Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌تمهيد
رأينا في حركات الخوارج الثورية على الخلافة الأموية والعباسية كيف أنها لم تفد في تحقيق ما يريدون من الإصلاح في الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية خلال هاتين الدولتين بل ولم يستطع الخوارج أن يقيموا من خلالها مجتمعا خاصا بهم يحكمهم حسب آرائهم، وإنما كانت تلك الحركات مجرد فورات سرعان ما ينتهي أمرها – طال الأمد أو قصر – بإضعاف شوكة الخوارج أو القضاء على فلولهم المهزومة.
وإذا كانوا قد شغلوا الخلافة الإسلامية خلال هذه السنوات الطويلة فإن الصراع الذي دار بينهم وبينها لم تكن محصلة إيجابية بالنسبة لهم أو لغيرهم، وإنما كانت محصلته هو إنهاك قوة الدولة وقوتهم هم أيضا في تلك الحروب الأهلية الضارية.
حقا قد كانت جيوش الخلافة بالمرصاد لهذه الحركات الثائرة وسط الدولة الإسلامية وفي المناطق التي سهل على تلك الجيوش لقاؤهم بها ولا سيما إبان قوة هذه الدولة.
ومع ذلك فقد أفلح بعض الخوارج في بعض المناطق الوعرة في الدولة الإسلامية كعمان وفي الأطراف النائية لتلك الدولة كالمغرب العربي – أفلح هؤلاء الخوارج في إقامة دولة لهم كان لهم فيها حكم ولهم عليها سلطان، وتتمثل تلك الدولة الخارجية في دولة الإباضية في عمان ودولتهم هم والصفرية في المغرب العربي، وسوف نوجز الحديث هنا عن هاتين الدولتين وأئمتهم وموقف الخلافة الإسلامية منهم.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص161

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 75)

‌‌المطلب الأول: دولة الإباضية في عُمان دخل المذهب الإباضي إلى عمان مبكرا واستقر هناك وتكون له أتباع وأخذوا في الازدياد مع مرور الزمن إلى أن أصبح كما يقول لوريمر: " يتمتع بنفوذ واسع أو على الأقل له من النفوذ مثل ما لغيره "، " وسرعان ما تبنى أهل عمان مبادئ المذهب الإباضي ويقال إنه بمطلع القرن 13م لم تصبح هذه المبادئ مسيطرة فقط ولكنها أصبحت لها صفة عامة تقريبا " (1).
وهكذا انتشر المذهب الإباضي في تلك البقاع النائية من الجزيرة العربية ذات المسالك الوعرة التي ساعدتهم في استقلالهم الذي طالما كانوا ينزعون إليه في عهد الدولتين الأموية والعباسية، متأثرين بنظريتهم الخاصة تجاه الخلافة الوراثية في دمشق أو بغداد وهو ما لا يتفق وآراؤهم الاعتقادية.
أما عن الكيفية التي دخل بها المذهب إلى هناك فمن المعروف أن معركة النهروان قد أتت على قسم كبير منهم ونجا منها من كتبت له النجاة، وبعدها فر من بقي منهم إلى مناطق بعيدة عن مركز الخلافة وأخذوا في نشر مبادئ الخوارج بين القبائل التي آوتهم يغمرهم الحقد الدفين على ما ناله إخوانهم من قتل على يد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأتباعه، ومن هنا يذهب لوريمر إلى القول بأن الذي أنشأ المذهب في عمان هو رجل من الخوارج الذين نجوا من تلك المعركة. " ويقال إن مبادئ الإباضية أدخلها إلى عمان أحد الخوارج الذين نجوا من الهلاك الذي حل بجماعتهم كحزب سياسي على يد علي بن أبي طالب في معركة النهروان، وهذا يؤكد أن مذهب الإباضية يرجع في أصله إلى الخوارج" (2). بينما يرى السالمي أن انتشار المذهب الإباضي في عمان كان على يدي عبد الله بن إباضي ويقول في ذلك: " والرواة المسلمون يذكرون بأنه قدم إلى عمان رجلان أحدهما الإمام عبد الله بن إباضي ونشر هناك مبادئ المحكمة (3) "
وسوف يكون لنا في الفصل التالي حديث عن فرقة الإباضية وعن بدء نشأتها وسبب نسبتها بعد ذلك إلى عبد الله بن إباضي.
وعلى كل فقد اشتد ساعد المذهب الإباضي في عمان ومن هنا اتجهوا إلى التفكير في إقامة دولة باسمهم مستقلة بنفسها عن التبعية للخلافة العباسية، وقد بدأت محاولة تكوين تلك الدولة سنة 129هـ في آخر دولة بني أمية وأول دولة بني العباس.
فلما أنس أهل عمان من أنفسهم القوة ثاروا بقصد الاستقلال عن الخلافة وكان ذلك على عهد السفاح وولاية أخيه المنصور على العراق الذي عين بدوره واليا من قبله على عمان، إلا أن العمانيين كانت نظرتهم كنظرة أسلافهم من الخوارج يرون أن توارث الخلافة أمر غير شرعي، لهذا فلم تكن الدولة العباسية بأحسن حالا من الدولة الأموية عندهم.
فقامت الثورة في عمان وانتخبوا أول إمام لهم وهو " الجلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي " ولكنه لم يدم في الحكم إلا سنتين وشهرا واحدا؛ إذ إن نزعته إلى استقلال عمان عن الدولة العباسية أغضبتهم عليه فتقابل في معركة مع جيش الخلافة الذي يقوده خازم بن خزيمة، والتحموا في معركة أسفرت عن قتل الجلندي وأصحابه وانتهت حركة النزوع إلى الإمامة وظلت عمان جزءا من الدولة العباسية إلى سنة 177هـ.--------------------------------------------
(1) ((دليل الخليج)) (6/ 3403).
(2) ((دليل الخليج)) (6/ 3403).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص131).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 76)

فقام إمام آخر لهم وهو " محمد بن أبي عفان الأزدي " واجتمعوا على طاعته ولكنهم نقموا عليه أخيرا أنه تجاوز الحدود وتكبر، فخلعوه سنة 179هـ وولوا عليهم إماما آخر ويسمى " الوارث بن كعب الخروصي " فأحسن فيهم السيرة وأحبوه، واجتمعت عليه كلمتهم وحارب بهم جيش الخلافة الذي أرسل لإخضاعهم بقيادة عيسى بن جعفر عم الخليفة هارون الرشيد فانتصر الوارث وأخذ عيسى أسيرا وأودع السجن إلى أن قتل، ثم انتهت مدة الوارث ومات غريقا في أثناء محاولته إنقاذ سجناء كان السيل قد داهمهم بعد حكم دام اثني عشر عاما أي أنه تولى إلى سنة 192هـ.
فبايع الإباضية بعده " غسان بن عبد الله " وكان يوصف بحزم وبأس فأمن البلاد وقضى على الفتن وازدهرت في عهده عمان، بل وحاول أن يوسع نفوذه إلى الهند ولكنه توفي قبل تحقيق هدفه سنة 207هـ. فبايع الإباضية بعده الإمام " عبد الملك بن حميد الأزدي " فسار فيهم سيرة ارتضوها كسابقه إلى أن توفي سنة 226هـ. فاختير بعده الإمام " المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي "، فحمد الإباضية سيرته وانتعشت على عهده البلاد وكان رجلا مهيبا حازما لا يجرؤ أحد على التكلم في مجلسه كما يصفه علماء الإباضية (1)، وكون له جيشا كثيفا وأسطولا قويا إلى أن توفي سنة 237هـ.
فانتخبوا بعده الإمام " الصلت بن مالك الخروصي " بالإجماع، وقد حدث في أثناء حكمه اعتداء من الحبشة فهاجموا جزيرة سقطرى واحتلوها وقتلوا عامل الصلت عليها، فكون عند ذاك الإمام الصلت جيشا وكون أسطولا يبلغ أكثر من مائة سفينة التحم من الأحباش في معركة انتصر فيها الإمام وانهزمت الأحباش تاركين سقطرة للإمام الصلت، وكانت ولايته طويلة؛ لهذا فقد طلب منه أن يتنازل نظرا للمصلحة في ذلك، فتنازل سنة 273هـ وعاش كواحد من الناس إلى أن توفي.
وبعد تنازله عين الإمام " راشد بن النظر اليحمدي الخروصي "، وفي عهده برزت العصبية القبلية بين العدنانية واليمانية واشتد ساعدها حتى كاد أن يذهب ضحية لها؛ فقد أراد خصومه الإطاحة به ولكنه قاومهم في معركة تسمى معركة الروضة انتصر فيها على معارضيه وقتل منهم كثيرا، واستمر أربع سنوات أرغم في نهايتها على التنازل سنة 280هـ.
فتولى الأمر بعده الإمام " عزان بن تميم الخروصي " سنة 277هـ، واشتد ضرام العصبية القبلية واشتعلت الفتن وأصبح الأمر على غاية ما يتوقع من المكروه فأنشب بأنصاره معركة مع معارضيه فهزمهم، فذهب بعض من المنهزمين مستصرخين المعتضد الخليفة العباسي لنصرتهم على عزان ومن معه، فكانت فرصة ذهبية للعباسيين للانقضاض على عمان والاستيلاء عليها وإعادتها إلى حظيرة الخلافة، فأمر عامله محمد بن بور بفتح عمان فوجه هذا خمسة وعشرين ألفا لفتحها، فلما علم أهل عمان بهذا الجيش خافوا منه وصاروا يتسللون هربا عن الإمام عزان إلى أن بقي معه من بقي، فتقابل مع جيوش الخلافة في معركة انتهت بقتل الإمام بل وبانتهاء الإمامة من عمان لمدة أربعين عاما أي من سنة 280 إلى سنة 320هـ، حين تولى الإمام " سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب "، وكان مطاعا في الكل موصوفا بالصلاح بينهم إلى أن قتل سنة 328هـ. وبعد سعيد بايع الإباضية رجلا أخباره مجهولة عند الإباضية ويسمى " راشد بن الوليد ". يقول عنه محمد السالمي أنه " تولى الإمامة بعد سعيد بن عبد الله وأخباره مجهولة لقلة التواريخ" (2). وقد حاول أن يصد جيش الخلافة العباسية ولكنه انهزم ثم أمنه العامل العباسي وبعده بقليل مات سنة 342هـ، وانتهت الإمامة ودخلت عمان في طاعة الدولة العباسية إلى سنة 407هـ.--------------------------------------------
(1) انظر: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص135).
(2) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص141).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 77)

فبايع الإباضية الإمام " الخليل بن شاذان "، وطرد عامل الدولة العباسية هناك واجتمعوا على طاعة الخليل إلى أن أسر من قبل العباسيين، فاختاروا بعده رجلا يسمى محمد بن علي ثم أطلق العباسيون الخليل فلما عاد تنازل له " محمد بن علي " عن رضى فاستمر الخليل حاكما إلى سنة وفاته 435هـ. فتولى الإمام بعده الإمام " راشد بن سعيد " واجتمعوا على طاعته إلا ما كان من قبيلتي نهد وعقيل فإنهم ثاروا عليه، ولكنه أخمد ثورتهم واستمر في الحكم إلى أن توفي فيقال إنهم بايعوا بعده ابنه حفص واستمر من سنة 445هـ إلى 453هـ، ولكن محمد السالمي ينفي هذا تماما (1).
ثم تولى بعده أئمة غير مشهورين ومنهم الإمام راشد بن علي الخروصي ولم يرض بعض العلماء عن سيرته، فطلبوا منه التوبة عن أعماله ففعل، فتولى بعده الإمام " عامر بن راشد بن الوليد الخروصي "، وقد أحسن القيام بأمور الحكم إلى أن توفي.
فتولى بعده الإمام " محمد بن غسان بن عبد الله الخروصي "، وقد استمر في الحكم إلى أن توفي والناس مجمعون على طاعته.
فتولى بعده الإمام " الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان " فنقل العاصمة إلى نزوى ثم استمر في مقاتلة بني نبهان إلى أن توفي. ثم تولى إمامة عمان الإمام " محمد بن أبي غسان ". يقول عنه محمد السالمي: " وأخباره قليلة لم نقف على أي شيء منها مع شدة البحث" (2).ثم تولى بعده الإمام " موسى بن أبي المعالي بن نجاد "، التقى مع محمد بن مالك في معركة قتل فيها موسى بن أبي المعالي ثم تفرق الناس بعده شيعا وهان أمرهم كما قال السالمي، ثم تولى بعده الإمام " خنبش بن محمد بن هشام "، قال السالمي عنه: " ولم نقف على شيء من أخباره " (3).
هذا وقد ظهرت الفتن وافتراق الكلمة في عمان وكانوا لا يولون هذا إلا ليظهر ذاك.
فتتابع على البلاد أمراء ضعاف ثم أرادوا العودة إلى الإمامة العامة وفعلا تتابع على عمان عدة أئمة منهم:
" الحواري بن مالك " من عام 809 إلى 832هـ.
" أبو الحسن بن خميس بن عامر " تولى 839هـ، وقد صادف بعض الفتن واستمر إلى أن توفي سنة 846هـ.--------------------------------------------
(1) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص146).
(2) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص148).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص148).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 78)

ثم تولى بعد مدة انقطعت فيها الإمامة الإمام " عمر بن الخطاب بن محمد "، وقد بويع عام 885هـ، وقد ثار عليه النباهتة الذين كانوا ينافسونه في أخذ السلطة إلا أنه انتصر عليهم في معركة. وبعد وفاته تولى الإمام " محمد بن إسماعيل الحاضري " سنة 906هـ، فأحسن السيرة وأحبته الرعية وأرجع البلاد الأمن والهدوء إلى أن توفي. فبايع الناس بعده ابنه الإمام " بركات بن محمد بن إسماعيل " سنة 942هـ فبدأ الاختلاف فيما بينهم واقتتلوا ولم يعد ذلك الهدوء السابق واستمر بهم الأمر من سيء إلى أسوأ، وكثرت الفتن إلى أن توفي الإمام بركات وظهر بعده " أمراء محليون ضعاف لا هم لهم إلا تأكيد نفوذهم والسيطرة على مقدرات الناس دون وجه حق " (1).وبعد أن شهدت البلاد بعض الفتن والتحولات برز أئمة اليعاربة الذين جعلوا عمان " أقوى دولة في المحيط الهندي والخليج العربي وكانت أساطيلها الحربية تحمي إمبراطورية كبيرة " (2)، وعظم شأنهم واستتب الأمن. ويقول ج. ج. لوريمر: " تميز عهد اليعاربة على العموم بأنه كان عهد أمن داخلي ورخاء ازدادت فيه الثروة وانتصر التعليم كما تميز أيضا بازدياد هائل ومفاجئ في القوة البحرية أدت بالعمانيين إلى القرصنة والدخول في حروب خاطفة غير منتظمة، ابتداء من سنة 1677 "، وقد أفاض المؤلف بذكر مقدار قوتهم الحربية ذاكرا لها بالأرقام (3).
وأول أئمة اليعاربة هو: الإمام " ناصر بن مرشد اليعربي ": تولى الإمامة والبلاد في حالة من الفوضى فوجه اهتمامه إلى بناء الجبهة الداخلية فأحكم قبضته على البلاد، " وبمجرد انتخابه لتولي الإمام في سنة 1625 أحال هذا المنصب من مجرد ظل باهت كما كان إلى حقيقة ماثلة بالقوة " (4)، ثم وجه اهتمامه إلى تدخل البرتغاليين والفرس في بلاده فجهز لهم جيشا انتصر عليهم واسترد منهم بالقوة منطقة جلفار " وأخضع الأقاليم الداخلية بما فيها الشرقية ".
ولم يبق لهم إلا مسقط وصحار أتم تحريرهما خلفه الإمام " سلطان بن سيف اليعربي "، ووسع نفوذه فاستولى على سواحل الهند الغربية وكنج، وافتتح ممباسة وكلوة وزنجبار وهي من سواحل أفريقيا الشرقية والتحم مع البرتغاليين في معارك الساحل الهندي في بومباي، وكون إمبراطورية كبيرة إلى أن توفي.
فخلفه ابنه الإمام " بلعرب بن سلطان اليعربي " فاتجه اهتمامه إلى الإصلاحات الداخلية فبنى الحصون والقلاع وغرس الأشجار وأحيا موات الأرض.
إلى أن ثار عليه أخوه " سيف بن سلطان "، فأحكم قبضته على البلاد، ووسع نفوذه وقوي أمره، وأنشأ بعض الإصلاحات الداخلية كالزراعة وتربية المواشي. إلى أن توفي فخلفه الإمام " سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي " سنة 160هـ، وقد دام حكمه سبع سنوات حارب خلالها الفرس وانتصر عليهم في مواقع كثيرة واهتم بالإصلاحات الداخلية والعمران، يقول عنه الشيخ السالمي: " لقد هم أن يجعل عمان كجنتي مأرب فحال الحمام بينه وبين ما يؤمل، والآجال تقطع الآمال " (5).--------------------------------------------
(1) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص153، 154).
(2) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص153، 154).
(3) ((دليل الخليج)) (2/ 637).
(4) ((دليل الخليج)) (2/ 633).
(5) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص160).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 79)

وبعد وفاته خلفه صبي مراهق يسمى " سيفا " فأرادت العامة أن يتولى الإمام هو ولكن العلماء رأوا أنه لا يجوز توليته مادام في هذا السن، فولوا سرا عن العامة رجلا له قوة في الحكم إلا أنه ليس من العلماء ولكنه كان تحته قبضة العلماء؛ فلا يمضي أمرا إلا بعد أخذ رأيهم فيه، هذا الرجل هو " مهنا بن سلطان بن ماجد اليعربي "، وصرفوا العامة بالمداراة ولبث هذا سنة في الحكم، ثم ثار عليه " يعرب بن بلعرب بن سلطان اليعربي " سنة 1133هـ، فاستقام له الأمر مؤقتا، ثم انفتحت عليه الفتن وتفرق الناس عنه وأرغم على التنازل عن الحكم إلى الإمام " سيف بن سلطان بن سيف اليعربي " سنة 1135هـ، وكان صغير السن ثم رأوا أن يعزلوه فعزل.
ثم تولى الأمر " محمد بن ناصر العامري "، وهذا لقي من ثار عليه أيضا فقتل فرجع سيف إلى الحكم، وهكذا دخلوا في فوضى وتفرق. إلى أن جاء حكم البوسعديين فتعاقبوا على الحكم، وكان المؤسس الأول لحكمهم هو الإمام " أحمد بن سعيد "، كان واليا من قبل الإمام سيف علي صحار. هذا ما قاله السالمي عنه، ولكن نجد أن ج. ج. لوريمر يقول عنه بأنه كان تاجرا وقد وضع الإمام سيفه ثقته فيه (1). وكان هذا الرجل عالي الهمة قلما تحين الفرصة إلا وينتهزها لصالحه، وكان الفرس هم العقبة الوحيدة أمامه فعقد معهم معاهدة فلما اشتد ساعده بدأ بالفرس فأقام وليمة كبيرة دعاهم لحضورها، وفي أثنائها ألقى عليهم القبض وقتلهم ثم أجبر الحامية الفارسية في مسقط على الاستسلام فقتل منهم الضباط وكبار رجالهم، وأرسل الباقين في سفن إلى إيران مخفورين وفي أثناء سيرهم أكمل بهم الجنود الباقي فأغرقوا بهم المراكب ورجعوا.
ولا تزال نفسه تتطلع إلى مزيد من الانتصارات، إلا أنه واجه مشكلة كبيرة وهي تصدي " بلعرب بن حمير اليعربي " لمحاربته، فقد كان هذا الأخير قد عين نفسه إماما وعندما سمع بأن أحمد بن سعيد نصب إماما أعد جيشا لإخضاعه فتحصن منه أحمد بن سعيد في قلعة صغيرة بالجبال، وقد رأى – من فطنته – أن يخرج متسللا في زي أعرابي يقود الجمال فاتصل بأتباعه فاجتمع له منهم بضع مئات، ثم قادهم إلى جيش بلعرب المحاصر فما شعروا إلا والطبول تضرب من كل جهة فاندهش بلعرب وظن أنه قد حوصر من قبل جيش غاز قوي فهرب، ولكنه وقع في قبضة أحد أبناء عم أحمد فذبحه فصفا الجو لأحمد بن سعيد ولم يقم أحد لمنافسته فما مات إلا وقد سيطر سيطرة مطلقة على جميع أجزاء عمان. هذا موجز من تاريخه وقد توسع في أخباره ج. ج. لوريمر كثيرا وبين منزلته القيادية وعلاقاته مع الدول الأخرى (2).ويقول السالمي عنه: " وقد أصدر القاضي – يعني به مفتي عمان آنذاك – قرارا يعلن فيه أن أحمد هو منقذ البلاد ويستحق أن يرفع ليكون إماما للمسلمين، وفعلا أصبح أحمد بن سعيد إمام عمان الفعلي وحاكمها المطلق " (3).
وما جاء بعده من أسرته فإنهم في نظر الإباضية ليسوا أئمة وإنما هم سلاطين؛ إذ إن الحكم أصبح بعد أحمد بن سعيد وراثيا، وهو الأمر الذي يبطل الإمامة عندهم.--------------------------------------------
(1) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص163، 165).
(2) ((دليل الخليج)) (2/ 642)، وقد فصل المؤلف أخباره في (ص 644 - 657).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص164).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 80)

وقد قام الإمام " عزان بن قيس " بمحاولة لإرجاع البلاد إلى حكم الإمامة الذي غاب عنها زمن، وقد شد أزره علماء البلاد بما أوحوا به إلى العامة من الاستبشار ووجوب نصرته فاجتمع له من القبائل من استجاب له فبدأ محاولته لضم أجزاء عمان إلى إمامته: يقول لوريمر عن علو كلمة العلماء الإباضية في عهد عزان ومنهم سعيد بن خلفان كبير علمائهم ومقدمهم عند الإمام -: " وأضفى سعيد بن خلفان على حكومة عزان طابعا دينيا مسرفا في التعصب، فاستبدل علم عمان الأحمر من قديم الزمان بعلم المطوعة الأبيض، ومنع التدخين وشرب الخمر ومنع الاستماع إلى الأغاني والموسيقى بجميع ألوانها، وألزم أهل مسقط جميعا بالاختلاف إلى المساجد بانتظام وصدرت إليهم التعليمات باتباع السنة في تربية الذقون وحف الشوارب " (1).
ولهذا فقد كانت بريطانيا غير راضية عن سيرته هذه وإن سترها لوريمر بأقواله المختلفة، ومنها أنه كان مغتصبا وأن مستشاريه كانوا سيئي التصرف في الأمور، وأنه ليس من أسرة البوسعيديين الذين هم أحق بحكم عمان في نظر الإنجليز الذين لمسوا فيهم من إيثار طاعة بريطانيا والسير في رغباتها ما يرضيهم، وهو ما نقمه عليهم علماء الإباضية هناك، وكان عزان ينظر إلى الإنجليز الذين لمسوا فيهم من إيثار طاعة بريطانيا والسير في رغباتها ما يرضيهم، وهو ما نقمه عليهم علماء الإباضية هناك، وكان عزان ينظر إلى الإنجليز بأنهم استعماريون لا ينبغي ربط أي علاقة بهم فامتنع عن التعاون معهم أو تقريبهم. ومن هنا أخذ الإنجليز يحرضون عليه خصومه ومن أشدهم " تركي بن سعيد " يقول الدكتور جمال زكريا قاسم: " على أنه مما يستلفت النظر أنه في خلال الفترة التي قضاها عزان بن قيس في الحكم لم تقم بينه وبين الحكومة البريطانية أية علاقات وربما يرجع ذلك إلى التعاليم الإباضية التي لا تقر وجود هذه العلاقات فضلا عن أن الحكومة البريطانية لم تعترف بالوضع القائم في عمان " (2).
وقد أراد عزان أن يوسع من نفوذه، فهاجم مسقط وكاد أن يأخذها لولا أن تدخل بريطانيا قد حال بينه وبين امتلاكها فاتجه وأخذ البريمي وامتلكها ثم اتجه إلى إخضاع القبائل البدوية، ولكنها اجتمعت عليه والتحمت معه في معركة " ضنك "، فانهزم جيشه ولم ينج إلا هو ونفر يسير معه وكانت إقامته بمطرح تشكل تهديدا للقضاء على أسرة البوسعيديين، فرأت بريطانيا أن إعادة الإمام إلى عمان إذا انتصر عزان سيقضي على مصالحها لهذا أرسلت تركي بن سعيد – السابق الذكر – إلى لنجة لاستمالة القبائل التي هناك وتأليبهم على عزان، فلما تم له ما أراد أقبل بجيش قاصدا مطرح لإخضاعها وللقضاء على الإمام فنشبت هناك معركة أسفرت عن قتل الإمام عزان وتفرق أتباعه بين الناس.--------------------------------------------
(1) ((دليل الخليج)) (2/ 748).
(2) ((دراسة لتاريخ الإمارات العربية)) (ص109).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 81)

وبعد قتل عزان خفت صوت الإمام إلى سنة 1913م، فأخذت الدعوة تنتشر بين الناس في عمان الداخلية للرجوع إلى الإمامة ومحاربة الحكم الوراثي (سلاطين البوسعيد) " فاجتمع أئمة الإباضية وانتخبوا سالم بن راشد الخروصي إماما "، ووصفت هذه الحركة من قبل الإباضية بأنها " حركة ثورية مباركة " فسار فيهم الإمام سالم سيرة ارتضوها من عمل بكتاب الله وسنة نبيه إلى سنة 1920م، فدبرت له مؤامرة اغتيل فيها. فولى الإباضية عليهم بعده الإمام " محمد بن عبد الله الخليلي " (1) الذي امتد حكمه أربعا وثلاثين سنة، " وقد عم الهدوء والسلام " تلك المناطق الداخلية في عهده رغم ما كان يلاقيه من تآمر سلاطين مسقط والإنجليز على إسقاط الإمامة هناك وضمها إلى سلطان مسقط البوسعيدي، وقد استمرت الحرب بينهم سبع سنوات ثم تم التوصل إلى معاهدة تعرف بمعاهدة السيب (والسيب يقع على بعد 30 كم تقريبا من العاصمة مسقط ويتكون من بيوت قليلة وفيه المطار للعاصمة مسقط).
واستمرت هذه المعاهدة إلى أن توفي الإمام الخليلي فأراد سلطان مسقط أن يهتبل الفرصة لضم عمان الداخلية إلى سلطنته، ولكن الإباضيين فوتوا عليه الفرصة وولوا عليهم بعده الإمام " غالب بن علي الهنائي "، الذي بويع بالإمامة سنة 1954م – 1373هـ، وقد جعل جل اهتمامه في ربط عمان بالدول العربية، " فقد قام بتبادل التمثيل الدبلوماسي مع جميع البلدان التي تتعاطف معه آملا من ذلك أن تكون عمان كأي دولة من الدول العربية ووجد من يشاطره هذا الأمل، إلا أن هذا التحرك من جانب الإمام قد أخاف بريطانيا وسلطان مسقط إذ إن رجوع الإمام إلى عمان معناه انتهاء مصالح بريطانيا ونفوذها هناك؛ خصوصا وأن آبار البترول قد جذبتهم إليها وأن التخلي عنها لا يمكن بحال. ومن هنا أخذت بريطانيا وحليفها سلطان مسقط سعيد بن تيمور في تنظيم الخطط الحربية للقضاء على الإمام بالقول والفعل. وفجأة وبدون مقدمات زحفت السيارات العسكرية إلى مدينة عبرى ومنها إلى العاصمة نزوى التي أصبحت تحت أيديهم فانتقلت الإمامة إلى رؤوس الجبال حيث قرر الإباضية التحصن بالجبال، خصوصا الجبل الأخضر، وشن الحملات الهجومية من هناك واستمرت تلك الحرب الضارية بين قوات الإمام وبين سلطان مسقط والإنجليز، وكانت قوات الإمام تحرز بعض الانتصارات بعد خسائر فادحة، إلا أن بريطانيا صبت جام غضبها عليهم؛ يتمثل ذلك في أسراب الطائرات والقنابل والصواريخ المدمرة " (2).
وكانت نهاية الإمامة في عمان بعد تلك المعارك التي دارت بين أتباعها من جهة والسلاطين والإنجليز من جهة أخرى، ولم تفلح الجهود السياسية والحربية في إعادة الإمامة للبلاد وإنما تمكن السلاطين البوسعيديين من عمان ولا يزالون حتى الآن يتوارثون الحكم فيها. وقد شهدت عمان نهضة قوية في عهدهم.
وإذا لم يكن السلاطين بالمذهب الإباضي فإن هذا المذهب لا يزال له سلطانه، ولا سيما في الجوانب الفقهية عند العلماء والعامة.
وقبل أن ننتهي من الحديث عن دولة الخوارج في عمان نحب أن نذكر هنا أن الخوارج بسطوا نفوذهم على بعض المناطق الأخرى في المشرق غير عمان؛ فقد بسط نافع بن الأزرق نفوذه على الأهواز إلى كرمان وتمكنوا من دولاب وسلبرى وسلي، وغيرهما من تلك النواحي، وبسط نجدة نفوذه على اليمامة والبحرين والقطيف وصنعاء، وخلفه على تلك المناطق أبو نزيك، إلى غير ذلك من أمثال تلك الظواهر التي لا نقف عندها لأنها تمثل وضعا من أوضاع الحكم المنظم والمستقر ولم تدم إلا سنوات قليلة، بل كان بعضها لا يبقى إلا شهورا؛ ولهذا لم ندخلها في الحديث عن دولة الخوارج مكتفين بذكرها عند الحديث عن تلك الفرق التي بسطت سلطانها وقتا ما على هذه المنطقة أو تلك.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص163--------------------------------------------
(1) انظر: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص171).
(2) انظر: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص232، 254).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 82)

‌‌المطلب الثاني: دولة الإباضية في المغرب
انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة مخلصين وجدوا من البربر آذانا صاغية، فاستغلوا ذلك لنشر مذهبهم الذي طورد في المشرق القريب من عاصمة الخلافة الإسلامية فقد رأوا أنه حفاظا على بقاء مذهبهم وإقامة سلطة باسمه لابد وأن تكون بعيدة عن بطش الخلافة، فاختاروا المغرب بين قبائل البربر فقام للخوارج في المغرب مذهبان مذهب الإباضية ومذهب الصفرية، وكان مما ساعدهما في الانتعاش شيئا فشيئا اعتدال دعوتهم التي تهادن الحكام تحت ستار التقية وتعامل المخالفين بقدر من التسامح إلى أن بلغوا ما أرادوا، ولولا هذا الاعتدال لكان مصيرهم لا يقل عن مصير أولئك الذين قلما يجتمع لهم أقل عدد إلا وأعلنوها ثورة وعصيانا مسلحا فتنقض عليهم جيوش الخلافة حتى يبادوا، وقد أبيدوا بالفعل وما نشأت خوارج المغرب إلا نتيجة من نتائج تلك الإبادة في المشرق.
لقد كانت البصرة إحدى القواعد الأساسية لدعاة المذهب الإباضي، ومنها انطلق دعاة الإباضية الذين انتشروا في المغرب لتأسيس دولتهم هناك. وكان زعماء هذه القاعدة هم أوائل علماء المذهب وعلى رأسهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
فكان الدعاة ينتشرون منها إلى الأماكن المعينة، بل وكان الخارجون على الخلافة لا يخرجون إلا بعد استشارتهم كما كان الحال في خروج طالب الحق في جزيرة العرب وأبو الخطاب (أحد حملة العلم) كما يسميهم الإباضية في المغرب، ثم خلفه عبد الرحمن الرستمي ومن جاء بعده من أولاده فكانوا لا يبرمون أمرا ذا بال إلا عن مشورة علماء المذهب في البصرة. وقد رزق مذهب الإباضية في المغرب أنصارا مخلصين في إقامته وإعلانه أمثال سلمة بن سعد الذي " كان يقول في مبدأ أمره: " وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي " (1). وابن مغطير الجناوني، وغيرهما من الرجال الذين كانوا يذهبون من المغرب إلى البصرة ثم يرجعون بعد أن يتزودوا بالعلم والفقه في المذهب دعاة ومجاهدين وقضاة في دولتهم الناشئة.
وقد انتقل مع المذهب الإباضي إلى المغرب مذهب الصفرية – كما قلنا – وانتشر هناك على يد عكرمة مولى ابن عباس وهو بربري في الأصل ولهذا كان لدعوته إلى المذهب الصفري تأثير بين البربر لمعرفته بدخائل نفوسهم، وكان يدعو إلى مذهبه سرا ثم أخذ في الانتشار إلى أن صار مذهبا قويا فيما بعد، خصوصا وقد كان المهاجرون من المشرق الذين هربوا من اضطهاد الخلفاء يرتادون المغرب لبث دعوتهم في هذه المناطق النائية عن الخلافة الإسلامية، ولم يحدد المؤرخون بالضبط متى بدأ المذهب الخارجي ينتشر هناك. يقول الدكتور رفعت فوزي عن تحديد نشأة الإباضية والصفرية بالمغرب: " وإذا كانت الروايات التاريخية لا تبين لنا بالتحديد متى قدم إلى المغرب أول من دعوا إلى مذهب الخوارج وهما سلامة بن سعيد وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه يمكن القول بأنهما قدما في أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني" (2).
ويجب أن نلاحظ هنا أن تلك القبائل التي كانت محط الأنظار لنشر المذهب الخارجي بينهم كانت متأرجحة بين اعتناق المذهب الخارجي والبعد عنه، وأغلبهم كان يميل مع القوي صاحب الغلبة، فإذا جاء من هو أقوى منه كان الحال معه كسابقه وهكذا.
لقد كان البربر منذ أسلموا مخلصين في إسلامهم يشتركون في جميع المعارك التي يخوضها الجيش الإسلامي، وكانوا عندما يعاملون بالعدل والرفق كما وصفهم الطبري: " من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك أحسن أمة سلاما وطاعة ".--------------------------------------------
(1) ((الإباضية في موكب التاريخ)) (2/ 25).
(2) ((الخلافة والخوارج في المغرب العربي)) (ص29).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 83)

وقد ظلوا كذلك إلى أن بدأوا يحسون بالظلم من قبل ولاة الخليفة هشام وأسوأهم سيرة كان عبيد الله بن الحبحاب من قبل هشام، الذي كان جل اهتمامه في جمع الأموال والتحف وبعثها إلى دمشق لإرضاء الخليفة هناك كغيره من ولاة تلك المناطق.
وصادفت هذه المحنة وجود دعاة الخوارج بينهم فكانوا كلما دعوهم إلى الخروج على الخلافة الأموية بسبب ما يفعله ولاتهم من مظالم يتأبون عن الاستجابة لهم قائلين: إن هذا ليس ذنب الخليفة حتى نختبره، فيقول لهم دعاة الخوارج: إن هؤلاء العمال لا يقدمون إلا بأمر من الخليفة نفسه، فلم يقبلوا منهم. وهكذا ظلوا كلما دعاهم الخوارج قالوا: " إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم " أي نختبرهم.
وأخيرا وبعد أن طفح الكيل خرج بضعة عشر يرأسهم ميسرة المطغري متوجهين إلى دمشق ليشكوا ما حل بهم إلى الخليفة هشام، إلا أنه لسوء الحظ لم يقابلهم بل احتجب عنهم إلى أن نفذت نفقاتهم، فعزموا على الرجوع إلى بلادهم وهنا ذهبوا إلى الأبرش وحملوه رسالة منهم ليؤديها إلى هشام كالإعذار لما سيفعلونه فيما بعد، جاء في هذه الرسالة:
" أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا أصاب نفلهم دوننا، وقال هم أحق به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا، إن كان لنا فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نرده، وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا، وأخر جنده: فقلنا: تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم، ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها على السخال يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين، فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين ذلك الإمام لا. فأخذ الأبرش هذه الرسالة وقال: نفعل، وأخيرا ولما يئسوا من الوصول إلى هشام ويئسوا من إنصافهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم وأعطوا الوزراء قائلين لهم: " هذه أسماؤنا وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه " (1)، ثم رجعوا.--------------------------------------------
(1) انظر ((تاريخ الطبري)) (4/ 254).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 84)

وبالتأمل في تلك الرسالة نجد فيها حرارة الشكوى ومدى ما حل بهم إن صدقوا في كل ما ذكروه؛ إذ إن تلك الجرائم التي ارتكبت بحقهم لا يمكن السكوت عنها، وهنا وقر في قلوبهم ما قاله الخوارج سابقا ورجعوا في غاية الغضب والعزم على الخروج عن الطاعة، فبدأوا بعامل هشام على أفريقية فقتلوه ثم استولوا على أفريقية، ولما علم هشام بذلك سأل عن أسماء ذلك الوفد الذي جاء إليه فرفعت إليه أسماؤهم فإذا هم الذين وقفوا ببابه فاحتجب عنهم. وهناك سبب آخر يعزوه الأستاذ رفعت إلى صاحب كتاب (أخبار مجموعة)، الذي يرى أن سبب قيام خوارج المغرب بالثورة إنما هو " الاقتداء بالخوارج في المشرق أصحاب النهروان والأزارقة في الخروج على سلطان الخلافة والتحرر من ربقتها والكيد لها " (1).ويروي عن صاحب فجر الأندلس رأيا آخر، وهو أن تلك الثورة كانت سياسية قبل أن تكون دينية وذلك في قوله: " لسنا نجد على أي الأحوال من أخبار هذه الثورة الكبيرة دليلا واضحا على صفرية القائمين بالحركة أو إباضيتهم، والأسلم أن نسميهم خوارج سياسيين لا دينيين " (2). وعلى كل فقد اشتعلت الثورة وسموا ميسرة أمير المؤمنين، ثم التحموا مع جيش الخلافة في معارك عظيمة عبأ فيها هشام ثلاثين ألفا لمقاتلة الخوارج، وحينما التقوا انهزمت جيوش الخلافة شر هزيمة واستتب الأمر للخوارج وبسطوا نفوذهم بقوة وبأس جعل الخليفة ييأس من استعادة أفريقية بعد هزيمة جيشه الذي أرسله بقيادة كلثوم بن عياض أمام قائد الخوارج خالد بن حميد الزناتي الذي حقق للخوارج استقلال المغرب حتى صار المغرب فيما بعد ملجأ كل ناقم على الخلافة الأموية (3).
ثم صارت الأمور بعد ذلك في صراع الخوارج والخلافة يتبادل الطرفان فيه النصر والهزيمة حتى انتهت الدولة الأموية وأعقبتها الدولة العباسية، فبدأت في مقاومة الخوارج بالمغرب وكان رئيسهم إذ ذاك هو أبو الخطاب؛ وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين ذهبوا إلى البصرة وعادوا منها إلى المغرب يحملون فكرة إقامة دولة باسمهم، كما أشار عليهم زعيم المذهب الديني في البصرة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي تعتبره الإباضية من خيرة أسلافها وعلمائها الأجلاء. فأخذ نجم الإباضية في الظهور على يدي أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي كان مقيما بطرابلس بعد الخطط لجعلها عاصمة لهم، وكانت البيعة له في غرب طرابلس في مكان يسمى " صياد " واتفقوا فيه على وضع خطة للقبض على زمام السلطة في طرابلس، وهي أن يوضع الرجال في جواليق مربوطة من أسفلها على جمال كل رجلين على جمل ثم يدخلون طرابلس فلا يفطن الناس إلى ما بها، وعندا يتوسطون المدينة يخرج الإباضية الذين بها مصلتين سيوفهم ثم تفتح الجواليق فيخرج الرجال على هيئة حربية كل رجل يحمل سلاحه، ثم جاء الموعد ونجحت الخطة وحين خرجوا كانوا ينادون لا حكم إلا لله ولا طاعة إلا لأبي الخطاب، وتم الاستيلاء على المدينة فعين عبد الرحمن الرستمي وهو أحد حملة العلم الخمسة أيضا على طرابلس قاضيا (4).--------------------------------------------
(1) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص67)، وهو يعزو هذا الرأي إلى ((أخبار مجموعة)) (ص31، 32).
(2) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص68)، وهو يعزو هذا الرأي إلى ((فجر الأندلس)) (ص149).
(3) هذا ما أشار إليه الأستاذ رفعت فوزي في كتابه ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص83)، والواقع أن الخليفة قد عبأ الجيوش المتلاحقة لإخماد تلك الثورات، انظر ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 192).
(4) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص108).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 85)

فأخذ هذا الرجل بما أوتي من قوة فكر ونفاذ بصيرة في تجميع الإباضية من حوله وأحل التعصب للمذهب بدل التعصب القبلي، حتى نجح بهم في إقامة دولة للإباضية استمرت ما يقارب مائة وخمسة وعشرين عاما. ومنذ أن تم النصر للإباضية في طرابلس بدأوا ينظرون إلى ما حولهم فحشدوا الجيوش للاستيلاء على القيروان لإنقاذها من بغي ورفجومة (1) الذين عاثوا فيها فسادا، وسارت الحملة إليهم في ستة آلاف رجل، وعرضوا في طريقهم على قابس فاحتلوها ثم واصلوا السير إلى القيروان فحاصروها مدة، ثم خدعوا ورفجومة وأوهموهم أنهم منهزمون منهم، فلما خرجوا في لحاقهم عطف الإباضية عليهم فقتلوهم قتلا ذريعا عند مكان يسمى رقادة. ثم خرج أبو الخطاب عن القيروان بعد أن ولى عليها عبد الرحمن بن رستم. وبعد القضاء على ورفجومة رجع أبو الخطاب إلى طرابلس ولكن حدث أن ذهب أحد أتباعه ويسمى جميل السدراتي – لمنافرة وقعت بينه وبين أبي الخطاب – إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي طالبا منه إنقاذ ذلك الجزء من المغرب من حكم أبي الخطاب، فبعث إليهم أبو جعفر الجيش بعد الجيش وهم ينهزمون أمام الإباضية، ولكن الإباضية عادوا فانهزموا أخيرا على يد محمد بن الأشعث وانتصر عليهم الانتصار الحاسم (2)، فقتل أبو الخطاب وكل من كان معه أثناء المعركة وتفرقت الإباضية في الجبال والأماكن النائية. ثم جاء مؤسس الدولة الإباضية الحقيقي وهو عبد الرحمن بن رستم وهو الذي إليه " يعزى الفضل في تكوين دولة الخوارج الإباضية، كان حكمها في أسرته من بعده " (3)، وهو فارسي الأصل من طبقة حكام الفرس الأكاسرة وقد انتقل بعد مقتل أبي الخطاب إلى تيهرت التي صارت فيما بعد عاصمة الإباضية، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وسلموا عليه بالخلافة سنة 160هـ، وكان جل أتباعه من قبائل البربر لواته ورجالة ونفزاوة ولماية ونفوسة التي اشتهر بأنها قلعة حصينة للإباضية. وقد أصبحت تاهرت من أعظم المدن وأجملها وقد فصل القول فيها الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني وذكر كثيرا من دقائق أخبارها يعجب له السامع، واستشهد بعدة شواهد من كلام غير الإباضية نفيا لما قد يتوهم من مبالغته في وصفها كما يقول (4)، وقد تأسست هذه المدينة واكتمل عمرانها سنة 136هـ. وقد سار عبد الرحمن في حكمه سيرة ارتضاها الإباضية وتوالت عليه الإعانات من إباضية المشرق، الإعانات المعنوية والمادية وكان على اتصال في قضاياها المهمة بعلماء المشرق الإباضي؛ يقول محمود إسماعيل: " واستطاع عبد الرحمن بهذه الأموال تسليح رجاله من الإباضية، وتمكن بفضلهم - على حد تعبيره – من بسط سيادة الدولة على سائر قبائل البربر" (5).--------------------------------------------
(1) ورفجومة هم قبيلة من قبائل البربر، انظر ((الإباضية في موكب التاريخ)) (1/ 51).
(2) انظر ((الإباضية في موكب التاريخ)) (1/ 53)، وانظر ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 317).
(3) ((الخلافة والخوارج في المغرب العربي)) (ص107).
(4) انظر: الصفحات الأولى من كتاب ((الأزهار الرياضية)) (جـ2).
(5) ((الخوارج في المغرب الإسلامي)) (ص113).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 86)

وكان يجاور دولته دولة الصفرية التي اتخذت سجلماسة عاصمة لها حين تكونت سنة 140هـ، وقد تمت بين عبد الرحمن وملك الصفرية علاقة مصاهرة إذ تزوج ابن ملك الصفرية، ويسمى مدارا، بكريمة عبد الرحمن وبذلك أمن ذلك الجانب، ولولا تلك المصاهرة لجرى بينهم من الحروب والفتن الشيء الكثير وهذا من حنكة عبد الرحمن ومهارته في الأمور. وقد استمر الحال بالإباضية هناك في هدوء واستقرار إلى أن توفي عبد الرحمن الرستمي سنة 171 تقريبا، " وكي يضمن استمرار ذلك الاستقرار لدولته أوصى قبل وفاته بتعيين مجلس شورى يختار إمام الدولة من بين أعضائه " (1). فبايع الإباضية بعده ابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي في هذا التاريخ، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وأحبوه لما امتاز به من الصلاح والحزم ولم ينقموا عليه أمرا إلا ما كان من ابن فندين وهو ممن بايعه فإنه خرج عنه غاضبا؛ لأنه لم يشركه في حكمه ولم يسند إليه منصبا وهذا تعليل الإباضية لخروجه عن طاعة عبد الوهاب، ولكن هذا التعليل ينفيه بعضهم ويرى أنه من صنع الإباضية لتشويه مطلب ابن فندين في حمل الإمام على اتخاذ مجلس شورى يأخذ برأيه وأسباب أخرى غير هذا (2).ثم انضم إلى ابن فندين ثائر آخر من الإباضية الطامعين في الحكم وهو شعيب المصري حسب ما تقول مصادر الإباضية، ويقول غيرهم بأن هذا الحكم على شعيب " مبالغ فيه والأقرب للتصديق أنه توجه لنصح عبد الوهاب وإنهاء الخلاف في تاهرت، فلما لم يجبه انضم إلى ابن فندين " (3).
وحينذاك دبر هذا الرجلان الثورة لنزع الحكم من عبد الوهاب فأنشبوا معركة على أبواب عاصمة الإباضية بتيهرت انهزم فيها الثوار وقتل ابن فندين؛ وهرب شعيب إلى طرابلس ناقما على الإمام مظهرا البراءة منه، فلما وصلت هذه الأخبار إلى علماء الشرق من الإباضية أجمعوا على البراءة منه ومن ابن فندين. وبموت ابن فندين اختفت المشاكل التي كانت شاغلة لعبد الوهاب وهدأت الأمور، ولكن هذا الهدوء كدرته ثورة أخرى قام بها قبائل من البربر تدين بالاعتزال وأكثرهم من قبيلة زنانة، التحموا معه في معركة طلب فيها من الثائرين عقد هدنة للنظر في الأصلح من الأمور فعقدت الهدنة وهنا كتب الإمام إلى أهل جبل نفوسة طالبا منهم المدد، ولما جاءه ما طلب التحم معهم في معركة أخرى انتصر فيها الإمام وظفر بتلك الطائفة من الواصلية المعتزلة وأذعنوا بالطاعة، وكانت تنشأ بين الحين والآخر بعض الانشقاقات فلا تلبث أن تنتهي. وامتد سلطان الإمام إلى طرابلس وما حولها وقد دامت خلافته 19 سنة إذ توفي في سنة 190هـ تقريبا، وهو الصحيح عند الباروني من بين الأقوال التي قيلت في ذلك (4)، تاركا وراءه ثورة خلف بن السمح في اشتعال. وبعد وفاة عبد الوهاب بايع الإباضية ابنه أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، فأمر أبو عبيدة وكان واليا من قبل عبد الوهاب على طرابلس بمحاربة خلف، وبعد مراسلات بينهما لم تجد نفعا التحموا في معركة انتصر فيها أبو عبيدة، وكانت تلك المعركة في 13 من شهر رجب سنة 221هـ، إلا أن هذه المعركة لم تنه عصيان خلف بل ثار مرة ثانية بعد وفاة أبي عبيدة وتولية العباس بن أيوب مكانه فراسل خلفا لإعادته إلى الطاعة، ولما لم تفلح معه المراسلة تقابلوا في معركة انهزم فيها خلف وتفرق جمعه ومات بعد ذلك منكسرا (5).--------------------------------------------
(1) ((الخوارج في المغرب الإسلامي)) (ص114).
(2) راجع: ((الخوارج في المغرب الإسلامي)) (ص117).
(3) ((الخوارج في المغرب)) (ص117).
(4) ((الأزهار الرياضية)) (2/ 163).
(5) ((الخوارج في المغرب الإسلامي)) (ص123).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 87)

وبعد خلف جاء ثائر آخر هو فرج بن نصر النفوسي المعروف (بنفاث) والذي تنسب إليه فرقة النفاثية من الإباضية وكان له اطلاع في العلم، إلا أنه أخرجه الغضب لنفسه إذ لم يول ولاية في دولة أفلح حسب ما تقول مصادر الإباضية، وهذا لا ينفي أن تكون ثورته انتقاما من حكم الرستميين الذين جعلوا الخلافة وراثية ولكنه لم تكن له شوكة أو منازلة مع جيش أفلح بل كان خروجه بمجرد الكلام فقط، وأخيرا غمض أمره وانتهى دوره إلى أن حانت وفاة الإمام أفلح وكان المرشح لتوليها بعده هو ابنه ابن اليقظان محمد بن أفلح، إلا أنه حين وفاة والده كان مسجونا في بغداد وذلك أنه كان قد اختطف في حجه وأودع سجن بغداد، فبايع الناس بعد وفاة أفلح ابنه أبا بكر بن أفلح، إلا أنه لم يكن مرضيا من جميع الناس، ووقعت فتن في عهده وحروب أهلية.
وقد عاد ابن اليقظان من بغداد إثر إطلاقه من السجن فنظم الأمور وأحبه الناس فتمت بيعته سنة 241هـ، واجتمعت عليه الكلمة وأتته وفود البيعة من كل أرجاء مملكته واستتب الأمن وكثر الرخاء إلى أن توفي سنة 281هـ.
وبعد وفاته بايع الإباضية ابنه أبا حاتم يوسف بن محمد باتفاق الكافة ولم ينكر أحد في الظاهر أي أمر، إلا أنه كان في نفوس بعض الناس ميل عنه ومنهم عمه يعقوب بن أفلح إلا أنه لم يحرك ساكنا حينئذ، ثم حدثت فتنة بعد ذلك بقيادة بعض المشايخ مسموعة الكلمة وتطور الخلاف إلى أن أصبح لا يمكن حله إلا بالمعركة، وجمع كل فريق ما عنده من قوة استعدادا لخوض الحرب.
وقد استدل أهل مدينة تيهرت زعامتهم إلى عم أبي حاتم السابق الذكر يعقوب بن أفلح بينما كان الإمام محاصرا لها من خارجها ولم يبق إلا الدخول في المعركة، فابتدأت رحاها بين الإمام وعمه فأهرقت الدماء وتقطعت السبل وعاش الناس في أشد الضيق، إلى أن توسط بعض أهل الإصلاح بين الإمام وعمه لعقد هدنة وصلح على أن يقف كل منهما عن منازعة الآخر مدة أربعة أشهر حتى ينظر الناس في أمورهم ورجاء ما يمن الله به من حسن تدبيره.
وقد حدث في أثناء هذه المدة أن استمال الإمام كثيرا من الناس ووعدهم ومناهم إلى أن مال إليه أكثر أهل المدينة (مدينة تيهرت)، فرأى يعقوب ومن معه من خاصته أن الخطر قد أحدق بهم وهنا قرروا الهرب إلى طرابلس التي كانت الفتنة فيها وفي جبل نفوسة على أشدها ليكونوا على بعد عن الإمام.
وهنا دخل الإمام المدينة بعد أن كان مقيما خارجها في أثناء تلك الأربعة الأشهر وصفي له الجو في تيهرت وما حولها، باستثناء طرابلس ونفوسة وما حولهما فقد وقعت فيها بعض الفتن الداخلية ثم أعقبهم نزول جيش إبراهيم بن الأغلب التابع للخلافة العباسية فقتل أهل نفوسة قتلا ذريعا وانهزموا شر هزيمة.
ومن هنا بدأ نجم دولة الإباضية الرستمية في الأفول شيئا فشيئا إلى أن توفي الإمام أبو حاتم سنة 294هـ مقتولا على يد أبناء أخيه باتفاق تم بينهم للاستيلاء على الحكم، وشايعهم على هذا بعض الناس فقتلوه ثم تولى بعده اليقظان بن أبي اليقظان وهو ابن أخيه، وبمجرد توليه بدأ انقراض دولة بني رستم على يد الشيعة وذلك على يد عبيد الله الشيعي وظهور دعوته في المغرب، فقد احتل مولاه ويكنى بأبي عبد الله الحجاني تيهرت العاصمة الإباضية وقضى على أسرة بني رستم وانتهى أمرهم وذلك في سنة 296هـ، فرثاهم علماء الإباضية بالمراثي المحزنة ورثوا تيهرت وما أصابها من خراب بعد بني رستم.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص177

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 88)

‌‌أولا: موقف الإباضية من سائر المخالفين
تتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات من مخالفيهم.
وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، إضافة إلى أن العلماء يذكرون عنهم كذلك أن الإباضية تعتبر المخالفين لهم من أهل القبلة كفار نعمة غير كاملي الإيمان ولا يحكمون بخروجهم من الملة، إلا أن هذا المدح ليس بالاتفاق بين العلماء؛ فهناك من يذكر عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم محاربون لله ولرسوله وأنهم يعاملون المخالفين لهم أسوأ المعاملة.
والحقيقة أن القارئ لكتب علماء الفرق يجد أنهم متعارضون في النقل عنهم إلا أن يقال: إن طائفة من الإباضية معتدلون وآخرون متشددون. ولهذا وجد علي يحيى معمر ثغرة في كلام علماء الفرق ليصفهم بالتناقض والاضطراب في النقل إلى آخر ما أورد من انتقادات لا تسلم له على إطلاقها.
وذلك أنك تجد في بعض كلام علماء الإباضية أنفسهم الشدة في الحكم على المخالفين لهم ووصفوهم بأنهم الكفار وأنهم من أهل النار ما لم يدينوا بالمذهب الإباضي، وتجد آخرين يتسامحون في معاملة المخالفين لهم ويبدو عليهم اللين تجاههم.
وتجد التعصب في حكمهم على المخالفين ظاهراً قوياً من قراءتك لكتاب (مقدمة التوحيد) لابن جميع، وكتاب (الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد) للعيزابي، ورسالة في فرق الإباضية بالمغرب للمارغيني، وكتاب (الدليل لأهل العقول) للورجلاني، وكذا العقود الفضية، وكشف الغمة الجامع لأخبار الأمة- فإن القارئ لهذه الكتب يجد التشدد تجاه المخالفين قائماً على أشده كما تشهد بذلك مصادرهم المذكورة. ومع هذا فإن العلماء والمتقدمين وكثيراً من المتأخرين يذكرون عبارات كثيرة تصف الإباضية بالتسامح واللين تجاه المخالفين ممن يدعون الإسلام إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي وحرابة، ومع ذلك نفى علي يحيى معمر أن يكون من مذهب الإباضية أنهم يرون أن معسكر السلطان معسكر بغي وحرابة، ولكنه-وهو يقسم حكام المسلمين في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية) - جعل هذا الوصف ينطبق على الحاكم الذي يخرج عن العدل ولا يطبق أحكام الإسلام كاملة (1).
ومن خلال الأمثلة الآتية من كلام العلماء حول موقف الإباضية من المخالفين لهم تجد مصداق ما قدمنا إجماله فيما يلي:
1 - اللين والتسامح مع المخالفين
أ- ما قاله عنهم كتَّاب (الفرق).
ب- ما قالوه هم في كتبهم.
أما ما قاله علماء الفرق عنهم: فمثلاً نجد أن الأشعري يقول: (وأما السيف فإن الخوارج جميعاً تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف) (2).وقال أيضاً: (وجمهور الإباضية يتولى المحكِّمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار ليسوا بمشركين) (3).ثم قال عنهم كذلك: (وزعموا أن الدار أي دار مخالفيهم- دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم) إلى أن قال: (وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة) (4).أما البغدادي والشهرستاني فيذكران عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم براء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار (5).--------------------------------------------
(1) انظر: ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص28،27).
(2) ((المقالات)) (1/ 204).
(3) ((المقالات)) (1/ 184).
(4) ((المقالات)) (1/ 185).
(5) ((الفرق بين الفرق)) (ص103)، و ((الملل والنحل)) (1/ 134).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 89)

وأما ما قالوه هم عن أنفسهم: فنجد صاحب (كتاب الأديان) الإباضي وهو يعدد آراء الأخنس –زعيم فرقة الأخنسية –يقول: (وجوَّز تزويج نساء أهل الكبائر من قومهم على أصول أهل الاستقامة) (1).ونجده كذلك يؤكد على أنه لا يجوز من أهل القبلة إلا دماءهم في حالة قيام الحرب بينهم وبين الإباضية (2).
ويأتي أبو زكريا الجناوني فيؤكد أنه يجوز معاملة المخالفين معاملة حسنة، غير أنه ينبغي أن يدعو إلى ترك ما به ضلوا فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم
وهناك نصوص في مسامحة الإباضية للمخالفين لهم من حسن المعاملة وعدم اغتيالهم أو استعراضهم وتحريم أموالهم. يذكرها عنهم علي يحيى معمر مع عزوها إلى قائليها في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية)، في معرض نقده كلام علماء الفرق عن الإباضية (3). لا نرى ضرورة للتطويل بنقلها هنا.
2 - الشدة على المخالفين:
1 - ما يقوله عنهم علماء الفرق: يقول البغدادي عنهم: (إنهم يرون أن المخالفين لهم كفار وأجازوا شهادتهم وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية … وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله ولا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة) (4).وقد سبق قول الأشعري عنهم: وقالوا جميعاً: إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله وفيما لا يسع (5).
2 - ما قالوه هم في كتبهم:
روى الجيطالي الإباضي عن الإمام عبد الوهاب أنه قال: سبعون وجهاً تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا من أين هذا؟ وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرين وجهاً تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس رحمه الله إلا أربعة أوجه وقد شدد علي فيهم (6).ويقول المارغيني منهم: (وقالت المشائخ إن هذا الدين الذي دنا به الوهبية من الإباضية من المحكِّمة دين المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الحق عند الله وهو دين الإسلام، من مات مستقيماً عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار) (7) وقال العيزابي منهم: (الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات فنقول معشر الإباضية الوهابية: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأً يحتمل الصدق) (8).ولا يقلُّ الورجلاني تشدداً عن من سبق، فهو يقول: فإن قال قائل: هذه أمة أحمد صلى الله عليه وسلم قد قضيتم عليها بالهلاك وبالبدعة والضلال وحكمتم عليها بدخول النار ما خلا أهل مذهبكم. قلنا: إنما قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم-لا نحن- بقوله: حيث يقول: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة .. )) (9) وهناك نصوص كثيرة أخرى في تزكية مذهبهم وبطلان ما عداه من المذاهب، وأن الله لا يقبل أي دين غير دين الإباضية والوهبية عن (صاحب العقود الفضية) (10).والسالمي (11) وجاعدين خميس الخروصي (12) وصاحب (كشف الغمة) (13)، وصاحب (النيل وشفاء العليل) (14) وابن جميع (15) وغيرهم من علماء الإباضية.--------------------------------------------
(1) ((كتاب الأديان)) (ص 105).
(2) ((كتاب الأديان)) (ص 99).
(3) انظر: ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص335، 385).
(4) ((الفرق بين الفرق)) (ص 103).
(5) ((المقالات)) (1/ 186).
(6) ((قواعد الإسلام)) (ص 105).
(7) ((رسالة في فرق الإباضية)) للمغرب (ص 13).
(8) ((الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد)) (ص37).
(9) بهذا اللفظ غير موجود ولكن روي بألفاظ مقاربة كما عند أبي داود (4597) وأحمد (4/ 102) (16979) ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (1/ 4) وفي ((المذكر والتذكير)) له (1/ 86) وقال الألباني صحيح لغيره.
(10) ((العقود الفضية)) (ص 169).
(11) ((العقود الفضية)) (ص 172).
(12) ((العقود الفضية)) (ص 172).
(13) ((كشف الغمة)) (ص306).
(14) انظر: ((النيل وشفاء العليل)) (3/ 1061، 1062).
(15) ((مقدمة التوحيد)) (ص19).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 90)

‌‌ثانيا: موقف الإباضية من الصحابة
موقف الإباضية من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
من الأمور المتفق عليها عند سائر الخوارج الترضي التام والولاء والاحترام للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، لم تخرج فرقة منهم عن ذلك.
أما بالنسبة للخليفتين الراشدين الآخرين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقد هلك الخوارج فيهما وذموهما مما برأهما الله عنه.
والذي يهمنا، أن نشير هنا إلى رأي الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم بإيجاز، تاركين تفصيل الحجج والردود عليها لمقام آخر:
1 - موقف الإباضية من عثمان رضي الله عنه:
من الأمور الغريبة جداً أن تجد ممن يدعي الإسلام ويؤمن بالله ورسوله من يقع في بغض الصحابة؛ خصوصاً من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وثبتت بذلك النصوص في حقه.
فعثمان رضي الله عنه صحابي جليل شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، أما بالنسبة للخوارج فقد تبرءوا منه ومن خلافته، بل وحكموا عليه بالارتداد والعياذ بالله وحاشاه من ذلك. وفي كتاب (كشف الغمة) لمؤلف إباضي من السب والشتم لعثمان ما لا يوصف، ولم يكتف بالسب والشتم، وإنما اختلق روايات عن بعض الصحابة يسبون فيها عثمان بزعمه ويحكمون عليه بالكفر (1)، ولا شك أن هذا بهتان عظيم منه. ويوجد كذلك (كتاب في الأديان) (2) وكتاب آخر اسمه (الدليل لأهل العقول) (3) للورجلاني، فيهما أنواع من السباب والشتم لعثمان ومدح لمن قتلوه؛ حيث سماهم فرقة أهل الاستقامة، وهم في الحقيقة بغاة مارقون لا استقامة لهم إلا على ذلك.
2 - وأما بالنسبة لموقفهم من علي رضي الله عنه: فإنه يتضح موقفهم منه بما جاء في كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان فصل من كتاب (الكفاية) قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسباباً- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة. وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة –جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: (ويعتقد المطوعون أن الخليفة علياً لم يكن مسلماً على الإطلاق؛ بل كان كافراً!!) (4).كما تأول حفص بن أبي المقدام بعض آيات القرآن على أنها واردة في علي، وقد كذب حفص (5).ومن الجدير بالذكر أن علي يحيى معمر –المدافع القوي عن الإباضية يزعم أن الإباضية لا يكفرون أحداً من الصحابة، وأنهم يترضون عن علي رضي الله عنه فهو ينقل عن كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة مدحاً وثناءً لعلي (6).
وأورد علي يحيى معمر فصلاً طويلاً بيّن فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم، ويترضون عنهم ويسكتون عما جرى بينهم، ونقل عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق.
ونقل عن التعاريتي أيضاً مدحه للصحابة خصوصاً علياً وأبناءه، وكذلك التندميري الإباضي. وأخيراً قال علي يحيى معمر: (ولم يكن يوماً من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم من بعض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب) (7).--------------------------------------------
(1) ((كشف الغمة)) (ص268).
(2) ((كتاب الأديان)) (ص27،26).
(3) ((الدليل لأهل العقول)) (ص28،27).
(4) ((دليل الخليج)) (6/ 3406).
(5) انظر: ((المقالات)) (1/ 183).
(6) ((وفاء الضمانة)) (3/ 22).
(7) ((الإباضية بين الفرق)) (ص278).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 91)

وهذه الحقيقة التي اعترف بها أخيراً تجعل ما ملأ به كتابه (الإباضية بين الفرق) من الشتائم على كل كتّاب الفرق غير صحيح، فما الذي يمنع أن يكون نقل هؤلاء العلماء يصدق على أقل تقدير على هؤلاء الأفذاذ الذين أشار إليهم، مع أن ما يذكره علي يحيى معمر لا يتفق مع النصوص المستفيضة عن علماء الإباضية في ذمهم لبعض الصحابة، فهل الورجلاني يُعتبر- على حد التعبير السابق ليحيى معمر- من الغلاة المتشددين، وهو من هو في صفوف الإباضية؟
فهذا الرجل يواصل في كتابه (الدليل لأهل العقول) تكفيره وشتمه لمعاوية رضي الله عنه ولعمرو بن العاص، بل قد قال زعيم الإباضية عبد الله بن إباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان كما يرويه صاحب (كشف الغمة): (فإنا نُشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله) وكفى بهذا خروجاً.
وصاحب (كشف الغمة) الجامع لأخبار الأمة يشتم الحسن والحسين رضي الله عنهما، وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه، كما يزعم- كذلك بسبب قتلهما عبد الرحمن بن ملجم، وتسليمهما الإمامة لمعاوية، وهي أسباب لا يعتقدها من عرف الصحابة الذين شهد الله ورسوله لهم بالسابقة والفضل، ولكن انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر، وصدق الشاعر حين قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص … فهي الشهادة لي بأني فاضل
ونفس الموقف الذي وقفه الخوارج عموماً والإباضية أيضاً من الصحابة السابقين- وقفوه أيضاً من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأوجب لهما الورجلاني النار (1). وقد بشرهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وهؤلاء يوجبون عليهما النار، فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم!! قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (2) وأنه لما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان أخص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم غير مرضيين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضي بعد ذلك؟--------------------------------------------
(1) انظر: ((كشف الغمة)) (ص304)، و ((الدليل لأهل العقول)) (ص 28).
(2) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2541). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 92)

‌‌المطلب الرابع: عقائد الإباضية
من الأمور الطبيعية أن تخرج هذه الفرقة وغيرها من الفرق عن المعتقد السليم في بعض القضايا ما دامت قد خرجت عن أهل السنة والجماعة وارتكبت التأويل، ولا بد كذلك أن توجد لها أقوال فقهية تخالف فيها الحق إلى جانب أقوالهم في العقيدة، ولا يسعنا هنا ذكر جميع مبادئ فرقة الإباضية العقديّة والفقهية، فهذا له بحث مستقل خصوصاً ما يتعلق بالمسائل الفقهية، فإن دارس الفرق قلما يوجه همه إلى إيضاحها وتفصيلاتها إلا عند الضرورة.
والذي نود الإشارة إليه هنا أن للإباضية أفكاراً عقدية وافقوا فيها أهل الحق، وعقائد أخرى جانبوا فيها الصواب.
1 - أما ما يتعلق بصفات الله تعالى: فإن مذهب الإباضية فيها أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نفى الصفات نفياً تاماً خوفاً من التشبيه بزعمهم، وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلى آخر الصفات، فالصفات عندهم عين الذات، قال أحمد بن النضر:
وهو السميع بلا أداة تسمع … إلا بقدرة قادر وحداني
وهو البصير بغير عين ركبت … في الرأس بالأجفان واللحظان
جل المهيمن عن مقال مكيف … أو أن ينال دراكه بمكان
ويقول السالمي:
أسماؤه وصفات الذات … ليس بغير الذات بل عينها فافهم ولا تحلا
وهو على العرش والأشيا استوى … وإذا عدلت فهو استواء غير ما عقلا
وإنما استوى ملك ومقدرة … له على كلها استيلاء وقد عدلا
كما يقال استوى سلطانهم فعلى … على البلاد فحاز السهل والجبلا (1)
وقال العيزابي منهم: (الحمد لله الذي استوى على العرش أي ملك الخلق واستولى عليه، وإلا لزم التحيز وصفات الخلق) وهذا في حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق، وقد شنع الورجلاني منهم على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو –حسب زعمه- تأويل الصفات، فاليد النعمة والقدرة، والوجه الذات ومجيء الله مجيء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه؛ كما يزعم (2).ومعلوم لطلاب العلم أن هذا ليس هو مذهب السلف الذين يثبتون الصفات لله كما وصف نفسه في كتابه الكريم ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. قال ابن تيمية في بيان مذهب السلف: (إنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل) (3) ويقول ابن القيم: (لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويغضب ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علماً وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، وأن له يدين وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك) (4).
فهل يعتبر هذا الوصف تشبيه لله بخلقه؟ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: 140].
وطريقة السلف في إثبات كل صفة لله، أنهم يقولون فيها: إنها معلومة والكيف مجهول والسؤال عنها بدعة، وأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]. وهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله.--------------------------------------------
(1) ((غاية المراد)) (ص7).
(2) ((الحجة في بيان المحجة)) (ص6، 18).
(3) ((مجموع الفتاوى)) (5/ 26).
(4) ((مختصر الصواعق المرسلة)) (16 - 29).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 93)

ولم ير أهل السنة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه لمعرفتهم أن الاتفاق في التسمية لا يستلزم الاتفاق في الذات، فالله سميع وبصير والإنسان سميع بصير، وبين الذاتين ما يعرفه كل عاقل من الفرق، ومن تصور التشبيه فقد جمع بين التشبيه والتعطيل. والحاصل أن الإباضية هنا وافقوا المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الفرق في باب الصفات، معتمدين على عقولهم وعلى شبهات وتأويلات باطلة، على أن الإباضية أنفسهم مختلفون في إثبات صفات الله تعالى؛ فإباضية المشرق يختلفون عن إباضية المغرب، ذلك أن إباضية المشرق تعتقد أن صفات الله تعالى حادثة، وإباضية المغرب تعتقد أنها قديمة؛ وبين الفريقين من التباعد في هذا ما لا يخفى (1).
2 - وأما عقيدة الإباضية في استواء الله وعلوه فإنهم يزعمون أن الله يستحيل أن يكون مختصاً بجهة ما؛ بل هو في كل مكان. وهذا قول بالحلول وقول الغلاة الجهمية، ولهذا فقد فسر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، أو استواء ملك ومقدرة وغلبة، وإذا قيل لهم: لم خص العرش بالاستيلاء والغلبة؟ أجابوا بجواب وقالوا: لعظمته، وقد خرجوا بهذه التأويلات عن المنهج الشرعي إلى إعمال العقل واللغة بتكلف ظاهر مخالف للاعتقاد السليم والمنطق والفطرة.
3 - وذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها؛ لأن العقل –كما يزعمون- يحيل ذلك ويستبعده، واستدلوا بقوله تعالى: لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103]. وأوَّلوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة.
ومن أدلتهم قوله تعالى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: 143].واستدلوا من السنة بحديث عائشة حين سئلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم: هل رأى ربه ليلة الإسراء؟ فأجابت بالنفي (2) كما رواه صاحب (وفاء الضمانة) (3)، وقد أورد الربيع بن حبيب صاحب كتاب (الجامع الصحيح) أو (مسند الربيع)، الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري ومسلم عند أهل السنة، ويعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن كما يزعمون- أورد عدة روايات عن بعض الصحابة تدل على إنكارهم رؤية الله تعالى (4).
والواقع أن كل استدلالاتهم التي شابهوا فيها المعتزلة، إما استدلالات غير صحيحة الثبوت، أو صحيحة ولكن أوَّلوها على حسب هواهم في نفي الرؤية.
فإن الآية الأولى ليس فيها نفي الرؤية: وإنما نفي الإحاطة والشمول، فالله يرى ولكن من غير إحاطة به عز وجل.
وقوله لموسى: لن تراني أي في الدنيا، وقد علق الله إمكان رؤيته تعالى بممكن، وهو استقرار الجبل.
وحديث عائشة إنما أرادت نفي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في ليلة الإسراء، وليس المقصود نفي الرؤية مطلقاً، فهذا لم ترده أم المؤمنين، ومن فهم النفي مطلقاً فهو سيء الفهم جاهل بالنصوص.--------------------------------------------
(1) انظر: ((الإباضية عقيدة ومذهبا)) للدكتور صابر طعيمة (ص35).
(2) رواه البخاري (4855)، ومسلم (177). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) ((وفاء الضمانة)) (ص377،276)
(4) انظر: ((مسند الربيع بن حبيب)) (3/ 35).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 94)