المطلب الثالث: نقد مفهوم العادة
قال ابن رشد: (فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى إلا أنه فعل وضعي مثل ما نقول: جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا يريد أنه يفعله في الأكثر، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية ولم يكن هناك حكمة أصلاً من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم)، ويبين ابن رشد استخدامات هذا اللفظ ما يجوز منها وما لا يجوز فيقول: ( .. ومحال أن يكون لله تعالى-عادة، فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل، توجب تكرر الفعل منه على الأكثر) ولكن يجوز بدلاً من كلمة العادة بالنسبة لله أن يستخدم كلمة (السنة) فيقول: ( .. والله عز وجل يقول: (ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلاً) فهو يرى أن كلمة السنة بالنسبة لله لا تتبدل ولا تتحول أبدًا ودائمًا، أما (كلمة عادة) فإنها لم تطلق على الله في الكتاب ولا في السنة وهي لا تفيد إلا الأكثر وتدل على الملكة المكتسبة وكل ذلك لا يليق بالله سبحانه.
ويؤيد ابن حزم هذا المعنى السابق بقوله: ( .. وهذا المذهب الفاسد حداهم على أن سموا ما تأتي به الأنبياء من الآيات المعجزات خرق العادة لأنهم جعلوا امتناع شق القمر، وشق البحر وسائر معجزاتهم إنما هي عادات فقط فمعاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجاز أصلاً لأن العادة في لغة العرب الدأب والدين والديدن ألفاظ مترادفة على معنى واحد في أكثر استعمال الإنسان له مما لا يؤمن تركه إياه ولا ينكر زواله عنه بل هو ممكن وجود غيره ومثله بخلاف الطبيعة التي الخروج عنها ممتنع .. )
وعلى هذا لا يصح أن يطلق على خلق الله للأشياء والمسببات عادة، وكذلك على الأثر الطبائعي لأن أثرها يبقى مستمرًا ما بقيت هي ولهذا يتساءل ابن رشد عن معنى عقيدة العادة فيقول: ( .. فما أدري ما يريدون باسم العادة؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل أو عادة الموجودات) ويخلص إلى نتيجة مفادها ( .. وإن أرادوا أنها عادة الموجودات فالعادة لا تكون إلا لذي النفس، وإن كانت في غير ذي النفس فهي في الحقيقة طبيعية) وهذا تفريق منه بين العادة والطبع فالعادة في كل ذي نفس، والطبع في كل ذي غير نفس وإن كان يلحق أيضًا بكل ذي نفس (وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات هذه العادة ليست شيئًا أكثر من فعل العقل الذي يقتضية طبعه وبه صار العقل عقلاً) فكأن عادة العقل هي طبعه وهو الفعل الصادر عنه وهو الذي أطلق عليه الأشاعرة العادة واعتبروه جائزًا لا ضروريًا واعتبره غيرهم ضروريًا واجبًا وهو الأثر الذي يتركه السبب في مسببه وهي السببية.
ومن هنا يتضح لنا خطورة استخدام كلمات معينة لم تأت في الشريعة ومنحها مفهومًا عقديًا؛ ثم الحكم على مَنْ خالف في هذا المفهوم. وقد يقال: لا مشاحة في الاصطلاح. ولكن إذا فهم المعنى، تقلصت الفتنة وخاصة في مجال الدين والاعتقاد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 98)
المطلب الرابع: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد
يقول ابن رشد: (والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغالب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى)
ولا يخفى أن أقوى الأدلة التي استدلت بها الأشعرية على وجود الله وإثبات صفاته هو قياس الغائب على الشاهد يقول الإيجي: (احتج الأشاعرة بوجوه، الأول: ما اعتمد عليه القدماء، وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا). فقولهم: لعقيدة العادة يبطل عليهم أدلتهم في معرفة الله ويقول ابن القيم: ( .. ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد ناقصة لا يتم إلا بإنكار الأسباب).
فكيف إذا حكم على مثبت الأسباب بالكفر والضلال وهو موحد مؤمن!! ويقول ابن تيمية: ( .. ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي، كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها) بل يعتبر ابن القيم وغيره عقيدة العادة عند الأشاعرة داعية لإساءة الظن بالتوحيد، وتسليطًا لأعداء الرسل على ما جاءوا به (إن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبز لا يشبع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا بكذا وقالت: هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة الظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به كما تراه عيانًا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان) وقد صدق ابن القيم فانظر إلى ما يقوله الدهريون الملحدون في زماننا في هذا النص الذي ينسبونه إلى الدين: (جميع الآراء الأخرى أو بالأحرى أي اتجاه فلسفي آخر، في مسألة السببية وإنكار القوانين الوضعية والسببية والضرورية في الطبيعة، تنتسب إلى الاتجاه الإيماني .. ذلك أن من الواضح حقًا أن الاتجاه الذاتي في مسألة السببية واستنباط نظام الطبيعة وقوانينها، ليس من العالم الموضوعي الخارجي، بل من الشعور والعقل والمنطق .. ).
مع العلم أن الدين الإسلامي لا يخاصم العلوم ولا يمنع من البحث في الطبيعة والتعرف على سنن الله فيها، فهل يستطيع أحد أن يقول: إن القرآن ينكر الجاذبية الأرضية مثلاً أو سائر قوانين السببية التي ما هي إلا آيات تدل على منتهى الحكمة والدقة والنظام ولهذا رد ابن سينا على الطبائعيين الذين ينكرون السبب الأول، ويجعلون الطبائع هي الأولى والآخرة في الإبداع والخلق والتأثير ( .. إن المواد للأجسام العالمية صنفان، صنف يختص بالتهيؤ لقبول صورة واحدة لا ضد لها، فيكون حدوثها على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من شيء آخر وفقدها على سبيل الفناء لا سبيل الفساد إلى شيء آخر وإلى هذا يرجع قول الحكيم في كتبه إن السماء غير مكونة من شيء ولا فاسدة إلى شيء لأنها لا ضد لها لكن العامة من المتفلسفة صرفوا هذا القول إلى غير معناه فأمعنوا في الإلحاد والقول بقدم العالم فهذا صنف، وخصوه باسم الأثير، والصنف الثاني صنف مهيأ لقبول الصورة المتضادة فيتكون تارة هذا بالفعل وذلك بالقوة وتارة بالعكس وسموه العنصر فجعلوا الأجسام أثيرية وعنصرية).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 99)
ويقول الدكتور حسام الألوسي: (ويلوم (ابن سينا) الجُهال من الطبيعيين لأنهم يفتشون عن أصل هذه الطبيعة، ويردونها إلى العناصر المكونة (للسقمونيا) مع أنها لا علة لها في العناصر ولو سئلوا عنه لقالوا: لأن النار حارة ثم السؤال لازم في أن الحار لم يفعل هذا فيكون منتهى الجواب الطبيعي أن يقال: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل هذا الفعل، ثم إن سئلوا بعد هذا لِمَ كان هذا الجسم حارًا دون البارد لم يكن جوابهم إلا الجواب الإلهي إن إرادة الصانع هكذا اقتضت)
وبهذا فإنه يتبين أنه لا حجة للطبائعيين في رد الشيء إلى نفسه بل لا بد له من مبدع أبدعه فصيره من العدم إلى الوجود وأن الآثار الظاهرة للعيان تتسلسل حتى تعود إلى المؤثر الأول كما يقول ابن القيم: ( .. وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا، حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب) فالشيء لا يتحول بذاته إلى شيء آخر (وهي أن استمرار العادة مهما طال، لا يتحول بذاته، دون أي إضافة أخرى إليه، إلى قانون حتمي، وذلك هو الشأن فيما يتعلق بعلاقات أشياء الطبيعة بعضها ببعض)
وأخيرًا: فإن القول بعقيدة العادة شأنه أن يخل بالنظام الكوني الذي يدل على وجود الخالق المبدع يقول ابن رشد: (وأما الذي قاد المتكلمين من الأشعرية إلى هذا القول فهو الهروب من القول بفعل الطبيعة التي ركبها الله تعالى في الموجودات التي ها هنا، كما ركب فيها النفوس وغير ذلك من الأسباب المؤثرة، فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول بأن ها هنا أسبابًا فاعلة غير الله، وهيهات! إذا كان مخترع الأسباب! وكونها أسبابًا مؤثرة، هو بإذنه وحفظه
وقال: ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الأحكام، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصانع بجحده جزءًا من موجودات الله .. )
وناقش ابن رشد الأشاعرة في القضية السابقة قائلاً (ولو علموا .. أنه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم وإلا كان النظام فيها بالاتفاق، لما احتاجوا أن ينكروا أفعال الطبيعة .. ) بمعنى (لو رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن ها هنا شيء يُرد به على القائلين بالاتفاق، أعني الذين يقولون لا صانع ها هنا).
عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن
يقول ابن القيم: (أنه -سبحانه- ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: 105] وقوله: بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: 39] وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وكل موضع مرتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببًا له كقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ [المائدة:38] .. وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء وهو أكبر من أن يستوعب وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلاً لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطرة)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 100)
وفي بيان واضح للذين منعوا من إجراء (باء) السببية في بابها وقالوا: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) فمنعوا أن يكون ماء السماء سببًَا في إنبات العشب كما بين القرآن في قوله تعالى: وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:164] وقوله سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة:14] ومثل هذا في القرآن كثير، ومنعوا إجراء اللغة بإطلاق باء السببية ولهذا قال ابن تيمية: (تكلم قومٌ من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم) ويذكر ابن تيمية أيضًا ما يلزم القائلين بإنكار الأسباب والطبائع من شنائع أنهم يسوون بين المختلفات ويخالفون القرآن يقول: ( .. وكذلك أيضًا لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسبابًا وقوى وطبائع ويقولون إن الله يفعل عندها لا بها فليلزم أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز .. وأما أئمة السنة وجمهورهم فيقولون ما دل عليه الشرع والعقل، قال تعالى: (فسقناه إلى بلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) سورة الأعراف: 57، وقال: (فأحيا به الأرض بعد موتها) البقرة: 164، النحل: 65، الجاثية: 5) وقال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه) المائدة: 16، وقال: (يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا) البقرة: 26 إلى أن قال: ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يخبر الله تعالى أنه يحدث الحوادث بالأسباب، وكذلك دل الكتاب والسنة على إثبات القوى والطبائع التي جعلها الله في الحيوان .. ) وهذا الإلغاء للسببية هو إلغاء للقوانين العلمية بل تعطيل لذاتية الأشياء بعد أن كان تعطيلاً لتوحيد الرب وهذه الجناية العظيمة تكبر وتتضخم حينما تنسب إلى القرآن والقرآن لا يقرها بل يقر خلافها. وهناك فرق كبير بين قولنا فعلت به وفعلت عنده كما يقول ابن تومرت (الأصل يثبت به الحكم والأمارة يثبت عندها الحكم، وبين يثبت به ويثبت عنده ما بين السماء والأرض)، ولهذا فإن القرآن الكريم عبر عن الباء في محلها وبـ (عند) في محلها. فكيف يجوز أن تلغي (الباء) عن عملها في محلها ونستبدل (عند) وهي ليست مثلها ولا تعمل عملها، وجرب بوضع (عند) في محل (الباء) في الآيات السابقة وانظر كيف سيكون الحال فلا شك أن بين (الباء) و (عند) ما بين السماء والأرض، وهكذا تُطوع اللغة لتتمشى مع الآراء وكان الأولى أن تصحح الآراء وتصقل بالرجوع إلى أصل اللغة.
عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف الصالح
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 101)
يقول السفاريني: ( .. وأما مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله تعالى ينبت النبات بالماء، وأن الله يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا لفظًا ومعنى، ولكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها والله تعالى خالق السبب والمسبب) فالسلف يثبتون فاعلية لقدرة الإنسان، وأثرًا للأسباب الطبيعية ولكن يشترطون عدم استقلالية الفاعلية والأثر وهذا هو ظاهر القرآن الذي أثبت للإنسان فعلاً، وللماء أثرًا وهكذا والجميع في النهاية يكون بخلق الله، فالخلق يتم في بعض صوره بوسائط هي قوى أودعها الله في مخلوقاته، فهو يخلق الأسباب ببعضها. يقول ابن تيمية: (والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدورًا، حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدور بالسبب وليس مقدورًا بدون السبب .. ودلل على ذلك بالأدلة) ومعنى ذلك أنه لا غنى للأسباب عن المسببات ولا المسببات في غنى عن الأسباب، لكن الأسباب ليست علة تامة تستقل بإحداث المسببات ( .. ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء وحده علة تامة وسببًا تامًا للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا لمشيئة الله خاصة). وهذا هو الإنصاف الذي جاء به القرآن في نسبة الفعل والإحداث، فهو لم يغلُ في نسبته إلى الطبيعة بإنكار صنع الإله الحق كما أنه لم يقض على ما يشاهده الناس بعيونهم ويجربونه بأنفسهم بإلغاء أثر القوى الكامنة في الطبيعة فأثبت الجميع وقال للإنسان: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) الإنسان: 30، أي لا يتحقق لك صنع وعمل باستقلال حتى أشاء أنا (وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 102)
وقال العلامة محمد بن علي بن سلوم: (ومذهب سلف الأمة وأئمتها من جمهور أهل السنة يقولون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا .. ) وينقل لنا السفاريني أدلة من القرآن يشرح ما فيها من المعاني (فالحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار كما قال الله تعالى: (هذا من عمل الشيطان) وقال (وما أنسانيه إلا الشيطان) مع قوله: (كل من عند الله) وأخبر أن العباد يفعلون ويصنعون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون وأن العبد فاعل لفعله حقيقة فقولهم: في خلق فعل العبد بإرادته وقدرته كقولهم في خلق سائر الحوادث بأسبابها، وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه وفعل العبد من جملة الحوادث والحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة إن الله تعالى خلق قدرة الإنسان وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله والله سبحانه جعله فاعلاً له محدثًا له) وقوله إن محققي السنة يقولون بما يقول به السلف فهذا حق ولهذا جاء في كتب الأشاعرة المحققة قول العلامة الشيخ إبراهيم المذاري: ( .. ما يدل على أن الأشعري إنما نفى الاستقلال لا أصل التأثير بإذن الله تعالى .. ما هو المعتمد في معتقده الموافق للكتاب والسنة وأن إمام الحرمين فيما ذكره في النظامية موافق للأشعري في التحقيق المعتمد عنده في (الإبانة) .. وقال أيضًا: فإن هذا الكلام من الشيخ الأشعري صريح في وقوع الفعل بقدرة محدثة والوقوع فرع التأثير غاية الأمر أنه لم يطلق على العبد أنه خالق أدبًا فهو كما قال إمام الحرمين واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق لأعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه السلف) وقد قال الجويني تصريحًا لا تلميحًا بأثر قدرة العبد فقال: (ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون .. ) فهل هذا الحكم من الجويني يلزم كل من أنكر أثر الأسباب وقد نقل السفاريني عن محققي أهل السنة الاتفاق في هذه المسألة فقال: ( .. وإنما ذكرت لك أقاويل هؤلاء-أي المحققون من علماء الأشاعرة- مع أن عمدة المعتقد عندنا الغير المنتقد في عقدنا مذهب السلف المقرر على الوجه المرضي المحرر لتعلم أن محققي الأشاعرة لهم موافقة على حقيقة مذهب السلف والإغضاء عما ينمقه الخلف) والذي يرجع إلى التحقيق في هذه المسألة يجد أن لمحققي الأشاعرة قولين أو فهمين، فالجويني له رأي في (الإرشاد) متقدم يقول فيه بعدم تأثير قدرة الإنسان وخالفه في آخر كُتبه وقال بأن لها تأثيرًا ونصه: ( .. قدرة العبد مخلوقة لله تبارك وتعالى باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا ولكنه مضاف إلى الله تبارك وتعالى تقديرًا وخلقًا) وما ذهب إليه الإمام الجويني لم يرق للشهرستاني فادعى أنه ليس مذهبًا للإسلاميين بل جاء به من عند الفلاسفة (وهذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض الكلام .. إلى أن قال: ومن العجب أن مأخذ كلام الإمام أبي المعالي إذا كان بهذه المثابة فكيف يمن إضافة الفعل إلى الأسباب حقيقة).
والحق أن ما ذهب إليه الجويني ليس بدعًا من القول ولا جيء به من مصدر بعيد، بل هو ما قال به السلف والمحققون من أهل السنة وهو ظاهر القرآن ومعناه.
وبهذا يتبين خطأ البغدادي حينما زعم أن الإجماع قام على أن الأجسام لا تختلف بالطبائع وخطأ حكمه الذي رتبه على ذلك وهو الضلال. بل العكس هو الصحيح أن السلف ومحققي أهل السنة كأبي الحسن الأشعري والإمام الجويني اتفقوا على ما نص عليه ظاهر القرآن وإن اختلف النقل عنهم أحيانًا كما بيناه وهو ما توصل إليه البوطي وهو يعلق على كلام الغزالي في نص له يُسلم بوجود قوى كامنة في الأشياء (وتحليل الغزالي هذا أقرب إلى الانسجام مع التعليلات العلمية لظواهر الأشياء وتكويناتها .. وختمه بقوله: إلا أنه أبعد عن مسلك الجمهور وما اتفق عليه)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 103)
المطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم
ولما كان هذا النظام قائمًا على قانون السببية أو القوانين الطبيعية فإن إبطال الأسباب وإنكار الطبائع قتل لهذا النظام، وتجهيل له، وقلب للنظام العلمي فيه، يقول ابن رشد: ( .. وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها، فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له، فإنه يلزم أن لا يكون ههنا شيء معلوم أصلاً) ويشرح ابن رشد قوله السابق ويقول: ( .. والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسباب وبه يفترق عن سائر القوى المدركة فمن دفع الأسباب فقد رفع العقل) ويحكم ابن رشد على من أنكر الأسباب والطبائع بأنه ألغى الفوارق بين الأشياء وجعلها شيئًا واحدًا ومن ثم لا حدود ولا فواصل بين الأشياء وكفى بهذا إبطالاً للوجود وللعلم يقول: ( .. فماذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجودات إلا بفهمها، فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بوجود موجود وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها فلو لم تكن لوجود موجود فعل يخصه، لم يكن له طبيعة تخصه، ولو لم تكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد وكانت الأشياء كلها شيئًا واحدًا، ولا شيئًا واحدًا ارتفعت طبيعة الموجود، إذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم) وفي هذا الكلام رد على الأشعرية القائلين بأن لا طبائع ولا أسباب بل يذكر بعضهم أن أهل السنة مجمعون على تضليل من قال أن الموجودات تختلف بالطبائع فإذا لم يكن كذلك فبماذا تختلف؟ ويقول العامري:
(والذي حمل هذه الفرقة المختلفة على ارتكاب هذه الأقوال المخترعة هو عجزهم عن الروية في واحد من المعاني الطبيعية، وضعفهم عن التفكير في جبلته والتعرف بخصائص قواه، فأقدموا على جحد الحقائق كلها)
ويقول المفكر سليمان دنيا في تعليقه على إنكار الأشعرية لقوانين السببية وحتميتها: ( .. ولكن إلغاء السبب معناه القضاء على العلم والقوانين العلمية، وإغلاق باب التكهن بالمستقبل وترتيب المسببات على أسبابها، وتلك إحدى النتائج الخطيرة التي انتهى إليها (هيوم) في نقده وتحليله) وتتركز هذه الخطورة حينما تنسب إلى الدين أو تجعل أساسًا صالحاً للبرهنة على صحة التوحيد، والأمر خلاف ذلك.
المصدر:عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص 28
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 104)
المطلب السادس: الأسباب والمسببات عند الأشاعرة وعلاقتها بأفعال الله
الأشاعرة يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، بمعنى أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، فمثلاً إذا لاقت النار شيئاً قابلاً للاحتراق فاحترق، فيقولون إن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئاً، وإنما المؤثر هو الله وحده!، وقالوا هذا القول لأمرين: الأول: إثبات تأثير الأسباب في مسبباتها يفضي إلى القول بوجود شريك مع الله يؤثر في الأفعال، والله عز وجل هو المؤثر وحده (1)! الثاني: إن إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات يفضي إلى إنكار النبوات الثابتة بمعجزات الرسل، وهي خوارق مخالفة للعادة، فلو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، وهذا يؤدي إلى إنكار النبوات (2).
فالجواب: إن القرآن مملوء بذكر الأسباب وربطها بمسبباتها، وقد تقدمت الأدلة على ذلك في الفصل الخاص بأهل السنة والجماعة.
وأما الجواب عن الأمر الأول الذي ذكروه فإنه لا يلزم ذلك، لأن أهل السنة عندما قالوا ذلك، شرطوا وجود المعاون المشارك، وانتفاء الموانع، وربط ذلك بمشيئة الله، مع القول بأن الأسباب والمسببات مخلوقة لله تعالى فلا يتوجه إليهم هذا المحذور. وأما جواب الأمر الثاني، فإن أهل السنة ذكروا بأن الأسباب خلق لله تعالى تتعلق بها مشيئته وقدرته، فلو شاء ألا تؤثر ما أثرت، ولذلك فإن قول الأشاعرة: لو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، قول ليس بلازم ولا صحيح، وقد مضى ذكر الأدلة الدالة على وجود هذا التختلف إذا شاء الله، وإنه ليشاؤها عند إثبات النبوات وغير ذلك، فلا ينسد طريق إثبات النبوات.
ولو قلب شخص عليهم استدلالهم لكان أقرب من إيرادهم وهو: لو كان التلازم عادياً فما وجه إفادة آيات الأنبياء للتعجيز.؟!
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/ 344
قالوا كلهم: من قال إن النار تحرق أو تلفح وإن الأرض تهتز أو تنبت شيئا وإن الخمر يسكر أو أن الخبز يشبع، أو أن الماء يروي، أو أن الله تعالى ينبت الزرع والشجر بالماء فقد ألحد وافترى.
وقال الباقلاني من آخر السفر الرابع من كتابه المعروف بـ (الانتصار في القرآن): نحن ننكر فعل النار للتسخين والاحتراق وننكر فعل الثلج للتبريد وفعل الطعام والشراب للشبع والري والخمر للإسكار: كل هذا عندنا باطل محال ننكره أشد الإنكار، وكذلك فعل الحجر لجذب الشيء أو رده أو حبسه أو إطلاقه من حديد أو غيره.
قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله عز وجل إذ يقول تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [المؤمنون: 104] ولقوله تعالى وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 9] وقوله تعالى أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ [السجدة: 27] .. وقوله تعالى فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5].وقد صككت بهذا وجه بعض مقدميهم في المناظرة فدهش وبلد، وهو أيضا تكذيب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كل مسكر حرام)) (3) ((وكل شراب أسكر حرام)) (4) مع مخالفتهم لكل لغة ولكل ذي حس من مسلم وكافر، ومكابرة العيان وإبطال المشاهدة.--------------------------------------------
(1) انظر ((تحفة المريد)) (ص: 98 - 99) و ((السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي!!.)) للبوطي (ص: 175).
(2) انظر ((تحفة المريد)) (ص: 98 - 99).
(3) رواه البخاري (7172) ومسلم (1733).
(4) رواه البخاري (242) ومسلم (2001).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 105)
ثم أظرف شيئ احتجاجهم في هذه الطامة بأن الله عز وجل هو الذي خلق ذلك كله.
فقلنا لهم: أوليس فعل كل حي مختار واختياره خلقا لله عز وجل؟ فلابد من قولهم نعم.
فيقال لهم فمن أين نسبتم الفعل إلى الأحياء وهي خلق الله تعالى ومنعتم من نسبة الفعل إلى الجمادات لأنه خلق الله تعالى ولا فرق، ولكنهم قوم لا يعقلون (الفصل 4/ 218).
قال أبو محمد: وسمعت بعض مقدميهم يقول: إن من كان على معاصي خمسة من زني وسرقة وترك صلاة وتضييع زكاة وغير ذلك ثم تاب عن بعضها دون بعض فإن توبته تلك لا تقبل.
وقد نص السمناني على أن هذا قول الباقلاني هو قول أبي هاشم الجبائي، ثم قال السمناني هذا قول خارق للإجماع جملة وخلاف لدين الأمة.
هذا نص قول السمناني في شيخه وشهدوا على أنفسهم وأقبل بعضهم على بعض يتلازمون "الفصل 4/ 218".
قال أبو محمد: هذا القول مخالف للقرآن والسنن لأن الله تعالى يقول فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7 - 8] وقال تعالى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: 47] وقال تعالى: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى [آل عمران: 195] وبالضرورة يدري كل ذي مسكة من عقل أن التوبة من الزنا خير كثير فهذا الجاهل يقول إنه لا يراه صاحبه وأنه عمل ضائع عند الله عز وجل من مسلم مؤمن. ومعاذ الله من هذا.
وسر هذا القول المعلون وحقيقته التي لابد لقائله منه أنه لا معنى لمن أصر على الزنا أو شرب الخمر في أن يصلي ولا أن يزكي فقد صار يؤمر بترك الصلاة الخمس والزكاة وصوم رمضان والحج.
فعلى هذا القول وقائله لعائن الله تتري مادار الليل والنهار ونص السمناني عن الباقلاني شيخه أنه كان يقول أن الله تعالى لا يغفر الصغائر باجتناب الكبائر.
المصدر:موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 73
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 106)
المبحث الثامن: نقد موقف الأشاعرة من الخوارق والمعجزات
ذهب قوم إلى أن السحر قلب للأعيان وإحالة للطبائع وأنهم يرون أعين الناس ما لا يرى، وأجازوا للصالحين على سبيل كرامة الله عز وجل لهم اختراع الأجسام وقلب الأعيان وجميع إحالة الطبائع وكل معجز للأنبياء عليهم السلام.
ورأيت لمحمد بن الطيب الباقلاني:
أن الساحر يمشي على الماء على الحقيقة وفي الهواء ويقلب الإنسان حماراً على الحقيقة.
وأن كل هذا موجود من الصالحين على سبيل الكرامة.
وأنه لا فرق بين آيات الأنبياء وبين ما يظهر من الإنسان الفاضل ومن الساحر أصلا إلا بالتحدي، فإن النبي يتحدى الناس بأن يأتوا بمثل ما جاء هو به فلا يقدر أحد على ذلك قط.
وأن كل ما لم يتحد به النبي صلى الله عليه وسلم الناس فليست آية له.
وقطع بأن الله تعالى لا يقدر على إظهار آية على لسان متنبئ كاذب.
وذهب أهل الحق إلى أنه لا يقلب أحد عيناً ولا يحيل طبيعة إلا الله عز وجل لأنبيائه فقط، سواء تحدوا بذلك أو لم يتحدوا … وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره "الفصل 5/ 2".
فلا يجوز البتة وجود ذلك لا من ساحر ولا من صالح بوجه من الوجوه، لأنه لم يقم برهان بوجود ذلك، ولا صح به نقل، وهو ممتنع في العقل كما قدمنا، ولو كان ذلك ممكناً لاستوى الممتنع والممكن والواجب وبطلت الحقائق كلها، وأمكن كل ممتنع ومن لحق هاهنا بالسوفسطائية على الحقيقة.
ونسأل من جوز ذلك للساحر والفاضل هل يجوز لكل أحد غير هذين، أم لا يجوز إلا لهذين فقط؟
فإن قال: إن ذلك للساحر والفاضل فقط، وهذا هو قولهم سألناهم عن الفرق بين هذين وبين سائر الناس. ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هؤلاء وبين غيرهم إلا بالدعوى التي لا يعجز عنها أحد.
وإن قالوا إن ذلك جائز أيضاً لغير الساحر والفاضل لحقوا بالسوفسطائية حقاً، ولم يثبتوا حقيقة، وجاز تصديق من يدعي أنه يصعد إلى السماء ويرى الملائكة وأنه يكلم الطير ويجتبي من شجر الخروب التمر والعناب.
وإن رجالا حملوا وولدوا، وسائر التخليط الذي من صار إليه وجب أن يعمل بها هو أهله إن أمكن، أو أن يعرض عنه لجنونه وقلة حياته.
قال أبو محمد: لا فرق بين من ادعى شيئاً مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:
فردت علينا الشمس والليل راغم … بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى … لهجتها فوق السماء المرجع
فو الله ما أدري على بدالنا … فردت له أم كان في القوم يوشع
وكذلك دعوى النصارى لرهبانهم وقدمائهم: فإنهم يدعون لهم من قلب الأعيان أضعاف ما يدعيه. وكذلك دعوى اليهود لأحبارهم ورؤوس المثايب عندهم أن رجلا منهم رحل من بغداد إلى قرطبة في يوم واحد وأنه أثبت قرنين في رأس رجل مسلم من بني الإسكندراني كانوا أقواماً أشرافاً معروفين لم يعرف لأحد منهم شيء من هذا والحماقة لا حد لها وهذا برهان كاف لمن نصح نفسه "الفصل 5/ 3".
ما ذكره الباقلاني من التحدي باطل من وجوه أحدها أن اشتراط التحدي في كون آية النبي آية، دعوى كاذبة سخيفة لا دليل على صحتها لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قول صاحب ولا من حجة عقل ولا قال بهذا أحد قط قبل هذه الفرقة الضعيفة وما كان هكذا فهو في غاية السقوط والهجنة، قال الله عز وجل قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111] "الفصل 5/ 7".
المصدر:موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 88
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 107)
المطلب الأول: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه:
يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة، والقرون المفضلة. فقد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]؛ "فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع والضلالة" (1).
ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي:
فمن ورد عنه ذلك:
- أيوب السختياني (68 - 131هـ):فقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي" وقال أيضاً: "إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة" (2).
- سفيان الثوري "ت 161هـ":قال: "استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء". وقال: "ما أقل أهل السنة والجماعة" (3).
- الفضيل بن عياض "ت 187هـ":قال: "أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل" (4).
- أبو عبيد القاسم بن سلام "157 - 224هـ":قال في مقدمة كتاب (الإيمان) له: " … فإنك كنت تسألني عن الإيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك … " (5).
- الإمام أحمد بن حنبل "164 – 241هـ":قال في مقدمة كتاب (السنة) له: " … هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا … " (6).
- الإمام ابن جرير الطبري "ت 310هـ":قال: "وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" (7).
- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي "239 – 321هـ":قال في مقدمة عقيدته المشهورة: " … هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة … " (8).--------------------------------------------
(1) اللالكائي، ((شرح أصول أهل السنة)) (1/ 72)، والبغوي، ((معالم التنزيل)) (1/ 339)، وابن كثير، ((التفسير)) (2/ 72).
(2) اللالكائي، ((شرح أصول أهل السنة)) (1/ 60 - 61.)
(3) اللالكائي، ((شرح أصول أهل السنة)) (1/ 64).
(4) ابن جرير الطبري: ((تهذيب الآثار)) بتحقيق د. ناصر سعد الرشيد، وعبد القيوم عبد رب النبي، ط.: مطابع الصفا – مكة، على نفقة الأمير فهد بن عبدالعزيز، 1402هـ" (2/ 182).
(5) ((الإيمان)) (ص: 53) ضمن كتاب من كنوز السنة – رسائل أربع، "بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني".
(6) ((السنة)) (ص: 33 - 34)، مع كتاب الرد على الجهمية له، ط. عيسى الحلبي.
(7) ((صريح السنة)). له، "بتحقيق وتعليق بدر بن يوسف المعتوق، ط. الأولى 1405هـ، نشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي"، (ص: 20).
(8) ((عقيدة أهل السنة والجماعة)) (ص: 5)، "بتعليق ابن مانع، نشر: مكتبة دار المطبوعات الحديثة – جدة".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 108)
وبهذه النقول يتضح لنا جلياً أن لفظ "أهل السنة" معروف عند السلف متداول بينهم، أطلقوه في مقابل "أهل البدع" وألّفوا في بيان عقيدة أهل السنة، وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحمد والإمام الطحاوي وغيرهم. وفي هذا رد على من زعم أن لقب "أهل السنة" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة إذ يقول في كتابه (إسلام بلا مذاهب): " … وهكذا نجد أن لقب "أهل السنة" أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس … " (1).
ولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء أئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟ ثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: " … وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون" (2).
على أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ"أهل السنة" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة، إذ يقول: "إن المأمون وهو على أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة 218هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتاباً يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضائها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن. قال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سباً وتطاولاً على علماء المسلمين من أهل السنة … " (3) اهـ.
إذن كان هناك أهل سنة يدافعون عن عقيدتهم في القرآن، ويردون على من قال بخلقه، يعرفون بأنهم "أهل السنة".
فكيف يقال: أن هذا اللقب أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة؟ أم كيف يقال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري؟
على أن الأشاعرة السابق منهم واللاحق لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم الأستاذ الشكعة. فهذا الإمام البيهقي "571هـ" يقول عن الإمام الأشعري: "فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة إلى مذاهب أهل السنة والجماعة" (4)، فإذاً أهل السنة والجماعة موجودون معروفون بهذا اللقب والأشعري بعد أن ترك الاعتزال رجع إلى مذهبهم، على تفصيل في أحوال الأشعري ليس هذا مكان ذكره.
ويقول د. علي سامي النشار من الأشاعرة المعاصرين:" … لقد شهد القرن الثالث حركة كلامية كبرى حمل لواءها "أهل الحديث" … ثم ذكر كتب: خلق أفعال العباد، والاختلاف في اللفظ، وكتب الدارمي، قال: وتبين هذه الكتب ظهور الاتجاه الكلامي لدى أصحاب الحديث، وأن أصحاب الحديث وجدوا كفرقة مقابلة للجهمية وللمعتزلة، وللخوارج، وأنهم سموا باسم "أهل الحديث وأهل السنة" (5).
ويقول الأستاذ أحمد أمين: "واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكى لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري. ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة اطلع أيضاً على مذاهب أهل السنة، وتردد كثيراً في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة وخروجه على المعتزلة" (6).--------------------------------------------
(1) ((إسلام بلا مذاهب)) (ص: 496)، ط. شركة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
(2) ((إسلام بلا مذاهب)) (ص: 381)، ط. شركة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
(3) ((إسلام بلا مذاهب)) (ص: 472)، ط. شركة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
(4) انظر: ابن عساكر أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، ((تبيين كذب المفتري))، "نشر دار الفكر، ط. الثانية 1399هـ"، (ص: 43).
(5) انظر: كتابه ((نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)) (1/ 261).
(6) انظر كتابه: ((ظهر الإسلام)) (4/ 96).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 109)
المطلب الثاني: معنى أهل السنة أهل الشيء هم أخص الناس به، يقال في اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به، وأهل المذهب من يدين به (1).
فمعنى أهل السنة؛ أي: أخص الناس بها وأكثرهم تمسكاً بها واتباعاً لها قولاً وعملاً واعتقاداً.
وهذا اللفظ أصبح مصطلحاً يطلق ويراد به أحد معنيين:
المعنى الأول: معنى عام يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدى الرافضة، فيقال: هذا رافضي، وهذا سني، وهذا هو اصطلاح العامة؛ "لأن الرافضة هم المشهورين عندهم بمخالفة السنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني فإنما؛ معناه: لست رافضياً" (2).وقد ورد عن بعض السلف ما يشير إلى هذا المعنى فقد قيل لسفيان الثوري: يا أبا عبدالله! وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (3)، فالسني عنده من قدمهما على غيرهما في الخلافة والفضل، ومن لم يقدمهما فليس بسني، ولم يؤخرهما عن مرتبتهما إلا الرافضة.
المعنى الثاني:
معنى أخص وأضيق من المعنى العام، ويراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والجهمية والمرجئة، والشيعة وغيرهم من أهل البدع. يبين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى لفظ "أهل السنة" فيقول: "فلفظ "أهل السنة" يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك – أي: "في لفظ أهل السنة – جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة" (4).ومن خالف شيئاً من ذلك عد من أصحاب البدع، ولم يكن سنياً، بذا حكم إمام أهل السنة دون منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، حيث قال في مقدمة كتاب (السنة): "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق" (5). ثم ذكر اعتقاد أهل السنة الذي ساق شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم طرفاً منه.
فأهل السنة إذن هم:
1) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم تلقوا عنه مباشرة، أمور الاعتقاد كما تلقوا أمور العبادة، فهم أعرف الخلق بسنة نبيهم واتبع لها ممن جاء بعدهم.
2) التابعون لهم بإحسان، المقتفون آثارهم في كل عصر ومصر، وعلى رأسهم أهل الحديث والأثر، الذين نقلوا إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وميزوا صحيحها من سقيمها، وعملوا بها واعتقدوا ما دلت عليه.
يقول الإمام ابن حزم في بيان من هم أهل السنة:"وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة رضي الله عنهم، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم" (6).--------------------------------------------
(1) ابن فارس، ((معجم مقاييس اللغة)) (1/ 150)، وابن منظور، ((لسان العرب)) (11/ 29).
(2) ابن تيمية، ((الفتاوى)) (3/ 356).
(3) اللالكائي، ((شرح أصول أهل السنة)) (1/ 152).
(4) ((منهاج السنة النبوية))، "بتحقيق محمد رشاد سالم، طبعة المدني – القاهرة"، (2/ 163).
(5) ((السنة)) (ص: 33 – 34))، ضمن مجموع مع كتاب الرد على الجهمية.
(6) ((الفصل في الملل والأهواء والنحل))، "ط. الثانية 1395. نشر: دار المعرفة – بيروت" (2/ 113).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 110)
المطلب الثالث: تنازع الطوائف هذا اللقب
لما كان أهل السنة، هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم على ما كانوا عليه من الهدى. ووجد كثير من الطوائف أن النجاة لا تكون إلا لمن كان على ما كانوا عليه لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث افتراق الأمة: (( … وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) (1).
لما كان الأمر كذلك ادعى كثير من الطوائف والفرق أنهم هم الفرقة الناجية وأنهم أهل الحق، وتسمى بعضهم باسم "أهل السنة".يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه – في معرض كلامه عن الفرق المشار إليها في الحديث-: "فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له، هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها هم أهل البدع،- قال-: وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن جعل شخصاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع، كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة الكلام في الدين وغير ذلك، كان من أهل البدع والضلالة والتفرق" (2).
فكل طائفة تدعي أنها الفرقة الناجية، وأن الحق معها.
فالشيعة الإمامية الرافضة:--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (2641) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، قال الحافظ العراقي في ((المغني)) (3/ 284): أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، ولأبي داود من حديث معاوية، وابن ماجه من حديث أنس وعوف ابن مالك، (وهي الجماعة) وأسانيدها جياد، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).
(2) ((الفتاوى)) (3/ 346 - 317).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 111)
تجعل نفسها الفرقة الناجية دون غيرها، وأنها هي المشار إليها في حديث الافتراق. فقد نقل ابن المطهر الحلي عن شيخه النصير الطوسي أنه سئل عن المذاهب فقال: "بحثنا عنها وعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقي في النار)). وقد عين عليه السلام الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر حديث متفق عليه، وهو قوله: ((مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرق)) (1). فوجدنا الفرقة الناجية هي: الفرقة الإمامية؛ لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد" (2).وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رداً متيناً مطولاً من ثمانية أوجه (3) فأفاد وأجاد رحمة الله عليه. وقد بين في "الوجه الخامس" أن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الافتراق عن الفرقة الناجية وهي ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (4). وفي رواية: ((هم الجماعة)) (5) ، يناقض قول الإمامية ويقضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة الجماعة؛ كأبي بكر وعمر، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء وعباد الجماعة.
وبين رحمه الله أن الإمامية أبعد الناس عن سير الصحابة، وأجهلهم بحديث رسول الله وأعداهم لأهله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين. ثم بين أن الوصف الوارد في الحديث لا ينطبق إلا على أهل السنة؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أهل الجماعة الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعاً. ثم بين في "الوجه السادس" (6) أن الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هي الفرقة الناجية وهي قوله: "لأنهم باينوا جميع المذاهب"، بين رحمه الله أن هذه الحجة كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها.--------------------------------------------
(1) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 373) (3312) والطبراني (3/ 45) (2637) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال ابن القيسراني في ((ذخيرة الحفاظ)) (2/ 962): (فيه) الحسن بن أبي جعفر متروك الحديث، وقال ابن كثير في ((التفسير)) (7/ 191): إسناده ضعيف، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/ 171): في إسناد البزار، الحسن بن أبي جعفر الجفري وفي إسناد الطبراني، عبد الله بن داهر وهما متروكان. وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (5247).
(2) ابن المطهر الحلي، ((منهاج الكرامة مطبوع مع كتاب منهاج السنة))، (1/ 95) ط. المدني.
(3) انظر: ((منهاج السنة)) (3/ 444 – 484)، "ط. جامعة الإمام بتحقيق د. محمد رشاد سالم".
(4) رواه الترمذي (2641) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، قال الحافظ العراقي في ((المغني)) (3/ 284): أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، ولأبي داود من حديث معاوية، وابن ماجه من حديث أنس وعوف ابن مالك، (وهي الجماعة) وأسانيدها جياد، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).
(5) رواه أبو داود (4597) ، وأحمد (4/ 102) (16979) ، والدارمي (2/ 314) ، والحاكم (1/ 218). والحديث سكت عنه أبي داود. وقال الحاكم: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده أبو الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (96) – كما أشار لهذا في المقدمة -. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): حسن. وانظر كلامه في ((السلسلة الصحيحة)) (204).
(6) ((منهاج السنة)) (3/ 460 - 461).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 112)
وبين أن كثيراً من الفرق قد باينت جميع الفرق الأخرى فيما اختصت به من أقوال فالخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب ومن تكفير علي رضي الله عنه … وغير ذلك مما انفردوا به من أقوال. وكذلك المعتزلة باينوا جميع الطوائف فيما اختصوا به من "المنزلة بين المنزلتين" وقولهم أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار، وهكذا جميع الفرق، فلا اختصاص للرافضة بذلك. ثم قال في "الوجه السابع": "إن مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أن – قولها – هو الصواب، واشتراك أولئك في قول لا يدل على أنه باطل" (1).وكيف يتخذ الاختلاف والإغراق في الابتعاد عن الآخرين أساساً لنجاة؟ ولو اتبعنا هذا الأساس لكان الإغراق في الإلحاد أساساً للنجاة، بل لكان التخريف أو تخيلات المجانين أكثر قرباً للنجاة؛ لأنها أكثر ابتعادا عن أراء الأخرين (2).وأما استدلاله بحديث "سفينة نوح" فهو يتوقف على صحة الحديث، والحديث ضعيف كما ذكر ذلك الذهبي، والألباني (3)، ولا عبرة بقول الطوسي: "أنه حديث صحيح متفق عليه" فليس هو من أهل هذا الشأن.
والمعروف أنه من قول الإمام بلفظ "السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخالف عنها هلك".قال شيخ الإسلام في إيضاح معناه: "وهذا حق فإن سفينة نوح إما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، وأتباع السنة هم أتباع الرسالة التي جاءت من عند الله فتابعها بمنزلة من ركب مع نوح في السفينة باطناً وظاهراً، والمتخلف عن أتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن أتباع نوح عليه السلام وركوب السفينة" (4).
والمعتزلة: يزعمون أنهم أهل الحق وأنهم الفرقة الناجية، يقول مقدمهم وكبيرهم عمرو بن عبيد للخليفة المنصور – وقد سأله أن يعينه بأصحابه -: "أظهر الحق يتبعك أهله" (5) يريد المعتزلة. فما على المنصور إذا أراد معونتهم إلا أن يرفع رايتهم ويظهر مذهبهم. ويستدلون على أنهم الفرقة الناجية برواية محرفة لحديث الافتراق فقالوا: روى سفيان الثوري عن ابن الزبير عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة))، ولعلهم شعروا بتفردهم بهذه الرواية فاتهموا سفيان بأنه قال لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم لأنكم اعتزلتم الظلمة، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه – قالوا -: فكان سفيان بعد ذلك يروي: واحدة ناجية" (6).--------------------------------------------
(1) ((منهاج السنة)) (3/ 466).
(2) د. عبدالحليم محمود، ((التفكير الفلسفي في الإسلام)) "ط. الثالثة 1387هـ، نشر: مكتبة الأنجلو المصرية"، (ص: 99).
(3) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 373) (3312) والطبراني (3/ 45) (2637) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال ابن القيسراني في ((ذخيرة الحفاظ)) (2/ 962): (فيه) الحسن بن أبي جعفر متروك الحديث، وقال ابن كثير في ((التفسير)) (7/ 191): إسناده ضعيف، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/ 171): في إسناد البزار، الحسن بن أبي جعفر الجفري وفي إسناد الطبراني، عبد الله بن داهر وهما متروكان. وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (5247).
(4) ((الفتاوى)) (4/ 137).
(5) الخطيب البغدادي: ((تاريخ بغداد)) (12/ 168).
(6) ابن المرتضى أحمد بن يحيى، ((المنية والأمل)) (ص: 2 - 3).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 113)
ولهؤلاء نقول: من مذهبكم عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد، فكيف سوغتم لأنفسكم الاحتجاج بهذا الحديث مع اتهامكم راوية سفيان بأنه تصرف في الحديث بوضع عبارة مكان أخرى؟ ولكن، لا غرابة فإن إحدى علامات أهل البدع: أنهم يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحاً كان أو ضعيفاً، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث وإن صح وأخرجه الشيخان! (1) ".
ويزعم المعتزلة أنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون غيرهم مع قولهم بعدم حجية حديث الآحاد. فقد جاء في كتاب (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) (2) قولهم:
" … ومعنى السنة إذا أضيفت إليه صلى الله عليه وسلم؛ هو ما أمر به ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، فما هذا حاله يعد سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يقع هذا الاسم على ما ثبت أنه قاله أو فعله، فأما ما ينقل من أخبار الآحاد فإن صح فيه شروط القبول، يقال فيه: أنه سنة على وجه التعارف؛ لأنا إذا لم نعلم ذلك القول أو ذلك الفعل فالقول بأنه سنة يقبح؛ لأنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك، وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعاً، وإنما يجوز أن يقال: روي عنه صلى الله عليه وسلم.
وأما الجماعة: فالمراد به ما أجمعت عليه الأمة، وثبت ذلك من إجماعها، فأما ما لم يثبت مما لم يجز التمسك به فهو بمنزلة أخبار الآحاد، وإذا صح ما ذكرناه فالمتمسك بالسنة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله دون هؤلاء المشنعين".
وهكذا سائر الطوائف والفرق، فما من طائفة إلا وتدعي أنها الناجية، وأن الحق معها، وتستكره النصوص على تأييد مذهبها، كما فعلت الشيعة والمعتزلة، كما أوضحنا ذلك.
الأشاعرة:
لا يفتأ أئمة الأشاعرة يذكرون في كتبهم أنهم أهل السنة وأهل الحق، وأنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية … وهذا أمر لا يخفى على من قرأ كتبهم، وأنا أذكر فقط نماذج من كلامهم في ذلك على مر العصور:
- كلام أبي بكر الباقلاني "ت 403هـ"، وهو من تلاميذ أبي الحسن الأشعري: قال مثلاً في صفة الكلام التي خالفوا فيها السلف من أهل الحديث والسنة: "اعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ولا مجعول ولا محدث بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك" (3).
ثم قال في موطن آخر: "فإن قالوا: أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة؟ قلنا: بلى، فإن قالوا: فليس يجوز أن يكون مسموعاً على الحقيقة؛ إلا ما كان صوتاً وحرفاً. فالجواب: أن هذا جهل عظيم، وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما كان جسماً وجوهراً وعرضاً، أفتقولون إن الله تعالى، جسم وجوهر وعرض، فإن قالوا: نعم فقد أقروا بصريح الكفر والتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يشبه شيئاً من المرئيات، قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحرف ولا صوت" (4).--------------------------------------------
(1) انظر: ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/ 628 - 629).
(2) لأبي القاسم البلخي، والقاضي عبدالجبار، والحاكم الجشمي (ص: 185 - 186)، "نشر: الدار التونسية للنشر".
(3) انظر: ((الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به)) (ص: 108)، "ط. الثانية 1382هـ. نشر: مؤسسة الخانجي".
(4) ((الإنصاف)) (ص: 136).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 114)
فانظر كيف جعل هذا القول الذي هو من خصائص المذهب الكلابي، هو قول أهل السنة والجماعة، مع أن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه، وسائر أئمة أهل الحديث المعروفين بالإمامة في السنة، قالوا بإثبات الحرف والصوت في كلام الله.
وهذا يدل على أن الباقلاني يطلق اسم "أهل السنة والجماعة" على طائفة الأشعرية الكلابية، وهكذا كرر هذا الإطلاق في صفحات "144، 161، 162، 168" من كتاب (الإنصاف).
- كلام البغدادي "ت 429":قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون، فهي: أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشري لهو الحديث، وفقهاء الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله … مع قبول ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1).وقال في بيان أنهم الفرقة الناجية: "ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة رضي الله عنهم غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية، دون الرافضة، والقدرية … " (2).ثم لما بين الأصول التي اجتمعوا عليها ذكرها على منهج الأشاعرة الكلابية وفيها الكثير من المخالفة لمنهج السلف (3).كقوله إن حديث الآحاد يوجب العلم دون العلم، وكقوله في نفي الحركة عن الله عز وجل، واقتصاره على إثبات سبع صفات لله عز وجل (4)، وكل ذلك على مذهب الأشاعرة والكلابية، أما أهل السنة من سلف الأمة فقولهم في كل ذلك على خلاف ما ذكر.
- كلام أبي المظفر الإسفرائيني "ت 471هـ":قال: "والفرقة الثالثة والسبعون هي الناجية، وهم: أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي وجملة فرق الفقهاء … " (5).ثم لما ذكر اعتقادهم ذكر ما عليه الأشاعرة من نفي الاستواء، والحروف والصوت عن كلام الله عز وجل، وتأويل صفة الرحمة وغيرها من الصفات الفعلية وغير ذلك مما هو مخالف لعقيدة السلف ومصادم للكثير من النصوص الصحيحة الصريحة (6).
- كلام الجويني "ت 478هـ":قال في مقدمة كتابه (لمع الأدلة): "هذا وقد استدعيتم أرشدكم الله عز وجل ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة … "، ثم ذكر عقيدة الأشاعرة، كقولهم في كلام الله أنه كلام نفسي ليس بحروف ولا صوت (7).--------------------------------------------
(1) انظر: ((الفرق بين الفرق))، "بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد، نشر: دار المعرفة – بيروت"، (ص: 26).
(2) انظر: ((الفرق بين الفرق))، "بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد، نشر: دار المعرفة – بيروت"، (ص: 318).
(3) انظر: ((الفرق بين الفرق))، "بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد، نشر: دار المعرفة – بيروت"، (ص: 325، 333، 334).
(4) انظر: ((الفرق بين الفرق))، "بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد، نشر: دار المعرفة – بيروت"، (ص: 325).
(5) انظر: ((التبصير في الدين))، "بتحقيق كمال يوسف الحوت، ط. الأولى نشر: عالم الكتب"، (ص: 25).
(6) انظر: ((التبصير في الدين))، "بتحقيق كمال يوسف الحوت، ط. الأولى نشر: عالم الكتب"، (ص: 158 - 167).
(7) ((لمع الأدلة))، "بتحقيق د. فوقية حسين محمود، ط. الأولى 1385هـ، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف"، (ص: 75، 92).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 115)
- كلام الغزالي "ت 505هـ".قال في كتابه (قواعد العقائد) بعد أن سرد مسائل الاعتقاد على منهج الأشاعرة – كقولهم بالنفي المفصل في صفات الله -، فقال: "وإنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر … وأنه ليس بجوهر ولا بعرض … فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار، فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال وحزب البدعة" (1).وقال في "الاقتصاد في الاعتقاد": "الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة" (2).
- كلام الرازي "ت 606هـ":قال في كتابه (معالم أصول الدين): "قال الأكثرون من أهل السنة: كلام الله واحد … " (3). وهذا قول الكلابية والأشاعرة وليس بقول أهل السنة والحديث.
- كلام أحمد بن موسى الخيالي "ت 862هـ":
قال في "حاشيته على العقائد النسفية": "الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة. هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام، وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور … " (4).
- كلام إبراهيم بن محمد البيجوري "ت 1277هـ":قال في (شرح جوهرة التوحيد) (5): " … وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع". وهذا قول الأشاعرة وليس هو قول السلف من أهل السنة.
- كلام الدكتور محمد سعيد رمضان "من الأشاعرة المعاصرين":
قال في معرض كلامه على مسألة كلام الله عز وجل: "ثم إن المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى، بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم، ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم: الكلام.- قال-: أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة، بل نقول به ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكنا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس … " (6).
وهذا القول من خصائص المذهب الكلابي الذي عليه الأشاعرة، ولم يوافقهم عليه أحد من أئمة الحديث وأهل السنة من سلف هذه الأمة. فجعل الدكتور البوطي أصحاب هذا المعتقد في كلام الله هم أهل السنة.
- كلام وهبي سليمان غاوجي الألباني "من الأشاعرة المعاصرين":
قال: "الفرق في شأن صفات الله تعالى ثلاث: أهل السنة والجماعة، وهم المثبتون لله تعالى على صفة الكمال ورد بها الدليل القطعي … " (7).
ثم ذكر أقسام الصفات على منهج الأشاعرة.
وهكذا نرى الأشاعرة يعلنون منذ نشأتهم وإلى اليوم أنهم هم أهل السنة، وأنهم الفرقة الناجية دون غيرهم.
ونراهم ينصون على سبب استحقاقهم هذا اللقب، وكونهم الفرقة الناجية. وهو: أتباعهم لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه من بعده. فيقول البغدادي: "ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة رضي الله عنهم غير أهل السنة والجماعة، من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية … " (8).وقال قبل ذلك عندما ذكر الفرقة الثالثة والسبعين وأنهم أهل السنة والجماعة وذكر مما يجمع هذه الفرقة: "والإقرار بتوحيد الصانع، … مع قبول ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (9).ويقول الإسفراييني: في سبب نجاة أهل السنة وهو متابعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم: "وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر تبعاً لسنته من هؤلاء، ولهذا سموا: أصحاب الحديث: وسموا بأهل السنة والجماعة … " (10).
إذن أتباع ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هو الضابط لاستحقاق لقب "أهل السنة" والفوز بالنجاة. وهذا ضابط مهم لمعرفة أهل السنة من غيرهم. فهل التزم الأشاعرة بذلك وحققوا الاتباع كما ادعوا؟ أم أنهم قدموا على السنة غيرها، وحكموا فيها العقل، وصرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكرات التأويلات؟
ذلك ما سيتضح لنا فيما بعد إن شاء الله.
وقبل ذلك علينا أن نعرف ما هو الطريق لمعرفة السنة، وبأي شيء تدرك؟--------------------------------------------
(1) ((قواعد العقائد)) (ص: 71) ، بتحقيق موسى محمد علي، ط. الثانية 1405، نشر: عالم الكتب – بيروت"، (ص: 71)، وانظر: (ص: 51).
(2) (ص: 3)، "ط. الأولى 1403هـ، نشر: دار الكتب العلمية – بيروت".
(3) ((معالم أصول الدين))، "بتقديم طه عبدالرؤوف سعد، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة"، (ص: 65).
(4) المرتضى الزبيدي: ((إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين)) (2/ 6)، "نشر: دار الفكر".
(5) ((تحفة المريد)) (ص: 30 - 31).
(6) ((كبرى اليقينيات الكونية)) (ص: 125)، "نشر: دار الفكر – بيروت، 1405هـ مصور عن طبعة 1982م".
(7) ((أركان الإيمان)) (ص: 25).
(8) ((الفرق بين الفرق)) (ص: 318).
(9) ((الفرق بين الفرق)) (ص: 26).
(10) ((التبصير في الدين)) (ص: 185).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 116)
المطلب الرابع: طريق معرفة السنة وإدراكها
إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة.
وبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة. يقول إمام أهل السنة من غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه "ت 241هـ": "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى" (1).ويقول الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي زمنين "324 – 399هـ": "اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول، وإنما هي في الاتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة" (2).ويقول الإمام أبو نصر السجزي "ت 444هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل" (3).وقال: " … فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ" (4).وقال أبو المظفر السمعاني "489هـ": " … فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك … " (5).أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: " … إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول، وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة" (6).
هذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها.
فما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.--------------------------------------------
(1) اللالكائي، ((شرح أصول أهل السنة)) (1/ 156 - 158)، وابن الجوزي ((مناقب الإمام أحمد)) (171 - 172).
(2) ((أصول السنة)) (1/ 20)، "بتحقيق محمد إبراهيم هارون"، على الآلة الكاتبة رسالة ماجستير.
(3) ((الرد على من أنكر الحرف والصوت))، (ص: 99)، "ط. الأولى، 1413هـ".
(4) ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 11).
(5) ((الانتصار لأهل الحديث، ضمن كتاب: صون المنطق للسيوطي)) (ص: 165).
(6) ((الوصية الكبرى))، "بتحقيق أبي عبدالله محمد بن حمد الحمود، ط. الأولى 1407هـ، نشر: مكتبة ابن الجوزي – الإحساء" (ص: 18).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 117)