فَقَوْلُهُ رضي الله عنه: (وُلِّيْتُكم ولستُ بخيركم)، إنما هو من باب الهَضْمِ(1) والتَّواضع(2). قال: "هذا المحْمَل كان بِذِهْنِ الحسَن البَصْريِّ؛ ولهذا قال الحسَن بعد روايته: ذلك كان - والله - خَيْرَهُم"(3).
وقال محمد بن سيرين: "إنما أرادَ: (ولست بخيركم)؛ قبيلة وبيتًا، أي إنما قلت ذلك بالدِّينِ والعِلْم"(4). وإلى هذا ذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ(5) رحمه الله وقيل: غير ذلك(6)، وهذان أولى، وتُيُقِّنَ أحدُهما.
فقد رَوَيْنَا عنه أنه رضي الله عنه ذَكَر فَضْله وسابِقَتهِ عند احتياجه إلى ذِكْر ذلك(7)، لما فيه من المصلحة الراجحة.--------------------------------------------
(1) الهَضْمُ: من هضم، وهو: التَّواضُع، ويقال: المؤمن يَهْضِمُ نفسه أي يَضَع من قَدْرِه تَواضُعًا. معجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة (هضم) (ص: 898)، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (هضم) (2/ 907).
(2) وقال الخَطَّابي: "وفي حديث أبي بكر أنه قال: (وليتكم ولست بخيركم) فذهب هذا الكلام، وطريقِهِ مذهب التواضع، وترك الاعتداد بالولاية … ، ولم يزل من شيم الأبرار، ومذاهب الصالحين والأخيار أن يهتضموا أنفسهم، وأن يسوغوا من حقوقهم". تاريخ دمشق لابن عساكر (32/ 200) تحت ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(3) قال سُفيان: "قال الحسَن: بل والله خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه، ومما يشبه ذلك من كلامه قوله حين خَطَب". تاريخ دمشق لابن عساكر (32/ 200) تحت ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(4) السيرة النبوية لمحمد بن إسحاق (2/ 718).
(5) هو: أبو الحسَن عليّ بن إسماعيل بن أبي بِشْر إسحاق الأشعريّ، اليَمَانيُّ، البَصْريُّ التَّابِعيُّ، العالِم، إمام المتكلمين، ومؤسس المذهب المعروف باسمه، سكن بغداد، مات عام 324 هـ، وقيل: بَقِيَ إلى عام 330 هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي (3/ 691)، شذرات الذهب لابن العِماد (2/ 506 - 507).
(6) أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، الإمامة والرد على الرافضة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط 3، 1415 هـ - 1994 م (1/ 268)، الأسدآبادي: أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسدآبادي، المغني في أبواب التوحيد والعدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1433 هـ - 2012 م (10/ 236)، التمهيد للباقلاني (1/ 494).
(7) لم أقف على الحديث الذي أحال إليه المؤلف، في صفحات سابقة من المسند، ووجدته في صفحة لاحقة (ص: 304، 305).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)