ظاهرًا فيه، فإننا نقول: الأصل عدم الدخول إذا لم يكن العموم ظاهرًا في تناوله له حتى يقوم دليل على دخوله، وهذا هو الذي ذكره ابن مفلح رحمه الله في "الفروع" ()، وهو كتاب يعتبر من أجمع كتب المذهب الحنبلي في الأقوال، بل ويشير إلى خلاف الأئمة الثلاثة، بل وينقل أيضًا عن الظاهرية وغيرهم، فهو من أحسن ما ألف في الفقه، لكن فيه صعوبة؛ لأنه رحمه الله ضغطه لأجل الاختصار، فكان صعبًا على طالب العلم المبتدئ إلا أنه - كما قال بعضهم - هو مكنسة المذهب، يقول ابن مفلح: إن هذا هو ظاهر كلام أصحابنا، يعني: المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة، وهو كما علمتم ظاهر النصوص.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 315)