ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإن المتشابه بين الله وخلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموعود الدنيا. وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى" (1)، ثم زاده شيخ الإسلام تقريرا وشرحا بشواهد الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر السلف والأئمة الذين تكلموا في نصوص الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، وحرص عبدالله بن مسعود على تعلم التفسير، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وتعلم جميع الصحابة التفسير مع التلاوة، وأقوال الأئمة، كل ذلك أدلة واضحة لمن هداه الله على إثباتها للصفات التي دلت عليها النصوص، مع نفي العلم بالكيفية.
وبهذا يتبين أنه على القول بأن الصفات ليست من المتشابه مطلقا، أو القول بأنها من المتشابه – بالمعنى السابق – ليس لأهل الكلام ولا لغيرهم دليل على زعمهم أنه يلزم فيها تفويض السلف للمعنى والكيفية، أو تأويلها بما يوافق عقولهم الفاسدة.
المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/ 1140--------------------------------------------
(1) ((الإكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى –)) (13/ 306)، وانظر ((ظاهرة التأويل وصلتها باللغة)) (ص: 117 - 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
المطلب الرابع: أيهما الأصل العقل أم الشرع؟
ما هو مصدر التأويل؟
وما الذي سوغ إثبات الصفات السبع وتأويل غيرها؟
وما الحجة التي دفعت إلى اعتماده قبل الشرع؟ يجيبنا الباقلاني والأشاعرة بأن العقل دل على إثبات وجود الله، ووافقه الماتريدية الذين جعلوا العقل مصدر التلقي والحجة التي يقيمها الله على العباد ولو لم يرسل الرسل، إذ الرسل عندهم قد أتوا لبيان مكملات الدين لا لبيان أصله فإن أصله يعرف بالعقل (1). فالأدلة العقلية مقدمة عندهم على الأدلة الشرعية في مسائل الاعتقاد وهذا باطل لما يلي.- نص الشافعي "على أن العلم بالصفة قبولا ورداً وتأويلاً مما لا يدرك بالعقل" (2). وقال أبو حنيفة "لا ينبغي أن ينطق في الله بشيء من ذاته ولكن يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئا" (3).
- أن التأويلات آراء واحتمالات، والاحتمال في العقائد محرم.
- أن المؤولة من الأشاعرة والماتريدية يستاؤون من تأويل المعتزلة لنصوص عذاب القبر من عذاب حقيقي إلى آلام نفسانية معتبرين ذلك من ضلالات المعتزلة، ويطالبونهم بالرجوع عن التأويل، فهاهم هنا يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية ويطالبون المعتزلة أن يحذوا حذوهم، ويحكمون بكفر من يتأول عذاب القبر إلى عذاب مجازي، مع أنهم يقدمون الأدلة العقلية على النقلية في صفات الله، ويستبيحون لأنفسهم الحكم على بعض صفات الله بالمجاز ويعدلون بها عن حقائقها بغير علم ولا هدى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص: 50] علماً بأن الخوض في ذات الله أعظم شأناً من تأويل ما دون ذلك. فما هو مستندهم في تقديم عقولهم في الصفات وتأخيرها في مسائل القبر مع أن كلا المسألتين من الغيب الذي لا نعلم عنه شيئاً إلا بنص من كتاب أو سنة؟.
ولهذا لما أنكرت الأشاعرة على الفلاسفة إنكارهم عذاب القبر قال لهم الفلاسفة "قولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله" بمعنى أننا وأياكم في التأويل سواء، فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل في صفات الله وتحرمون علينا تأويل عذاب القبر والصراط والميزان؟
وهم في مسائل البدعة يميلون إلى التحسين والتقبيح العقليين فيقولون ما رأيناه من البدع حسناً فهو عند الله حسن. وهذا تأثر واضح بالمعتزلة الذين يجعلون الرأي في الدين أصلا يعتمدون عليه.
المصدر:شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص 197--------------------------------------------
(1) ((المسايرة)) (ص: 97) و ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 97) ((إشارات المرام)) (ص: 75 و 98).
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (10/ 80).
(3) ((الدليل القويم)) (ص: 161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
المطلب الخامس: نقد القاعدة الكلية للرازي وذهب الرازي إلى تقديم الدليل العقلي على الأدلة الشرعية وحجته أن العقل أصل في إثبات الشرع فإذا خالف الدليل الشرعي الدليل العقلي وجب تقديم الدليل العقلي عليه ووجب تأويل الدليل الشرعي بما يوافق الدليل العقلي (1). وذهب الغزالي إلى أن العقل حاكم لا يكذب قط، وأن من كذب العقل فقد كذب الشرع. ولولا صدق العقل لما عرف النبي من المتنبي (2). وهذا دعوة بالناس إلى مذهب المعتزلة بعدما أبعدهم الأشعري عنه. ولنضرب على ذلك مثالا:
فالمعتزلة أنكروا عذاب القبر وبرهنوا لذلك بحجة عقلية جعلتهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة فقالوا إننا نشق عن الميت بعد دفنه فلا نرى أثراً لأي تعذيب. وقد حكمت عقولنا بما رأت عيوننا. وبمقتضى تقديم الرازي للعقل يصيرون معذورين فيما تأولوه. وهذا يؤكد أن قانون الرازي يمثل منعطفاً اعتزالياً آخر.
- أن من وصية الله فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] ولم يقل فردوه إلى عقولكم. فإن هذه العقول تتفاوت، فمرة تثبت سبع صفات ثم تكتشف عقول المتأخرين ست صفات إضافية فيصير المجموع 13 ويكتشف آخرون سبعة أخرى فيصير المجموع 20 صفة ومنها ما يثبت صفة من الصفات فيأتي عقل آخر ويجعل إثباتها كفراً. وهكذا فالعقول تتخبط ولا تستقر على شيء، بينما أدلة الشرع ثابتة متناسقة لا تتغير.
- إساءة استخدام العقل
ويقف الأشاعرة من العقل موقفاً متناقضاً:
- ففي مسألة رؤية الله تعالى يساوون بين العقل والنقل.
- وفي التحسين والتقبيح العقليين يقدمون النقل على العقل "خلافاً للمعتزلة" ويقولون بأنه يجب أن تكون التكاليف ومسألة البعث والجزاء شرعية لا عقلية.
- أما مسائل الصفات فإنهم جعلوها عقلية بالدرجة الأولى. وهذا اضطراب منهجي وتناقض صارخ. فإن من يتورع عن تقديم العقل في مسائل الحلال والحرام والبعث والنشور يجب أن يكون أكثر ورعاً في مسائل الاعتقاد والصفات الآلهية.
المصدر:شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص 198--------------------------------------------
(1) ((محصول أفكار المتقدمين والمتأخرين)) (ص: 113) ((أساس التقديس)) (ص: 172) ((معالم أصول الدين)) (ص: 9) ((المطالب العالية)) مخطوط (ص: 319).
(2) ((قانون التأويل)) (ص: 9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
المطلب السادس: فكرة التفريق بين العقائد والأحكام
ثم جاء الأشاعرة وظنوا أنهم توسطوا فقالوا. نقول بأنه لا يجوز الاستدلال بخبر الواحد في العقائد لأنه ظني الدلالة ولا يفيد العلم، لكننا نأخذ به في الأحكام. فوقعوا في تناقض عظيم لما يلي:
1) أنهم أتوا بتفريق لم يسبقهم إليه أحد من السلف ولا يخلو من تناقضات واعتراضات كثيرة. فالأئمة الذين شددوا على وجوب الأخذ بخبر الواحد الثقة كالشافعي وأحمد ومالك وغيرهم: لم يفرقوا في قبوله بين العقيدة والأحكام. وإنما طرأت فكرة التفريق عند الأشاعرة.
أ- فقالوا إن خبر الواحد ظني لا يفيد العلم وإنما يفيد العمل.
- أن الظن مذموم بعمومه في الشرع كما قال تعالى وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: 28] فجعلوه مغنياً من الحق في الأحكام غير مغن في الحق في العقائد؟.
- أن الظن وهم خرص كما قال تعالى إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلَاّ تَخْرُصُونَ [الأنعام: 148] لا منزلة له في الدين لا في العقائد ولا في الأحكام.
- أن المشركين اتبعوا الظن في العقائد والأحكام. فقالوا في العقائد لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: 148] وفي الأحكام وَلَا حَرَّمْنَا [الأنعام: 148] فأجابهم الله إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلَاّ تَخْرُصُونَ [الأنعام: 148] فالظن لا يعمل به لا في العقائد ولا في الأحكام. بالدليل من هذه الآية.
ب- قولهم أنه يفيد العمل ولا يفيد العلم قول ضعيف. فإن العمل بالشيء فرع عن العلم به.
2) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوفد آحاد الصحابة إلى الأمصار والقرى يعلمونهم العقائد والأحكام. فلو كان خبرهم لا يفيد العلم لما أرسلهم.
3) أن موقفهم هذا أدى إلى الطعن في أكثر أحاديث الشيخين اللذين اتفقت الأمة على صحتها وتلقتها بالقبول. وهؤلاء يثيرون الشك في أوثق مصدرين لهذه الأمة بعد كتاب الله عز وجل. ولم يستفيدوا من هذه الوسوسة إلا التشويش والتهويل على أهل السنة. وفتح ثغرة أمام المستشرقين والطاعنين بالسنة، وإلا فقد رأيناهم في مسائل التوسل والاستغاثة بالأموات يحتجون بما هو أدنى من خبر الواحد، رأيناهم يحتجون بالضعيف بل وبالموضوع من الروايات.
4) أن أهل الحديث أجازوا العمل بالحديث الضعيف في حدود ضيقة. ومنعوه في جوانب أخرى وليس ذلك إلا لعدم صحته. وأما هؤلاء فقد جعلوا حديث الواحد الصحيح شبيهاً به. فمع وصفهم له بأنه "صحيح" إلا أنهم ينزلونه منزلة الحديث الضعيف فصار بذلك صحيح مجازاً ضعيف حقيقة!.
5) أن أهل الحديث كأحمد ومالك والشافعي أولى بالحكم على خبر الواحد من أهل الكلام والجدل الذين هم أبعد الناس عن فن الحديث، ورأيهم في خبر الواحد هو الأولى بالأخذ وليس رأي أتباع المعتزلة والجهمية. أو أعدائهما ممن يلتزمون منهجهما في الكلام والمنطق.
6) أنهم لم ينقذوا الأمة من معرض التجهم والفلسفة والاعتزال، وإنما قاموا فقط بتعديل طفيف على انحراف المعتزلة من غير أن يقضوا عليه. وشككوا في غالب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
7) أنهم قد فتحوا بهذه البدعة ثغرة على الدين نفذ منها المستشرقون وطعنوا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا الإسلاميين إلى التناقض حين جعلوا الصحيح ظنياً. وهؤلاء لا يقدرون على الإجابة على شبهات المستشرقين وإنما يقدر عليها من سلم من أحكام أهل الكلام المتناقضة وأثبت خبر الواحد على طريقة أحمد والشافعي.- فثبت أن هذه البدعة لم ترفع الشك ولم تدفع وسوسة ووهم التجسيم بل أثبتتهما كلاهما وفتحت باباً للطعن في هذا الدين. والذي يدفع وهم الوسوسة هو الاستعاذة بالله. وتذكر آيات التنزيه. فإن الإنسان قد يتعرض لوساوس من نوع آخر كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ((إني أحدث نفسي بالشيء لو خر إلى السماء أحب إليه من أن يتكلم به. قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك صريح الإيمان)) (1). أي أن إنكاره والخوف منه صريح الإيمان.
- والقيد الذي أفاده قول الشافعي "خبر الواحد العدل" يفيد بأنه ليس كل خبر واحد يقبل مطلقاً وإنما خبر الواحد الثقة العدل الضابط المتصل السند. وإلا فالخبر ثلاثة أنواع:
= ما اتصل سنده وثبتت روايته. فهذا حجة ومقبول.
= ما انقطع إسناده وضعفت روايته فهذا مردود.
= ما لا أصل لسنده وعرف وضعه وكذبه. فهذا تحرم روايته والأخذ به. وأبو بكر بن فورك يكثر من الإتيان بهذين النوعين الأخيرين من خبر الواحد ويتعسف تأويلها، وقد كان ضعف سندها كافٍ في ردها من غير ضرورة إلى هذا الاعتساف.
فالحقيقة أن ما صح سنده فهو قطعي الثبوت سواء أكان متواتراً أو آحاداً. وهذا وسط بين من نفوا خبر الواحد. ومن تناقضوا بين نفيه وإثباته من جهة، وبين من أثبتوه كله من غير نظر إلى سلامته من العلل القادحة فيه.
المصدر:شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص 231--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (2/ 397) (9145) ، قال الألباني في ((كتاب السنة)) (654): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
المبحث الخامس: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة
• المطلب الأول: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند الكلابية والأشعرية.
• المطلب الثاني: الرد على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم.
• المطلب الثالث: الرد الإجمالي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم.
• المطلب الرابع: الرد التفصيلي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم.
• المطلب الخامس: الرد على استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: هَذَا رَبِّي [الأنعام: 76] على شرعية دليل الأعراض وحدوث الأجسام:.
• المطلب السادس: الرد على استدلال المبتدعة بقول الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76] على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
المطلب الأول: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند الكلابية والأشعرية
الكلابية هم أسلاف الأشعرية؛ فالأشعرية تبعوا أبا الحسن الأشعري في طوره الثاني؛ عندما كان موافقا لابن كلاب، متبعاً لمذهبه، سالكاً لطريقته.
وقد اندمجوا فيهم - فيما بعد -، حتى آل الأمر بعد انتشار مذهب الأشعرية إلى أن يطلق اسم كل طائفة من الطائفتين على الأخرى … - فالتوافق والتطابق حاصل بينهما -، وإن كان الغالب في التسمية للأشعرية.
ويعزى السبب في ذلك إلى:
1 - الارتباط الواضح في النشأة، بين الأشعرية والكلابية.
2 - نشاط من تبع الأشعري في طوره الثاني في نشر مذهبهم.
ولا ريب أن منهج المعتزلة العقلي، قد أثر بنحو مباشر أو غير مباشر، على هاتين الفرقتين من فرق المبتدعة، نتيجة كثرة احتكاك أصحابهما بالمعتزلة؛ فقد تصدى أصحاب هاتين الفرقتين للمعتزلة، في محاولة منهم للرد عليها، وبيان فساد أقوال معتنقيها.
لكن أصحاب هاتين الفرقتين لم تكن لديهم حصانة كافية من الكتاب والسنة، فلم يخرجوا من المعمعة سالمين، كما خرج أئمة السلف وعلماؤهم.
بل اضطرتهم حجج المعتزلة العقلية والكلامية إلى أن يسلموا لهم بعض أصولهم، وأن يلتزموا لوازم هذه الأصول، متنازل بذلك عن جزءٍ كبيرٍ من الحق الذي كان معهم قبل أن يناظروهم.
ونتيجة تسليمهم للمعتزلة ببعض أصولهم العقلية، بدأت بوادر الاختلاف والانحراف في مذهبهم، مما أبعدهم أكثر من ذي قبل عن مذهب السلف الصافي.
وكان من الأصول التي سلم الكلابية والأشاعرة للمعتزلة مضمونها، والتزموا لوازمها الفاسدة: دليل الأعراض وحدوث الأجسام. فالمعتزلة إذا: هم مصدر دليل الأعراض وحدوث الأجسام - بالنسبة للكلابية والأشاعرة - ومنهم أخذوه وعنهم تلقوه (1).فإنهم وافقوهم على "صحة دليل حدوث الأجسام، فلزمهم أن يقولوا بحدوث ما لا يخلو من الحوادث، ثم قالوا: وما يقوم به الحوادث لا يخلو منها" (2).يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مخاطباً الأشاعرة، ومبيناً لهم موافقتهم المعتزلة على هذه الأصول الباطلة: "وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنتم فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنها، صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع، مع مقاربتكم، أو موافقتكم لهم في الحقيقة" (3).وهذه الموافقة تفطن لها ابن رشد: حيث ذكر أنه لم يقف على كتب للمعتزلة توضح طرقهم في إثبات الصانع، وإن كان يرى أنها لا تعدو أن تكون من جنس طرق الأشاعرة .. يقول ابن رشد: "وأما المعتزلة: فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طريقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية" (4).
فأكثر الأشاعرة: سلكوا طريقة الأعراض وحدوث الأجسام.
والملاحظ عليهم أنهم منقسمون في دليل الأعراض إلى طائفتين:
1 - طائفة: ترى صحة دليل الأعراض وحدوث الأجسام، لكنها لا توجبه، ولا تعارض به جميع نصوص الصفات؛ فتراهم يثبتون الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، ويثبتون علو الله تبارك وتعالى على خلقه، مع نفيهم قيام الأفعال الاختيارية في ذاته جل وعلا.
وهؤلاء هم متقدموا الكلابية والأشعرية؛ كابن كلاب، والأشعري، وغيرهما.--------------------------------------------
(1) انظر: ((نقض أساس التقديس)) لابن تيمية - مطبوع - (1/ 257). و ((درء تعارض العقل والنقل)) له (7/ 237).
(2) ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (3/ 354). وانظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/ 224).
(3) ((التسعينية)) لابن تيمية (ص: 272).
(4) ((الكشف عن منهاج الأدلة)) لابن رشد (ص: 64 - 65).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
2 - طائفة: ترى صحة دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتوجبه، وتحصر إثبات الصانع به.
وهؤلاء على قسمين:
أ- قسم رأوا أن هذا الدليل لا يقوى على معارضة جميع نصوص الصفات، فأثبتوا الصفات الخبرية التي لا تتعلق بمشيئة أو قدرة، وأثبتوا علو الله على خلقه.
وخير من يمثل هذا القسم: أبو بكر الباقلاني.
ب- قسم رأوا أن هذا الدليل يعارض النصوص؛ فنفوا لأجله الصفات الخبرية جلها أو جميعها - على اختلاف بينهم، ونفوا العلو، مع نفيهم للصفات الاختيارية أيضا.
هؤلاء هم بعض متقدمي الأشعرية؛ كابن فورك، والبغدادي، والجويني، ومن أتى بعدهم من متأخري الأشعرية.
والملاحظ على كلتا الطائفتين: اتفاقهما على نفي الصفات الاختيارية، مستندين في ذلك إلى هذا الدليل.
وقد استدلوا جميعاً على حدوث الأجسام بكونها لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادث.
فهذا إمامهم ورأسهم: ابن كلاب؛ عبدالله بن سعيد بن محمد بن كلاب، أبو محمد القطان البصر، صنف في الرد على الجهمية والمعتزلة مصنفات كثيرة، بين فيها تناقضهم، وكشف كثيراً من عوارهم، لكنه كان أول من تأثر بهم في هذا الدليل، فاقتفى أثرهم في هذا الأصل الذي هو ينبوع البدع. إلا أن الملاحظ عليه أنه لم يسلم لهم تسمية صفات الله تعالى أعراضاً؛ لأنها - على حد قوله - "قديمة باقية لا تعرض ولا تزول" (1)، والعرض لا يبقى زمانين (2).
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان أثر هذا الدليل على مذهبه في الصفات.
والاعتماد في بيان ذلك على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعض كتب المقالات والفرق؛ لأنني لم أقف على شيء من مؤلفاته.
وممن تأثر - من الأشاعرة - بهذا الدليل، وأورده في تصانيفه: الباقلاني: فقد تلقف دليل المعتزلة، واستدل على حدوث الأجسام بعدم انفكاكها عن بعض الأكوان: كالحركة والسكون .. فالموجودات كلها عند الباقلاني على ضربين: قديم لم يزل، ومحدث لوجوده أول؛ لم يكن، ثم كان (3).والمحدثات عنده ثلاث أقسام: جسم، وجوهر، وعرض (4).فالجسم هو المؤلف المركب (5).والجوهر هو الذي له حيز - مكان - وله قيام بذاته، ويقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضاً واحداً (6)؛ فلا يقبل من الألوان: البياض والسواد معا في زمان مكان واحد، ولا الحياة والموت معا، .. إلخ. والعرض هو الذي يعرض في الجواهر والأجسام، ويحدث في محل، ولا يصح قيامه بذاته؛ كاللون، والحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، والاتصال، والانفصال. ويستحيل بقاؤه زمانين؛ ويبطل في ثاني حال (7).و "جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن هذين الجنسين؛ أعني الجواهر والأعراض، وهو محدث بأسره" (8).
وقد دلل على حدوث العالم بحدوث الأعراض والأجسام …--------------------------------------------
(1) نقل عن ذلك شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (6/ 36).
(2) انظر: ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/ 316). و ((شرح حديث النزول)) له (ص: 157).
(3) انظر: ((تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل)) للباقلاني (ص: 36). و ((الإنصاف)) له (ص: 26 - 27).
(4) انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 37). و ((الإنصاف)) له (ص: 27).
(5) انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 37). و ((الإنصاف)) له (ص: 27).
(6) انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني ((ص: 37). و ((الإنصاف)) له (ص: 27)، وانظر أيضاً ((الدليل القويم)) للعبدري (ص: 14).
(7) انظر: ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 38). و ((الإنصاف)) له (ص: 27). و ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (ص: 329) - حيث نقل اتفاق الأشاعرة على ذلك -. و ((الدليل القويم)) للعبدري (ص: 14 - 15).
(8) ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). و ((الإنصاف)) له (ص: 28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
وطريقته في ذلك تستند إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة:
1 - مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
2 - مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.
وهذا الطريقة مبنية على ثلاثة براهين يلزم إثباتها:
1 - إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
2 - إثبات أن الأجسام لم تسبق الحوادث.
3 - إثبات أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث.1 - أما الأعراض: فقد حاول إثباتها بدليل الحركة والسكون، فقال: "والدليل على إثبات الأعراض تحرك الجسم بعد سكونه، وسكونه بعد حركته. ولابد أن يكون ذلك كذلك لنفسه أو لعلة. فلو كان متحركاً لنفسه ما جاز سكونه، وفي صحة سكونه بعد تحركه دليل على أنه متحرك لعلة؛ هي الحركة" (1)."والأعراض حوادث، والدليل على حدوثها: بطلان الحركة عند مجيء السكون؛ لأنها لو لم تبطل عند مجيء السكون لكانا موجودين في الجسم معاً، ولوجب لذلك أن يكون متحركاً ساكناً معاً، وذلك مما يعلم فساده ضرورة" (2).
فالأعراض طارئة حادثة - كما ادعى الباقلاني -، والدليل على ذلك انقطاع السكون حين الحركة، وتوقف الحركة عند السكون.2 - وأما الأجسام: فقد دلل على أنها لم تسبق الأعراض، بعدم انفكاكها عنها؛ إذ لا أجسام ولا جواهر بدون أعراض، فهي بالتالي لم توجد قبلها، ولم تسبقها (3)."والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث: أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجوداً، فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعاً، أو متبايناً مفترقاً؛ لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة أو متباينة منزلة ثالثة: فوجب أن لا يصح أن يسبق الحوادث" (4).3 - فالأجسام حادثة: لأنها "لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها، وما لم يسبق المحدث: محدث" (5)؛ فالجسم "لا ينفك من الأولوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثا. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجوداً معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجودها" (6).فأي الأمرين - وجود الأجسام مع الحوادث، أو وجودهما بعدها - ثبت، وجب به القضاء على حدوث الأجسام (7).
ويمكن تلخيص طريقته هكذا:
العالم كله محدث؛ لأنه مؤلف من جواهر وأعراض.
والأعراض حوادث، ودليل ذلك: بطلان الحركة عند مجيء السكون.
والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، وما لم يسبق الحوادث: محدث مثلها.
فالعالم إذا حادث بأسره لأنه لا يخلو عن الحوادث. والباقلاني في هذه الطريقة مقتف لآثار المعتزلة حذو القذة بالقذة، إلا أنه أورد أمراً لم يورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" (8).--------------------------------------------
(1) ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 38). وانظر ((الإنصاف)) له (ص: 28).
(2) ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41). وانظر ((الإنصاف)) له (ص: 28).
(3) ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41).
(4) ((تمهيد الأوائل)) للبقلاني (ص: 42).
(5) ((تمهيد الأوائل)) للباقلاني (ص: 41).
(6) ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 28).
(7) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص: 42 - 43).
(8) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص: 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
وهذا لغاية في نفسه، سيأتي بيانها - إن شاء الله تعالى - عند توجيه استدلال المبتدعة بهذا الدليل على مذهبهم في الصفات. وقد أتى بعد الباقلاني: عبد القاهر البغدادي، الذي قال بنحو قول سلفه، ونقل اتفاق الأشاعرة على هذا الدليل (1).ودلل على حدوث العالم بحدوث الأجسام؛ مدعياً دعوى سلفه الباقلاني: أنها - أي الأجسام - لا تخلو من الأعراض الحادثة فيها، ولا تسبقها (2)، "فإذا صح أن الأجسام لم تسبق الأعراض الحادثة وجب حدوثها؛ لأن ما لم يسبق الحوادث كان محدثا، كما أن ما لم يسبق حادثا واحداً كان محدثاً" (3).
واستندت طريقته إلى مقدمة كبرى، ومقدمتين ثانويتين، ونتيجة - كطريقة سلفه الباقلاني:
1 - مقدمة كبرى: "ما لم يسبق الحوادث فهو حادث".
2 - مقدمتان ثانويتان هما:
أ- الأعراض حوادث.
ب- الأجسام لم تسبق الحوادث.3 - نتيجة: الأجسام حادثة (4).
وقد:
1 - أثبت الأعراض وأثبت حدوثها.
2 - أثبت أن الأجسام لا تخلو من الحوادث، ولا تسبقها.3 - توصل إلى نتيجة مفادها: أن الأجسام حادثة لأنها لم تسبق الحوادث، مقتفياً في ذلك آثار سلفه الباقلاني، مورداً نحو من أدلته التي أوردها (5).وقد تبع الباقلاني في إيراده أمراً لم تورده المعتزلة، وهو قوله: "الأعراض لا تبقى زمانين" (6).وكذا قال بنحو هذه الأقوال: الإسفراييني؛ فزعم أن الأجسام حادثة؛ لأنها لا تخلو من الحوادث، "وما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثا، وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثاً مثلها" (7)؛وقد ادعى الإسفراييني أن أهل السنة والجماعة - يقصد الأشاعرة - على هذا المعتقد (8).واستدل على حدوث الأعراض، وحدوث الأجسام بأدلة قريبة من أدلة أسلافه (9).
ثم أتى بعده أبو المعالي الجويني …
ولا بأس من التوقف عنده قليلاً لبيان موقفه من دليل الأعراض؛ لما لأقواله من وزن واعتبار عند أتباع الطائفة الأشعرية، إذ يعد الجويني من أكابر أئمة الأشاعرة المتأخرين، وأقواله مسلمة لديهم لا تقبل تمحيصاً، ولا مراجعة.
فالجويني سلك مسلك المعتزلة في دليل الأعراض، وعليه بنى أصل دينه. فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن طريقة أبي المعالي الجويني: "مأخوذة في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات" (10)، وعليها بنوا أصل دينهم، "وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفا عليها، وذلك أنه موقوف على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به موقوف على معرفة المرسل، وزعموا أن المرسل لا يعرف إلا بها" (11).
وقد قسم الجويني الموجود إلى قديم وحادث."فالقديم: هو الموجود الذي لا أول لوجوده، والحادث: هو الموجود الذي له أول" (12).
والموجودات الحادثة تنقسم بالضرورة إلى قسمين: ما لا يفتقر إلى محل يحله، وهو الجوهر. وما يفتقر إلى محل يحله، وهو العرض.
ثم ذكر حد الجوهر، وحقيقة العرض:
فعرف الجوهر بأنه:
- المتحيز،
- أو كل ذي حجم متحيز؛ أي له حظ من المساحة،--------------------------------------------
(1) انظر ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (ص: 329).
(2) انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 59) .. و ((الفرق بين الفرق)) (ص: 329).
(3) ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 59 - 60).
(4) انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 33 - 60).
(5) انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 33 - 60).
(6) انظر ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 50 - 52).
(7) ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 154).
(8) انظر: ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 153).
(9) انظر: ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 153 - 154).
(10) كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/ 274).
(11) كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/ 274).
(12) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و ((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
- أو ما يقبل العرض. والحيز عنده: هو الجهة أو الناحية (1).
وعرف العرض بأنه:
- ما يقوم بالجوهر، أو ما يطرأ على الجواهر: كالألوان، والطعوم، والروائح، والعلوم، والإرادات الحادثة وأضدادها، والحياة والموت. أو ما يستحيل عليه البقاء؛ فلا يبقى وجوده (2).ولما كانت الأعراض تشمل الأكوان، فقد عرض الجويني لمعنى الكون، فذكر أنه: "ما يشمل: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق" (3).
وقد بني الجويني كلامه - في شرحه لدليل الأعراض - على مقدمتين:
الأولى: العالم حادث.
الثانية: كل حادث لابد له من محدث. وبدأ بالمقدمة الأولى: أعني مسألة حدوث العالم، ليتوصل من خلالها إلى إثبات الصانع. وذكر "أن القول في حدوث العالم ينبني على تقديم أصول، وشرح فصول، وإيضاح عبارات واصطلاحات بين المتكلمين، ولا نتوصل إلى أغراضهم إلا بعد الوقوف على مراميهم ومعاني كلامهم" (4).
وقد استعان بآراء من كان قبله، دون الإشارة على أسمائهم، ذاكراً أن العالم عندهم له مفهومان:1 - أحدهما: كل موجود سوى الله تعالى؛ ونسبه إلى سلف الأمة (5).2 - الثاني: عبارة عن الجواهر والأعراض. ونسبه إلى خلف الأمة (6).
أما طريقة في إثبات حدوث العالم: فهي مستنده إلى إثبات عدة أمور:
أ- إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها.
ب- إثبات قيام الأعراض بالجواهر، وإثبات استحالة تخلي الجواهر عن الأعراض.
ج- إثبات امتناع حوادث لا أول لها.
د- ويترتب على هذه الأمور: إثبات أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وقد ذكر الجويني أن إثبات الأعراض، وإثبات قيام الأعراض بالجواهر: "من أهم الأغراض في إثبات حدوث العالم" (7).
أولا: إثبات الأعراض:
ذكر الجويني أن العاقل إذا رأى جوهرا ساكناً، ثم رآه متحركا، يدرك التفرقة بين حالتي الحركة والسكون لهذا الجوهر."وتلك التفرقة لا تخلو: إما أن ترجع إلى ذات الجوهر. أو إلى معنى زائد على الجوهر؟ استحال أن يقال: ترجع التفرقة إلى ذات الجوهر؛ لأن الجوهر في الحالتين متحد، والشيء لا يخالف نفسه، فلا يقع الافتراق إلا بين ذاتين، فصح ووضح بذلك أن التفرقة راجعة إلى معنى زائد على الجوهر، وذلك هو العرض الذي ادعيناه" (8).
ثانياً: إثبات حدوث الأعراض: ذكر الجويني "أنا نرى الأعراض المتضادة تتعاقب على محالها - الجواهر -، فنستيقن حدوث الطارئ منها، من حيث وجدت، ونعلم حدوث السابق منها من حيث عدمت" (9).
فالجوهر يكون ساكناً، ثم تطرأ عليه الحركة؛ فحدوث الحركة مستيقن؛ لأنه طارئ.
وحدوث السكون معلوم بسبب انعدامه، ولو كان قديماً، لاستحال عدمه. والغرض من إثبات حدوث الأعراض (10):
- بيان استحالة قيام العرض بنفسه.
- بيان استحالة قيام العرض بالعرض.
- بيان استحالة انتقال العرض بل تنعدم.
- بيان استحالة انعدام القديم.--------------------------------------------
(1) انظر: ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و ((الإرشاد)) له (ص: 40). و ((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68).
(2) انظر: ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 87). و ((الإرشاد)) له (ص: 40). و ((الشامل في أصول الدين)) له (ص: 68).
(3) ((الإرشاد)) للجويني (ص: 40).
(4) ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 34).
(5) انظر: ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 31). و ((لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة)) له (ص: 86).
(6) انظر: ((الشامل في أصول الدين)) للجويني (ص: 31). و ((لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة)) له (ص: 86).
(7) ((الإرشاد)) للجويني (ص: 41).
(8) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 88). وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 40 - 41).
(9) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89)، وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 41).
(10) انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 41).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
ثالثا: إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض:
الجوهر: لا يخلو عن كل جنس من الأعراض.
والعرض: إما أن يقدر له ضد، أو يقدر أنه لا ضد له؛ فالحركة ضدها السكون، والاجتماع ضده الافتراق، واللبث ضده الزوال، وهكذا.
فلو قدر أن للعرض ضدا: فلا يخلو الجوهر عن أحد الضدين. أما إذا قدر أن ليس ضد للعرض؛ فالجوهر لا يخلو عن قبول واحد من جنسه، وهذا مستحيل باتفاق الأشاعرة (1).
ويعلم ببديهة العقول: استحالة تعري الأجسام عن الاتصاف بالسكون، والحركة، والتأثير في المحال، والزوال، والانتقال، وكلها أعراض."وكل ذلك يوضح استحالة تعري الجواهر عن الأعراض" (2).
وثمة دليل آخر على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض، وهو دليل اضطراري مفاده أن الجواهر الشاغلة للأحياز: لا تخلو عن الاجتماع والافتراق، وهذا مما يعلم بديهة. يقول الجويني: "والدليل على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض: أن الجواهر شاغلة للأحياز، والجواهر الشاغلة للأحياز، غير مجتمعة ولا متفرقة بحال، بل باضطرار يعلم أنها لا تخلو عن كونها مجتمعة أو متفرقة" (3).
فالجواهر ليست ملازمة لحال واحدة أبداً، بل لا تخلو عن اجتماع، أو افتراق."وذلك يقضي باستحالة خلوها عن الاجتماع والافتراق" (4).
رابعاً: إثبات استحالة حوادث لا أول لها:
هذا الكلام مبني على قولهم: "ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث".
فقد زعموا أن الأجسام لا تخلو من كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها.
وقد أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها بالطريقة التالية:
قالوا: حقيقة الحادث: ما له أول. ولما كان حقيقة كل حادث ما له أول، كان حقيقة كل الحوادث - مهما كثرت - ما لها أول (5)."وهكذا كالجوهر؛ فإن حقيقة الجوهر: كونه متحيزا، فبالكثرة لا يخرج عن حقيقته، ويكون الكل متحيزا. فكذلك ههنا: إذا ثبتت الأعراض، وثبت حدوثها، وثبت استحالة تعري الجواهر عنها، وبطل قول الدهري: بأن الحوادث لا أول لها: فيترتب على ذلك أن الجواهر لا تسبق الأعراض الحادثة، وما لا يسبق الحوادث حادث على الاضطرار، من غير حاجة إلى نظر وافتكار" (6).
وقد احتاجوا في إثبات امتناع حوادث لا أول لها إلى الرد على الدهري في قوله: عن الحوادث لا أول لها …
وسلكوا في الرد على ذلك: "برهان التطبيق": وخلاصته أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه سلسلتان؛ سلسلة من الطوفان على ما لا نهاية في القدم أيضا. ثم يطبق بينهما، فكلما طرح من السلسلة الأولى واحد، طرح من السلسلة الثانية مقابله؛ واحد أيضا، وهكذا.
وهذا لا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور:
1 - إما أن يفرغا معا، وهذا خلاف الفرض، ويلزم منه مساواة الناقص للزائد.--------------------------------------------
(1) انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 44).
(2) ((لمع)) الأدلة للجويني (ص: 89). وانظر ((الإرشاد)) له (ص: 44).
(3) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89).
(4) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 89).
(5) ((انظر لمع الأدلة)) للجويني (ص: 90).
(6) ((لمع الأدلة)) للجويني ((ص: 90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
2 - ألا يفرغا. وهو الفرض في القضية "حوادث لا أول لها". وهو باطل أيضا؛ لأنه يلزم منه المساواة بين مختلفين، وهذا مستحيل؛ لتحقيق الزيادة في أحدهما.3 - أن يفرغ أحدهما قبل الآخر. فإذا فرغت السلسلة الثانية، لزم أن تفرغ السلسلة الأولى أيضاً؛ لأن بينهما قدراً متناهيا "ما بين الطوفان إلى الهجرة"، والزائد على الشيء بقدر متناه، يكون متناهياً أيضاً (1).وقد مثل الجويني لهذا الدليل بقوله: "مثال إثبات حوادث لا أول لها: قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهما، إلا وأعطيك قبله ديناراً، ولا أعطيك ديناراً إلا وأعطيك قبله درهماً؛ فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه ديناراً ولا درهما" (2).
خامساً: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث: وطريقة إثبات صحة ذلك عند الجويني: "أن الحادث جائز الوجود؛ إذ يجوز تقدير وجوده بدلا عن عدمه، ويجوز تقدير عدمه بدلا عن وجوده. فلما اختص بالوجود الممكن بدلاً عن العدم الجائز، افتقر إلى مخصص؛ وهو الصانع تعالى" (3).فلما استوى الحادث في جواز وجوده، وجواز عدمه، كان لابد من مرجح يرجح أحدهما على الآخر؛ يرجح الوجود، أو يرجح العدم، وهذا مستبين على الضرورة (4).
وهذا المرجح المخصص لا يخلو أن يكون واحداً من ثلاثة:
إما علة موجبة لمعلولها.
- وإما طبيعة.
- وإما فاعلاً مختاراً.
فكون المرجح المخصص علة موجبة لمعلولها: باطل؛ لأن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها.
والعلة التامة بين حالتين؛ إما أن تكون قديمة، وإما أن تكون حادثة.
فلو كانت قديمة: للزم قدم المعلول، وهو العالم؛ وهذا باطل؛ إذ الأدلة على حدوثه كثيرة. ولو كانت حادثة: لافتقرت إلى محدث مخصص، والمحدث يفتقر إلى آخر، وهكذا، حتى ينتهي الأمر إلى إثبات حوادث لا أول لها - وهو التسلسل (5) -
وقد تقدم برهان بطلانه.
وكون المرجح المخصص طبيعة: باطل أيضاً. فيستحيل "أن يكون مخصص العالم طبيعة؛ كما صار إليه الطبائعيون" (6)؛ لأن تلك الطبيعة لا تخلو: إما أن تكون قديمة، أو حادثة."فإن كانت قديمة، لزم قدم آثارها؛ فإن الطبيعة عند مثبتها لا اختيار لها، وهي موجبة آثارها عند ارتفاع الموانع. وقد صح حدوثها" (7)، فإن كانت الطبيعة قديمة لزم قدم آثارها، وقد وضح حدوث العالم."وإن كانت الطبيعة حادثة، افتقرت إلى طبيعة أخرى، ثم الكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في تلك الطبيعة، كالكلام في هذه الطبيعة، وينساق هذا القول إلى إثبات حوادث لا أول لها، وقد تبين بطلان ذلك" (8)."فوضح بذلك أن مخصص العالم: صانع، مختار، موصوف بالاقتدار والاختيار" (9).
وبهذه البراهين والدعاوى توصل الجويني إلى إثبات حدوث العالم متبعا في ذلك طريقة أسلافه من المعتزلة، ومن اتبعهم ..
وقد أثبت ذلك بإثبات حدوث الأجسام، مستنداً إلى أصل الأصول في هذا الدليل - عندهم-؛ وهو: "ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث"، أو "ما لا يسبق الحوادث فهو حادث" ....
وقد سلك المتأخرون في ذلك مسلك المتقدمين، وتلخصت طريقتهم بأن:
العالم ينقسم إلى جواهر وأعراض.--------------------------------------------
(1) انظر: في تحرير ذلك: ((المواقف)) للإيجي (ص: 90). و ((الأربعين)) للرازي (ص: 15). و ((شرح المقاصد)) للتفتازاني (2/ 120 - 122).
(2) ((الإرشاد)) للجويني (ص: 47).
(3) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91).
(4) انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 49).
(5) انظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 49 - 50).
(6) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91).
(7) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 91). وانظر ((الإرشاد)) للجويني (ص: 50).
(8) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 92).
(9) ((لمع الأدلة)) للجويني (ص: 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
وأن الأعراض لا تبقى زمانين متتاليين، بل يطرأ عليها التغير والتحول؛ فهي حادثة. والجواهر لا تتعرى عن الأعراض؛ بل هي ملازمة لها.
نتيجة:
1 - ما دامت الجواهر لا تنفك عن الأعراض؛ فهي حادثة بحدوثها؛ لأن ما لازم الحادث، فهو حادث.
2 - ما دام العالم مكونا من الجواهر والأعراض - وقد ثبت حدوثها -؛ فالعالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث.
فالنتيجة التي توصل إليها هؤلاء - أعني الأشاعرة - بعد كل هذه المقدمات، كالنتيجة التي سبقهم إليها أسلافهم من الجهمية والمعتزلة؛ وهي الاستدلال على حدوث العالم بحدوث ما فيه من جواهر وأعراض، ومن ثم الاستدلال بحدوث العالم على وجود الله سبحانه وتعالى.
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا - 1/ 377
وجه استدلال الكلابية والأشعرية بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفاتسبق الكلام عن تلقف الكلابية والأشعرية لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وتلقيهم له عن الجهمية والمعتزلة، وقولهم - مثل أسلافهم-: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو من الحوادث ولا يسبقها، يكون معها، أو بعدها. وما كان من الحادث، أو بعده، فهو حادث، وطريقتهم في ذلك قريبة من طريقة الجهمية والمعتزلة (1).بيد أنهم خالفوا الجهمية، والمعتزلة - أسلافهم في هذا الباب - في تسمية الصفات أعراضاً؛ فنفوا أن تسمى كذلك، زاعمين أن العرض لا يبقى زمانين، أما صفات الله الذاتية الأزلية فهي باقية (2).وقد نقل الرازي اتفاق الأشعرية جميعاً على أن: "العرض لا يبقى زمانين" (3)، وتبعه الإيجي على نقل هذا الإجماع (4).
والكلابية والأشعرية قالوا بإبطال حوادث لا أول لها؛ زاعمين أن القوال بحوادث لا أول لها يستلزم التسلسل. وقولهم بامتناع حوادث لا أول لها: حدا بهم في الحقيقة إلى نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى، والمتعلقة بمشيئته واختياره (5).فالنزول، والاستواء، والمجيء، والإتيان والرضى، والغضب، والفرح، والضحك، .. إلخ: كلها عند هؤلاء لا تقوم بالله تعالى متعلقة بمشيئته - جل وعلا - وقدرته (6).
وهم وإن خالفوا المعتزلة في جواز قيام الصفات بالله تعالى، وفي تسمية الصفات أعراضاً - فقالوا: نحن نقول بقيام الصفات بالله تعالى، ولا نسميها أعراضاً؛ لأن صفات الله عندنا باقية بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات - إلا أنهم سموا الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته حوادث، وقالوا بنفيها، طرداً لدليل الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا: لو قامت به، للزم ألا يخلو منها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.--------------------------------------------
(1) انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (9/ 132). وكتاب ((النبوات)) له (ص: 198).
(2) انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 157 - 158). و ((مجموع الفتاوى)) له (12/ 316). و ((النبوات)) له (ص: 202). و ((نقض أساس التقديس)) - مطبوع - له (1/ 102). و ((درء تعارض العقل والنقل)) له (1/ 306، 3/ 434).
(3) نقل ذلك في كتابه ((محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين)) (ص: 265).
(4) نقل ذلك في كتابه ((المواقف في علم الكلام)) (ص: 101).
(5) انظر: كتاب ((الصفدية)) لابن تيمية (1/ 129). و ((رسالة في الصفات الاختيارية)) له - ضمن ((جامع الرسائل والمسائل)) (2/ 6 - 10). و ((درء تعارض العقل والنقل)) له (8/ 173).
(6) انظر ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 63). - وانظره ((ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/ 411).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
فصرحوا - إذا - بامتناع قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى. وقد استندوا في ذلك إلى أصلهم: ما يقبل الحوادث لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث كان حادثاً (1).
ولهم مع هذه الصفات - أعني الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى وإرادته - مسلكان؛ منهم من سلكهما معاً، ومنهم من سلك أحدهما .. وهذان المسلكان هما (2):
"الأول": إثبات هذه الصفات، على أنها صفة أزلية قديمة مع الله تعالى، لا تتعلق بمشيئة الله وإرادته؛ فلا يتجدد له فيها حال كما يشاء.
فالرضى - مثلاً ليس بفعل يتعلق بمشيئة الله - عند هؤلاء - بمعنى أنه يرضى متى شاء على من شاء، بل هو أزلي من صفات الذات.
"الثاني" جعل مقتضى الصفة مفعولاً منفصلاً عن الله، لا يقوم بذاته ..
فالنزول - مثلاً - ليس فعلاً لازماً - عند هؤلاء -، بل يجعلونه كأفعاله المتعدية؛ من الخلق والإحسان، مفعولاً منفصلاً عنه، ويزعمون أن الله يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً.
وصفة الخلق - التي أحالوا الأفعال اللازمة عليها، وجعلوها مثلها - لا يثبتونها على أنها فعل يقوم بالله تعالى يتعلق بمشيئته وقدرته - جل وعلا -، بل هي مفعول منفصل عنه أيضاً؛ لأن الله - بزعمهم - خلق الخلق، فلم تحل بذاته حوادث؛ إذ الخلق هو المخلوق.
وهذا الأصل: "الخلق هو المخلوق"، أو "الفعل هو المفعول": معناه: أن صفة الخلق، أو الفعل: لم تقم بالله، ولا تقوم به جل وعلا.
ويقولون: إنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان؛ إما قديماً، وإما حادثاً.
فإن كان قديماً لزم قدم المخلوق.
وإن كان حادثاً، لزم أن تقوم به الحوادث.
ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر، .. وهكذا؛ يلزم التسلسل، وهو باطل. وهم "يفسرون أفعاله - تعالى - المتعدية؛ مثل قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام: 1]، وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته القديمة، وإرادته القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته .. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة، من غير أن يكون منه فعل قام بذاته .. فالقدرة القديمة، والإرادة القديمة هي المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه، من غير تجدد أمر وجودي، بل حاله قبل أن يخلق، وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة، وهي أمر عدمي لا وجودي" (3).
وهذه النسبة أو الإضافة؛ كقول القائل: بيت الله، وناقة الله: إضافة تشريف، وانتساب إلى الله تعالى، من غير أن تقوم بذاته تعالى صفة.
ويعد ابن كلاب أول من قال بهذا الأصل - الخلق هو المخلوق -، بعد تلقية له عن المعتزلة كما تقدم.
وعنه أخذه تلاميذه، وعنهم أخذ أبو الحسن الأشعري الذي تكونت من أتباعه نواة مذهب الأشعرية.
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا - 2/ 5--------------------------------------------
(1) انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 158). و ((مجموع الفتاوى)) له (12/ 316). وكتاب ((الصفدية)) له (1/ 129). و ((الاستقامة)) له (1/ 16). و ((درء تعارض العقل والنقل)) له (1/ 354 - 355، 5/ 186، 245 - 246، 9/ 72). و ((الفتاوى المصرية)) له (6/ 443، 444، 552 - 556، 645). و ((رسالة في الصفات الاختيارية له - ضمن جامع الرسائل والمسائل)) (2/ 4، 6، 7 - ). و ((الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال)) له (ص: 4). و ((منهاج السنة النبوية)) له (2/ 108). و ((شرح العقيدة الأصفهانية)) له (ص: 70).
(2) انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 63 - 64). وانظره ضمن ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/ 411 - 412). و ((الفتاوى المصرية)) له (6/ 443). و ((رسالة في الصفات الاختيارية)) له - ضمن جامع الرسائل والمسائل)) (2/ 4).
(3) ((شرح حديث النزول)) (ص: 42). وانظره ضمن ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/ 378) - وانظر كتاب ((الصفدية)) له (2/ 101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
المطلب الثاني: الرد على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم
ومن الآيات التي زعموا أنها نص في ذلك، واستدلوا بها على تصحيح دليلهم؛ دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبنوا عليها مذهبهم في نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا، ونفي أن يكون الله – تعالى – جسماً: تلك التي تحدثت عن الخليل إبراهيم عليه السلام، وعن مناظرته لقومه ..
وهي قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 76 – 79].
وقد أخذ المبتدعة أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام بهذه الآيات؛ سيما قول الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، زاعمين أن إبراهيم عليه السلام قد عول على الاستدلال بالتغير على الحدوث ..
وزعم المبتدعة أن الأفول: هو الحركة التي لم يخل الجسم منها ..
وأن قول الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ: دليل – بزعمهم – على نفي أن يكون الله يأفل ويتغير ويزول؛ فيتحرك من مكان إلى مكان ..
وقد ختموا استدلالهم الفاسد هذا، بزعمهم أن الله تعالى صدق خليله عليه السلام في استدلاله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، بقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 83].
فقد بنوا إذا على قصة الخليل عليه السلام:
1 - تصحيح دليل الأعراض، وجعله من الحجج الشرعية – بزعمهم – على إثبات الصانع جل وعلا ..
2 - نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا؛ لئلا يكون الرب تبارك وتعالى محلاً للحوادث؛ فيكون حادثاً – بزعمهم.
3 - نفي الجسمية عن الله جل وعلا؛ لحدوث الأجسام جميعها ..
- والحق أن هذه القصة ليست حجة لهم، بل هي حجة عليهم ..
ومزاعمهم كلها التي بنوها على هذه القصة لا تمت إلى الحقيقة بصلة ..
وبتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: يتضح الردود على استدلالهم بهذه القصة، ويبدو انحرافهم عن الجادة فيما أسسوه عليها بيناً جلياً.
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/ 429
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
المطلب الثالث: الرد الإجمالي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم
يتلخص الرد الإجمالي: على استدلال المبتدعة بقصة الخليل إبراهيم عليه السلام على تصحيح دليلهم، وعلى نفي الصفات الاختيارية عن الله جل وعلا، ونفي أن يكون جسماً، فيما يأتي:1 - إن مبدأ معرفة الأنبياء عليهم السلام لربهم جل وعلا، ولشرائعه تبارك وتعالى تكون عن طريق الوحي، لا بالنظر (1).
يدل على ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52]، وقوله تبارك وتقدس: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: 7]، وغير ذلك من الآيات ..
2 - إن قصة المناظرة كانت بعد بعثة إبراهيم الخليل عليه السلام.
وقد كان الخليل عليه السلام وقتها عارفاً بربه جل وعلا ..
ولم يكن المقام مقام استدلال بالمحدث على المحدث كما زعم المبتدعة، بل كان مقام لقومه، وإبطال لعبادتهم الكواكب من دون الله تعالى …
يدل على ذلك قوله تعالى قبل ذكر قصة المناظرة: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75]، ثم قال بعدها: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: 76] … الآيات.
والفاء للعطف والترتيب ..
وهذا يدل على أن الخليل عليه السلام ناظر قومه، وبين لهم بطلان عبادتهم للكواكب بعد أن رأى ملكوت السموات والأرض، أو بعد مناقشة لأبيه آزر بشأن عدم صلاحية الأصنام للعبادة.
- وهذا الفهم يعضده أمران، هما:
أ- في قول الله تبارك وتعالى: نُرِي: إشارة إلى سبق معرفة إبراهيم بربه جل وعلا، ومعناها: أن الله هو الذي أرى إبراهيم الخليل عليه السلام ملكوت السموات والأرض قبل مناظرته لقومه، لا أن إبراهيم عليه السلام أنشأ استدلالاً فيما بعد ليتوصل إلى إثبات الصانع؛ كزعم المبتدعة ..
ب- في قول الله تعالى: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: إشارة إلى أن اليقين قد حصل لإبراهيم الخليل عليه السلام قبل مناظرته لقومه .. واليقين: هو العلم، وزوال الشك (2).
والذي حصل له العلم بربه، وزال الشك عنه، هل يحتاج على الاستدلال ليتوصل إلى معرفة ربه؟! ..
أم إنه تهيأ لمناظرة قومه، وإقامة الحجة عليهم؟
3 - إن دليل الأعراض وحدوث الأجسام ليس طريقة الخليل عليه السلام، ولا طريقة إخوانه المرسلين عليهم أفضل الصلوات والتسليم ..
فلم يكن نبي من أنبياء الله عليهم السلام يدعو أحداً من أمته على الاستدلال على وجود الله تعالى بالجواهر والأعراض، والحركة والسكون، وغير ذلك من الألفاظ المجملة، والمعاني المبهمة التي ما أنزل الله بها من سلطان ..
بل هذا الدليل، وما يشتمل عليه من طريقة أعداء المرسلين، وطريقة أعداء الخليل عليه السلام بالذات ..
فقد تقدم أن من ابتدع هذا الدليل في الإسلام، تلقاه عن الصابئة المبدلين، وهم أعداء الخليل الذين بعث فيهم صلى الله عليه وسلم حينما عبدوا الكواكب من دون اللهِ، وهم المعنيون بالمناظرة هذه ..
4 - إن الخليل عليه السلام كإخوانه من الأنبياء والمرسلين، لم يكن ينفي عن الله تعالى صفاته، لا بعضها، ولا كلها ..
بل كان مثبتاً للصفات، موقناً أن معبوده جل وعلا متصف بصفات الكمال، منكراً على من عبد من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عن عابديه شيئاً ..--------------------------------------------
(1) انظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (2/ 1).
(2) انظر: ((الصحاح للجوهري)) (6/ 2219).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
فهو – عليه السلام – الذي قال لآبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: 42].
وهو – عليه السلام – الذي قال لقومه يعيب عليهم ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: 72 - 73].
فاحتج على نفي إلهية ما سوى الله بكونهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا ينفعون، ولا يضرون.
وهذه صفات ذاتية بالنظر إلى أصلها، فعلية بالنظر إلى تجدد آحادها ..
وهي حجة على المبتدعة من قول إبراهيم الخليل عليه السلام نفسه الذي استدلوا بقصته على مذهبهم .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما ذكره الله عن إبراهيم – عليه السلام – يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن الله؛ فإن إبراهيم قال: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [إبراهيم: 39]؛ والمراد: أنه يستجيب الدعاء؛ كما يقول المصلي: سمع الله لمن حمده. وإنما يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده لا قبل وجوده؛ كما قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: 1]؛ فهي تجادل وتشتكي حال سمع الله تحاورهما وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة في قوله: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105]، وقال: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: 14]؛ فهذه رؤية مستقلة ونظر مستقل. وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلا عن الرائي السامع باتفاق العقلاء فإذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها. والرؤية والسمع أمر وجودي لا بد له من موصوف يتصف به؛ فإذا كان هو الذي رآها وسمعها، امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية، وأن تكون قائمة بغيره، فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت الأعمال والأقوال. وهذا قطعي لا حيلة فيه" (1).
فالمقصود أن الخليل عليه السلام قد أثبت الصفات الاختيارية لله تعالى، ومنها السمع والبصر ..
وعلى هذا فلا حجة في قول المبتدعة إن ما ورد في قصة مناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه؛ من قوله لما احتجب الكوكب: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76] دليل على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى – بزعمهم.
وتفنيد استدلالهم هذا سيأتي بشكل أوسع في المطلب الثاني التفصيلي – إن شاء الله.
5 - إن الخليل عليه السلام لو قصد الاستدلال بالأعراض على نحو استدلال المتكلمين، لما قال: هَذَا رَبِّي أولاً، ولما فرق بين النجم والشمس والقمر، ولكان دليله على حدوث النجم يدل بعينه على حدوث سائر الأجسام؛ لأنه يكون قد أقام الحجة على الخصم بحدوث الأجسام حين أبطل ربوبية النجم ..
فلم أعاد الاستدلال عند رؤية القمر، ثم أعاده ثالثة عند رؤية الشمس؟
6 - إن استدلال المبتدعة بقول الله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 83] على تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وشرعيته؛ بزعمهم أن الله تعالى في هذه الآية قد صدق خليله عليه السلام في استدلاله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام: مجانب للصواب.
فالله تعالى قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، ولم يقل على نفسه ..--------------------------------------------
(1) ((رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية – ضمن جامع الرسائل)) (2/ 54 - 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت بين إبراهيم عليه السلام، وقومه؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن يطلب إبراهيم عليه السلام المعرفة لنفسه."ولهذا قال الخليل في تمام الكلام: إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 78 – 79]. فقوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: يبين أنه إنما يعبد الله وحده، فله يوجه وجهه؛ فإنه إذا توجه قصده إليه، تبع قصده وجهه؛ فالوجه موجه حيث توجه القلب؛ فصار قلبه ووجهه متوجهاً إلى الله تعالى ولهذا قال: وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع؛ فإن هذا كان معلوماً عند قومه، لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السموات والأرض، وإنما كان النزاع في عبادة غير الله واتخاذه رباً" (1).
"فعلم مما تقدم أن الخليل عليه السلام لم يكن مستدلاً بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على إثبات الصانع، بل كان محاججاً لقومه، منكراً عليهم عبادتهم الكواكب من دون الله تعالى.
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/ 431--------------------------------------------
(1) ((رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية – ضمن جامع الرسائل)) (2/ 52، 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
المطلب الرابع: الرد التفصيلي على استدلال المبتدعة بقصة إبراهيم الخليل عليه السلام على مذهبهم
هذه القصة التي قصها الله تبارك وتعالى علينا من أحسن القصص؛ كما قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3].
وفيها أحسن مناظرة وأبينها … قص الله علينا كيف أظهر حجة خليله، ودحض حجة أعدائه؛ فبين بطلان إلهية ما يعبدون من كواكب، ونجوم، وشمس، وقمر: بأفول ذلك، واحتجابه ..
وقد أخبر الخليل عليه السلام قومه في هذه المناظرة أن الإله الحق لا يليق به أن يغيب ويحتجب، بل لابد أن يكون شاهداً غير غائب، ككونه غالباً قاهراً غير مغلوب ولا مقهور، نافعاً لعباده، يملك لعباده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه ما يؤذيه ويضره.
وذلك ليس إلا لله وحده، المعبود بحق، وكل معبود سواه باطل .. - فهذه القصة التي قصها الله تعالى علينا في كتابه الكريم من أعظم سبل الاعتبار لتحقيق التوحيد (1).
وقد ضل في هذه القصة – كما تقدم – طوائف من المتكلمين؛ من جهمية، ومعتزلة وأشعرية، وماتريدية، وغيرهم. وأصل ضلالتهم (2):
1 - أنهم اعتقدوا أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لما قال: هَذَا رَبِّي: عن الكوكب، والقمر، والشمس، أراد أن هذا هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه رب العالمين.
ومرادهم من ذلك تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عندهم؛ لأن الخليل بزعمهم استدل بحركة الكواكب، وتغيرها على حدوثها، وبالتالي على وجود المحدث لها؛ لأن كل محدث لابد له من محدث ..
2 - أنهم اعتقدوا أن الخليل عليه السلام بقوله: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 76] قد استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
ومرادهم من ذلك نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ لأنها حوادث، وما قامت به الحوادث كان محلاً لها، وما كان محلاً للحوادث فهو حادث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 2/ 438--------------------------------------------
(1) انظر: ((بغية المرتاد)) لابن تيمية (ص: 358).
(2) انظر: ((بغية المرتاد)) لابن تيمية (ص: 359). و ((منهاج السنة النبوية)) له (2/ 193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)