شأنهم، وأبقَى ذِكْرَهُم، فهذه كتب التاريخ والتراجم والرجال والأنساب تزخر بسيرهم العطرة، وأخبارهم الطيبة، وأعمالهم الجليلة، وهذه مصنفاتهم في مختلف العلوم والفنون قد حفظ الله بها دينه وحجَّته على خلقه، ولو أنهم عملوا لغايات عنصرية بغيضة، أو من أجل رقعة أرض؛ إذن لطمس الله عز وجل آثارهم، ولم يكتب النفع والقبول لأعمالهم.
* * *
أتممتُ كتابةَ هذه المقدِّمة الليلةَ الماضيةَ؛ فإذا بي أُفجَع بعدَ ظُهر هذا اليوم الأربعاء (23) من شهر رجب (1433 هـ)، الموافق (13/ 6/ 2012 م)؛ بوفاة والدي الشَّيخ ملا حقِّي بن عليِّ بن غنيٍّ التُّركمانيِّ، في محلِّ مولده ونشأته وحياته: مدينة كركوك في العراق، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يغفر له ويرحمه، ويجعله من أهل الجنَّة والنَّعيم المقيم.
أَجِدُ بين والدي الشيخ ملا حقي والشيخ إدريس بن بيدكين رحمهما الله وغفر لهما شبهًا من وجوهٍ، منها: كونهما من التُّركمان، وطلبهما العلمَ على كبر، وعنايتهما بالقرآن الكريم، وتفقُّههما على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وغلبة الفقر والتواضع والانكسار عليهما، وحبهما للسنة، وبعدهما عن البدعة، وسلامتهما من بدع التصوُّف وانحرافات الفِرَق، وما كتب الله عز وجل لهما من القبول والحظوة عند النَّاس؛ لما وجدوا فيهما من الخير والصلاح ومكارم الأخلاق. ولم تكن عندهما عنايةٌ بتقييد تاريخهما وأخبارهما، وكانا يميلان إلى الخمول والسلامة أعني ترك التكلف وعدم حب الظهور والتصدر ولابن أبي الدنيا كتاب «التواضع والخمول» وقيَّدا حصيلةَ علمهما في مواعظ إصلاحيَّة، فألَّف ابن بيدكين كتابه هذا، وجمع والدي مجموعةَ خطبٍ ومواعظَ؛ نسأل الله تعالى أن ييسِّر لنا طباعتها قريبًا.
كان مولدُ أَبي رحمه الله في سنة (1351 هـ/ 1932 م) في محلَّة المصَلَّى بمدينة كركوك، ونشأ في قلعة كركوك في أسرةٍ صالحةٍ متديِّنةٍ، فقيرةِ الحال، فقد كان والدُه رحمه الله يعمل حلَّاقًا في السُّوق الكبير، ويضطر إلى العمل أحيانًا في البناء، لهذا بدأ أبناؤُه بالعمل في مقتبل عمُرِهم، فكان والدي يعمل في الخِبازَة، ويخرجُ بعد الفجر لتوزيع الخبز، فحُرِمَ الدراسةَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)