* {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39].
(وَلَأُغوِيَنَّهُم) فإبليس لم يُغو البشرية على الحقيقة، بل وسوس لهم وأغراهم بالشهوات؛ فضلوا بمحض إرادتهم، ووقعوا في الغواية والخسران بسبب طاعتهم له.
وهذا رد لشبهة من يقولون بأن إبليس مظلوم وأن الله أغواه. وعلى تصديق ذلك جدلًا: فقد ارتكب إبليس جُرمًا أفظع؛ وهو غواية البشرية جمعاء إلا القليل منهم.
فالصواب: أن إبليس رسب في الامتحان فغوى وخسر، والبشرية رسبت في الالتزام بأمر ربها بأن يتخذوا الشيطان عدوًّا ولا يتبعوه؛ فخسرت وغوت إلا من رحم الله وعصم.
* {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} [الصافات: 32] أي: نحن موصوفون بالغواية لضلالنا، ولما دعوناكم استجبتم لنا فأصبحتم مثلنا، وسرتم في طريقنا طريق الغواية والخسران.
* {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ} [الشعراء: 224] تدُلُّ الآية عَلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شاعِرٌ؛ لِأنَّ الذِينَ يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنهم؛ فالشعراء من صفاتهم المبالغة في الكلام وعدم المصداقية، فلا ينبغي اتباعهم ولا أخذ أقوالهم على الحقيقة، وعلى الأخص شُعَرَاءُ الكُفَّارِ الذِينَ كَانُوا يَهْجُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ويتبعهم الغاوون من الإنس والشياطين؛ ففي الآية تبرئة للرسول صلى الله عليه وسلم من الشعر، وإدانة لشعراء الكفار.
لذلك استثنى في الآيات بعدها شعراء المؤمنين الذين يوافق شعرُهم الكتابَ والسنة؛ قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
* {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
(الرُّشدُ مِنَ الغَيّ) أي: اتضح الإيمان من الكفر، والحق من الباطل، والهدى من الضلال.

‌‌الغيب
قال تعالى: {مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق: 33].
(بالغيب) لها معنيان كلاهما صحيح:
1 - من خشي الرحمن مع أنه لم يره، وإنما رأى آياته الدالة عليه.
2 - من خشي الرحمن في خلوة وغيبة عن الناس؛ لأن ذلك أقرب إلى الصدق والإخلاص في الطاعة بعيدًا عن رؤية الناس، ومثلها الآيات التالية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)