فبعد أن أرشدهم تبارك وتعالى في أول السورة إلى قتال جميع أعدائهم المحاربين لهم في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] أرشدهم بأن يبدأوا بالأقرب فالأقرب؛ حتى يأمنوا هجومهم ومكرهم.

‌‌يُمَحّصَ
قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141].
(وَلِيُمَحِّصَ) لها معنيان هنا:
1 - لينقِّي ويطهِّر ويخلِّص بهذا البلاء عباده المؤمنين من الذنوب والسيئات.
2 - ليختبر ويُظهر بيان صدق من يصبر على الضراء ممن يجزع ولا يصبر.
* ومثلها قوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154].
(وَلِيُمَحِّصَ) التمحيص هنا بالمعنى الثاني، وهو: الاختبار وبيان صدق القلوب.

‌‌ينزفون
قال تعالى في وصف خمر الجنة: {فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47].
(غَوْل): الغَول من الغِيلة والغائلة: وهو الأخذ خفية، وما يغتال العقل ويُذهبه.
والمعنى: ليس في تناولها ذهاب للعقول؛ فهي لا تغتال عقولهم ولا تُذهبها ولا تصدعها، ولا أذى فيها على شاربها من أي وجه.
(يُنْزَفُونَ) النزف بمعنى: ذهاب الشيء وخروجه.
ولها في الآية الكريمة معنيان لا يتعارضان:
الأول: ذهاب العقول؛ تقول العرب: (أنزف الرجل) إذا ذهب عقله. أي: لا يقومون عنها نازفين سُكارى كخمر الدنيا؛ فالعرب تقول للسكران: منزوف العقل، وتقول: ينزف الدم من الجرح، وينزف الدمع من العين، وينزف الماء من البئر، وكذلك مع السكْر: ينزف العقل من الرأس مجازًا.
الثاني: ذهاب الخمر نفسها وانقطاعها؛ تقول العرب: (قد أنزف الرجل) إذا فنيت خمرُه. فالمعنى: لا تنقطع عنهم ولا تنفد، فهي متوفرة عندهم على الدوام.
خلاصة المعنى: أنهم في مجالس الخمر يستأنسون، وتدور عليهم الكؤوس لا تنقطع ولا تنفد؛ فكلما أرادوا فهي حاضرة يتمتعون بلذتها وطيب مذاقها، ولا يَسكرون ولا يُصدعون ولا تذهب عقولهم كخمر الدنيا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)