وجاء الطوسي بأخبار كثيرة وكلمات نسبها إلى المهدي وهو طفل رضيع لا يعرفها إلا فيلسوف، وأنه حينما ولد كانت الملائكة تهبط وتصعد وتسلم عليه وتتبرك به، وأن روح القدس طار به ليعلمه العلم مدة أربعين يوماً،؟ وأنه حينما ولد كان مكتوباً على ذراعه الأيمن جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81].وزعموا كذلك في رواياتهم على لسان الحسن العسكري أن ابنه المهدي كان ينمو في السنة والواحدة مثل نمو سنتين من غيره (1).
كشأن سائر الأئمة، ومزاعم كثيرة ظاهرها يشهد عليها بالكذب والتهويل الأجوف لولا خوف الإطالة لكان في ذكرها ما يتعجب من العاقل على جرأة هؤلاء على التلفيق الذي لا يقبله عقل سليم ولا فطرة نقية، كما فعل الطوسي في كتاب (الغيبة) (ص258)، كلها مثل هذه المبالغات والتلفيقات دون أن يجد الشخص جواباً شافياً لما يدور في ذهنه من أسئلة مهمة.
لماذا اختفى المهدي في السرداب مع أنه لا داعي لهذا الخوف ما دامت الملائكة تحميه وتتبرك به وتنصره، فإن ملكاً واحداً يكفيه كل أهل الأرض؟
ثم لماذا يختفي الآن وقد ذهب كل من كان يخاف منهم، وجاء قوم يتلهفون على خروجه ونصرته، فلماذا إذاً تخلف عنهم بدون عذر مقبول، وهم يصيحون ليل نهار عجل الله خروجه؟
ثم لماذا لم يشب ولم ينم الحسن والحسين -سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عظم مكانتهما مثلما شب ابن الحسن العسكري بتلك العجلة؟ وما الداعي أيضاً لتلك العجلة في تنومه ومصيره أن يختفي في السرداب ثم لا يراه أحد بعد ذلك ولا ينتفع به أحد؟ قد تجد عند الطوسي (2) ، وغيره من علمائهم بعض الإجابات التي لفقوها في أسباب غيبته، ولكنها إجابات غير كافية ولا مقنع فيها لأحد، ومن أعجب الأمور أن ينكر الهاشميون وجود ولد الحسن العسكري على مرآى من الناس ومسمع، وذلك حينما ادعى شخص زمن المقتدر الخليفة العباسي أنه هو ابن الحسن العسكري، فجمع الخليفة جميع بني هاشم وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف في كتب التاريخ -بابن الطوما- للبت في أمر هذا الرجل، فشهد الجميع على كذبه بدليل أن الحسن العسكري لم يعقب، فحبس المدعي وشُهّر وضرب.
ورغم أن أهل البيت أدرى بما فيه، لكن هؤلاء الشيعة أبوا إلا المكابرة مهما كانت النتائج، وادعوا وجود هذا المهدي، ولا بد أن دافعاً قوياً دفعهم إلى هذه المجازفة، فما هو السبب في هذا الإصرار على وجود هذه الشخصية؟ سنذكر الجواب إن شاء الله في آخر الكلام عن هذه الشخصية.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 395 - 404--------------------------------------------
(1) انظر إلى هذه المبالغات والتوقيعات التي كان يرسلها المهدي وهو في غيبته - حسب زعمهم - ((كتاب الغيبة)) عدة صفحات منه، وانظر العنوان أخبار بعض من رأى صاحب الزمان وهو لا يعرفه أو عرفه فيما بعد (ص158 - 170)، وانظر: ((معجزات الحجة)) (ص170). في ذكر التوقيعات (ص172، ص 199) التي كان يرسلها له من سردابه بواسطة السفراء الأربعة انظر ص (150،142).
(2) انظر: ((كتاب الغيبة)) (ص199،73،66).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 94)
المطلب الثاني: مكان وجود المهدي:
اختلف الشيعة في المكان الذي اختفى فيه مهديهم محمد بن الحسن العسكري على أقوال متضاربة توحي لأهل كل مكان ذكروه بقرب المهدي منهم.
ومن تلك الأقوال، وهي كثيرة: أنه مختف في سامراء، في سرداب دار أبيه، وهذا من أشهر أقوال الشيعة والمتداول بينهم، وفي كتبهم (1).
أنه مختف في المدينة المنورة. قال أبو هاشم الجعفري للحسن العسكري: "يا سيدي هل لك ولد؟ قال: نعم. قلت: فإن حدث حادث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة" (2).أنه مختف بمكة المكرمة (3).
وقد أورد الطوسي روايات كثيرة في هذا، وأورد الكليني حديثاً في هذا. وبعضهم قال: هو بذات طوى (4).وبعضهم قال: إنه في اليمن بواد يسمى شمروخ (5).وبعضهم قال: إنه بالطائف حسب رواية الطوسي الطويلة عن علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي (6).
وكل هذه الخلافات دليل على بطلان تلك الدعوى، والباطل أهله يختلفون فيه حتماً، ولا يخفى التباعد بين هذه الأماكن، وهذا التباعد بينها دليل على أنها افتراضات مبنيّة على هوى وأغراض سياسية، إذ لا يمكن لأي شخص أن يجمع بينها ويصل إلى نتيجة مرضية مهما أوتي من المعرفة والذكاء، ولكن هكذا شريعة الهوى والسياسة، حيث لا تستند على أي أساس ثابت.
وإذا كان المهدي قد اختار أن يختفي ويتوارى عن الأنظار فهل يجعل لذلك الاختفاء والهرب عن الناس حداً ومدة يعود بعدها إلى قيادة الشيعة، ومتى يتم ذلك؟ الجواب نذكره فيما يلي.--------------------------------------------
(1) انظر: رواية محمد بن يعقوب بإسناده عن ضوء بن علي العجلي عن رجل من أهل فارس- ((كتاب الغيبة)) (ص140، 146).
(2) ((كتاب الغيبة)) (ص 139).
(3) ((كتاب الغيبة)) (2/ 151 - 152)، وانظر: ((الكافي)) (1/ 180).
(4) ((كشف الأستار)) للطبرسي (ص 2145)، نقلا عن ((الشيعة والتشيع)) (ص354).
(5) ((الأنوار النعمانية)) للجزائري (2/ 65)، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص354).
(6) ((كتاب الغيبة)) (ص159 - 161).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 95)
المطلب الثالث: رجعة المهدي ومتى تتم؟
يؤمن سائر العقلاء أنه لا رجعة لأحد بعد موته ليعيش في الدنيا، ويؤمن المسلمون برجعة واحدة تكون في يوم القيامة حين يجمع الله الخلائق لفصل القضاء، كما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بخلاف ما عليه كثير من الشيعة من إمكان ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة.
فقد قرروا في عقائدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليّ والحسن والحسين وبقية الأئمة سيرجعون. وفي المقابل يرجع أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية، ويزيد وابن ذي الجوشن، وكل من آذى أهل البيت بزعمهم.
كل هؤلاء سيرجعون إلى الدنيا مرة أخرى قبل يوم القيامة عند رجوع المهدي إلى الظهور -كما قرره لهم عدو الله ابن سبأ- يرجعون ليتم عقابهم كما آذوا أهل البيت واعتدوا عليهم ومنعوهم حقوقهم، فينالهم العقاب الشديد ثم يموتون جميعاً، ثم يحيون يوم القيامة للجزاء الأخير مرة أخرى. وقد بلغ بهم كرههم للصحابة أن زعم غلاتهم ومتعصبيهم، وهو الشريف المرتضي، أن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي وهي خضراء فتيبس فيضل بسبب ذلك جمع كثير من الناس، وهم يقولون: إن هذين البريئين قد ظلما ولذا صارت الشجرة الخضراء يابسة، وقيل: تكون تلك الشجرة يابسة قبل الصلب ثم تصير رطبة خضراء بعد الصلب فيهتدي كثير من الناس. قال الألوسي: "والعجيب أن هؤلاء الكاذبين مختلفون بينهم في هذا الكذب أيضاً" (1).
ولهم في هذه الرجعة أخبارغريبة وخرافات يمجها العقل السليم. وقد أحاطوها بتهويلات عظيمة حتى يخيل للقارئ أن رجوع المهدي هو يوم القيامة الذي أخبر الله عنه، وهل خيالات وخرافات لا يصدقها إلا من لم يمن الله عليه بمعرفة دين الإسلام. وقد ذكر الطوسي أن المهدي يخرج يوم عاشوراء يوم السبت بين الركن والمقام. وهذه الرواية عن أبي جعفر، وذكر رواية عن أبي عبد الله أنه ينادي باسم المهدي ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء يوم قتل الحسين (2).
وفي بعضها أن جبريل ينادي يوم ستة وعشرين من شهر رمضان باسم القائم، ويقوم في يوم عاشوراء، اليوم الذي قتل فيه الحسين، بين الركن والمقام، فتسير إليه شيعته، ومنهم من يطير طيراناً، ومنهم من يمشي في السحاب، وهم أفضل أصحابه، وتكون الملائكة حوله صافِّين ومعه جميع الكتب المقدسة التي أنزلها الله على الأنبياء من أولهم إلى آخرهم.
ثم يأمر بحصر المخالفين للشيعة فينكل بهم، ثم تعلو كلمة الشيعة ويمتد حكمهم إلى جميع الأرض وتكون الغلبة لهم … إلخ. ويذكر الطوسي عن أبي الحسن الرضا أنه قال: (ينادون في رجب ثلاثة أصوات من السماء .. صوتا منها .. ألا لعنة الله على الظالمين، والصوت الثاني: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثالث: يرون بدنا بارزاً نحو عين الشمس، هذا أمير المؤمنين، قد كرّ في هلاك الظالمين (3)، وأن أول من تنشق عنه الأرض في الرجعة هو الحسين بن علي رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) انظر: ((مختصر التحفة الاثني عشرية)) (ص 201).
(2) ((كتاب الغيبة)) (ص274).
(3) ((كتاب الغيبة)) (ص 268).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 96)
وأما عن الغلظة التي سيسير عليها فقد زعموا تنفيساً عن أحقادهم ضد العرب- كما دلّت عليه رواياتهم- أنه بعد رجعة المهدي أول ما يبدأ به أنه يقتل قريشاً ويصلبهم أحياءً وأمواتاً، أي بعد أن يحيي الله من مات منهم فيجازيهم أشد الجزاء بسبب ما فعلوا نحو أهل البيت فيضع السيف فيهم لا يستتيب أحداً منهم، ويستمر في هذا القتل مدة ثمانية أشهر لا يضع السيف عن عاتقه. وزعم الطوسيّ في روايته عن أبي عبد الله أن المهدي يقطع أيدي بني شيبة ويعلقها في الكعبة (1)، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سلمهم مفتاحها. كما زعموا أن يقتل سبعين قبيلة من قبائل العرب (2).كما افترى علماء الشيعة على الله تعالى وردوا شهادته في كتابه الكريم في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي برأها الله من كل سوء … فزعموا أن المهدي يقيم عليها الحد، فيجلدها الحد (3)، لعن الله من اعتقد هذا الاعتقاد وأخزاه الله في الدنيا والآخرة، وهذه الزندقة ذكرها الصافي في تفسيره (4).وبعد ذلك قالوا: إنه سيستأنف طريقة جديدة كما استأنف رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، قال الطوسي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إذا قام القائم جاء بأمر غير الذي كان" (5).وقد فسروا هذا الاستئناف بأنه يسير على حكم سليمان بن داود، كما يذكر الطوسي (6)، بل ويهدم ما كان قبله ويستأنف الإسلام من جديد (7).ومعنى هذا أنه يكفر بالإسلام ويبدأ من جديد -على حسب هذه النصوص- هذا هوا الظاهر. ووصل سوء الأدب بأولئك أن اعتقدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الرجعة الثانية لعلي رضي الله عنه يكون جندياً يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب، ويبايع كذلك المهدي هو وسائر الأنبياء، كما يروي العياشي عن جعفر أنه قال: لم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا ردهم جميعاً إلى الدنيا حتى يقاتلون بين يدي علي بن أبي طالب (8).وأن دابة الأرض المذكورة في القرآن هي عليّ بن أبي طالب (9).
ونترك خرافات كثيرة يمجها العقل، وتستثقل ذكرها النفس، إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الحقد والكراهية التي كان عليها كتَّاب مثل هذه الأفكار وشدة كيدهم للإسلام ولزعماء المسلمين من الصحابة الكرام فمن بعدهم الذين قضوا على اليهودية والوثنية المجوسية، وأنزلوهم من عروشهم وساووهم بعامة المسلمين.
مما أغضب هؤلاء الذين لفقوا مثل هذه الأخبار والترهات في ذم قريش وحكام المسلمين أجمعين، وذم كثير من أهل البيت وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله بخلاف ما هو معلوم من دين الإسلام، بل وجميع الأديان السماوية مجمعة على أن الإنسان إذا انتهى عمره في الدنيا ومات فإنه لا رجعة له إلا للقاء ربه يوم القيامة للحساب والجزاء.--------------------------------------------
(1) ((كتاب الغيبة)) (ص282).
(2) ((كتاب الغيبة)) (ص284).
(3) ((تفسير الصافي)) (ص 359)، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص378).
(4) ((تفسير الصافي)) (ص359)، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص378).
(5) ((كتاب الغيبة)) (ص283).
(6) ((كتاب الغيبة)) (ص 283).
(7) ((بحار الأنوار)) (13/ 194)، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص382).
(8) ((تفسير العياشي)) (1/ 281)، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص386).
(9) ((مختصر التحفة الاثني عشرية)) (ص201).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 97)
وهذا هو ما صرح به الله عز وجل في القرآن الكريم؛ حيث قال رداً على من تمنى الرجعة إلى الدنيا: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99 - 100]، وهذا هو اعتقاد جميع المسلمين، ولم يقل بخلاف هذا أحد لا سلف الأمة ولا أحد من آل البيت الذي تزعم الشيعة أنهم تبع لهم، والقرآن صريح وواضح في إبطال هذه البدعة، والخرافة العقدية التافهة.
وقولهم: إن المهدي هو الذي يحاسب الناس وينزل بهم العقاب بسبب ما قدّموه في حق آل البيت، فإن الإسلام يصرح بأن الله عز وجل يتولى حساب جميع خلقه، ويثيب أو يعاقب.
أما البشر، فليس لهم ذلك لقوله تعالى: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93].
وقول هؤلاء الشيعة إنما اقتبسوه من قول النصارى بأن المسيح هو الذي يتولى حساب الخلق، تشابهت قلوبهم. وقول هؤلاء: إن الرسول يقاتل بين يدي عليّ بن أبي طالب، ويبايعه المهدي الذي هو من ولدهما، إهانة واستخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، وإهانة أيضاً لعلي رضي الله عنه، إضافة إلى تفسيرهم دابة الأرض بأنها علي رضي الله عنه، ولقد صدق عليهم الحديث: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (1). وأما ما زعموه من عقوبة خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من صلبهما على شجرة وهي رطبة فتصبح يابسة، فهو افتراء ومخالفة للعقل والواقع، إذ كيف يعقل أن يجازيا بقتل الحسين وليس لهم بذلك صلة، ثم إن ذنبهما -إن كان أخذ الخلافة ذنب- لا يعقل أن يصل إلى هذا الحد من العقوبة.
ثم كيف يجازيهما الله أمام أقوام لم يشهدوا ذنبهما ولم يعرفوا له سبباً؟ إذ الأولى أن يتم جزاءهما أمام من شهد أمرهما في الوقت الذي آذوا فيه أهل البيت حتى تقر أعينهم بجزائهما، مع أن إثبات هذا العقاب يؤدي في النهاية إلى عكس ما يريد الشيعة، ويناقض أقوالهم، وذلك:
أن أولئك الناس لو أرجعهم الله إلى الدنيا للجزاء قبيل يوم القيامة لكان أمرهم في الآخرة إلى الجنة، إذ من الظلم أن يعذبوا مرة أخرى، فحصل لهم بتعذيبهم في رجعتهم إلى الدنيا تخفيف وراحة.
وهذا ينقض ما ذهب إليه الإمامية، فإنه على أصولهم أن عذاب جهنم لا بد وأن يكون مستمراً على من آذى آل البيت، ثم ما هو الداعي إلى هذه العجلة يخرجهم فيعذبهم ثم يموتون ويعذبون مرة أخرى؟ وأيضاً لماذا لم تكن هذه العجلة في وقت وقوع الجريمة لتكون أنكى؟ أما تركهم هذه المدة كلها ثم يعذبهم في زمن المهدي فهو برود مثل برود الشيعة في أكاذيبهم.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (3484) من حديث أبي مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 98)
أن الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم الذين حكم الشيعة عليهم بالرجوع، لعظم ما ارتكبوه في حق آل البيت وجزاؤهم الشديد في الدنيا ثم يموتون-بزعمهم- ويبعثون يوم القيامة. ذنوبهم بإقرار الشيعة غصب الخلافة وبعض حقوق آل البيت -على زعم الشيعة-، وهذا الذنب -إذا جاز تسميته ذنباً- لا يصل إلى درجة الكفر بالله والشرك به، بل هو فسق، والفسق لا يصل إلى هذا الحد من العقاب، ولا يوجب الرجعة في الدنيا، ولو كان الأمر يقتضي الرجعة لكان إرجاع الكفرة والمشركين والذين ادعوا الألوهية مع الله- كفرعون ونمرود وغيرهما- أولى بالرجوع، والشيعة لم يقولوا بذلك، فوجب أن يكون -حسب مقياسهم- أن غصب الخلافة أو التعدي على آل البيت أعظم جرماً من الشرك ومن ادعاء الألوهية وقتل الأنبياء بغير حق، وهم لا يقولون بهذا؛ فظهر بطلان قولهم بوجوب إعادة ورجعة أولئك الخلفاء لعقابهم في الدنيا بسبب غصبهم الخلافة، أو أخذ أبي بكر لفدك بغير حق كما يدعون لجهلهم بنص النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
ثم إن قولهم برجوع النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وسائر الأئمة وإخراجهم من قبورهم لحضور هذا العقاب في الرجعة، فيه تعذيب لهم بالموت مرة أخرى، والموت أشد آلام الدنيا … فلم يجوز الله سبحانه وتعالى إيلام أحبائه عبثاً؟ إذ الموت لا بد أن يشمل كل كائن حيّ، وإذا أحيا الله هؤلاء فلا بد من تجرعهم الموت مرة أخرى -على حسب هذا المعتقد الخرافي-، فكيف يعذب أولياءه بالموت مرتين في الدنيا وغيرهم مرّة واحدة؟
إنه على زعم الشيعة بإعادة هؤلاء وإيقاع العذاب عليهم في الدنيا، فيه نفع لهؤلاء المبعوثين إلى الدنيا إذ يعلمون حينئذ أنهم أخطأوا فيتوبون حتما توبة نصوحاً، والتوبة مقبولة في الدنيا ولو بعد الرجعة، فكيف بعد ذلك يمكن تعذيبهم؟ والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. فوجب على معتقد الشيعة برجعتهم أن يقولوا بأنهم في الآخرة في الجنّة لصدق توبتهم في الدنيا في الحياة الثانية. إلى غير ذلك من الردود التي تدحض مذهب الشيعة في القول بالرجعة، وأنه خلاف العقل والنقل والواقع، والله الهادي إلى سواء السبيل (1).
ومما ينبغي الإشارة له هنا أنه قد خرج عن القول بالمهدي على تلك الصورة المزعومة عند الشيعة بعض فرقهم كالزيدية، وقد أنكروا عودة المهدي وردّوها بروايات عن الأئمة أيضاً، وكفى الله المؤمنين القتال.
وقد سبقت الإشارة … إلى أن الشيعة ليسوا كلهم على مذهب واحد في المهدي المنتظر، وإنما اشتهر اسم محمد بن الحسن العسكري بالمهدي المنتظر، لأنها عقيدة الرافضة الإمامية في عصرنا الحاضر.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 404 - 414--------------------------------------------
(1) انظر: ((مختصر التحفة الاثني عشرية)) (ص201 - 203، ص294). وانظر أيضاً ((بحار الأنوار)) للمجلسي فيما ينقله عنه إحسان إلهي رحمه الله في كتابه ((الشيعة والتشيع)) من (ص376 إلى ص 390). وانظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين صلى الله عليه وسلم 148 - 152. وانظر: ((الشيعة في الميزان)) ص77 - 84.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 99)
المطلب الرابع: متى يخرج المهدي؟ فقد وقَّت بعض الشيعة لخروج المهدي زمناً معيناً، وذلك بعد وفاة الحسن العسكري بزمن، إلا أن الذين وقّتوا خروجه بزمن حينما انتهى التقدير ورأوا أن المسألة ستتضح ويظهر فيها الكذب مددوا هذه الغيبة إلى وقت غير مسمى، واختلقوا لذلك أعذاراً كاذبة، فرواية وردت عن الأصبغ بن نباتة -كما ينقلها الكليني- تذكر أنه سيخرج بعد ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات، وهذه الروايات هي المتقدمة والقريبة من وفاة الحسن العسكري (1).ورواية أخرى يذكرها الكليني عن أبي جعفر تذكر أنه سيخرج بعد سبعين سنة، ثم مددت هذه المدة أيضاً حين أفشي السر إلى أجل غير مسمى، وذلك حسب ما روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر: أن الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين –صلوات الله عليه- اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة، فحدَّثناكم فأذعنتم الحديث فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل له بعد ذلك وقتاً … إلخ (2).
والواقع أنه لن يخرج حتى تخرج هذه العقيدة من أذهانهم ومعتقداتهم التي صنعها علماؤهم لأغراض ومقاصد كثيرة، في أولها حرب الدولة الإسلامية وإعادة السيطرة الفارسية. وقد أبان سر هذه المهزلة المهدية أحد الشيعة وهو علي بن يقطين حين سئل عن المهدي فأجاب: "إن أمرنا لم يحضر فعلَّلنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة –لقست القلوب، ولرجع عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفاً لقلوب الناس، وتقريباً للفرج" (3).
فانظر إلى هذه الشهادة عليهم، وقارن بينهم وبين السلف الذين ينتظرون المهدي الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لترى ثبات السلف وعدم وجود تلك العجلة واللهثة التي توجد في الشيعة، لأن السلف مطمئنون واثقون بدينهم ونبيهم، ويعلمون أن العجلة لا تقدمه ولا تؤخره، ولأنهم كذلك ليست لهم أحقاد يريدون أن يشتفوا من المخالفين لهم عند ظهور المهدي.--------------------------------------------
(1) ((الكافي)) كتاب الحجة (1/ 272).
(2) ((الكافي)) (ص300).
(3) ((الكافي)) (ص301).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 100)
المطلب الخامس: سبب إصرار الشيعة على القول بوجود محمد بن الحسن العسكري:
عرفنا فيما تقدم عمق هذه الفكرة في أذهان الشيعة وتشبثهم بوجود ابن للحسن العسكري الذي جعلوا منه مهديهم المنتظر، ومكابرتهم وإصرارهم على القول بولادته، فما هو السر في هذا؟ والجواب حاصله: أن الشيعة قد وضعوا شروطاً وقواعد وأوصافاً للإمام، ألزموا أنفسهم بتصديقها وهي من صنع الخيال، وبالتالي فهي صعبة المنال ثم جعلوها جزءاً من العقيدة الشيعية، بحيث لو لم تتحقق لانتقض جزء كبير من تعاليمهم، ولأصبحوا في حرج.
وأكثر تلك الشروط هي تقول على الله ومجازفة وحكم على الغيب، فمنها على سبيل المثال لا الحصر:
أن الإمام لا يموت حتى يكون له خلف من ذريته هو الذي يتولى الإمامة من بعده حتماً لازماً وقد روى الطوسي عن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن: قد بلغت ما بلغت وليس لك ولد؟ فقال: يا عقبة بن جعفر، إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده (1) ، أن الإمامة لا تعود في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً؛ بل في الأعقاب وأعقاب الأعقاب. ومعنى هذا أن الحسن العسكري - وهو الإمام الحادي عشر- لو مات دون عقب لانتقضت هذه القاعدة، وقد روى الطوسي عن أبي عيسى الجهني قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما، إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب (2) ،
الإمام لا يغسله إلا إمام هو أكبر أولاده.
ولقد ذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى بن جعفر كثيراً من الشروط التي اشتملت على خرافات وآراء ضالة ليست من الإسلام في شيء، كقولهم: "للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مطهراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل.
وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادة ولا يحتلم، وتنام عينيه ولا ينام قلبه، ويكون محدثاً، ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وسلم -لأنها محفوظة بزعمهم عند الأئمة يتوارثونها- ولا يرى له بول ولا غائط، لأن الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون له رائحة أطيب من رائحة المسك.--------------------------------------------
(1) ((كتاب الغيبة)) (ص133) ، وذكر الكليني على هذا الزعم أحاديث كثيرة في كتاب الحجة في الجزء الأول الذي يبدأ هذا الكتاب من (ص128 إلى ص 459).
(2) ((كتاب الغيبة)) (ص136).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 101)
ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعاً لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به، وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً حتى إنه لو دعى على صخرة لانشقت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه محفوظ عند الأئمة والسيف ذو الفقار. ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة، وتكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم ويكون عنده الجفر الأكبر والجفر الأصغر؛ إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة" (1).ويروي الكليني عن أبي جعفر قال: "للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينيه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب، ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، فإذا لبس درع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً، وهو محدث إلى أن تنقضي أيامه" (2).
وبغض النظر عن دراسة هذه الخيالات والخرافات التي يمجها العقل ويرفضها الفكر ويكذبها الواقع، إذ لا يوجد رجل تتوفر فيه هذه الشروط التي لم تتوفر حتى في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة السلام مجتمعة – بغض النظر عن ذلك كله، فإن الذي يهمنا هنا هو معرفة السر الذي أصرَّ بموجبه الشيعة على القول بوجود ابن للحسن العسكري يخلف والده في إمامتهم.
وقد اتضح مما تقدم أن الذي حمل الشيعة على ذلك الإصرار هي تلك الشروط التي تنص على أن الإمام لا يموت حتى يوجد له عقب من أولاده هو الذي يتولى تجهيزه ودفنه، والقيام بأمر الشيعة بعده حتماً … وكان موت الحسن من دون ولد يهدم تلك الشروط التي وضعوها.
ومن هنا قرّروا أن يوجدوا للحسن ولداً تخلصاً من هذا المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، وليكن بعد ذلك ما يكون، وهم على ثقة بأن لكل صوت صدى، بل هم واثقون من أن استجابة الأكثر من الناس للخرافات والخزعبلات أقوى من استجابتهم للحق، وأقرب إلى نفوس الكثير من بني آدم.
وإضافة إلى ما تقدم في سبب دعواهم وجود المهدي، فإنه ينبغي ملاحظة أنه قد مرت بالشيعة ظروف سياسية واجتماعية ودينية ذاقوا فيها مرارة الحرمان من عدم إقامة دولة لهم تنظر إليهم بالعين التي يريدونها من تقديمهم واعتبار آرائهم، وغير ذلك مما كانوا فيه من العزة والتطاول على الناس، واعتبار عنصرهم أفضل العناصر. وحينما غلبتهم الدولة الإسلامية وبلغ السيل الزبى بإخضاع الدولة الأموية لهم، فكر رؤساؤهم في ذلك الوقت في أمر يجتمع عليه عامتهم؛ لئلا يذوبوا في غيرهم، وييئسوا من استعادة أمرهم، فبدأوا في حبك المخططات السرية والعلنية، وتوجيه أنظار جميع الشيعة إلى الالتفاف حول أمل إذا تحقق عادت به سيادتهم كما يتصورون. وهو انتظار المهدي الغائب (3) ، الذي سيزيل عند رجوعه جميع من ناوأهم، ويقضي على قريش بخصوصهم بكل شراسة حتى يقول الناس: لو كان هذا من قريش لما فعل بهم هكذا، حسب ما يرويه النعماني (4)، وحسبما يروونه عنه في كتبهم.
وهذه الشراسة والشدة على العرب بخصوصهم ومنهم قريش، تدل دلالة واضحة على أن هذا المهدي ليس له صلة بالعرب، فهو عدو شرس لهم، ليس بينه وبينهم أية عاطفة أو صلة. وفعلاً هذا المهدي ليس من قريش، بل هو مهدي فارسي متعصب ليزدجرد وللأسرة الساسانية التي قضى عليها الإسلام، يتضح ذلك في هذه الرواية التي يرويها الطوسي عن أبي عبد الله أنه قال: "اتقوا العرب فإن لهم خبر سوء، أما إنه لا يخرج مع القائم منهم أحد" (5)
وبهذا يتضح أن هذا المهدي مصنوع بمعرفة الشيعة وعلى طريقتهم، حقود شديد، يمثل الغلظة بأجلى صورها.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 414 - 420--------------------------------------------
(1) ذكرها عنه إحسان إلهي في كتابه ((الشيعة والتشيع)) (ص286)، نقلا عن كتاب القمي (ص 527).
(2) كتاب ((الكافي)) (2/ 319). وقد ذكر الكليني في هذا الكتاب في الجزء الأول في كتاب الحجة كثيرا من تلك المبالغات في الأئمة مثل قولهم: باب أن الحجة لا تقوم على خلقه إلا بإمام (ص135). باب أن الأئمة هم أركان الأرض (ص152). باب عرض الأعمال على النبي والأئمة (ص170). باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة.
(3) انظر: ((فجر الإسلام)) (ص275،274)، وانظر: ((دراسة عن الفرق)) (ص 160).
(4) ((كتاب الغيبة)) للنعماني، نقلاً عن ((الشيعة والتشيع)) (ص 376).
(5) ((كتاب الغيبة)) للطوسي (ص284).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 102)
المطلب السادس: هل الإمام الثاني عشر شخصية حقيقية؟
إنه مما يجعل من قضية رجعة الأئمة إلى الحياة قضية تستدعي الأناة والمراجعة، هو ذلك الكلام الكثير الذي يجري حول ما إذا كان الإمام محمد الثاني عشر شخصية حقيقية أم أنه شخصية وهمية، ذلك أن الإمام الثاني عشر هو أول الأئمة رجوعاً إلى الدنيا، يخرج من السرداب الذي اختفى فيه في مدينة سامرا؛ ليحكم المسلمين، وينشر العدل في أرجاء الأرض، ويمهد لآبائه وأجداده الأحد عشر؛ لكي يرجعوا أو يبعثوا من جديد، يتولى كل واحد منهم بالتسلسل حكم المسلمين … فإذا ما كان هذا الإمام شخصية وهمية انهارت قضية الرجعة من أولها إلى آخرها.
إن الحقيقة الراجحة عند جمهرة المؤرخين المسلمين هي أن الإمام الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر- قد مات عن غير ولد له، إذ إن للعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب، بحيث لا يولد لهم مولود إلا سجل فيه، وهذا السجل لم يسجل فيه للحسن العسكري ولد، ويشيع بين كثير من العلويين المعاصرين أن الحسن العسكري مات عقيماً، فإذا صحت هذه الأخبار يكون المعنى أن شخصية الإمام الثاني عشر شخصية غير حقيقية، وإنما اخترعها من اخترعوا غيرها من الموضوعات الشيعية التي ينكرها كثير من كبار عقلاء علماء الشيعة، فإذا ما كان الأمر على هذا النحو من الحقيقة انهارت عقيدة الرجعة من أولها إلى آخرها.
المصدر:إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص 205
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 103)
المطلب السابع: أكاذيب الرافضة على المهدي:
ومن أكاذيبهم على أهل البيت أنهم نسبوا إليهم الأقوال والروايات التي تنبئ بخروج القائم من أولاد الحسن العسكري الذي لم يولد له مطلقاً في آخر الزمان، وإحيائه أعداء أهل البيت وقتله إياهم حسب زعمهم.
كما أورد الكليني - محدث القوم وبخاريهم - عن سلام بن المستنير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يحدث إذا قام القائم عرض الإيمان على كل ناصب، فإن دخل فيه بحقيقة وإلا ضرب عنقه، أو يؤدي الجزية كما يؤديها اليوم أهل الذمة، ويشد على وسطه الهميان ويخرجهم من الأمصار إلى السواد" (الروضة من (الكافي) (8/ 227).
ولا هذا فحسب، بل أورد الصافي مفسر القوم رواية عن جعفر أيضاً أنه قال:
إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائهم" (تفسير الصافي، سورة البقرة (1/ 172).
هذا ولا يكتفي على قتل ذراريهم، بل يحيي آباءهم ويقتلهم كما روى المفيد كذباً على جعفر بن الباقر أنه قال:
إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم فأقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات" (الإرشاد للمفيد ص364).
ولقد أورد العياشي أنه يقتل أيضاً يزيد بن معاوية وأصحابه كما يقول:
قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أول من يكر إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه ويزيد بن معاوية وأصحابه، فيقتلهم حذو القذة بالقذة". "تفسير العياشي" (2/ 280) تحت قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء:6]، أيضاً "البرهان" (2/ 408)، أيضاً "الصافي" (1/ 959).
ولم يقتنع القوم بهذه الأكاذيب، ولم يشف غليلهم حتى بلغوا إلى أقصاه، فافتروا على محمد الباقر أنه قال:
أما لو قام قائمنا ردت الحميراء (أي أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام منها، قيل: ولم يجلدها؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم، قيل: فكيف أخره الله للقائم عليه السلام؟ قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم عليه السلام نقمة" (تفسير الصافي، سورة الأنبياء 2/ 108).
كما أنهم حكوا روايات كثيرة باطلة، ونسبوها إلى أئمتهم نذكر منها واحداً أن أبا جعفر الباقر قال:
كأني بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد .. وأول من يبايعه جبرائيل" (روضة الواعظين 2/ 364، 365، "الإرشاد" ص364).
المصدر:الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص237
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 104)
المبحث الخامس: بدع ألصقها الرافضة بالمهدي (الخمس وولاية الفقيه):
• المطلب الأول: الاجتهاد والتقليد:.
• المطلب الثاني: الخمس في أرباح المكاسب:.
• المطلب الثالث: ولاية الفقيه:.
• المطلب الرابع: الطرق التصحيحية للتخلص من التقليد والخمس وولاية الفقيه:.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 105)
المطلب الأول: الاجتهاد والتقليد:
يستند علماء الشيعة الإمامية على فتح باب الاجتهاد بمرسومين صدرا عن الإمام " المهدي " قبيل غيبته والمرسومان وإن كانا يختلفان في المضمون إلا أنهما يتفقان في المفهوم وهما:
المرسوم الأول: وأما من الفقهاء من كان صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.
المرسوم الثاني: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة أحاديثنا.
على هذين المرسومين (حيث أولهما يختص بالمجتهدين والثاني يختص بعوام الشيعة) يعتمد علماء المذهب بفتح باب الاجتهاد وعدم الأخذ بآراء الأموات من الفقهاء، وعليهما يستند المجتهدون في وجوب التقليد على عوام الشيعة، وبعد الغيبة الكبرى تصدى لشؤون الشيعة الدينية علماء المذهب واحداً تلو الآخر ولم تنقطع القيادة المذهبية بين المجتهدين والعامة، وإن شئت قل بين القاعدة والقمة حتى كتابة هذه السطور، وذلك بسبب فتح باب الاجتهاد ووجوب تقليد العوام لرأي المجتهدين، أما الفرق الإسلامية الأخرى فسدت هذا الباب لصعوبات بالغة تعترض العمل الاستنباطي اللهم إلا السلفية يجتهدون في الفروع الفقهية التي لا نص فيها وتخضع لأدلة الاستنباط من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما علماء الشيعة فاستبدلوا القياس بالدليل العقلي واتخذوه الأصل الرابع من أصول الاستنباط، ومن أغرب الأمور أن فقهاء الشيعة ينسبون أنفسهم إلى المذهب العقلي في استنباط الأحكام الشرعية، ولكنهم في الحقيقة أبعد الناس عن استعمال العقل في طريقة الاستنباط.
وليت شعري أن أعرف كيف يستند علماؤنا - سامحهم الله - على العقل في فهمهم للأحكام الشرعية ولاستنباطهم المسائل الفقهية وهم يسلمون بلا جدل ولا نقاش بروايات نسبت إلى أئمة الشيعة وجاءت في الكتب التي يعتبرونها صحيحة وموثوقة وهي تتناقض مع العقل، نعم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المقصود من استخدام العقل عند فقهاء الشيعة إنما هو استخدام الأدلة العقلية التي أسس عليها علم أصول الفقه -في التصور الشيعي- العلم الذي لعلماء الشيعة باع طويل في تأسيسه وتأليفه وهي كيفية استخدام الأدلة العقلية لفهم الأحكام الشرعية وبغض النظر عن منطوقها مثل مبحث الظن والقطع والاستصحاب والتعادل والتراجيح وغيرها من الأبحاث الأصولية التي ذكرها علماء " أصول الفقه " في كتبهم، و " أصول الفقه " علم جميل بحد ذاته وله مزاياه العقلية ومع الأسف البالغ إن الفقهاء لم يستخدموها في اللباب بل استخدموها في القشور.
وقبل أن أتحدث في النظرية الاجتهادية أود أن أذكر هنا أمرين لا بد من الإشارة إليهما:
الأمر الأول: أود أن أشير إلى ذلك الخطأ الرهيب الذي وقع فيه كتاب وباحثون كتبوا وأَلَّفُوا ونشروا عن الشيعة في السنوات الأخيرة، فقد عرَّفوا الشيعة بالأصولية أو الإمامية الأصولية وفسروها بأن الشيعة تريد العودة إلى القهقرى لأنهم ترجموا كلمة " الأصول " بالجذور وزعموا أن الشيعة تعود إلى الجذور والماضي في العقيدة ولم يدركوا قط أن الأصولية لا تعني العودة إلى الجذور بل تعني أن الشيعة الإمامية تستخدم قواعداً عقلية اسمها " أصول الفقه " لاستنباط الأحكام الشرعية في العمل الاجتهادي ولذلك لُقِّبوا بِ " الأصوليين " وهناك مئات الكتب أُلِّفَت في " أصول الفقه " وكلها تبحث عن المباحث العقلية التي ذكرت بعضها قبل قليل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 106)
الأمر الثاني: إن هناك فئةً صغيرةً من الشيعة تسمي نفسها " الإخباريين " وهم الذين لم يستخدموا علم الأصول أو بالأحرى الأدلة العقلية في استنباط الأحكام الشرعية، وإن العملية الاجتهادية تتم عندهم بالكتاب والسنة والإجماع ومن أشهر علمائهم الشيخ " حر العاملي " صاحب كتاب (وسائل الشيعة) الذي يعتبر من أهم المصادر الشيعية في الفقه.
ولنعد مرةً أخرى إلى الطريقة الاجتهادية التي تمتاز الشيعة بها عن غيرها ونود أن نضيف هنا بأن الطريقة الاجتهادية بحد ذاتها أمر حسن وجميل يتلاءم مع التطور الاجتماعي والفكري، فكما تسير البشرية نحو الأفضل تتحرك نحو الأكمل، لا بد وأنها تصادف أموراً حديثة هي بحاجة إلى قوانين جديدة لم تذكر في المباحث الفقهية من قبل، فالعملية الاجتهادية تسهل استنباط القوانين الشرعية إذا لم تتعارض مع أصول العقيدة، فإذا كان المجتمع متحركاً فلا بد وأن تتحرك القوانين الاجتماعية معه عندما لا تتعارض مع الكتاب والسنة والإجماع، فلو كان علماء الشيعة يسيرون في العمل الاجتهادي كفقهاء للمذهب الجعفري يبينون حلال الله وحرامه شأنهم شأن سائر فقهاء المسلمين الذين وقفوا أنفسهم لله لم يتخذوا على عملهم أجراً ولم يريدوا عليه جزاءً ولا شكوراً، لكانت الشيعة بخير ولكانت الأمة الإسلامية على أحسن ما يرام، ولكن مع الأسف الشديد إن فقهاءنا -عن عقيدة أو عن جهل أو ضرورة- أضافوا بدعتين صريحتين إلى العمل الاجتهادي ومسخوا كل معالم الإخلاص والعمل لله وهما كما قلنا الجناحان الخفاقان على رؤوس الشيعة ما دامت السموات والأرض: الخمس في أرباح المكاسب. وولاية الفقيه.
المصدر:الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص43
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 107)
المطلب الثاني: الخمس في أرباح المكاسب: تقول الآية الكريمة وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..... [الأنفال:41] يقول " فضل بن الحسن الطبرسي " وهو من أكابر علماء الإمامية في القرن السادس الهجري في تفسير هذه الآية الكريمة: " اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس ومن يستحقه على أقوال أحدها ما ذهب إليه أصحابنا وهو أن الخمس يقسم على ستة أسهم سهم لله وسهم للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهذان السهمان مع سهم ذي القربى للإمام القائم مقام الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسهم ليتامى آل محمد وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم لا يشاركهم في ذلك غيرهم لأن الله سبحانه حرَّم عليهم الصدقات لكونها أوساخ الناس وعوضهم من ذلك بالخمس ..... وقال أصحابنا: إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب وأرباح التجارة وفي الكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية (1) … " إن تفسير الغنيمة بالأرباح من الأمور التي لا نجدها إلا عند فقهاء الشيعة فالآية صريحة وواضحة بأن الخمس شرعت في غنائم الحرب وليس في أرباح المكاسب وأظهر دليل قاطع على أن الخمس لم يشرع في أرباح المكاسب هو سيرة النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء من بعده بما فيهم الإمام " علي " وحتى سيرة أئمة الشيعة حيث لم يذكر أرباب السَّيَر الذين كتبوا سيرة النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ودونوا كل صغيرة وكبيرة عن سيرته وأوامره ونواهيه أن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يرسل جباته إلى أسواق المدينة ليستخرج من أموالهم خمس الأرباح مع أن أرباب السير يذكرون حتى أسامي الجباة الذين كان الرسولصلى الله تعالى عليه وآله وسلم يرسلهم لاستخراج الزكاة من أموال المسلمين، وهكذا فإن الذين أرَّخو حياة الخلفاء الراشدين بما فيهم الإمام " علي " لم يذكروا قط أن أحداً منهم كان يطالب الناس بخمس الأرباح أو أنهم أرسلوا جباة لأخذ الخمس، وحياة الإمام " علي " معروفة في الكوفة فلم يحدث قط أن الإمام بعث الجباة إلى أسواق الكوفة ليأخذوا الخمس من الناس أو أنه طلب من عماله في أرجاء البلاد الإسلامية الواسعة التي كانت تحت إمرته أن يأخذوا الخمس من الناس ويرسلونها إلى بيت المال في الكوفة كما أن مؤرخي حياة الأئمة لم يذكروا قط أن الأئمة كانوا يطالبون الناس بالخمس أو أن أحداً قدم إليهم مالاً بهذا الاسم.
وكما قلنا قبل قليل إن هذه البدعة ظهرت في المجتمع الشيعي في أواخر القرن الخامس الهجري فمنذ الغيبة الكبرى إلى أواخر القرن الخامس لا نجد في الكتب الفقهية الشيعية باباً للخمس أو إشارةً إلى شمول الخمس في الغنائم والأرباح معاً، وهذا " محمد بن الحسن الطوسي " من أكابر فقهاء الشيعة في أوائل القرن الخامس ويعتبر مؤسس الحوزة الدينية في النجف لم يذكر في كتبه الفقهية المعروفة شيئاً عن هذا الموضوع مع أنه لم يترك صغيرةً أو كبيرةً من المسائل الفقهية إلا وذكرها في تآليفه الضخمة.--------------------------------------------
(1) [10639]- الطبرسي ((مجمع البيان في تفسير القرآن)) (4/ 543)
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 108)
لقد سنت هذه السنة السيئة في عصر كانت فيه الخلافة العباسية والسلطة الحاكمة لا تعتقد بشرعية مذهب أهل البيت وبالنتيجة لا تعترف بفقهائهم لكي تخصص لهم مرتبات يعيشون منها كما كانت الحالة بالنسبة لسائر فقهاء المذاهب الأخرى، ولم تكن الشيعة حتى ذلك التاريخ متماسكة بالمعنى المذهبي حتى تقوم بإعالة فقهائنا فكان تفسير الغنيمة بالأرباح خير ضمان لمعالجة العجز المالي الذي كان يقلق حياة فقهاء الشيعة وطلاب العلوم الدينية الشيعية آنذاك، ولكن هذا لا يعني أن الشيعة لم تساهم في إعالة الفقهاء وطلاب العلوم الدينية، ففي العراق وهوالمهد الأول للشيعة توجد حتى اليوم أملاك وبنايات وأراضي وقفت في القرن الخامس الهجري على الأمور الخيرية للشيعة، وبعد أن أسست هذه البدعة أضيفت إليها أحكام مشددة لكي تحمل الشيعة على التمسك بها وعلى تنفيذها، ولم يكن من بد في حمل الشيعة على قول إعطاء الخمس، وهو الأمر الذي ليس من السهل على أحد أن يرتضيه إلا بالوعيد فدفعه الضرائب في أي عصر ومصر وفي أي مجتمع مهما كان شأنه من الثقافة والديمقراطية والحرية يواجهه امتعاض من الناس، وبما أن فقهاء الشيعة لم تكن لهم السلطة لكي يرضخوا العامّة على استخراج الخمس من أرباح مكاسبهم طوعاً ورغبة فلذلك أضافوا إليها أحكاماً مشددة منها الدخول الأبدي في نار جهنم لمن لم يؤد حق الإمام وعدم إقام الصلاة في دار الشخص الذي لم يستخرج الخمس من ماله أو الجلوس على مائدته وهكذا دواليك، كما أن فقهاء الشيعة أفتوا بأن خمس الأرباح الذي هو من حق الإمام الغائب كما مرت الإشارة إليه يجب تسليمه إلى المجتهدين والفقهاء الذين يمثلون الإمام، وهكذا سرت البدعة في المجتمع الشيعي تحصد أموال الشيعة في كل مكان وزمان، وكثير من الشيعة حتى هذا اليوم يدفع هذه الضريبة إلى مرجعه الديني وذلك بعد أن يجلس الشخص المسكين هذا أمام مرجعه صاغراً ويقبل يده بكل خشوع وخضوع ويكون فرحاً مستبشراً بأن مرجعه تفضل عليه وقبل من حق الإمام، وبعض فقهاء الشيعة ومن بينهم الفقيه " أحمد الأردبيلي " وهو من أبرز فقهاء عصره حتى أنه لقب بِ " المقدس الأردبيلي " أفتوا بعدم جواز التصرف بالخمس في عهد الغيبة الكبرى، كما أن بعض فقهاء الشيعة وهم قليلون أفتوا بأن الخمس ساقط من الشيعة مستندين على رواية عن الإمام " المهدي ": " أبحنا الخمس لشيعتنا " غير أن الأكثرية من فقهاء الشيعة ضربوا عرض الحائط أراء الأقلية وأجمعوا فيما بينهم على وجوب استخراج الخمس.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 109)
وكم أتمنى أن يترفع الفقهاء والمجتهدون عن أموال الشيعة ولا يرتضون لأنفسهم أن يكونوا عالة عليهم بذريعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، إن بعض علماء الشيعة يدافع عن أخذهم الخمس من أموال الشيعة بأنها أموال تصرف على المدارس الدينية والحوزات العلمية والشؤون المذهبية الأخرى، ولكن المناقشة ليست في أن تلك الأموال تصرف كيف ولماذا؟ بل المناقشة أصولية وواقعية ومذهبية، وهي أن تلك الأموال تؤخذ زوراً وبطلاناً من الناس، وحتى إذا صرفت في سبيل الله فإنها غير شرعية لا يجوز التصرف فيها، لقد كان باستطاعة فقهاء الشيعة أن يبنوا أنفسهم على الاكتفاء الذاتي وأن يكون الفقيه معتمداً على نفسه شأنه شأن أرباب الصناعات الأخرى، كما أن باستطاعتهم الحصول على أموال لتنمية العلم والعلماء، ولكن باسم التبرعات والهبات، لا باسم الواجب الشرعي وأوامر السماء، وعندما أكتب هذه السطور أعرف مجتهداً من مجتهدي الشيعة لا زال على قيد الحياة وقد ادَّخر من الخمس ما يجعله زميلاً لِ " قارون " الغابر أو القوارين المعاصرين، وهناك مجتهد شيعي في " إيران " قتل قبل سنوات معدودة كان قد أودع باسمه في المصارف مبلغاً يعادل عشرين مليون دولاراً أخذها من الناس طوعاً أو كرهاً باسم الخمس والحقوق الشرعية وبعد التي واللتيا ومحاكمات كثيرة استطاعت الحكومة الإيرانية وضع اليد على تلك الأموال كي لا يقتسمها الورثة فيما بينهم، هذه صورة محزنة من آثار بدعة الخمس التي تبناها فقهاء الشيعة، إن الزعامات المذهبية الشيعية استطاعت البقاء مستقلة عن السلطات الحاكمة حتى في البلاد الشيعية بسبب هذا الرصيد الذي لا ينضب فما دامت الزعامة المذهبية الشيعية ترى نفسها شريكة مع القواعد الشيعية في أرباح مكاسبها في أي زمان ومكان، فإن الاستقرار الفكري لا يجد إلى المجتمع الشيعي سبيلاً والسبب واضح ومعروف، لأن هذه الزعامات بسبب هذه الميزانيات الضخمة التي لا يحتاج الحصول عليها إلى الجباة وعمال الضرائب بل تأتيها طائعة مخلصة استطاعت أن تجعل من زعامة الشيعة صرحاً سياسياً يحرك الشيعة في الاتجاه الذي تريد، فلذلك نرى أن تلك الزعامات استخدمت الشيعة في كثير من أغراضها السياسية والاجتماعية عبر التاريخ.
وفي " إيران " القطر الشيعي كانت لنتائج هذا التفاعل بين الشيعة وزعمائها الدينيين آثار سيئة لا تعد ولا تحصى، ولقد وصلت الأمور إلى أبعد ما يتصور من سوء عندما أضيفت إلى بدعة الخمس في أرباح المكاسب، بدعة ولاية الفقيه، وقبل أن نبحث ولاية الفقيه بصورة مسهبة نود أن نضيف هنا لنكون أمناء على التاريخ وصادقين في رسالتنا، هو أن بعض الزعامات الشيعية خدم الفكر الإسلامي وخدم قضايا وطنية في محاربة الاستعمار أو الاستبداد الحاكم مرات ومرات ولكننا عندما نقارن بين استخدام الأكثرية نفوذها في سبيل المصالح الخاصة ونضعها في ميزان لنرى أن كفة المصالح الخاصة تتأرجح على المصالح العامة بصورة تدهش المرء وتوحي إليه بالأسى والحزن.
المصدر:الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي - ص43
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 110)
المطلب الثالث: ولاية الفقيه:
ولاية الفقيه هي الجناح أو البدعة الثانية التي أضيفت إلى سلطة الذين يدّعون أنهم نواب الإمام " المهدي " في عصر الغيبة الكبرى، وهذه الفكرة بالمعنى الدقيق فكرة حلولية دخلت الفكر الإسلامي من الفكر المسيحي القائل: إن الله تجسد في المسيح والمسيح تجسد في الحبر الأعظم، وفي عصر محاكم التفتيش في إسبانيا وإيطاليا وقسم من فرنسا كان " البابا " يحكم المسيحيين وغيرهم باسم السلطة الإلهية المطلقة حيث كان يأمر بالإعدام والحرق والسجن وكان حراسه يدخلون البيوت الآمنة ليل نهار ليعيثوا بأهلها فساداً ونكراً، وقد دخلت هذه البدعة إلى الفكر الشيعي بعد الغيبة الكبرى وأخذت طابعاً عقائدياً عندما أخذ علماء الشيعة يسهبون في الإمامة ويقولون: بأنها منصب إلهي أنيط بالإمام كخليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وبما أن الإمام حيّ ولكنه غائب عن الأنظار ولم يفقد سلطته الإلهية بسبب غيبته، فإن هذه السلطة تنتقل منه إلى نوابه، لأن النائب يقوم مقام المنوب عنه في كل شيء، وهكذا أخذت فكرة ولاية الفقيه تشغل حيزاً كبيراً في أفكار فقهاء الشيعة غير أن كثيراً منهم أنكروا الولاية بالمعنى الذي نقدم ذكره وقالوا: إن الولاية خاصة بالرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والأئمة الاثني عشر من بعده لا تنتقل إلى نواب الإمام، وإن ولاية الفقيه لا تعني أكثر من ولاية القاضي الذي يستطيع تعيين أمين على وقف لا متولي له أو نصب قيِّم على مجنون أو قاصر، ويبدو أن فكرة ولاية الفقيه مع تبني بعض فقهاء الشيعة لها لم تجد الفرصة المواتية للخروج من حيز الفكر إلى حيز العمل إلا بعد أن استلم السلطة في إيران الشاه " إسماعيل الصفوي " وهو العصر الذي عبرنا عنه بعصر الصراع الثاني بين الشيعة والتشيع.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 111)
والشاه " إسماعيل " ينحدر من أسرة صوفية كان مقرها مدينة " أردبيل " الواقعة في شمال غربي " إيران " وكان أجداده من أقطاب الحركة الصوفية التي شعارها " حب علي وأهل بيته " وكان لهم نفوذ قويّ في مقاطعة " أذربيجان " التركية وفي عام (907) هـ استطاع الشاه " إسماعيل " أن يُنَصِّبَ نفسه ملكاً على إيران بعد أن كانت الحروب العثمانية الإيرانية قد أنهكت إيران تماماً، ولا شك أنه كانت وراء الشاه " إسماعيل " - الذي توج رسمياً وهو بعد في سن الثالثة عشرة - قيادات صوفية قوية تحرك الملك الفتى إلى مآربها، ولم تكن إيران شيعية عند استلام الشاه " إسماعيل " السلطة، اللهم إلا مدناً قليلة منها " قمّ " و " قاشان " و " نيسابور " فأعلن الشاه المذهب الشيعي مذهباً رسمياً لإيران وبدأت جحافل الصوفية تتحرك بين المدائن الإيرانية تنشد الأشعار والمدائح في حق " علي " وأهل بيته وتحث الناس على الدخول في المذهب الشيعي وأعمل الشاه " إسماعيل " السيف في رقاب الذين لم يعلنوا تشيعهم، ومن طريف القول أن نذكر هنا أن سكان مدينة " أصفهان " كانوا من الخوارج فعندما وصلهم أمر الشاه بقبول التشيع أو قطع الرقاب طلبوا منه أن يمهلهم أربعين يوماً ليكثروا فيها من سب الإمام " علي " ثم يدخلوا في المذهب الجديد فأمهلهم الشاه كما أرادوا وهكذا انضمت "أصفهان" إلى المدن الشيعية الأخرى، ومع أن الشاه " إسماعيل " كان شيعياً بقرارة نفسه وبحكم نشأته ومقامه الصوفيّ إلا أن إعطاء الصفة الشيعية الخالصة لإيران كان يهم النظام الجديد كثيرا، ً فالحروب العثمانية وإن كانت في حقيقتها حروباً إقليمية لها جذورها الماضية، إلا أن الاستمرار في هذه الحرب كان يصطدم بفكرة حرمة حرب المسلم مع المسلم، وقتل المسلم للمسلم، الأمر الذي كان يلاقي معارضة داخل إيران وكانت فكرة الانضمام للخلافة العثمانية والرضوخ لأمر الخليفة الذي كان يلقب بأمير المؤمنين أمراً له أنصاره، ولكن المذهب الجديد الذي أملاه الشاه على الشعب الإيراني أعطى تماسكاً قوياً للإيرانيين وقضى على كل الآمال التي كانت تراود الخليفة العثماني لضم إيران إلى خلافته، وفي حين أن الشاه كان يرى نفسه قطباً صوفياً وملكاً أسس للشيعة مجداً لم يؤسس أحد مثله من قبل إلا أنه رضخ لولاية الفقيه وطلب من " علي بن عبد العال الكركي العاملي " كبير علماء الشيعة بجبل عامل بِ " لبنان " أن يحكم له دعائم السياسة والملك ويجيزه الجلوس على كرسي الملك والحكم باسم الولاية العامة التي هي من صلاحيات الفقيه ولا زالت الكتب التاريخية تحتفظ بالنصوص الواردة في إجازة " الكركي " للشاه، إن رجوع الشاه إلى عالم شيعي في " جبل عامل " بلبنان في إبان حكمه لإسناد نظامه دليل قاطع على أن الزعامة المذهبية الشيعية كان مقرها آنذاك في " جبل عامل " الموطن الثاني للشيعة بعد العراق، ولذلك آياتها، نستغرب أبداً عندما نعلم أن حفيد الشاه " إسماعيل " وهو الشاه " عباس " استقدم من " جبل عامل " العالم الشيعي الكبير الشيخ " بهاء الدين " إلى مقر عاصمته " أصفهان " ليكون المرجع الرسمي للبلاد ولقبه بِ " شيخ الإسلام " ومن كل ما أسلفنا يظهر بوضوح أن فكرة " ولاية الفقيه " كانت موجودة في الفكر الشيعي وعليها كانت تبنى فكرة عدم شرعية الخلافة الإسلامية أو أية حكومة أخرى إلا إذا أجازها وباركها الفقيه الذي يمثل الإمام الحي الغائب المنصوب بأمر الله.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 112)
ومنذ أن أدخل الشاه " إسماعيل الصفوي " الإيرانيين في المذهب الشيعي وحتى كتابة هذه السطور فإن للزعامة المذهبية الشيعية نفوذ واسع وكبير في إيران ويحظى باحترام عظيم من قبل الملوك والحكام، ومع أن العلاقات بين الزعامة المذهبية والزعامة السياسية المتمثلة بالملوك والحكام كانت على خير ما يرام عبر التاريخ إلا أنه كان يحدث في بعض الأحيان صراع بينهما ينتهي بانتصار أحدهما على الآخر، ومنذ أن استطاع الشاه " إسماعيل " أن يجعل من ولاية الفقيه منصباً يعلو على مقام الشاه وكل المناصب الأخرى لم يحدث قط أن فقيهاً من فقهاء الشيعة رشح نفسه للحكم مباشرة، وفكرة ولاية الفقيه بالمفهوم الذي ظهر في تاريخنا المعاصر ومن الناحية التطبيقية لم تكن تدور في خلد الفقهاء، فلم يستخدم الفقهاء في إيران حقهم في ولاية الفقيه أكثر من الوقوف في وجه السلطان الحاكم إذا ما حصلت بينهم المجابهة أو الوقوف مع السلطان في مجابهة الأعداء، وقبل أقل من قرنين وعندما أراد الشاه " فتح علي القاجار " أن يغزو القيصر في عقر داره كان كبير مجتهدي الشيعة السيد " محمد الطباطبائي " الملقب بالمجاهد يتقدم جيوش الشاه وقواده لغزو " روسيا " وقد أفتى بالجهاد باسم ولاية الفقيه، وعندما دحرت إيران في تلك الحرب وتنازل الشاه عن سبعة عشر مدينة كبيرة من أهم المدن الإيرانية إلى روسيا تنازلاً لا رجعة فيه وعاد الجيش المهزوم إلى إيران ومعهم السيد المجاهد استقبلهم الإيرانيون بهتافات الخزي والأوساخ استنكاراً منهم لموقف زعيم ديني يقود إيران نحو الهلاك والكارثة التي لن تنسى.
وفي تاريخنا المعاصر وهو عهد الصراع بين الشيعة والتشيع بدأت ولاية الفقيه تظهر على مسارح الأحداث في البلاد الشيعية بصورة حادّة وعنيفة أخذت تعصف بكل القيم الإسلامية والإنسانية على السواء، ولعل من أهم المفارقات التي تدين هذه النظرية هي حدوث ذلك الصراع الرهيب بين الفقهاء أنفسهم حول الفكرة واضطهاد القوة الحاكمة للقوة الفقهية المحكومة، ومع أننا في رسالتنا التصحيحية هذه لا نريد أن نسمي الأشخاص ونعدد الأسماء حتى لا نفقد صفة الحياد التي هي من أهم شروط التوفيق في كل رسالة هي لله، ولكن الأحداث التي نشير إليها هي من الوضوح بمكان ويعرفها كل شيعي ملم بأحداث العالم الشيعي فأحداثها وقعت أمام أعينهم أو على مسمع منهم فلذلك نحن واثقون بأنه لا يوجد شيعي واحد من الذين كتب هذا الكتاب لأجلهم يطالبنا بتوثيق ما يتضمنه هذا الفصل بذكر الأسماء والمصادر، لأن إحداث ولاية الفقيه وما رافقها من المآسي في المجتمعات الشيعية سواء أكانت في إيران أو غيرها لهي أظهر من الشمس في رابعة النهار.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 113)